1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 180 الى 184

وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ (۱۸٤)


تضمنت الآيات الشريفة المتقدمة ما يتعلق ببذل النفس في الجهاد في سبيل اللّه تعالى و قد ذكر جلت عظمته فيها ما يرتبط بغزوة احد و ما لاقاه المؤمنون المجاهدون في سبيله عز و جل من البلاء و المحن و ما صدر عنهم فيها من الفشل و الجبن و المخالفة و ما ترتب على ذلك من اللوم و العتاب و الآثار الكبيرة و بيّن سبحانه و تعالى جميع الجهات التي تعلقت‏ بها، فكانت غزوة أحد درسا عظيما للمؤمنين و فيها من العبر المهمة لهم و حث جلّ شأنه على الرجوع الى الحق و بذل النفس و الصبر و المثابرة و وعدهم الجزاء العظيم، و ذكر الكافرين و المنافقين و بيّن حقيقة الحال فيهم. ثم ذكر تعالى ان إملائه للكافرين ليس إلا استدراجا لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين.
و يذكر عز و جل في هذه الآيات المباركة بعض اقسام الإملاء و الاستدراج و هو الإملاء في جمع المال و ضرب مثلا في الذي يبخل عن إنفاقه في سبيل اللّه تعالى فكان حاله حال إملاء الكافرين و أرشده سبحانه إلى الواقع و بين أشد انواع الوعيد بالنسبة اليه ثم عطف الكلام الى اليهود الذين كانوا مع النصارى موضوع الحوار في هذه السورة و بين خطيئة اليهود و انهم جمعوا كثيرا من صفات السوء و الشر ما لم تجتمع في غيرهم فقد أساءوا الظن باللّه تعالى و كذبوا بآياته عز و جل و نسبوا الفقر اليه و عادوا أنبياء اللّه و كذبوهم و كتموا الحق و الميثاق الذي أخذ منهم و قد أمروا ببيانه، و أوعدهم اللّه تعالى العذاب جزاء اعتقادهم و أعمالهم.
و الآيات المباركة خاتمة الآيات الكريمة التي وردت في غزوة أحد و هي تأمر بالصبر و الثبات و تستنهض الناس الى متابعة الحق و الجهاد في سبيل اللّه و تحرضهم على الانفاق في سبيل اللّه تعالى و الحذر من كيد اليهود، و تسلّي النبي (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين من تكذيبهم.

قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.
تحريض على بذل المال في سبيل اللّه تعالى بعد التحريض على بذل النفس في الجهاد، و توكيد لما ذكره عز و جل آنفا من إملاء الكافرين ببيان اظهر مصاديقه و هو الإملاء بالمال، فيكون حال الذين يبخلون بالمال و عدم إنفاقه في سبيل اللّه تعالى كحال الذين املى لهم اللّه تعالى و كلا الفريقين يعيش في الوهم و الخيال و واقع في أعظم الشر في الحقيقة و بيان لحال البخيل و سوء عاقبته و تخطئة لما يتوهمه هو و اهله من دعوى الخيرية ببيان حال الدنيا، و هي ان جملة من معتقداتهم التي يهتمون بها و يرتبون الآثار عليها تكون وزرا عليهم و وبالا في دار القرار و نظير هذه الآية قوله تعالى: «وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» البقرة- ۲۱٦ فالبخيل عن انفاق المال في سبيل اللّه تعالى و ان كان يجمع المال و هو خير بحسب الظاهر له و لكنه طوق ثقيل يحمله الإنسان في عنقه في الواقع و يظهر ذلك يوم ظهور الحقائق قال تعالى: «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» التوبة- ۳٥.
الآيات الشريفة المتقدمة صريحة في تجسم الأعمال كما دلت‏ عليه الادلة العقلية و النقلية، و التجسيم يحصل بعمل نفس الإنسان و إعداده له كما تدل عليه هذه الآية. على ان الغنى و المال انما هو من فضل اللّه تعالى يؤتيه من يشاء من عباده و فعل المكلف في ذلك انما يكون مقتضيا فيترتب عليه اثر فعله لا اثر فضله جلت عظمته.
