1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 190 الى 195

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190)  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (۱۹٤)فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (۱۹٥)


الآيات الشريفة من جلائل الآيات و اعاظمها التي تدعو الناس إلى التفكر و التدبر و التذكر، و ترشد المؤمنين إلى أهم طريق من طرق السير و السلوك و تعلمهم التربية الحقيقية و هي تطبيق المشاعر الايمانية في سلوك عملي و إبرازها في عمل واقعي.
و سياق الآيات المباركة يدل على انها نزلت من العرش العظيم على قلب الرسول الكريم، و هي تحكي الارتباط التام بين العابد و المعبود و عنايته بالعابد، فإذا اعترف في مقام عبوديته بالقصور و التقصير و التسليم للمعبود تجلّى له بكل ما يطلبه و يبغيه.
و العناية الظاهرة في قوله جلت عظمته «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ» مما لا يمكن ان يظهر بلسان و ان جذبات المحبوب لحبيبه في هذه الآيات متوالية، و لو لم يكن لمقام العبودية إلا هذا المقام لكفاه فخرا و عزا.
و قد مدح عز و جل أولي الألباب الذين يذكرون اللّه تعالى و يتفكرون في خلقه و يسلّمون أمرهم اليه سبحانه و تعالى و يقرون له بالطاعة و العبودية فهم عباد ربانيون لا يفترون عن ذكر اللّه تعالى في جميع حالاتهم قياما و قعودا و على جنوبهم يرجون رحمته و ما وعدهم اللّه تعالى على لسان رسله.
و ذكر جل شأنه انه لا يضيع عملهم فهو محفوظ لديه و سيكفّر اللّه تعالى عنهم سيئاتهم و يدخلهم الجنات العظيمة و ذلك جزاء ما لاقوه في سبيله عز و جل من الأذى و ذلك الجزاء العظيم ينتظرهم يوم الحساب.

قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
دعوة إلى التفكر في خلق اللّه تعالى بعد بيان ان جميع خلقه ملك له عز و جل و هو على كل شي قدير، فان انضمام هذه الآية الشريفة الى الآيات السابقة يثبت الوحدانية الكبرى و الربوبية العظمى و لذا ترك العطف بينهما، فان في خلق السموات و الأرض الآيات الدالة على قدرته عز و جل و اعتنائه تعالى بخلقهما على ما فيهما من العجائب و البدائع التي ترشد اصناف العباد إلى المبدأ و المعاد و تجذبهم إلى الحي القيوم.
و الآية الشريفة باسلوبها الجذاب و مضمونها الخلاب تدعو الناس إلى النظر و التفكر في الآيات الكونية و تفتح لهم أبواب الفلسفة العلمية و العملية، فان آثار رحمته عز و جل فيها واضحة، و دلالات إحاطته تعالى و قيموميته العظمى الكاملة مشهودة.
و المراد بخلق السموات و الأرض الآيات الكونية المحسوسة التي ظهرت في جميع موجودات السموات و الأرض من الجواهر و الاعراض و العرضيات و الروحانيين و الاملاك و الكواكب و الأفلاك، و ما في الأرض من الآيات الكثيرة في الإنسان و الحيوان و النبات و ما في البر و البحر و الجو، فان فيها الآيات التي تبهر منها العقول و قد بذل الإنسان غاية الجهد في معرفتها و لم يبلغ معشار ما فيها، و في كل يوم يبرز علما جديدا و معرفة مستجدة و ما جهله اكثر مما علمه بمراتب.
و انما اتى عز و جل لفظ الأرض مفردا لان الأرض التي يعيش عليها الإنسان و يستفيد منها انما هي واحدة كما دلت عليه الادلة العقلية و اما النقلية فسيأتي البحث فيها.
قوله تعالى: وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ.
آية من الآيات الكونية التي يحسها كل أحد و معنى اختلافهما تعاقبهما و مجي‏ء كل واحد منهما عقيب الآخر على حد قوله تعالى: «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ»* فاطر- 13 و اختلاف الليل و النهار يأتي وفق نظام دقيق له آثار كبيرة و خواص عجيبة محسوسة ظاهرة في النباتات و الحيوانات و في الإنسان. و الأعجب من الجميع ان هذا النظام المتسق الموزون في العالم الكياني و ترتيب الفصول يبتني على ذلك الاختلاف، فان ذلك يدل على عظمة الصنع الدالة على عظمة الصانع و علمه و حكمته التامة.
و هذه الآيات الكونية ذات وقع على الحس الانساني لا يمكن لأحد التنصل منها و انما يستفيد كل فرد من افراد الإنسان بمقدار فهمه وجودة فكره.
قوله تعالى: لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.
الآيات العلامات و الدلالات التي تدل على عظمة الخالق و وحدته عز و جل و كمال علمه و قدرته و حكمته التامة المتعالية.
و الآيات جمع قلة لكنه يقوم مقام جمع الكثرة و لعل مجيئه لأجل ان الآيات المحسوسة قليلة في جنب ما خفي منها.
و الألباب جمع اللب و هو خالص كل شي‏ء يقال لب يلبّ مثل عضّ يعض و هذه لغة اهل الحجاز و اهل نجد يقولون لبّ يلب على وزن فرّ يفر و في الحديث: «ان اللّه منع بني مدلج لصلتهم الرحم و طعنهم في الباب الإبل» اي خالص ابلهم و كرائمها. و لب العقل ما خلص عن شوائب الأوهام مطلقا.
و قد ورد لفظ اولي الألباب في القرآن الكريم في ما يقرب من ستة عشر موضعا كلها مقرونة بالمدح و الثناء و التعظيم، فقد عرفهم عز و جل بأنهم اصل الهداية و الايمان باللّه تعالى، و التقوى و الطاعة، و الخضوع، و الانابة اليه عز و جل، و هم الذين يتبعون احسن القول و هم اهل الذكر و التذكير و التفكر.
و قد وصفهم تعالى في الآيات التالية بالصفة التي تميزهم و لا يبقى مجال إلى تفسير آخر فهم الذين يذكرون اللّه تعالى في جميع الحالات لا يفترون عن ذكره و هم عباد ربانيون مرتبطون مع عالم الغيب بكل معنى الارتباط علما و عملا و قولا و فكرا و قلوبهم متعلقة به يرجون رحمته و يخافون عذابه.
و انما خص اولى الألباب لأنهم لا يقصرون نظرهم على الماديات و المظاهر الخارجية فقط و لا يوصدون قلوبهم عن الغوص في أعماق الموجودات بل يتفكرون و يتدبرون و يستفيدون منها، فهم يلتفتون بقلوبهم و عقولهم إلى ما في ذلك من الوجوه و الحكم الدالة على الوحدانية و الحكمة و العلم و القدرة.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ.
وصف بليغ لأولى الألباب، و شرح لأحوالهم شرحا وافيا فقد وصفهم تعالى بأوصاف متعددة و هي:
الاول: انهم اهل الذكر في جميع الحالات لا يفترون عن ذكر اللّه تعالى و لا يغفلون عنه في حال. و المراد من «عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» اي مضطجعين و نظيره قوله تعالى: «دَعانا لِجَنْبِهِ» يونس- 12 أي دعانا مضطجعا على جنبه.
و هذا الذكر أعم من الذكر اللفظي و الذكر العملي و هو الصلاة، و قد ورد في بعض الروايات ما يدل على التعميم، فهم يذكرون اللّه جلت عظمته مع حضور القلب، فان الذكر ما كان عن خضوع و خشوع و إنابة و الا لا يسمى ذكرا.
و انما خص تعالى هذه الحالات الثلاثة القيام، و القعود، و على جنوبهم لان الإنسان لا يخلو عن احداها، فيكون المراد ان معظم حركاتهم و سكناتهم في ذكر اللّه تعالى و بذكر اللّه عز و جل و هذا يسير على اولي الألباب لأنهم لا يرون للدنيا قيمة أصلا حتى يجعلوا شيئا للدنيا، فهم في حال كونهم في الدنيا جعلوا الآخرة نصب أعينهم، و هذه هي الفلسفة العملية التي اتعب الفلاسفة و علماء الأخلاق و السير و السلوك أنفسهم فيها و جعلوا لها قواعد و اصولا و افردوا لها كتبا مستقلة و اللّه تبارك و تعالى جمعها في جملة واحدة.
