1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 176 الى 179

وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (۱۷٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)


الآيات الشريفة ترشد المؤمنين إلى امور تهمهم في حياتهم الدنيوية و الاخروية و تمس عقيدتهم، فهي تحذرهم من المنافقين و الكافرين و أكاذيبهم و قبائح افعاهم و مكرهم فإنهم لم يتحرجوا من إعلان الكذب على اللّه عز و جل و رسوله (صلى اللّه عليه و آله) و ما يوجب و هن العزيمة و الحط من قدر المسلمين، و الشك في عقيدتهم و تنفيرهم عن الإسلام.
و الآيات المباركة تسلي النبي الكريم من ما يوجب حزنه، و تعلن ان اللّه تعالى لن يتركه و المؤمنين فهو يرعاهم و يحفظهم، و تبين ان ذلك كله سنة الهية جارية في خلقه فلا بد من تمييز المؤمنين من المنافقين و الخبيث من الطيب، و تأمر المؤمنين بالإيمان باللّه و رسله و التقوى و التسليم لأمره ليفوزوا بالأجر العظيم.
و الآيات الكريمة مرتبطة بما تقدم من الآيات التي وردت في بيان الجوانب المتعددة في غزوة احد و قد تقدم ذكر المنافقين و بعض كيدهم و في المقام يبين سبحانه و تعالى نوعا آخر منه، و يحذّر المؤمنين منه.

قوله تعالى: وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.
تسلية للنبي الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و مواساة له من الحزن الذي كان يصيبه من افعال المنافقين و أقوالهم مما يوجب و هن عزيمة المؤمنين و إيقاع الشك في عقيدتهم و الوقوع في الكفر. و كل ذلك مما يوجب الحزن.
و الآية المباركة توجه الخطاب للنبي (صلى اللّه عليه و آله) تشريفا له و لأنه واسطة الفيض، و لأنه المسؤول عن أمته و يرعى مصالحهم و هو يكشف عن ان الشغل الشاغل للرسول العظيم هو امر الدين و المؤمنين به و هي ترفع الحزن بنفي أسبابه و ترشد المؤمنين بازالة الحزن عن أنفسهم ببيان الواقع في المقام و هو انهم لن يضروا اللّه.
و قد أسند الحزن إلى ذواتهم باعتبار كونها مظاهر الفساد و الغواية و الضلال فتراهم يسارعون في الكفر و يقعون فيه سريعا من دون ترّيث و يجتهدون فيه و يمارسونه في أقوالهم و أفعالهم و نياتهم لأنهم استقروا في الكفر و تمكن في قلوبهم و لأجل ذلك كله تعدت المسارعة ب (في) و لم تتعد ب (إلى) و مثل ذلك ما ورد في حق المؤمنين قال تعالى: «وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ» آل عمران- 114 فان من شدة ايمانهم باللّه تعالى و كمالهم أنهم حريصون على الخير و راغبون فيه، و قد داوموا على ملابستهم له و استقروا فيه. و لعل تعدي المادة ب إلى في قوله تعالى «وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ‏ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» آل عمران- 133 باعتبار ان المغفرة و الجنة منتهى سيرهم و مسيرهم الاستكمالي.
قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً.
بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية فان اللّه تعالى غني عن العالمين لا يغلبه شي‏ء في السموات و الأرض و لا يضره كيد المنافقين و الكافرين و غيرهم و تظاهرهم على اطفاء نور اللّه تعالى و إيقاع الضرر بالمؤمنين لا يوجب اطفاء ذلك النور و طمس الحق، فهم لا يضرون إلا أنفسهم لأنهم يحاربون اللّه تعالى و قد خرجوا بسبب ذلك عن اهلية اللطف و حرموا أنفسهم عن كل خير فلا يبقى موضوع للتحزن و الأسى، و هم مسخرون تحت ارادته و مشيته عز و جل فقد تعلقت ارادته بأن يحرمهم من حظ الآخرة و يسلك بهم إلى أسوء العذاب فكانت عاقبة مسارعتهم في الكفر و بالا عليهم.
و في تعليق الضرر به تعالى كمال التسلية للنبي (صلى اللّه عليه و آله) و التشريف للمؤمنين، و لبيان ان مضارتهم مضارته تعالى و هي غير معقول في الواقع و هذا أيضا كذلك.
قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ.