قوله تعالى: بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
فيه كمال الاحتجاج على الباخلين، و فيه التوبيخ و الذم لهم فان ما يبخلون به إنما هو من عطاء اللّه تعالى و فضله، و الآية الكريمة لا تختص بنوع معين فان عموم قوله تعالى: «بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» يشمل المال و العلم و الجاه و كل فضل من اللّه تعالى يمكن ان ينتفع به الناس فان الامتناع عن بذله و البخل به يكون مرجوحا و تشمله الآية المباركة و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «من سئل عن علم فكتمه ألجم من نار».
قوله تعالى: هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ.
بيان لواقع الحال في ان ما توهموه خيرا انما هو في الحقيقة شر لان ما زعموه في وجه الخيرية في البخل هو حفظ المال لمنافعهم و شؤونهم و هذا في مقابل الشر العظيم المترتب على ذلك عدم محض، و هو يكشف عن رذيلة خلقية و هي رذيلة الشح و سوء الظن باللّه العظيم، و ينبئ عن فسق صاحبه لان فيه خسة المعصية و بعده عن مكارم الأخلاق لأنه يخسر فضيلة الطاعة و حسن السماحة و الرحمة، و الإعانة للضعيف، و التكافل الاجتماعي، مضافا إلى انه موجب للحرمان عن الثواب الجزيل المترتب على البذل و العطاء في سبيل اللّه تعالى و لعله لأجل ذلك جاء النص على كونه شرا مبالغة فيه و دفعا لكل توهم في قوله تعالى: «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ» مع كفاية ما تقدم في نفي الخيرية على ذلك.
قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
إخبار عن عواقب الحال و تعليل لكون البخل شرا لهم ببيان ذكر أهم العلل و الآثار. و «سَيُطَوَّقُونَ» من الطوق و السين للتأكيد، و المراد به أن ما بخلوا سيتمثل يوم القيامة كالحمل الثقيل الذي يجعل في عنقهم كالطوق فيزيد في تعبهم و فزعهم فوق ما يحملونه من الأوزار فيكون من طوق التكليف (المشقة) لا من طوق التقليد و منه قول الشاعر: (كل امرئ مجاهد بطوقه) و قد ذكر المفسرون في بيان ذلك وجوها و الظاهر انها ترجع إلى امر واحد و هو تصوير الحمل الثقيل في يوم القيامة و هو إما ان يكون طوقا في التكليف اي تكلفوا ان يأتوا بمثل ما بخلوا أو طوقا على وجه التقليد كالثعبان و به روايات و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «من ظلم شبرا من ارض طوقه اللّه من سبع ارضين» و على اي حال فالمراد به ما ذكرناه.
قوله تعالى: وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
اي: و هم لا يعلمون انهم عن قريب يتركون ما بخلوا به و ما اكتنزوه لأنفسهم فيرثه اللّه تبارك و تعالى الذي له ميراث السموات و الأرض وحده فلا هم ينتفعون به و لا هم ينجون من تبعاته و آثامه يوم القيامة فتبقى الحسرة عليهم و الندامة لهم لا تنفك عنهم.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
تهديد و توعيد لهم بانه لا يخفى على اللّه تعالى شي‏ء و هو يعلم‏ ما يعملون فيجازيهم عليه. و اظهار اسم الجلالة لبيان المهابة و زيادة في التهديد.
قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ.
بعد أن كان الخطاب عاما يشمل اليهود و غيرهم و بين لهم حقيقة الحال في البخيل و ما يزعمه في ما يدخره و يبخل به.
ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآية الشريفة مظهرا آخر من مظاهر سوء الظن باللّه العظيم و البعد عنه عز و جل و هو نسبة الفقر الى اللّه تعالى و هي تنبئ عن ان قائلها لا يعرف اللّه أصلا و لا يخشاه عز و جل.
و القائلون بهذه المقالة هم اليهود بقرينة السياق في تعداد مثالبهم و جرائمهم فهم الذين صدرت عنهم تلك الأقوال البذيئة و الأفعال الشنيعة و السبب في صدور هذا القول منهم متعدد فاما ان يكون تهكما بالقرآن الكريم في قوله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً»* البقرة- ۲٤٥ أو استهانة بفقراء المؤمنين و تعريضا بفقرهم و فاقتهم، أو استهزاء بالإيمان و اهله، فإنهم عرفوا بالاستهزاء و الوقاحة و الجرأة على اللّه تعالى و الحق. و لا يقدح ان يجتمع جميع تلك الأسباب فيهم كما يأتي في البحث الروائي نقل بعض الروايات.