قوله تعالى: وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
وصف ثان لأولي الألباب. اي: انهم ينظرون في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار فيذكرون اللّه تعالى بل يذكرونه في جميع أحوالهم لا يفترون عن ذكره و قد ملأ الايمان قلوبهم و تفكروا في خلق السموات و الأرض مهتدين إلى وحدانيته و حكمته التامة و قدرته‏ الكاملة و علمه الأتم فاهتدوا إلى ان اللّه تعالى لم يخلقها باطلا و عبثا.
و الآية المباركة تدل على ان الفكر إذا لم يستند على اللب فلم يهتد بنور الايمان و كان عرضة للضلال، فكم ضلت عقول الذين يتفكرون في خلق السموات و الأرض و يغوصون في عجائبها و اسرارها و لكنهم كانوا غافلين عن الخالق العليم المدبر القادر قال تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» ص- 27 و لكن أولوا الألباب تفكروا في خلقها و اهتدوا إلى ان اللّه تعالى لم يخلقها باطلا و انها من صنع الإله القادر الحكيم فاكملوا نورانية فكرهم بذلك و اعترفوا بأن الخلق بالحق و في الحق.
و الفكر من أهم خصائص الإنسان و به ينتظم شؤونه و يقوم نظام الدنيا و الآخرة، و قد حثت الكتب الإلهية الناس الى التفكر و التدبر، و وردت مادة (فكر) في القرآن الكريم في اكثر من ستة عشر موضعا جميعها تدل على عظمة هذه النعمة الربانية و الموهبة الإلهية، و هي من الحقائق المعدودة التي يجهلها الإنسان لحد الآن و ان عرف مفهومها فهو من الأمور التي: مفهومها من اعرف الأشياء و كنهها في غاية الخفاء.
و المعروف بين الفلاسفة انه توجه النفس بمبادئ معلومة ليستنتج منها نتائج مطلوبة تترتب عليها قهرا، و هل هذا الترتب من قبيل الأسباب التوليدية أو انه من مجرد الاقتضاء كما في جميع المقتضيات، أو انه عملية كيمياوية كما يدعيها الماديون، أو انه من مجرد الاتفاق من دون دخل للأسباب في البين، أو انه من الإفاضات الغيبية حفظا للنظام و تسهيلا على الأنام قال بكل جمع من الفلاسفة و ان كان الحق هو الأخير فتكون النتائج الفكرية كالمصابيح الكهربائية التي لا تضي‏ء إلا مع الاتصال باسلاك تربط بالمحل المولد لتلك القوة، و في الفكر لا بد من الاتصال بالمبدأ الفياض.
و لكن لا يمكن لاحد انكار ان بعض الأقسام منها تكويني بديهي الإنتاج و هذا لا ينافي ما ذكرناه، ففي مثل المقام التفكر في خلق السموات و الأرض يورث التذكر و الإذعان بأنها حادثة و كل حادث يحتاج إلى مؤثر و المؤثر هو اللّه تعالى و لان فيها بدائع من النظم العجيب و الإبداع الفريد و الأسرار و الدقائق و الرموز و الحكمة التي لا يمكن ان تصدر إلا عن عليم حكيم، فلا بد ان يكون الخالق عليما حكيما متصفا بصفات الجمال و الجلال، و هذا النحو من الاستدلال يسمى عندهم بالبرهان الإني اي العلم من المعلول بالعلة و يقابله البرهان اللمي اي العلم من العلة بالمعلول و القرآن الكريم مشحون بالقسمين و يأتي في قوله تعالى: «أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ابراهيم- 10 بعض الكلام ان شاء اللّه تعالى.
و في كلمات المعصومين الشي‏ء الكثير من ذلك قال علي بن الحسين (عليهما السلام): «بك عرفتك و أنت دللتني عليك و دعوتني إليك و لو لا أنت لم أدر ما أنت» و قال (عليه السلام) ايضا: «و ان الراحل إليك قريب المسافة و انك لا تحتجب عن خلقك إلا ان تحجبهم الأعمال دونك» و سئل عن بعض الأولياء فقيل له: ما قدر المسافة بين العبد و معرفة اللّه تعالى؟ قال: «قدمان. قدم يضعها على الممكنات و قدم يضعها في مقام العرفان» و سئل آخر عنها؟ فقال: قدم واحدة يضعها على نية نفسه يتجلّى له ربه فان من عرف نفسه فقد عرف ربه» و البحث في ذلك طويل عقلا و نقلا و عرفانا و شهودا.
و يستفاد من الآية المباركة الترغيب إلى التفكر و التدبر و في الحديث‏ عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة» كما ان المستفاد من الادلة الدالة على حسن التفكر و الحث عليه ان التفكر الحسن المرغوب اليه لا بد ان لا يكون منهيا عنه شرعا ففي الحديث: «تفكروا في آلاء اللّه تعالى و لا تتفكروا في اللّه تعالى» و في حديث آخر «تفكروا في الخلق و لا تتفكروا في الخالق» فان التفكر في المبدأ تعالى لا بد ان يكون من جهة خلقه و صفاته الفعلية و اما التفكر في ذاته المقدسة و صفاته التي هي عين ذاته فلا يفيد إلا تحيرا بل ربما ضلالا و قد ورد في تفسير قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏» النجم- ٤۱ انه «إذا انتهى الكلام الى اللّه تعالى فأمسكوا» و اما النظر و التفكر في ما هو منهي عنه شرعا فلا يكون منتجا بل ان تسميته بالفكر مجاز لأنه في الحقيقة و هم باطل أو النكراء أو الشيطنة أو من ايحاء الشيطان قال تعالى: «وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ» الانعام- 121 فلا بد للمتفكر ان يتأمل في مقدمات فكره بان لا تبتني على الأوهام و الخيالات، و الا فيحرم من الفيض الأقدس الالهي، و يكون من الذين كان للشيطان عليه سبيلا و كل ما كان الفكر بريئا من الخيال و الأوهام و خاليا من الوسوسة كان إلى الواقع اقرب و الا فانه يؤدي إلى اختلال القوة الفكرية و انطفاء هذا النور الالهي الذي أودعه اللّه تعالى في الإنسان، فلا بد من أن يلتمس سببا صحيحا اليه و هذا من شؤون الأنبياء و المرسلين و من يقوم مقامهم فإنهم يستنيرون بنور اللّه تعالى كما في الحديث «اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه».
ثم ان الخلق في قوله تعالى: «فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» إما بمعنى المخلوق فتكون الاضافة إما بمعنى (في) اي يتفكرون في ما خلق في السموات و الأرض أو تكون الاضافة بيانية اي: يتفكرون في‏ المخلوق الذي هو في السموات و الأرض. أو يكون بالمعنى المصدري اي: يتفكرون في انشائهما و إبداعهما.
و انما لم يذكر سبحانه و تعالى اختلاف الليل و النهار في المقام إما لأجل اندراج اختلاف الليل و النهار في خلق السموات و الأرض فانه من شؤونهما أو لبيان ان اولي الألباب بسبب فكرهم الثاقب بمثابة بحيث إذا تفكروا في بعض الآيات تنسبق الى ذهنهم الآيات الاخرى فتترتب عليها النتيجة لا محالة.
قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا.
اي: انهم يتفكرون في خلق السموات و الأرض فيبهرون من عظمة الخلق و يعترفون بالعجز و التقصير أمام الخالق العظيم فينطلق لسانهم بالثناء و الدعاء فيقولون: ربنا ما خلقت هذا المخلوق باطلا لأنك العليم الحكيم.