تعليل و تأكيد لعدم مضارتهم له تعالى و اعلام بأن المضارة الحقيقية هي التي كانت في الآخرة دون ما يتوهموه و هم قد سلكوا مسلكا.
اختاروا فيه الملذات الدنيوية الفانية على الدرجات الرفيعة الاخروية و نعيمها و حرموا على أنفسهم نصيب الآخرة، و تعلقت ارادة اللّه تعالى الاقتضائية على طبق اختيارهم. و يأتي في الآيات التالية تفسير كيفية تعلق ارادته عز و جل بحرمانهم من نصيب الآخرة.
قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
اي و لهم مع الحرمان من كل ثواب و نعيم في الآخرة عذاب عظيم لا يتقدر بقدر جزاء ما كانوا يكفرون.
و قد وصف سبحانه و تعالى العذاب بانه عظيم إما باعتبار ان المسارعة في الكفر تدل على عظم قدره عند المسارع اليه و تعلق كل ارادته به و صرف جميع حيثياته في سبيله، فوصف تعالى عذابه بالعظيم تنبيها على حقارة ما سارعوا اليه، أو لأجل ان القصد عظيم لأنهم قصدوا إضرارا عظيما لا منتهى لعظمته فيترتب عليه العظيم.
و لم يقيد سبحانه و تعالى العذاب بالآخرة كما قيد الحرمان بها لكون عذابه أعم و لا مانع في ذلك فقد ورد في المنافقين: «سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ» التوبة- 101. و استحقاق العذاب العظيم هو نتيجة الحرمان من نصيب الآخرة لان كل من لم يكن له نصيب في الآخرة يكون سعيه في الدنيا و ان بلغ ما بلغ سببا في زيادة العذاب.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ.
تعميم لجميع الكافرين بعد تخصيص الآية السابقة بالمسارعين في الكفر فيصح ان تكون علة اخرى تعم لنفي ضرر جميع الكافرين و فيهم المسارعون في الكفر تقديرا للحكم السابق و تأكيدا له و لزيادة التسرية عن قلب سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و التسلية له.
و انما ذكر سبحانه لفظ الاشتراء زيادة في التقريع لأنهم بمعاملتهم في تبديل الايمان بالكفر قد استبدلوا الشريف العظيم بالدني الحقير، و لبيان انهم قد أخذوا الكفر رغبة منهم في ما أخذوا و إعراضا عما تركوا فيكون اظهر على سوء الاختيار و كمال الرضاء منهم، و لا يتأتى‏ ذلك في لفظ آخر و يستفاد منه علمهم بالخسران الكلي و الحرمان الأبدي فيكون الضرر عليهم عظيما.
و يصح ان يكون المراد بالكفر في المقام جميع مراتبه من الاعتقادي و القولي و العملي، و يشهد لهذا التعميم بعض الآيات الشريفة قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ» البقرة- 99 و قال تعالى: «وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» الممتحنة- 1 كما ان الايمان كذلك.
قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً.
اي: ان الكافرين جميعا لن يضروا اللّه شيئا و هذه العلة عامة يمكن تعليل الخاص و هم المسارعون في الكفر بها أيضا.
و الآية المباركة تبين قضية عقلية حقيقية هي عين الواقع لان من كان جامعا للصفات الكمالية و الجلالية بالذات و مسلوبا عنه جميع النواقص الواقعية و الادراكية لا يعقل في حقه النقص و النفع و إلا يلزم الخلف المحال و لعله لذلك عبر تعالى بالنفي التأبيدي و عن مولانا السجاد (عليه السلام) في صحيفته الملكوتية «يا من يستغنى به و لا يستغنى عنه و يا من يرغب اليه و لا يرغب عنه و يا من لا تفني خزائنه المسائل و يا من لا ينقطع عنه الوسائل».
قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
جزاء لتمردهم على اللّه تعالى، و هو يدل على شدة العذاب و فظاظته بذكر أحد آثاره و هو غاية الإيلام.
و قد وصف سبحانه و تعالى العذاب في الآية السابقة بالعظيم و هنا بكونه أليما لتفاوت الطائفتين فان الاولى كانوا مسارعين في الكفر فكان الجزاء المترتب على فعلهم عظيما و قد حرموا أيضا من نعيم الآخرة و لذاتها و استحقوا العذاب العظيم.
قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ.
بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن الكريم، و هي سنة من السنن الحكيمة في الاجتماع البشري، فإنها تدل على السير التكاملي الجاري عليه هذا النظام الأحسن. و تتضمن التوجيه للمؤمنين في ما يدور في نفوسهم إثر كل انتصار للباطل على الحق في الظاهر كما انها توجه الحديث إلى الكفار لتنذرهم بعدم الاغترار بما يحرزونه من النصر الظاهر المؤقت و ما يمليه لهم اللّه تعالى عليهم من انواع نعمه في الاعمار و الأولاد و الأموال فان ذلك ليس لأجل عناية خاصة من اللّه تعالى بهم، بل انما هو سنة جارية في الخلق فلا يعتبروه خيرا لكل واحد منهم بحسب نفسه و لا يضمرون في نفوسهم الخبيثة بأنهم خير من المؤمنين، أو ان الباطل الذي هم عليه خير من الحق ففي الواقع يكون الإملاء سببا لاسترسالهم في الغي و الضلال و الفجور و علة لغرورهم فتزيد آثامهم و جرائمهم لتكون خاتمة اعمارهم و أعمالهم العذاب المهين فان العبرة بالخواتيم لا بالمبادي، فالآية الشريفة قطع لأعذار المبطلين، و ازالة لكل وهم و حديث نفس من البين، فان ما املى اللّه تعالى به لكل فرد لا بد ان يصرف في التوجه إلى المحبوب الحقيقي و المطلوب الواقعي حتى يصل إلى الدرجة العالية من الكمال و الحياة الابدية و النعم السرمدية، و ان غير ذلك يكون وبالا على صاحبه و غيّا و ضلالا فاملاء اللّه تعالى للكافرين و العصاة انما يكون وفق‏ سنة حكيمة و لعل من بعض اسرارها أعمار نظام الدنيا الظاهري حتى تظهر دولة الحق فان اللّه تعالى أراد ان يعمرها بهذا النحو لأجل مصالح كثيرة، و ان اللّه تعالى ينعم على الكافرين ليميز الخبيث من الطيب و يزيد في درجات المؤمنين أو يرجع الكافر من العصيان الى الطاعة و الايمان فإذا اختاروا صرف ما املى به اللّه تعالى لهم في الطغيان و العصيان فهم في غضب اللّه تعالى و سخطه ما لم يرجعوا فإذا رجعوا إلى الايمان و الطاعة دخلوا في رحمته و رضوانه فالاملاء ليس علة تامة للمعصية بل هي تصدر بعمد الفاعل و اختياره.
و لا يختص مضمون هذه الآية الشريفة بالذين كفروا أو بشخص معين بل يجري في النوع و في كل من يعصى اللّه تعالى.
و مادة (ملل) تدل على رفع القيد، و منه أملى لفرسه إذا أرخى الطول ليرعى كيف شاء و منه الملأ: الحين الطويل و الأرض الواسعة لأنه يرجع إلى رفع القيد و الإطالة أيضا، و إلى هذا يرجع الملوان و هما الليل و النهار لطول تعاقبهما.
و المعنى: لا يحسبن الكافرون إن املاءنا لهم بالإمهال و ازالة القيود المانعة عن الاستفادة من أموالهم و أولادهم و شؤونهم خير لأنفسهم لان الإنسان بطبعه يحب الخير لنفسه و الشي‏ء انما يكون خيرا إذا صرفه الإنسان في تهذيب نفسه و تزكيتها من مساوي الأخلاق أو كسب به عملا صالحا ينتفع به دائما و لكنهم صرفوها في الخيرية الموقتة الزائلة و لا ريب انه ليس بخير بل الخير ما كان نفعه دائما و ابدا.
قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً.
بيان لإحدى المصالح و الحكم التي اقتضت إملاء اللّه تعالى لهم‏ و هي تعلق ارادة اللّه تعالى بأن يكون امهالا لهم و استدراجهم إلى زيادة الإثم بسوء اختيارهم و إضرارا بأنفسهم جهلا منهم.
و اللام في قوله تعالى: «لِيَزْدادُوا» للعاقبة نظير قوله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» القصص- 7.
و الحصر المستفاد من «انما» باعتبار العاقبة لانحصار الحكمة في ذلك فقط.
اي: ليس لهم عاقبة خير ما داموا على الكفر و العصيان كما عرفت.
قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.