و انما ذكر عز و جل السماع دون غيره لبيان شناعة القول و فيه التوعيد و التهديد لقائله فهو سماع علم و تهديد و اثبات للعذاب الأليم لهم لا سماع قبول و رضا.
و اما وجه القسم فهو تأكيد لشناعة قولهم و صدوره عنهم فإنهم بمقالتهم هذه كأنهم ينكرون السمع للّه تعالى أو ينكرون المقال أصلا فأكده عز و جل بالتأكيد القسمي على السماع و ترتب الجزاء على ما سمع.
قوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
تأكيد آخر. اي: نحفظ ما قالوا و نثبته في صحائف أعمالهم لوصول جزائهم إليهم، كما أثبتنا قتلهم الأنبياء بغير حق علما منهم بأنهم أنبياء و ظلما و عدوانا عليهم.
و انما قرن بين قولهم و فعلهم لتثبيت شناعتهما من كل جهة و لبيان فساد كل واحدة منهما و المراد بالكتابة هو الحفظ لأجل الجزاء عليه و السين للتأكيد و الخطاب يدل على عظم ما قالوه.
و في نسبة القتل الى الحاضرين منهم إما لأجل رضائهم بفعل السلف أو لان الامة تستوي في التكافل الاجتماعي و انهم على حد سواء في الأمور العامة التي لا بد من الالتزام بها و مراعاتها، و الاعتراض على من أنكرها، و من تلك الأمور الإنكار على فاعل المنكر من افراد تلك الأمة، و الا كانوا متساوين في الجريمة و استحقاق العذاب و قد تقدم في سورة البقرة ما يتعلق بذلك أيضا فراجع و في الحديث عن الصادق (عليه السلام): «ان بين القائلين ان اللّه عهد إلينا- و هم الذين قالوا: ان اللّه فقير و نحن اغنياء- و بين القاتلين للأنبياء خمسمائة عام، فألزمهم اللّه القتل برضاهم بما فعلوا».
أقول: لعل التقدير بالخمسمائة من باب المثال للكثرة.
قوله تعالى: وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.
الذوق معروف و هو ما يكون باللسان لمعرفة طعم الطعام و أصله في ما يقل تناوله دون ما يكثر ثم اتسع استعماله لإدراك سائر المحسوسات و الحالات يقال: ذاق الأمرّين إذا وقع في الشدائد و كابد أحوالها و قاسى آلامها. و قال بعضهم: إن كلمة (ذق) تستعمل لمن آيس عن العفو، و هي تؤذن بأن ما هم فيه من العذاب و الهوان يعقبه ما هو أشد من ذلك و ادهى.
و الحريق إما بمعنى المحرق فتكون اضافة العذاب اليه بيانية أو تكون الاضافة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل فيقال عذاب الحريق النار أو اللهب.
و الانتقام بهذا القول لبيان ان العذاب قد تحقق و وجد و لا يمكن الخلاص منه و هو ينبئ عن كمال الغضب.
و في الآية الشريفة وجوه تدل على المبالغة في الوعيد و الشدة في العذاب، فقد ذكر فيها القول، و العذاب، و الحريق، و الذوق.
قوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
الاسم (ذلك) إشارة الى العذاب الذي نزل منزلة المحسوس المشاهد لتحققه و لتهويل الأمر و تعظيم شأنه في الفظاظة. و الباء للسببية.
و المراد بالأيدي الأنفس و الأشخاص، و انما ذكرت لأنها آلة للتقديم غالبا و لبيان ان ذلك مما جنته أيديكم و أنتم تتحملون مسؤوليته فتفيد النسبة إلى يد الفاعل الصاق العمل بعامله و تمام مسؤوليته عليه ما لا يفيد غيرها ذلك.
و المعنى: ان ذلك العذاب انما هو بسبب ما قدمتم من العمل و هو الجزاء المختص لهذه النفوس الآثمة الوقحة على اللّه تعالى و رسله.
قوله تعالى: وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
تعليل لجميع ما تقدم اي: ان ذلك العذاب و الكتابة و الحفظ لأجل ان اللّه تعالى ليس بظلام للعبيد، و يستفاد منه انه لو لم يكن ذلك الحفظ و الجزاء لكان إهمالا لقانون الجزاء المبني عليه النظام‏ الأحسن، و نفي الظلم الكثير حسب تعدد الأعمال و الجزاء فيكون ظلاما كما أن نفي الظلم عنه عز و جل يستلزم اثبات العدل فيه فهو عدل في حكمه و فعله و جزائه و عذابه.