و انما اهتدوا الى هذه الحقيقة الكبرى لأنهم رأوا آثار عظمة الخالق و حكمته فأذعنوا بأن خلقه تعالى بالحق و في الحق و لا يمكن ان يكون هذا الصنع العجيب باطلا و بلا غاية، و هي الرجوع الى اللّه تعالى و ترتب الجزاء إما درجات الجنان التي وعد بها رسوله للصلحاء أو دركات النيران التي هي جزاء الظالمين لأنهم لما اعترفوا بأن خلق الدنيا و ما فيها لم يكن عبثا و باطلا فلا بد ان يكون الرجوع الى اللّه تعالى و الحشر اليه عز و جل و الحساب على ما تحقق في الحياة الدنيا من الأعمال فهناك الثواب و العقاب قال تعالى: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» المؤمنون- ۱۱٥ و الا كان من العبث الذي يتنزه الخالق منه و الباطل الذي ينفى عن كل عاقل فضلا عن الحكيم المطلق فانطلق لسانهم بالتنزيه و قد ملئت قلوبهم بالدهشة منه و تعاقب عليها الخوف و الرجاء.
قوله تعالى: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.
اي: انهم لما بهرتهم عظمة الخالق قالوا «سبحانك» يعنى تنزيها لك من كل ما لا يليق بك و تقديسا لك من الباطل و العبث و هم يستغيثون به من عذاب النار و يتوسلون اليه بالنجاة منه لأنهم علموا بأن الظالمين سيحشرون اليه فيجازيهم على أعمالهم فطلبوا منه التوفيق الى الأعمال التي تقيهم من عذاب النار.
قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.
توسل منهم الى اللّه تعالى الذي رباهم ان يجيرهم من النار و مبالغة منهم في استدعاء الوقاية عنها اعترافا منهم بقبح ما يوجب دخول النار و ان ذلك هو الخزي المبين.
و انما قالوا ذلك مبالغة في التضرع الى الرب الذي عودهم على الإحسان و عرفوه بالانعام و الإكرام على خلقه بعد التفكر في مخلوقاته فان آثار الكرم و النعمة عليها ظاهرة.
و أخزيته من الخزي و هو الافتضاح و الإذلال يقال: اخزاه اللّه اي اذله و مقته و الاسم الخزي و يستفاد من الآية المباركة ان الدخول في النار هو أشد انواع الخزي مع قطع النظر عن إحراقه بالنار، لان دخول النار فيه البعد عن لقاء اللّه تعالى و احبائه و الابتلاء بعذاب الفراق و هو أشد و أقوى من العذاب الجسماني.
قوله تعالى: وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
بيان للسبب الموجب لدخولهم في النار. اي: ان الذين يخزون‏ يدخلون في النار لأنهم ظلموا أنفسهم و الظالم ليس له ناصر ينصره من النار لأنه حرم نفسه من الفيض الالهي و قطعها عن رحمته بالكفر و العصيان، و ان النصر في يوم الجزاء لا بد أن يكون منه تعالى و هو لا يشمل غير المؤمن به عز و جل. و هذا اعتراف منهم بأن الظلم على النفس من أشد أنحاء الظلم و اقرار منهم بأن النصر لا بد ان يكون من اللّه تعالى، و الظالم قد حرم نفسه منه بسبب ظلمه.
و الظلم هنا أعم من الكفر و المعاصي التي توجب الدخول في النار.
قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ.
بعد ما استجاروا باللّه تعالى من النار، و طلبوا منه الوقاية عن عذابها لما رأوا آثار عظمة الخالق في خلقه فاعترفوا بالتقصير.
و في هذه الآية الشريفة يطلبون منه العون و التوفيق لما يؤهلهم في الدخول في الجنة بعد إقرارهم بالاستجابة لمنادي الايمان ذلك النداء الغيبي الذي يدعو الى الايمان باللّه تعالى، و المنادي هو الفطرة و العقل و مظهرهما الأنبياء و الرسل و من يقوم مقامهم و سائر آيات اللّه الداعية اليه عز و جل.
و هذا النداء ليس تشريعيا محضا بل له دخل في نظام التكوين و هو تربية الإنسان تربية حقيقية كاملة التي لم يخلق العالم الا لأجلها، فأولو الألباب هم الذين يقرون بغاية الخليقة و تربيب الخالق الكريم لها.
قوله تعالى: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.
بيان للنداء اي: ان المنادي نادى بالإيمان بالرب فسمعنا و أسرعنا إلى الايمان و اطعنا و قولهم «آمنا» إقرار منهم بالإيمان و العبودية للحي القيوم الذي لاحد لعظمته و عنايته.
و إنما أكدوا ايمانهم بإيراد لفظ الايمان و مشتقاته ثلاث مرات ليؤهلهم الى الفيض الربوبي، و لبيان ان الايمان شغلهم الشاغل و انهم احبوه و قد ملأ مشاعرهم.
و ذكرهم للرب حثا منهم له عز و جل بالعطف عليهم لأنهم عبيد مربوبون له عز و جل.
و انما اسرعوا الى الايمان بمجرد ان سمعوا المنادي ينادي للايمان باللّه تعالى لأنهم رأوا آثار عظمته في الخلق بعد النظر و التفكر.
قوله تعالى: رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا.
زيادة في التضرع و توجه منهم الى اللّه تعالى بالدعاء لطلب المغفرة و التكفير للسيئات لأنهم آمنوا باللّه تعالى و رسله الذين يخبرون عن اللّه عز و جل بما يوجب سعادتهم و يحذرونهم عن ما يوجب سخطه و عقابه و شقائهم فاعترفوا بالقصور و التقصير و الرهبة مما يصدر منهم من الذنوب داعين- عند من لا يعقل حد لعظمته و رحمته- المغفرة للذنوب و التكفير للسيئات.
و الغفران للذنوب يحصل بالتوبة و الاستغفار عنهما بخلاف التكفير للسيئات فانه ربما يحصل بإتيان الحسنات قال تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» هود- ۱۱٤ أو باجتناب الكبائر قال تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» النساء- 31 فيكون التكفير للسيئات أعم من الاستغفار لها.
و المعنى وفقنا للتوبة عن الذنوب و السيئات إما بالاستغفار أو بفعل ما يوجب التكفير عن السيئات.
قوله تعالى: وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ.
اي: اجعلنا عند أخذك لنا من هذه الدنيا و انتقالنا من هذا العالم في زمرة الأبرار و في صحبتهم. و الأبرار جمع بار و قيل جمع بر و قد تقدم معناه في الآيات السابقة و للأبرار شأن خاص و منزلة رفيعة عند اللّه تعالى.
قوله تعالى: رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ.
زيادة ترغيب في التقرب الى اللّه تعالى بعد ما أبدوه من الرهبة من المعاصي و الذنوب التي تستوجب النار و دعاء بالثبات و الاستقامة على الايمان فان الثواب مشروط بالموافاة على الايمان.
و المعنى: ربنا و اعطنا ما وعدتنا و ما أنزلته من التبشيرات على رسلك، و في الحقيقة انهم سألوا اللّه تعالى التوفيق للايمان و التقوى و العمل الصالح ليكونوا أهلا لوفاء الوعد لهم و هو الجزاء الحسن الذي أوحاه عز و جل الى رسله.
و من ذلك يعلم الجواب عن ما ذكره بعضهم من انه كيف يسألون اللّه تعالى شيئا قد وعد به و هم يعلمون انه لا يخلف الميعاد.
و هذا الدعاء منهم يدل على نهاية الخضوع و عدم الاعتماد على النفس و الاعتراف بالتقصير و عدم الثقة بالثبات الا بتوفيق منه عز و جل.
و عموم الآية المباركة يشمل الدعاء لتنجيز كل ما وعده عز و جل للمؤمنين سواء في الدنيا أو في الآخرة قال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» التوبة- 72 و قال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ‏ فِي الْأَرْضِ» النور- ٥٥ و قال تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» محمد- 7 و غير ذلك من الآيات الشريفة التي تضمنت الوعد و البشرى للمؤمنين.