بيان لسوء حالهم في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا اي وراء ذلك عذاب معه الهوان جزاء كفرانهم و انما كان عذابا مهينا باعتبار تعززهم و تجبرهم في الدنيا بما املى اللّه تعالى به لهم من انواع النعم و إطالة الاعمار فاورثتهم ذلك في الآخرة عذابا مهينا لهم.
قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
ذكر تبارك و تعالى في هذه الآية الكريمة جملة من القضايا الحقيقة الثابتة في الطبيعة التي هي مسخرة تحت ارادته و مشيته جلّت عظمته و هي من أهم القوانين الجارية في مسير التكامل و الاستكمال، و لا تختص بنوع معين بل هي جارية في جميع الماديات من الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان لان المهم لافراد الإنسان في عالم المادة هو تمييز الخبيث من الطيب لأغراضهم العقلائية و نرى ذلك في الاعشاب و النبات و الأثمار و المعادن و الأحجار إلى غير ذلك مما لا يحصى و أوكل اللّه تعالى كل ذلك إلى بني آدم كما في قوله تعالى: «سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ»* لقمان- 20 على حسب مراتبهم في العقول و الأفكار.
و اما نفس الإنسان فقد تصدى الباري عز و جل تمييز خبيثهم عن‏ طيبهم بواسطة أنبيائه و رسله الذين هم ادلة مقاله و تراجمة وحيه، و كفى بذلك فخرا لهم على غيرهم من الممكنات.
و في هذه الآية الشريفة التفات إلى المؤمنين و إعراض عن خطاب الكافرين الذين بين سبحانه و تعالى حقيقة الأمر بالنسبة إليهم، و فيها أرشد عز و جل المؤمنين إلى انهم لم يخرجوا عن سنة الابتلاء التي هي من أهم سبل التكميل.
و المراد بقوله تعالى: «عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» اي: بما هم عليه من اشتباه الحال و اختلاط بعضهم ببعض. و في الآية الشريفة الوعد بالنسبة إلى المؤمنين و الوعيد بالنسبة إلى الكافرين و المنافقين. و قد ذكر المفسرون في المراد من الآية الكريمة اقوالا لا ترجع إلى محصل.
قوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
غاية للنفي السابق اي: ان اللّه تعالى ما كان يذر المؤمنين على اشتباه الحال و اختلاط المخلص في الايمان بغيره حتى يفرق بين الخبيث و الطيب فانه لا بد من التمييز لان الأمور لا تستقيم إلا إذا تميز الخبيث من الطيب لان الخبيث لا اهلية له بالاختلاط مع الطيب و لا اهلية له لحمل الأمانة الملقاة على المؤمنين و لا تستقيم حالهم إذا خالطهم الخبيث فانه يعوقهم عن إقامة الحق و يوهن عزائمهم و يعوج لهم الطريق المستقيم فالخبيث بمنزلة المرض الذي يوجب الهلاك و الفناء.
و المراد بالخبيث كل من كان منقادا للشيطان و تابعا لهواه و لم يتنور قلبه بنور الايمان فيسرع الى فعل الموبقات و ارتكاب الآثام و يسعى إلى البغي و الفساد و الانقلاب على الأعقاب.
و الطيب بخلافه و هو المطيع للّه تعالى المخالف لهواه و المتبع للحق.
و يميز- بفتح الياء و كسر الميم و سكون الياء- فعل مضارع و ماضيه ماز، و قرئ بالتشديد فيكون ماضيه ميّز، و هما لغتان بمعنى، كما عن جمع من اللغويين، و ليس التضعيف لتعدي الفعل لأنهما يتعديان إلى مفعول واحد يقال: مرّت الشي‏ء بعضه من بعض أميزه، و ميزته تمييزا و قال بعضهم: مزت الشي‏ء اميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين، فان كانت أشياء قلت ميزتها تمييزا نظير (فرق) فانه إذا جعلت الواحد شيئين يقال: فرقت بينهما (مخففا). و منه فرق الشعر و إذا جعلت بين الأشياء يقال فرقت (مشددا) تقريبا. و امتاز القوم اي تميز بعضهم عن بعض و في الحديث: «من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة».
و الطيب و الخباثة قد ينسبان إلى الذوات، و قد ينسبان إلى الأفعال و الأعمال و الصفات، و لمشيته تبارك و تعالى و ارادته دخل في تمييز الخبيث من الطيب بنحو الاقتضاء كما ان لإرادة العبد أيضا دخلا كذلك، فإذا اجتمعت جميع مقتضيات الخباثة فإلى النار لا محالة، كما إذا اجتمعت جميع مقتضيات الطيب فالى الجنة لا محالة، و المقتضيات في كل واحد منهما كثيرة لا يحصيها الا اللّه تعالى، و لعل تعقيب هذه الآية الشريفة بقوله تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» اشارة إلى ذلك.