و هيئة «ظلام» تأتي اما للنسب كعطار، أو للمبالغة، و كلاهما صحيح في المقام اما الاول اي لا ينسب اليه ظلم أصلا لأن من كان على نهاية الكمال و العظمة و كانت كل صفة فيه في أعلى مراتب الكمال لا يعقل الظلم بالنسبة اليه لان الظلم يستلزم النقص و المفروض انتفاؤه فيه جلّ شأنه فلو كان سبحانه و تعالى ظالما كان ظلاما.
و اما الثاني فلان المنفي عنه الظلم الكثير فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع و الضر كان لقليله مع قلة نفعه اكثر تركا و أشد امتناعا. و تقدم آنفا انه يمكن ان يكون التكثير و المبالغة لأجل تعدد الأعمال و الجزاء.
و من ذلك يعلم انه لا وجه للاشكال بأن نفي الظلم ابلغ من نفي الاكثرية لان الأخير لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده. و أنت بعد الاحاطة بما ذكرناه تعلم الجواب عنه فان التعبير بالكثرة لبيان ان ساحته تبارك و تعالى منزهة عن اي ظلم و انه بلغت نزاهته الى حد الكمال و لشدة كماله و تماميته كان الظلم القليل يعد بالنسبة اليه ظلما كثيرا فيصير ظلّاما فكماله المطلق يوجب عدم ثبوته له مطلقا.
قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ.
الجملة في موضع خفض بدلا من الذين في الآية الكريمة المتقدمة أو نعتا له. و المراد بالعهد هو الأمر و التوصية.
و الآية الشريفة تبين زعما آخر من مزاعم اليهود الفاسدة، فقد زعموا أن رفضهم الايمان برسول- يدعي برسالة من اللّه تعالى و هم لا يعترفون برسالته حسب اهوائهم- كان بوصية من اللّه تعالى و إطاعة لأمره عز و جل.
و انما قالوا «لرسول» مداهنة و مغالطة و الافهم لا يعترفون برسالة أحد إلا من يعلقون الايمان به على ما قالوه.
قوله تعالى: حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ.
القربان: فعلان من القربة و هو يأتي اسما كالبرهان و السلطان و مصدرا كالعدوان و الخسران و هو كل ما يتقرب به الى اللّه تعالى من نعم و غيرها. و أكل النار كناية عن إحراق القربان و احالته إلى رماد و كان ذلك معجزة خاصة تدل على صدق المدعي في دعواه.
و يستفاد من الآية الشريفة و ذيلها انها كانت شائعة عندهم و في بعض الأحاديث انها كانت لأنبياء بني إسرائيل و في قصة ابني آدم دلالة على وقوعها كما حكى اللّه تعالى ذلك في سورة المائدة آية 27.
و ذكر بعض المفسرين ان إحراق القربان كان بفعل أنفسهم و بأيديهم و لم يكن معجزة خارقة للعادة و استشهد ببعض الفقرات من الفصل الاول من سفر اللاويين. و لكن ما ذكره مخالف لظاهر الآية الشريفة بل صريحها في ان إحراق القربان كان بسبب غيبي فهي معجزة دالة على صدق مدعي الرسالة و استشهاده بالتوراة الرائجة غريب جدا فإنها مضافا إلى معلومية تحريفها بحيث لا يبقى مجال للاستشهاد بها معارض بما دل على نزول النار من السماء. و قد كفانا مؤونة الرد عليه شيخنا البلاغي (قدس اللّه نفسه) فراجع.
و كيف كان فهي معجزة خارقة للعادة و هؤلاء زعموا ان ايمانهم‏ بالرسول (صلى اللّه عليه و آله) متوقف على مجي‏ء النار لتأكل القربان الذي يقدمونه و ما دام الرسول لم يأتهم بذلك فهم لا يؤمنون به إطاعة لأمر اللّه تعالى لهم فيكون طلبهم لهذه المعجزة على سبيل التعنت لا الاسترشاد و لذا جاء الرد عليهم بالتكذيب.
قوله تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ.