و انما ذكر عز و جل «عَلى‏ رُسُلِكَ» لبيان ان ذلك وحي منزل من اللّه تعالى على الرسل و قد تناقله أنبياؤه الكرام (عليهم السلام) خلفا عن سلف و هم شاهدون على ذلك مع ضمانهم لذلك عليه عز و جل.
قوله تعالى: وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ.
مبالغة في الدعاء و الإلحاح فيه بما استولى عليهم الرهبة.
و المراد بالخزي في المقام هو عدم وفاء الوعد الموعود به المؤمنون بقرينة ذيل الآية المباركة فيستلزم الهلاك و الوقوع في البلية.
و انما خصوا ذلك بيوم القيامة لما فيه من الأهوال العظيمة فطلبوا النجاة منها و عدم الخزي على رؤوس الخلائق فما أشد على من يخال نفسه من المؤمنين في الدنيا و هو في القيامة من المفضوحين يستحيي مما ورد عليه من الذل و الهوان فهذه الفقرة من الدعاء تأكيد للدعاء المتقدم و طلب للنجاة من الخزي و الفضيحة يوم القيامة الذي تظهر نتائج الأعمال فيه.
قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
ثناء جميل و تمجيد للّه تعالى و تقديس منهم له بما هو حقه، و قد ختموا به دعاءهم ليكونوا على اطمينان بالاجابة فان الدعاء الذي يتضمن التقديس و التمجيد للّه تعالى أقرب الى الاستجابة.
قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.
الفاء للترتيب و ما بعده مترتب على السابق ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة و تدل عليه هيئة الماضي الدالة على تحقق الاستجابة و تقررها و ذيل الآية المباركة «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ» تقرير لقولهم «إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ».
و الاستجابة هي الجواب مع حصول المقصود و المراد، بخلاف الاجابة فإنها تطلق على مجرد الجواب بالرد ايضا. و هذه الاستجابة تكوينية ذكرها عز و جل لإبراز العناية بالداعين و التلطف معهم. بل ان أولى الألباب بذواتهم القدسية مراتب استجابة اللّه تعالى بجميع أطوارهم و شؤونهم في أي عالم ورد عليهم.
و في ذكر الرب مضافا إليهم دلالة على كمال العطف بهم و اختصاصهم بالرحمة الإلهية.
قوله تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ.
زيادة تلطف في الكلام، و كمال تحبب معهم، و الاعتناء بشأنهم و تشريف الداعين بشرف الخطاب و لذلك جاء الالتفات في الكلام بقوله تعالى (اني) للتكلم و الخطاب بقوله جل شأنه (منكم).
و الضياع: بمعنى الهلاك و الابطال اي: اني احفظ لكم أعمالكم و استجب لكم بشرط العمل الصالح.
و الآية المباركة تدل على ان الاستجابة لم تكن الا لأجل العمل فهو المدار فيها، فلم تكن تلك المشاعر الايمانية الصادقة التي لازمت الدعاء كافية في الاستجابة حتى تتحول الى العمل فكانت الاستجابة بالنسبة الى العاملين هي توفية جزاء أعمالهم فتكون هذه الآية الشريفة بيانا للاستجابة و كيفيتها.
قوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏.
بيان لجنس العامل اي: انه لا يفرق عنده تعالى حينئذ بين الذكر و الأنثى فالجميع بالنسبة الى سبب الاستجابة على حد سواء و ان المناط هو العمل مع الإخلاص سواء كان العامل ذكرا أم أنثى.
قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
بيان لسبب التساوي بين العاملين الذكور و الإناث. و في الآية الشريفة كمال العناية و التحبب و اللطف بهم، اي: انكم في الثواب و التقرب و سائر الصفات و الخصوصيات سواء عندي بعد ان كنتم جميعا من أولي الألباب.
قوله تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ.
بيان للأعمال التي يثبت فيها الجزاء الموعود، و تفصيل لما أجمله آنفا بذكر أهم أفراد العمل و أفضلها و لبيان ان المثوبة التي أكد اللّه تعالى عليها في مواضع متعددة من القرآن الكريم لا يمكن ان ينالها احد الا مع العمل، فلا يطمعن احد فيها بدونه.
و لما كانت السورة مشتملة على الجهاد في سبيل اللّه تعالى و المعركة في تثبيت كلمة التوحيد، و إعلاء شأن دين اللّه تعالى كانت الامثلة المضروبة للأعمال الصالحة لها ارتباط بهذا المضمار مع المدح و الثناء و التعظيم. فمنها الهجرة في سبيل اللّه تعالى و إيثار الدين الحق سواء كانت الهجرة عن الشرك أو الوطن أو الذنوب فتكون الهجرة أعم من الإخراج من الديار.
و منها إخراج المؤمنين من ديارهم و أوطانهم ظلما و عدوانا لأنهم آمنوا باللّه تعالى و اعرضوا عن الباطل.
و انما ذكر الهجرة لأنها أشق شي‏ء على النفس فإنها مجبولة على حب الوطن الذي نشأت فيه، و يمكن ان يكون الإخراج من الديار تغييرا للهجرة و تفصيلا بعد إجمال و لكنه بعيد عن ظاهر الآية المباركة و يحتمل ان يكون لبيان ان ترك الديار انما كان عن ظلم و عدوان و أما الهجرة عن الأوطان فلأجل انهم لم يتمكنوا من اقامة الدين.
و الآية الشريفة تبين اهمية الهجرة الى اللّه تعالى و هو يشمل الهجرة اليه عز و جل كما مر سواء كانت مكانية أو زمانية او عملية فالمهاجر عن المعاصي مهاجر اليه جلت عظمته و كذا ورد في بعض الأحاديث «ان المؤمن مهاجر» لأنه يهجر عن المعاصي.
قوله تعالى: وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي.
اي و تحملوا الأذى في سبيل اللّه تعالى و هو يشمل كل ما يصيب المؤمن من المشركين و غيرهم قولا و فعلا.
قوله تعالى: وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا.
اي: و قاتلوا الكفار و المشركين و اعداء اللّه تعالى فقتلوا و استشهدوا في سبيل اللّه تعالى فان من جمع فيه هذه الصفات له المثوبة العظيمة المؤكدة.
قوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ.
اي: من اتصف بتلك الأوصاف لأسترن عليهم سيئاتهم و أمحوها و هي صغائر المعاصي لأنهم تركوا الكبائر و هجروها بالترك أو التوبة.
و يحتمل ان يكون ذلك جوابا عن ما طلبوه من اللّه تعالى: «وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ».
قوله تعالى: وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
أي: و أتفضل عليهم بأن أدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار قد جمعت فيها موجبات البهجة و السرور و هذا هو الذي طلبه الداعون في قولهم «و آتنا ما وعدتنا على رسلك».
قوله تعالى: ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
اي: ان جميع ذلك كانت نتائج أعمالهم و هي محفوظة عند اللّه تعالى.
و إنما قال ذلك عز و جل لأنه أكمل في اللذة و للتنبيه بأنه من عظيم لا نهاية لعظمته.
و انما ذكر اسم الجلالة تنويها بشرفه و كرامته، و ثوابا مصدر مؤكد لما قبله.
و هذه الآية المباركة مبينة لقوله تعالى: «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ» فان الأعمال محفوظة لديه عز و جل و يثيب عليها اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ.
تأكيد لما سبق، و لبيان أن الثواب من رحمة اللّه الواسعة و من فضله العظيم، و للاعلام بأن الثواب قد تشرف بحضرته، و انه محفوظ عنده لا يصيبه الهلاك و الفناء.
و قد ذكر عز و جل في هذه الآية المباركة أمورا ثلاثة: الاول محو السيئات و غفران الذنوب و هو الذي طلبوه في قولهم «رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا» و انما لم يذكر عز و جل غفران الذنوب و قال «لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» فقط لأنها غفرت بالهجرة و التوبة.
الثاني: الثواب العظيم و هو الدخول في الجنات التي تجري من تحتها الأنهار و هو الذي طلبوه في قولهم «وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ».