و طرق تمييز الخبيث من الطيب كثيرة و لا يتعين في طريق خاص فاما الإخبار بالطيبين و الخبثاء و الاطلاع عليهم بالوحي من دون مقاساة الأهوال و البلايا و لكن ذلك خلاف حكمته تعالى فانه لا يطلع على غيبه احد و ما اقتضته السنة الاجتماعية و النظام الأحسن. أو الابتلاء الذي يكشف عن خفايا النفوس و غير ذلك.
و كيف كان فلا بد من تدبير ربوبي و معية قيومية و لا يمكن ان يقوم به غير اللّه تعالى و هو من علم الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به نفسه فلا يطلع عليه احد إلا من اجتبى من رسله فيطلعه على ذلك بالوحي و في ذلك يقول تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ».
و التمييز هذا يقترن مع الشدة و الجهاد و بذل الأنفس و الأموال و فيها مقاساة البلاء و مشاهدة مختلف الأهوال و المتاعب و المشاكل الكثيرة و يحتاج الى الصبر و المثابرة، فان جميع ذلك مقدمة للسعادة العظمى و الفوز الأكبر في الدنيا و العقبى، بل مقدمة لوصول العاشق المتيم الى المعشوق الحقيقي و ليست متاعب هذه المرتبة محدودة بحد خاص و درجة مخصوصة و قد وصف علي (عليه السلام) المؤمنين الممتحنين بالامتحان الربوبي في خطبته المباركة الواردة في وصف المتقين بأحسن وصف.
و لكن لا بد ان يعلم ان التمييز الذي يوجب الحمد و استحقاق عظيم الأجر و الثواب انما هو ما كان بالاختيار الحاصل من الايمان باللّه تعالى و رسله، و العمل الصالح و التقوى، فالطيب و الخباثة انما يدوران مدار الأمر الاختياري و هو الايمان و الكفر و لذا كانا أمرين اختياريين، و لعل ذيل الآية الشريفة يرشد إلى ذلك قال تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» آل عمران- 179.
قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
اي ان اللّه تعالى لا يليق بحكمته و جلالة شأنه ان يطلع أحدا من عباده على الغيب إلا من يجتبي من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب بالوحي.
و المراد بالغيب الشريعة و شؤونها و موارد الامتحان و خصوصياته و درجاته فانه كما عرفت له شأن كبير ليس كل احد أهلا له، بل قيام كل فرد به اختلال النظام و لأن عالم المادة هو عالم الحجب الظلمانية و عالم الغيب مباين له فكيف يمكن ان يطلع المحجوب بالحجب الظلمانية على الغيب المكنون. نعم لو أمكن لعبد ازالة تلك الحجب باختياره لعلم ما لا يعلمه غيره و هو يختص بمقام الأنبياء و المرسلين حيث أشرقت على نفوسهم المقدسة الشوارق الازلية و كانوا أهلا للكمال فعرجوا بهممهم العالية عن الأمور الدنيئة فتتابعت عليهم الفيوضات الإلهية فصاروا قسيمي الجنة و النار.
قوله تعالى: وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ.
اي: ان الطريق الذي اختارته الحكمة الإلهية و الذي يكشف به خبايا النفوس و يتميز الطيب من الخبيث هو ان يرسل اللّه من يجتبيه من رسله و يدعوا الناس الى الايمان باللّه و رسله و الطاعة له و الجهاد في سبيله تعالى و الصبر على الايمان فانه الطريق الذي يميز به الخبيث من الطيب. و قد بين سبحانه و تعالى في موضع آخر من القرآن الكريم ان الحياة الدنيا هي محل الابتلاء قال تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» الملك- 2.
و الاستدراك في الآية المباركة «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي» لبيان كيفية وقوع التمييز على سبيل الإجمال و اشارة الى امر مهم لا يمكن ان يتصدى له احد الا هو عز و جل و هو الاصطفاء و الاجتباء من عباده للانذار و التبشير و تصديه للتمييز بين الخبيث و الطيب بأمره تبارك و تعالى، و لعل في ذكر اسم الجلالة إيماء الى ان تلك الأمور يتصف بها هو عز و جل لكونه الها.
قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ.
أتم بيان للتمييز بين الخبيث و الطيب اي: آمنوا مخلصين في ايمانكم باللّه و رسله الذين اجتباهم تعالى لهدايتكم. و التفريع باعتبار ان الايمان باللّه تعالى و الرسل مادة الطيب و روح الحياة الطيبة كما قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» النحل- 97 و هو يدل على ان ثمرة الايمان هي الحياة الطيبة، و المستفاد من ذلك ان الطيب و الخباثة يدوران مدار الايمان و الكفر، و قد امر سبحانه و تعالى باكتساب سبب الطيب و مادته بالاختيار لان الايمان امر اختياري.
قوله تعالى: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
إعلام بأن آثار الحياة الطيبة مترتبة على العمل الصالح و الأجر متفرع على الايمان و التقوى بعد بيان أن الايمان روح الحياة الطيبة و هو مادة الطيب فالاجر العظيم المعدّ للمؤمنين انما يكون لمن آمن باللّه تعالى و رسله و اتقى ما يوجب مخالفته عز و جل و هذا ما يدل عليه جملة كثيرة من الآيات الشريفة. و لذا كرر عز و جل الأمر بالإيمان فان الاول كان لدرك طيب الحياة، و الثاني لدرك الأجر العظيم الذي لا يعرف كنهه و خصوصياته الا اللّه تعالى لان الابتلاء عظيم و هو شاق على النفوس فيكون أجره عظيما ايضا.

قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ» بفتح الياء و ضم الزاي، فان (يحزن) بفتح الياء و الزاي للقاصر، و بضم الزاي للمتعدي و في المصباح انها لغة قريش و عليها استعمال القرآن الكريم في تسعة موارد منها المقام و اسم المفعول (محزون) في العامة من هذه اللغة.
و شيئا في قوله تعالى: «لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» واقع موقع المصدر اي شيئا من الضرر و هو يفيد العموم لوقوعه في حيز النفي اي لا واقعا و لا وهما.
و قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ» عطف على قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ» و الفعل مسند الى الموصول و (ان) و معمولها ساد مسدّ مفعوليه لحصول المقصود و هو تعليق افعال القلوب بنسبة بين المبتدأ و الخبر، و قيل المفعول الثاني محذوف و (ما) إما مصدرية أو موصولة؛ و الضمير في (نملي) محذوف أو التقدير عليه و كان الحق ان تكتب (ما) في الوجهين مفصولة و لكنها كتبت موصولة في المصاحف، و لعل الوجه هو المشاكلة لما بعده. و «خير» خبر و قرئ «خيرا» بالنصب على ان يكون لأنفسهم هو الخبر. و «لهم» بيان أو حال من «خير» هذا.
و قرئ و «لا تحسبن» بالتاء و الخطاب إما للنبي (صلى اللّه عليه و آله) أو لكل من يتأتى منه الحسبان فيكون الموصول مفعولا و «انما نملي» بدل اشتمال من «الذين» فيسد مسد المفعولين كما عرفت.
و اللام في قوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ» قيل انها متعلقة بمحذوف هو الخبر و الفعل يذر منصوب بأن مضمرة اي: و ما كان اللّه مريدا لان يذر المؤمنين.
و قيل إن اللام مزيدة للتأكيد و ناصبة للفعل، و الخبر هو الفعل و أشكل عليه بأن الزائدة كيف تعمل و يجاب عنه بانه لا يقدح زيادتها فان الزائد قد يعمل كما في حروف الجر.
و الحق ان اللام لا تكون زائدة بل هي للتأكيد و تنصب الفعل لأنه لا معنى للزيادة في القرآن و لو بحرف واحد كما عرفت.
و «يذر» من يوذر حذفت الواو منها تشبيها لها بيدع و ليست العلة التي أوجبت حذفها موجودة في الأخيرة و لكنها موجودة في «يذر» إذ لم تقع بين ياء و كسرة و لا ما هو في تقدير الكسرة بخلاف (يدع) كما هو معلوم.
و انما فتحت الذال تشبيها بيدع فان الدال فيه فتحت لان لامه حرف حلقي مثل يسع، و يقع، و لم يستعملوا من «يذر» ماضيا و لا مصدرا، و لا اسم الفاعل، استغناء بتصرف مرادفه، و هو يدع.