تكذيب لهم في دعواهم على اللّه تعالى و الزام لهم بالإيمان. اي: قل لهم يا رسول اللّه قد جاءكم رسل من اللّه تعالى قبلي و جاءكم بالبينات الواضحات الدالة على صدق دعواهم و حقية رسالتهم خصوصا ذلك الذي قلتم و هو القربان الذي تأكله النار.
قوله تعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ.
اي: انكم لم تكتفوا بالعصيان و عدم الايمان بهم بل تجرأتم عليهم فقتلتموهم و هو يدل على خبثهم و جرأتهم على الحق و اهله.
قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
زيادة تقريع لهم بأنهم كاذبون في ما زعموه و ما نسبوه الى اللّه تعالى فكل ما ذكروه هي من مفتعلاتهم التي أرادوا منها الاعراض عن الايمان مع انه قد أمرهم انبياؤهم بالإيمان بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله).
قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ.
تسلية للرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) في تكذيبهم له اي: فان كذبوك يا رسول اللّه مع ما جئت به من الحجج الباهرة و المعجزات الكثيرة فقد كذّبوا رسلا من قبلك جاءوا بمثل ما جئت به فلا تحزن‏ لكفرهم فإنهم أبوا الا على العصيان و لا تعجب من فساد أمرهم.
قوله تعالى: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ.
البينات: هي الحجج الباهرات و المعجزات الواضحات، و الزبر جمع زبور و قد ذكر لمادة (زبر) معان متعددة و لكن يمكن جعلها من متحد المعنى- و ما ذكروه انما هو من ذكر المصاديق لا الاختلاف في اصل المعنى- و هو القطع و الفصل يقال: زبرت اي كتبت لان الكتابة تستلزم تقطيع الحروف و الكلمات، و منه زبر الحديد اي قطعها و اجزائها، و منه ايضا زبرت الرجل اي: انتهرته و هو يستلزم قطعه عما زبر عنه.
و المراد بها تلك الكتب التي تشمل على الحكم و المواعظ التي تزجر الإنسان عن المعاصي و تمنعه عن ارتكاب الآثام.
و الكتاب المنير اي المضي‏ء بشرائعه و معارفه و أحكامه، و المراد به جنس الكتاب و هو الكتب المنزلة من السماء لإنارة الطريق و هداية الناس الى الصراط المستقيم: و انما جمع بين الزبر و الكتاب و هما بمعنى واحد لاختلاف اصلهما و الآثار المترتبة عليهما.

خيرا في قوله تعالى: «هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ» مفعول ثان ليحسبن، و المفعول الاول هو البخل المدلول بقوله تعالى «يَبْخَلُونَ» أو الذي بخلوا به مما آتاهم اللّه. و «هو» ضمير فصل و الفاعل «الذين» هذا بناء على القراءة المشهورة «لا يحسبن» بالياء و اما من قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب إما النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو من يستحق الخطاب، و «الذين» مفعول أول على تقدير حذف مضاف و اقامة (الذين) مقامه و هو فاصلة و خيرا مفعول ثان.
و الالتفات في قوله تعالى: «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ» الى الخطاب للمبالغة في التهديد لان تهديد العظيم بالمواجهة أشد و قرئ «بما يعملون» بالياء على الغيبة. و انما قال تعالى: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» دون (كتبنا ما قالوا) لان الكتابة في الماضي ربما تحتمل العفو فكان الخطاب الاول ابلغ في الوعيد.
و نظير قوله تعالى: «جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ» قوله عز و جل: «وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ» فاطر- ۲٥ و لكن الفرق بينهما من جهتين:
الاولى: انه جعل لفظ الماضي و مبني للمجهول في الشرط مقام لفظ المستقبل في آية آل عمران قال تعالى: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» بخلاف الآية الشريفة الواردة في سورة فاطر فان الشرط فيها بلفظ المستقبل و الفاعل مذكور مع الفعل.
الثانية: ان الآية المباركة في سورة آل عمران قد ذكر فيها (باء) واحدة «بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ» إلا في قراءة ابن عامر و الآية الشريفة الواردة في سورة فاطر قد ذكر فيها باءات ثلاثة «بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ» و لعل الوجه في ذلك انه قد ذكر فيها الشرط بلفظ المستقبل و ذكر الفاعل أيضا فاقتضى ذكر الباءات‏ الثلاثة لبيان ان كل رسول كان من الرسل كان له واحدا من الثلاثة و الآية الشريفة الواردة في سورة آل عمران كان الأمر فيها بيان ان الرسل كان من شأنهم إقامة الحجة على أقوالهم و إعطاء المواعظ الزاجرة و إنارة الطريق بالكتب بمعارفها الفاخرة.

تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ» على ذم البخل و انه من رذائل الأخلاق بل من مهلكاتها فهو يجلب الشر و الشقاء للفرد البخيل و يضر الاجتماع و هو مانع عن الخير و السعادة الفردية و الاجتماعية، و يكفي في بعد صاحب هذه الرذيلة عن الكمال ان اللّه تعالى أوعد على من يبخل من ما تفضل اللّه تبارك و تعالى عليه بأن يجعله في شدة و عذاب و سيتمثل ذلك له حملا ثقيلا يكون كالطوق في عنقه مضافا إلى الفزع الأكبر الذي هو فيه، و قد ترك ما ادخره و ما بخل به فلم يأخذوا منه شيئا و يرثه اللّه تعالى الذي له ميراث السموات و الأرض، فكان ذلك و بالا عليه لم ينتفع به لا في الدنيا و لا في الآخرة.
و البخل تارة يكون عن عدم إعطاء الحقوق الواجبة على الإنسان- كالزكاة و الخمس- و غيرهما. و اخرى يكون عن عدم الانفاق في الجهات الراجحة غير الواجبة و ثالثة يكون عن عدم الانفاق في الأمور المباحة غير المرجوحة شرعا و اطلاق الآية الكريمة يشمل الجميع و سيأتي‏ في الموضع المناسب تفصيل الكلام في هذه الرذيلة الخلقية ان شاء اللّه تعالى.
الثاني‏:
يدل قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» على تجسم الأعمال و قد دلت عليه الادلة العقلية و النقلية كما عرفت.
و لم يبين سبحانه الطوق الذي يتمثل لهم يوم القيامة في هذه الآية الشريفة لتهويل الأمر، و لاختلافه باختلاف درجات البخل و كمية ما بخل به و سائر خصوصياته و قد ورد في بعض الأحاديث «يطوق ماله شجاعا اقرع» و لعله في مقام بيان احد المصاديق،
الثالث‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ان كل ما يعطاه الإنسان من مال و جاه و قوة و فضل و علم بل كل ما في الأرض و السموات عرض زائل لا يبقى و صاحبه يفنى و لا وجه للبخل به و استبقاء ما هو فان و زائل، و عليه ان يقرضه الى من يبقى ملكه و يدوم و ان يبذله في المواضع اللائقة له و ما أمره اللّه تعالى به و ما هو مطلوب منه و بذلك قد أدرك رضاء اللّه تعالى فيكون محسنا و اللّه يحب المحسنين.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» على ان القائلين بهذه المقالة قد اجتمع فيهم من صفات السوء و خصال الشر ما لم تجتمع في غيرهم من سوء ادب مع اللّه تعالى و الجرأة عليه و تكذيب الرسل و البخل و قتل الأنبياء، و معاندة الحق.
و الآية الشريفة تعدد تلك الخصال و تبين جرائمهم و تندد بها و توعد عليها و تقلل من شأن المتصفين بها في نفوس المؤمنين.
الخامس‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» ان الرضا بالمعصية معصية فمن رضي بقتل الأنبياء بغير حق من متأخري اليهود يكون مع المتقدمين الذين وقع القتل على أيديهم على حد سواء في المعصية و هم مشتركون في الجزاء و العذاب الحريق. و يدل عليه قوله تعالى: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» فكأن تلك الأفعال المنكرة قد حصلت منهم جميعا مباشرة مع العمد. و يرشدنا اللّه تعالى في مثل هذه الآيات إلى النظر في افعال المتقدمين و العبرة منها و استحسان ما استحسنوه و تقبيح ما فعلوه من القبائح و الا كانوا شركاء معهم في الإثم.
السادس‏:
يمكن ان يستفاد من قوله تعالى: «وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ان كثرة الظلم انما هو من جهة كثرة ما يجزى على المعاصي الصادرة من العبيد فيكون التعدد و الكثرة بحسب تعدد المتعلق و قد تقدم في التفسير وجه آخر فراجع.