الثالث: ان ذلك ثواب من عند اللّه تعالى لأنه لا يضيع عمل عامل منكم، فالاعمال محفوظة لديه و يكون الثواب نتائج أعمالهم و هذا الثواب مقرون بالتعظيم و التجليل و يكفي في شرفها انه من عند اللّه تعالى.

انما حذف العطف بين قوله تعالى: «لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ»، و قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» لان الأخير يبين كمال قدرته و علمه و حكمته في ملكه فهو مؤكد للأول.
و الآيات في قوله تعالى: «لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» اسم ان و قد دخله اللام لتأخره عن الخبر، و للتأكيد و التنوين فيه للتفخيم اي:
آيات عظيمة.
و قوله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ» في موضع جر نعت لأولي الألباب و يجوز ان يكون في موضع رفع او نصب على المدح.
و قوله تعالى: «قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» منصوب على الحال في يذكرون أو في موضع الحال.
و قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» انما وضع‏ الظاهر (النار) موضع المضمر للتهويل.
و الخزي: هو الخسران و قيل انه بمعنى الهلاك او الاهانة او الافتضاح و منه قوله تعالى: «وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي» هود- 78 او الابعاد و لكن جميع ذلك متقاربة.
و النداء: في قوله تعالى «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ» لما كان مخصوصا بما يؤدى له و منتهيا اليه تعدى باللام تارة كما في المقام و اخرى ب (الى) فلا حاجة الى صرف اللام عن ظاهرها و جعلها بمعنى الى او غيرها و قال بعضهم ان جملة ينادي مفعول ثان ل (سمع) و قال آخرون ان سمع تعدت الى واحد و ينادي صفة له و انما حذف المفعول الصريح في «ينادي» إيذانا بالتعميم.
و قوله تعالى: «أَنْ آمِنُوا» إما تفسير لينادي إذا جعل ان مصدرية أو بأن آمنوا فيكون متعلقا ب (ينادي) و قال بعضهم انه بدل من الايمان و لكنه ليس بشي‏ء.

تدل الآيات الشريفة على أمور:
الاول‏:
يدل قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي طالما أكد عليها القرآن الكريم في مواضع متعددة بل انها مراده، و هي الاستدلال بآيات اللّه تعالى في مخلوقاته العلوية و السفلية على عبادة اللّه الواحد الأحد و نبذ الشرك و الأنداد و عبادة الآيات الكونية و الخوارق‏ و هذه هي دعوة الأنبياء و الرسل.
و الآية الشريفة تضمنت المبدأ و المعاد فان قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» يدعو الى المبدأ المتصف بجميع صفات الكمال من العلم و القدرة و الحياة و الحكمة و الربوبية، و اما قوله تعالى «وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» فانه يدل على المعاد لما في هذه الآية من الدلالة على القدرة الإلهية و ان اختلاف الليل و النهار لا يخلو من المشابهة للموت و الحياة فالليل فيه الإشارة الى الخمود و السكون و النهار اشارة الى الحركة و الظهور و النشور، و الموت خمود و سكون و الحياة ظهور و حركة. كما ان اختلاف الليل و النهار سنة الهية طبيعية و الموت و الحياة سنة إلهية كذلك.
و من ذلك يعرف السر في تقديم الليل على النهار فان الموت اسبق على الحياة فإنها الإيجاد من العدم.
الثاني‏:
يستفاد من ذكر اختلاف الليل و النهار بعد خلق السموات و الأرض ان اختلاف الليل و النهار من شؤون خلق السموات و الأرض و تابع له.
الثالث‏:
يستفاد من قوله تعالى: «لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» المنزلة العظيمة لأولي الألباب فهم الذين ينظرون في الآيات و يتعمقون فيها و يدركون تلك الآيات الكونية و يستفيدون منها و يعتبرون بها و اما سائر الناس فلا حظ لهم منها إلا المناظر البديعة و ما فيها من الحسن و الروعة و البهجة دون التعمق و الاعتبار.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» ان ذكر اللّه تعالى له الأثر الكبير في استفادة ذوي الألباب من آيات اللّه تعالى و له المنزلة العظيمة في الاهتداء به الى‏ الحقيقة فقد ملأ الذكر جميع مشاعرهم و تمام حالاتهم فلا يغفلون عن اللّه تعالى لأنهم شاهدوا آثار عظمته في خلقه و أيقنوا أن ما سواه من فيض رحمته فاستغرقت سرائرهم في مراقبته فلا يشاهدون حالا من الأحوال في الآفاق و في الأنفس الا و هم يعاينون شأنا من شؤونه و مظهرا من مظاهره تعالى.
و اطلاق الذكر يشمل جميع انحائه من حيث الذات أو الصفات أو الأفعال فكانوا في طاعة اللّه تعالى دائما مما أوجب استعداد أنفسهم لقبول الفيض الالهي.
الخامس‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ان التفكر الصحيح انما يكون بعد تهذيب الروح و تطهير النفس من الرذائل و ذكر اللّه تعالى إنما يقوم بتلك الوظيفة؛ و لذا قدمه عز و جل على التفكر في خلق السموات و الأرض و هو يعد النفس لهذه الموهبة، و يستفاد من الآية المباركة اختصاص التفكير في السموات و الأرض دون الذات المقدسة لعدم الوصول الى كنه ذاته و قد ورد النهي عن التفكر في الذات، يضاف الى ذلك ان ذكر اللّه تعالى يغني عن التفكر في الذات، و هذه الآية المباركة ترشد الناس إلى التفكر في أفعاله تبارك و تعالى.
السادس:‏
يمكن ان يراد بالقيام في قوله تعالى: «قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» مطلق القيام بالوظائف العبودية لا خصوص القيام حال الصلاة، فكل من سعى في قضاء حوائج المؤمنين أو في تعظيم شعائر اللّه تعالى، أو في معاش العيال و نحو ذلك مما هو كثير داخل في الآية الشريفة لقوله (عليه السلام): «الكاد لعياله مجاهد في سبيل اللّه» و قوله (عليه السلام): «الكاسب حبيب اللّه» و قوله (عليه السلام) «جهاد المرأة حسن التبعل» و قوله (عليه السلام): «من سعى في قضاء حاجة كان له اجر الشهيد»، كما يمكن ان يراد بالقعود: القعود عن كل ما لا يرتضيه اللّه تعالى و عدم الحركة فيه أصلا و ان يراد بالجنوب الحالات الحاصلة للعبد عند التوجه الى القهار العظيم: و من ترتيب التفكر على ما ذكر في هذه الآية الشريفة يستفادان التفكر الصحيح المنتج انما يكون بعد العمل الصالح و يدل عليه قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» البقرة- 282 و لكن الإنسان غفل عن ذلك كله فجعل نفسه مقيدة بأمور اصطنعها فما أقبح ذلك منه.
السابع‏:
يستفاد من قوله تعالى: «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ» ان الرب الذي خلق الخلق بهذا النظم العجيب و دبر أمورهم هو حق و لا يصدر منه الا الحق و هو منزه عن الباطل و انى للعقول ان يحيطوا بآثار حكمته، و ان الخلق مهما تفكروا في مخلوقاته فلن يعرفوا حقيقتها و ليس لهم الا الإذعان بانه لم يخلقها باطلا لأنه منزه عنه و هو الحق و لا يصدر منه الا الحق، فان لم يدرك العقل آثار الحكمة و العظمة لا يمكنه انكار هذا الأمر و هو انه لم يخلقه باطلا و يستفاد منه ادب الدعاء و المناجاة مع اللّه تعالى و فيه تعليم المؤمنين كيفية المخاطبة مع اللّه تعالى فلا بد من الثناء و التنزيه و الدعاء و الابتهال.
الثامن‏:
يستفاد من سياق قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» العلية و المعلولية اي: ان دخول النار لا يكون الا لأجل ظلم الإنسان على نفسه و لا ناصر للظالم على النفس فيترتب الخزي لا محالة: أما ان دخول النار لا يكون إلا لأجل الظلم فهو معلوم لأنه مترتب على المعصية و الطغيان، و اما انه لا ناصر للظالم على النفس فلانة منحصر في اللّه تعالى لأنه إما الشفاعة أو التوبة و المفروض عدم‏ تحققهما فلا محالة يترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة.
التاسع‏:
يستفاد من قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ» ان ايمانهم مبني على أمرين أحدهما الدليل العقلي الذي اعتمد على التفكر في خلق اللّه تعالى و الادلة القطعية و الثاني الدليل السمعي عند ما سمعوا المنادي يناديهم الى الايمان باللّه تعالى و هم بعد تأملهم في هذا الدليل السمعي وقعت منهم الاجابة بلا فاصلة و فتور.
و يمكن ان يكون المراد بالسمع هنا الاجابة الحقيقية كما في قول «سمع اللّه لمن حمده» فالمنادى داع الى اللّه تعالى و شاهد على تحقق الدعوة الحقة و بعد فناء العالم ينتفي موضوع الدعوة و تبقى موضوع الشهادة.
و هذه الآية الشريفة على اختصارها تبين المبدأ و المعاد و استدل على الاول بالمعلول على وجود العلة و تسمى هذه الطريقة في الاصطلاح بالبرهان الاني و استدل على الثاني مع قطع النظر عن الملازمة بينهما بالإقرار و الاعتراف الذي هو من أقوى الادلة في القوانين الجزائية.
العاشر:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» ان مقام الأبرار من أعلى المقامات الذي لا مقام أعلى و ارفع عند اللّه تعالى منه قال جل شأنه: «إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ … يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ» المطففين- 18 و قال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ … يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» المطففين- 22 و يكفي في عظمة شأنهم ان هؤلاء الداعين مع علو شأنهم يطلبون من اللّه تعالى ان يتوفاهم مع الأبرار و يجعلهم معهم. فتكون حالاتهم من سنخ حالات الأبرار، و ان تكون عوالمهم كعوالمهم.
و الحاصل: ان هذه الآية الكريمة تبين ان اولي الألباب هم الذين يكونون مع الأبرار في جميع النشآت و في مرضاة اللّه تعالى و الأبرار هم شهداء الخلق و قادة أهل الجنة.
الحادي عشر:
يستفاد من قوله تعالى: «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» ان الجامع بين الجميع- الذكور و الإناث- كونهم من اولي الألباب و هو بمنزلة المادة الواحدة التي تجمع الجميع و الخصوصيات الفردية بمنزلة الصور المتعددة، فتكون (من) نشوية حينئذ اي: ان منشأهم واحد و هو كونهم أولي الألباب و هذه الخصوصية هي التي أوجبت اشتراك النساء مع الرجال في هذا الأمر المهم، و يدل على ذلك قوله تعالى: «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» التوبة- 71 و إذا انتفت هذه الخصوصية كان الآمر على خلاف ما اراده اللّه عز و جل و كذا الأمر في ضد المؤمنين و هم المنافقون كما في قوله تعالى: «الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» التوبة- ٦۷.
الثاني عشر:
يستفاد من قوله تعالى: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا» ان اولي الألباب لم يبلغوا تلك المقامات العالية و لم يتصفوا بتلك الصفات الكريمة الا لأنهم تحملوا الأذى في سبيل اللّه تعالى و هجروا المعاصي و الملذات و الأهل و العيال و الديار ليقيموا دين الحق، و جعلوا أنفسهم وفقا لمرضاة اللّه عز و جل فعند ما طلب منهم الشهادة لم يتوانوا في ذلك فقدموها اليه عز و جل و أذعنوا ان سعادتهم انما هي بإقامة دين الحق.
الثالث عشر:
انما لم يذكر سبحانه و تعالى اسماء هذه الطائفة في‏ الآيات و اقتصر جل شأنه على ذكر حالاتهم و صفاتهم و ابتهالاتهم لأجل انهم القدوة و الأسوة بعملهم و سيرتهم و انهم ينيرون لنا الطريق و ان حالاتهم و ابتهالهم هي طريق السير و السلوك الى اللّه تعالى.

الآيات الشريفة من جلائل الآيات القرآنية و قد تضمنت مضامين عالية في التوحيد و العرفان و اعتبرها علماء السير و السلوك من أهم الآيات التي وردت في هذا الطريق و نحن نذكر ما وردت في فضلها من الروايات ثم ما وردت في تفسير المفردات منها.
فضل الآيات:
في المجمع عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه لما نزلت هذه الآيات قال: (صلى اللّه عليه و آله): «ويل لمن لاكها بين فكيه و لم يتأمل ما فيها».
و في تفسير البرهان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «ويل لمن قرأ الآية ثم مسح بها شبكته» اي تجاوز عنها من غير فكر فيه و ذم المعرضين عنها.
و في التهذيب عن معاوية بن وهب قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول في صلاة النبي (صلى اللّه عليه و آله): «كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه ثم ينام ما شاء اللّه فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» ثم يستن و يتطهر، ثم يقوم الى المسجد فيركع اربع ركعات على قدر قراءة ركوعه و سجوده على قدر ركوعه، و يركع حتى يقال متى يرفع رأسه و يسجد حتى يقال متى يرفع رأسه ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ فيجلس فيتلوا الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد و يصلي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين ثم يخرج الى الصلاة».
أقول يستفاد من الرواية فضل الآيات المباركة و اهميتها لأنه (ص) كان يكرر قراءتها و يواظب عليها.
و في الدر المنثور اخرج ابن حيان في صحيحه و ابن عساكر و غيرهما عن عطاء قال: «قلت لعائشة اخبرني بأعجب ما رأيت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قالت: و أي شأنه لم يكن عجبا؟!! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقال يا رسول اللّه ما يبكيك و قد غفر اللّه تعالى لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟! قال (صلى اللّه عليه و آله): ا فلا أكون عبدا شكورا و لم لا افعل؟ و قد انزل اللّه تعالى عليّ في‏ هذه الليلة: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» ثم قال: (صلى اللّه عليه و آله) ويل لمن قرأها و لم يتفكر فيها».
و في الدر المنثور أيضا عن علي (عليه السلام): «انه (صلى اللّه عليه و آله) إذا قام تسوك ثم ينظر الى السماء ثم يقول «ان في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب».
و اخرج الشيخان، و أبو داود، و النسائي و غيرهم عن ابن عباس قال: «بت عند خالتي ميمونة فنام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم».
أقول: الروايات متفقة المضمون على جلالة هذه الآيات و الاهتمام بشأنها و كثرة التدبر في مضامينها و الحث في الإتيان بها في أهم الأوقات و هو السحر الذي يكون الدعاء فيه اقرب الى الاستجابة و القبول.
تفسير مفردات الآيات:
في الكافي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أفضل العبادة إدمان التفكير في اللّه تعالى و في قدرته».
أقول: المراد بالتفكر في اللّه تعالى التفكر في خلقه و صفاته لا التفكر في الذات فانه منهي عنه و لا يوجب الا التحير قال تعالى: «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» طه- 110 و عن علي (عليه السلام): «تاهت العقول في كنه معرفته» و اما التفكر في الصفات و الأفعال فقد ورد في الأمثال الكثيرة و السنة الشريفة الحث عليه قال تعالى: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» الحشر- 21.
و في الكافي ايضا عن معمر بن خلاد قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم إنما العبادة التفكر في امر اللّه عز و جل».
أقول: الحديث شاهد على ما ذكرناه أيضا.
و فيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال امير المؤمنين (ع): «التفكر يدعو الى البر و العمل به».
أقول: لان الفكر الصحيح المنتج يوجب تهييج النفس و تحرك القوى الارادية الى العمل.
و في الدر المنثور اخرج ابو الشيخ في العظمة عن ابي هريرة قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة».
أقول في بعض الروايات عنه (صلى اللّه عليه و آله): «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» و في رواية اخرى من عبادة سنة و هي المروية من طرق الامامية و يمكن حمل الاختلاف على مراتب اختلاف الفكر و قربه و بعده نحو اصابة الواقع.