و يستفاد منه انه لا يمكن ان ينسب الظلم اليه تعالى لفرض انه الذات المستجمعة لجميع الكمالات الواقعية و الادراكية و مسلوب عنه جميع النقائص الواقعية و الادراكية و الظلم نقص و اي نقص أشد منه فيمتنع ان ينسب اليه و الا كان خلفا. و هذا البرهان يأتي في كل النقائص الواقعية و الادراكية و لا يختص بالظلم فقط.
و من الآية الشريفة يستفاد بطلان فلسفة اليهود و النصارى و اشتمالها على امور لا تطابق العقل و فسادها أوضح من أن يخفى مع ان الفلسفة الاسلامية قد فتحت عليهم ابوابا من المعارف و الحقائق و لكنهم اعرضوا عنها و حرفوا الكلم عن مواضعه.
السابع‏:
يدل قوله تعالى: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» على كمال الحفظ لما فيه من أمن النسيان، و فيه من التوعيد ما لا يكون في غيره.
و قد شاع استعمال لفظ الكتابة في التوعيد على الذنب و ارادة العقوبة عليه.
الثامن‏:
يستفاد من قوله تعالى: «جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ» ان الرسل انما بعثوا بهذه الأمور الثلاثة: البينات‏ و هي الدلائل الواضحات التي تدل على صدق دعواهم و إثباتها مقابل كيد الكافرين و أباطيلهم. و الزبر و هي المواعظ المشتملة على مكارم الأخلاق و فضائلها و ما يكون موجبا لتهذيب النفس و تطهيرها من الرذائل و المفاسد. و الكتاب المنير المشتمل على اصول المعارف و الاحكام الإلهية التي تهدي الإنسان الى الكمال المنشود و السعادة في الدارين و هو اسم جنس يشمل جميع الكتب السماوية كما تقدم.
و انما ذكرها عز و جل لبيان شدة التنكير و قبح العمل فان الذين كذبوا الرسل انما حرموا أنفسهم من السعادة و ما هو الصالح، و للاعلام بأن جميع المعارف الإلهية و الاحكام الشرعية و الأصول الاعتقادية لا بد و ان تنتهي الى وحي السماء.

في الكافي عن الصادقين (عليهما السلام) في قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال (عليه السلام): «ما من احد يمنع من زكاة ماله شيئا الا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب و هو قول اللّه عز و جل سَيُطَوَّقُونَ- الآية-».
و في تفسير العياشي في قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما من ذي مال نخل و لا زرع و لا كرم يمنع زكاة ماله إلا قلدت ارضه في سبع ارضين يطوق بها الى يوم القيامة».
أقول: الأحاديث في مضمون ذلك كثيرة مروية في كتب الفريقين و قد ذكرنا انها من باب المثال لكل ثقل يطوق به في عنق الذي بخل بما تفضل اللّه عليه و ذكر الزكاة و المال انما هو من ذكر أهم المصاديق و إلا فالآية المباركة عامة تشمل مطلق ما تفضل اللّه تعالى على الإنسان و لا بعد في تقليد الأرض في عنق مانع الحق لان تقليل الكثير و تكثير القليل واقعان تحت قدرته فهو يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.
و في الدر المنثور اخرج ابن المنذر و ابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا» قال: «ذكر انها نزلت في حيي بن اخطب لما نزل «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» قال: يستقرضنا ربنا انما يستقرض الفقير الغني».
أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة و في بعضها ان الذي قال ذلك رجل من اليهود و يقال له فنحاص و كان من علمائهم؛ و في آخر ان الذي قاله هم اليهود لما أتت الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
و في تفسير العياشي في قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» قال: «و اللّه ما رأوا اللّه حتى يعلموا انه فقير و لكنهم رأوا أولياء اللّه فقراء فقالوا: لو كان غنيا لا غنى أولياءه و فخروا على اللّه بالغنى».
أقول: مثله ما رواه القمي في تفسيره و يستفاد منه ان الأسباب لهذه المقالة متعددة و مقصود اليهود من ذلك معروف و هو تطميع المؤمنين بالمال و الإيحاء إليهم بأنهم هم الأغنياء و المال عندهم فقط فلا ينفعهم الايمان، و يدل على ما ذكرناه ما ورد في المناقب عن الباقر (عليه‏ السلام) قال: «هم الذين يزعمون أن الامام يحتاج الى ما يحملونه اليه» فلو كان الامام- الذي هو من باب المثال- يحتاج الى مال اليهود فكيف بالمؤمنين و هذا هو أسلوب من الاساليب الخبيثة التي اتبعها اليهود عبر التاريخ لصد الناس عن الايمان بالرسل و الأنبياء.