و في الدر المنثور ايضا عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) تفكروا في خلق اللّه و لا تفكروا في اللّه».
أقول: قد تقدم في التفسير ما يبين ذلك لان التفكر في اللّه تعالى‏ لا يزيد إلا تحيرا فانه لا يمكن ان يحيط احد به علما.
و في الكافي عن الحسن الصيقل عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «سألته كيف يتفكر؟ قال (عليه السلام) يمر بالخربة، أو بالدار فيقول اين ساكنوك؟ اين ساكنوك؟ مالك لا تتكلمين».
أقول: هذا بيان لبعض مصاديق الفكر الممكنة لعامة الناس و الا فللتفكر مراتب كثيرة حسب درجات المتفكرين من العرفاء.
و في تفسير العياشي عن ابي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر اللّه إن كان قائما أو جالسا أو مضطجعا لان اللّه تعالى يقول «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ».
أقول هذا محمول على مراتب قدرة الذاكر للّه تعالى على ما يأتي في البحث الفقهي.
و في تفسير العياشي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «الموت خير للمؤمن ان اللّه تعالى يقول: «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ».
أقول: في جملة من الاخبار انه خير للمؤمن و الكافر أما المؤمن فلاستراحته عن همّ الدنيا و غمها و وروده الى رحمة اللّه تعالى. و اما الكافر فلاستراحة الناس منه فتكون الخيرية باعتبار عدم زيادة عقوباته في الآخرة.
و في الدر المنثور في قوله تعالى: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» قالت أم سلمة: «يا رسول اللّه لا اسمع اللّه ذكر النساء في الهجرة بشي‏ء فانزل اللّه تعالى الآية».
و في الأمالي في قوله تعالى: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» نزلت الآية في علي (عليه السلام) لما هاجر و معه الفواطم: فاطمة بنت اسد. و فاطمة بنت محمد (صلى اللّه عليه و آله) و فاطمة بنت الزبير، ثم لحق بهم في ضجنان أم ايمن، و نفر من ضعفاء المؤمنين فساروا و هم يذكرون اللّه في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبي و قد نزلت الآيات».
أقول: ورد من طرق الجمهور انها نزلت في المهاجرين و كيف كان فالآية المباركة عامة الى يوم القيامة و ما ورد في شأن النزول بيان لبعض المصاديق.

مما أكد عليه القرآن الكريم و اهتم به اهتماما بليغا الدعاء و التضرع الى اللّه تعالى و الاستمداد منه في قضاء الحوائج، و قد ذكرنا في أحد مباحثنا ما يتعلق بهذا الموضوع المهم الذي يمس الإنسان من جميع جهاته الدنيوية و الاخروية بل دخيل في سعادته الابدية و بيّنا الجوانب المتعددة فيه و في المقام نذكر ما يستفاد من الآيات الشريفة المتقدمة في هذا الأمر فإنها اشتملت على امور مهمة تكشف عن بعض الجهات المقومة للدعاء و تبين ادب الدعاء.
و يستفاد من تلك الآيات المباركة ان الدعاء داخل في صميم حياة أولي الألباب و لا يهملونه في حالة من الحالات، و يعتبرونه من أهم الأسباب في نيل المطلوب و نجح المقصود، و الآيات الشريفة قد اشتملت على دقايق و رموز تكون دخيلة في استجابة الدعاء التي قلما توجد في‏ آيات أخرى، و نحن نذكر جملة منها في المقام. و الأمر المهم هو ان الدعاء هنا صدر عن قلوب مؤمنة صادقة في إيمانها تفكرت و تدبرت و تذكرت و اهتدت الى الحق فتوجهت الى اللّه تعالى بمشاعر ايمانية خالصة، و توسلت اليه عز و جل و جعلت إيمانها وسيلة لقبول دعائهم و هذا الدعاء الحار الذي صدر منهم يدل على كمال العرفان الالهي فيهم و نراهم انهم يكررون لفظ «ربنا» خمس مرات في دعواتهم على سبيل الاستعطاف و طلب رحمته و قد ذكروا هذا الاسم لما فيه من الأثر العظيم في استجابة الدعاء.
و قد تكرر هذا الاسم المبارك كثيرا في دعوات الأنبياء و المرسلين و ذلك لأن في هذا الاسم الدلالة النفسية على حرارة التوجه و صدق الرغبة في التكرار لدلالته على الإلحاح في المسألة و كثرة الطلب من اللّه سبحانه و تعالى، فهم لا يزالون يلحون في الدعاء و يقولون «ربنا» حتى استجاب لهم ربهم و عطف عليهم و رحمهم ثم إنهم دخلوا في هذا الميدان بعد تطهير أنفسهم من الذنوب و الآثام و الاشتغال بذكر اللّه تعالى و ملأوا مشاعرهم من عظمته و قد كرروا لفظ الايمان و مشتقاته لتوكيد ايمانهم و تقديمه امام طلبهم لما فيه الأثر في الاستجابة.
و قد اشتمل دعاؤهم على كمال الخضوع و الخشوع و شدة التوجه اليه عز و جل. فقدموا الثناء على الطلب و الدعاء ثم طلبوا الوقاية من النار فإنها أهم مطلب لأولي الألباب لما علموا من تقصيرهم و ما يصدر عنهم مما يوجب سلب التوفيق و الخزي فالتمسوا منه عز و جل العناية و التوفيق و السلامة من كل خزي و طلبوا منه النصرة ثم أكدوا على طلب غفران الذنوب و تكفير السيئات بعد ما قدموا ما يؤهلهم للاستجابة و هو الايمان ثم لم يقتصر دعاؤهم على خصوص الدنيا بل‏ طلبوا منه عز و جل ان يجعلهم مع الأبرار الذين لهم المقام المعلوم و المنزلة العظيمة.
و أخيرا طلبوا منه عز و جل أن يوفيهم ما وعده لهم و هو لا يخلف الميعاد.
و قد اشتمل دعاؤهم على الأدب المعهود بين اللّه تعالى و عباده المخلصين و ما تضمنه دعاؤهم على الثناء و التنزيه و الإلحاح في الطلب و موجبات الاستجابة فاستجاب لهم ربهم لان فيهم ما يوجب ذلك و هو العمل الصالح الذي هو العمدة في ذلك هذا فيض من غيض ما تشتمل عليه الآيات المتقدمة من الرموز و الدقائق و أدب الدعاء و لا بد لكل داع ان يجعل ما في هذه الآيات نصب عينيه و يجعلها منهاجا لكل دعواته لتحصل له الاستجابة.

من المسلمات في الفقه ان التكاليف تتنزل على مراتب القدرة و الاستطاعة فليس تكليف العاجز و المضطر في الصلاة- مثلا- تكليف القادر المختار، و استدلوا على ذلك بحكم العقل المقرر بالكتاب و السنة قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» البقرة- 286 و قال تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» الحج- 78 الى غير ذلك من الآيات الشريفة و عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) «إذا امرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» و قد تقدم في احد مباحثنا السابقة تفصيل الكلام فيه.
و قوله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» حسب ما ورد في تفسيرها من السنة الشريفة من ادلة توسعة التكليف تبين مراتب التكليف تبعا لأحوال المصلين فالصحيح يصلي قائما و المريض يصلي جالسا، و من لا يقدر على الجلوس يصلي على جنبه، ففي الكافي عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ» قال (عليه السلام): «الصحيح يصلي قائما و قعودا و المريض يصلي جالسا؛ و على جنوبهم الذين يكون الأضعف من المريض الذي يصلي جالسا».
أقول: المراد من قوله (عليه السلام) «قياما و قعودا» بالنسبة الى صلاة النافلة فان المكلف مخير في إتيانها قائما أو قعودا و اما الصلاة الواجبة فانه يتعين فيها القيام ان كان صحيحا.
و في تفسير العياشي عن ابي جعفر (عليه السلام): «في قول اللّه عز و جل: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً» الأصحاء «و قعودا» يعنى المرضى «و على جنوبهم» قال (عليه السلام): اعلّ ممن يصلي جالسا و أوجع».
أقول: الروايات في ذلك كثيرة قد فصلنا القول في كتابنا (مهذب الاحكام) فراجع.

الآيات الشريفة المتقدمة تشتمل على مضامين عالية في السير و السلوك‏ و يعتبرها اهل الذوق و العرفان دستورا و منهاجا لهم في عروجهم العرفاني و نحن نشير الى بعض ما تقتضيه الحال:
الأول تتضمن الآيات الشريفة على مخاطبة المربوب مع الرب و مثل هذه المخاطبة تستلزم الحضور اي حضور المخاطب لدى المتكلم و هو من طرف مخاطبة اللّه تعالى مع عباده و خلقه صحيح لا ريب فيه لأنه حضور احاطي فعلي من كل جهة و أما من طرف المربوب مع الرب فهو حضور وجداني و هو من أعظم مراتب تجليات الرب العظيم على القلوب و الضمائر و يبين مثل هذا الحضور الوجداني قول ابي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) في بعض حالاته الانقطاعية مع ربه «سيدي ماذا وجد من فقدك و ما الذي فقد من وجدك» و يشير الى ذلك قول علي (ع) في الدعاء المعروف «الهي صبرت على عذابك فكيف اصبر على فراقك» و هذه هي الرابطة الاختيارية للعباد مع معبودهم الحقيقي.
و لعل من أعظم أسمائه الحسنى تأثيرا على القلوب و أشدها حضورا عند المخاطب اسم (الرب) و لذا نرى ان الأنبياء العظام يتوسلون بهذا الاسم المبارك في دعواتهم الشريفة و حالاتهم الانقطاعية، و هو يدل على كمال الخضوع و الخشوع لربهم و يستميلون عطفه و عنايته عز و جل الذي خلقهم و رباهم و منّ عليهم بجميع النعم الظاهرية و المعنوية.
الثاني: يستفاد من الآيات المباركة ان اولي الألباب هم الذين وهبوا وجودهم و جميع حيثياتهم الى خالقهم فقد نصبوا أنفسهم على الجهاد و المثابرة و الصبر على البلايا و الأذى في سبيل اللّه تعالى فصاروا بذلك مظاهر حقيقة لقول «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» سورة البقرة- ۱٥٦ و الالتفات الى هذه الحالة و ترتيب الأثر عليها من أهم الطرق التي سلكها الأنبياء (عليهم السلام) و الأولياء في السفر الى اللّه تعالى و السير اليه، و هذه الحالة هي غاية آمال المجاهدين و المرتاضين في الحق بالحق، و قد اسموه بالسفر في النفس بالنفس، و لا منتهى لهذا السير الا ما أشار اليه سيد الأنبياء بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «من رآني فقد رأى الحق» و هذا هو المعراج الروحاني الذي هو العلة التامة لاستكمال النفوس المستعدة.
و إن شئت قلت هو إيجاد تمام العوالم في عالم واحد و هو عالم الانسانية الكبرى بالاختيار، فتصير النيران تحت ارادته و الجنان تحت اقدامه فتخاطبه النار بقولها: «جز يا مؤمن فان نورك يطفئ لهبي» و هذه كلها لمحة يسيرة من سير الإنسان الى الكمال غير المتناهي من كل جهة.
كما انها من تجليات أولي الألباب بعد ما لاقوا أشد المصاعب في هذه الدار الفانية فقد هجروا الأهل و الديار و تركوا المعاصي لأجل رب الأرباب و قاتلوا النفس الامارة فقتلوها بالسيطرة عليها و توجيهها الى ما يرضي خالقها و لأجل ذلك كانت عنايات اللّه جل شأنه بهم عظيمة لا حد لها لأنهم مظاهر أخلاقه و هم الصور المرئية من العقل الكلي في هذا العالم و في عالم البرزخ و في عالم الآخرة و قد أعد لهم جنات عظيمة لا نهاية لعظمتها و هذه الجنات هي جنة الأعمال، و جنة الرضوان و جنة اللقاء و هي منتهى الغايات و أعلى الكمالات.
الثالث: غلبة ذكر اللّه تعالى على العبد توجب تجلي عظمة اللّه جل جلاله عليه فيصير طوع ارادته فلا يعمل الا بما يرتضيه، و لا يرى و لا يسمع الا ما يشاء اللّه تعالى و يصبح بذلك مرآة لوحي السماء و لا معنى لأولي الألباب الا ذلك، فترى انهم يسرعون الى الايمان عند ما يسمعون المنادي ينادي اليه لان النداء جلب مشاعرهم بعد ما كانت مشغولة بذكر اللّه تعالى، و هذا هو السمع الحقيقي الذي يغير العبد عما عليه من الغفلة.
و بعبارة اخرى: هي الجذبة الملكوتية التي تحصل للنفس و كم لأولي الألباب من هذه الجذبات الى رب الأرباب، و لا بد من الارتباط مع هؤلاء بالمعنى الذي ذكره عز و جل لان العالم خلق لتكميل الانسانية و لا يحصل إلا بذلك و هذا هو غاية دعوة الأنبياء العظام خصوصا سيدهم (صلى اللّه عليه و آله).

تختلف الفلسفة الاسلامية عن غيرها من المذاهب الفلسفية في معالمها و مناهجها و اسلوبها في بيان المسائل العقلية و تفصيل ذلك لا يناسب المقام و المهم ما يستفاد من الآيات الشريفة المتقدمة في الفلسفة الاسلامية فإنها من الآيات المعدودة التي وردت في بيان معالم هذه الفلسفة الجامعة لكثير من المعارف و العلوم و أهم ما تمتاز به عن غيرها ذلك الذوق العرفاني و بيان المسائل المتعلقة بما وراء الطبيعة و العمق الفلسفي في البحث و التحقيق.
و المستفاد من الآيات الشريفة ان الفلسفة الاسلامية تتميز بأمور ثلاثة:
الأول: ابتناء هذه الفلسفة على التفكر و التدبر و النظر كسائر المذاهب الا ان الفرق ان الفلسفة في الإسلام تعتمد على التفكر الذي يدعو الى العمل و يتحول الى سلوك و منهج تطبيقى في الحياة فلا تعتمد على التفكر من حيث هو تفكر فقط كالفلسفة اليونانية التي تعتمد على‏ التفكر و التدبر لأجل التفكر و التدبر فقط قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا».
الثاني: الاعتماد على التجربة و الاستقراء، و يعتبر الإسلام هو الذي انشأ المنهج التجريبي و سبق الفلسفة المعاصرة و البحث العلمي في في القرون المتأخرة.
الثالث: انها تعتمد على الفلسفة العملية و تجعلها جزء لا يتجزأ عن الفلسفة العلمية و تعتبرهما الأصل في كل كمال انساني في الدنيا و الآخرة.
الرابع: ان الفلسفة الاسلامية تمتاز عن غيرها بأنها منهج اخلاقي تطبيقي فهي تعتمد على التخلية و هذه هي أهم معالم الفلسفة الاسلامية التي يمكن استفادتها من الآيات الشريفة المتقدمة التي اشتملت على مضامين عالية في الفلسفة و العرفان.
و حقيق لهذه الآيات المباركة ان تجعل خاتمة سورة الاصطفاء فانه لا اصطفاء إلا من اولي الألباب و تعتبر هذه الآيات الشريفة تفسيرا لمعنى اولي الألباب و تشرح أحوالهم.
و السر اللطيف الذي في هذه الآيات الكريمة انه لم يشر فيها الى شي‏ء من الدنيا بوجه من الوجوه و لعل الوجه في ذلك التباين الكلي بين مقام اولي الألباب و الدنيا الفانية فإنها جيفة و طلّابها كلاب كما في الحديث و اين ذلك من المقام الرفيع لأولي الألباب و المنزلة العظيمة لهم.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"