و قد أبطل سبحانه و تعالى مزاعمهم بأحسن وجه و ابلغ أسلوب، و كل ذلك يدل على عدم فهمهم للكنايات و لوازم الكلمات.
في تفسير القمي في قوله تعالى: «أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ» قال: «كان عند بني إسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فتجي‏ء نار فتقع فيه فتحرقه فقالوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار كما كان لنبي إسرائيل فقال اللّه تعالى: قل- لهم يا محمد- «قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ».
أقول: الوارد في جملة من كتب التواريخ ان محل قبول القربان كان في بيت المقدس و لعل ذكر الطست مثال لذلك المحل الخاص.
و في الكافي في قوله تعالى: «وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» عن الصادق (عليه السلام): «أما و اللّه ما قتلوهم بأسيافهم و لكن أذاعوا أمرهم و أفشوا عليهم فقتلوا».
أقول إذاعة اسرار أنبياء اللّه تعالى أسرع في التسبب الى قتلهم من المباشرة في القتل و لعل ذلك هو السر في بيان الامام (عليه السلام) له.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ» قال أبو جعفر (عليه السلام) الزبر هو كتب الأنبياء، و الكتاب المنير الحلال و الحرام».
أقول: يمكن ان يكون ذلك بيانا لبعض المصاديق فلا ينافي ما تقدم في التفسير.

الآية الشريفة «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ- الآية-» تدل على حرمة البخل و قبح جمع المال و ادخاره، و لكن المستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الكتاب و السنة ان جمع المال و ادخاره ينقسم حسب الاحكام الخمسة التكليفية.
الأول: ما إذا كان واجبا و هو ما إذا جمعه الإنسان لأن يصرفه في النفقات الواجبة- خالقية كانت او خلقية- و هي كثيرة كالانفاق على الأولاد أو إعطاء الدين و غيرهما مما ذكر في الكتب الفقهية.
الثاني: ما إذا كان مندوبا و هو الجمع للصرف في الخيرات و المبرات الراجحة شرعا.
الثالث: ما إذا كان مكروها و هو الجمع و الادخار للإنفاق في الأغراض المرجوحة شرعا غير البالغة حد الحرمة كجملة من الانفاقات التي تنفق لأجل التفاخر بين الناس و المراءاة معهم.
الرابع: ما إذا كان محرما و هو الجمع للصرف في الأغراض المحرمة شرعا.
الخامس: ما إذا كان مباحا و هو ما إذا لم يترتب عليه أية جهة راجحة أو مرجوحة لو لم نقل بأن جمع المال من حيث هو مرجوح‏ شرعا كما يستفاد من جملة من الأخبار كقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). «الدنيا جيفة و طلابها كلاب» و قول مولانا الصادق (عليه السلام): «و اللّه ما تناولت من دنياكم إلا ما اضطررت إليها»: الى غير ذلك مما روي عن المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

جمع المال بلا شوق و محبة اليه غير ممكن لما ثبت في محله ان كل فعل معلول الشوق و المحبة و بدونهما يكون المعلول بلا علة و هو باطل بالضرورة و لا ريب في انه ينافي محبة اللّه تعالى و الشوق اليه و هو من أهم الموانع التي تصد الإنسان عن ذكر اللّه تعالى و القيام بوظائفه الشرعية، و هو من العوائق التي تعيق عن الاستكمال و التخلق بأخلاق اللّه عز و جل اللهم الا ان يكون الجمع لأجل الانفاق في ما يرتضيه اللّه تعالى فيرجع الى حب اللّه تعالى.
و من ذلك يظهر السر في ما ورد في القرآن الكريم من الانفاق في سبيل اللّه تعالى فانه الطريق الأمثل للوصول الى أعلى المقامات و التنزه عن جملة من الرذائل كرذيلة الشح و البخل و نحوهما.
و لكن مع ذلك جمع المال بنفسه من المبعدات عن حظيرة القدس و ساحة الرحمن و لعل السر في كثرة تنزه الأنبياء (عليهم السلام) و الأولياء عن الدنيا هو ذلك.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"