و من في قوله تعالى: «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ» لتبين الصفة لا التبعيض لان الأنبياء كلهم مجتبون كما في قوله تعالى: «ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ» فاطر- 2، و كما في قولك: (عندي عشرون من الدراهم) إذا قصد بالدراهم جنسها دون دراهم معينة، و قد أوضح ذلك الشيخ الرضي في شرح الكافية.
و قيل: إن (من) في المقام لابتداء الغاية و تعميم الاجتباء لسائر الرسل للدلالة على ان شأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في هذا الباب له اصل اصيل و أمر مبين له و جار على سنة اللّه تعالى الجارية في جميع الرسل (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
و لا فرق بين الوجهين من حيث النتيجة لان الأنبياء في كل من الوجهين يكونون من المجتبين للّه تعالى، و لكن الوجه الأخير من الوحدة في الكثرة باعتبار ان مقام سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) مقام جمع الجمع بخلاف الاول فانه بلحاظ الكثرة بنفسها.
و قيل: ان (من) للتبعيض لان الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل بما فضل اللّه تعالى به بعضهم على بعض لا بأصل الرسالة و لكنه بعيد عن السياق خصوصا بملاحظة التفريع في قوله تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ».
و طلع في قوله تعالى: «لِيُطْلِعَكُمْ» لازم و متعد يقال: طلعت على كذا، و اطّلعت عليه، و اطلعت عليه غيري فهو لازم و متعد.

تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ» على ان إعراض الناس عن الايمان موجب لحزن سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و نظير ذلك قوله تعالى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» الكهف- ٦ و قوله تعالى: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ» فاطر- 8 فهو الحريص على ايمان الناس جميعهم و الدخول في رحمة اللّه عز و جل و لا يبقى بغي و ظلم على وجه الأرض.
و الآية الشريفة تسلي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك و ترشده الى الحزن لأنه ليس له الا البلاغ قال تعالى: «فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ عَلَيْنَا الْحِسابُ» الرعد- ٤۰، مضافا الى أن المستفاد من الآية الكريمة أن سبب حزنه (صلى اللّه عليه و آله) هو مسارعتهم في الكفر و خوف الإضرار بالمؤمنين، و لذا ورد في علة النهي «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً».
الثاني‏:
يدل قوله تعالى: «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» على كمال عنايته عز و جل بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين حيث جعل مضرتهم مضرته عز و جل، و هو يعدهم بأن إضرار الكافرين لا يصل إليهم كما ان اضرارهم لا يصل الى اللّه تعالى فانه الغني عن العالمين و القادر على أن يغني المؤمنين و يعزهم بعزته، و يمنحهم الصبر و يجزيهم الجزاء الأوفى، و يقمع كيد الكافرين و يرده عليهم قال تعالى:
«لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»* الزمر- ٦۳. و من مظاهر استيلاء اللّه تعالى عليهم و عدم إمكان اضرارهم له أن حرمهم اللّه تعالى من حظ الآخرة الذي هو عظيم امره، و أوعدهم العذاب العظيم الذي أعده اللّه تعالى الكافرين جزاء مسارعتهم في الكفر و كانت ارادته تعالى لذلك مستمرة معهم لا تبديل لها و هم اختاروا ذلك.
الثالث‏:
يدل قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ» ان كل من اعرض عن الايمان سواء كان من المسارعين في الكفر أم من غيرهم لن يضروا اللّه تعالى و المؤمنين فإنهم معززون بعزته.
و الآية المباركة تدل على كمال غبنهم في هذا التبديل حيث بدّلوا أعز الأشياء و أعظمها و خيرها بأخسّها و أقبحها و شرها و في هذه الحالة كيف يمكن ان يضروا اللّه تعالى و هو القيوم و العزيز الذي لا يضام و العظيم الذي لا يدانيه احد.
و هذه الآيات تدل على أعظم الحقائق الواقعية التي غفل عنها جميع اهل الباطل، فان انغماسهم في المادة و غرورهم في الدنيا و تجبرهم على الحق و اهله أوجبت أن يظنوا باللّه العظيم الظنون الباطلة التي أوقعتهم في المهلكة و الشقاء.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ» على حقيقة و هي ان الخير في الدنيا انما هو امر وهمي لا واقع له، و انما الخير الواقعي الذي لا بد من طلبه و السعي في ابتغائه هو الذي يبينه عز و جل و يحده القرآن الكريم في مواضع متعددة و هو الايمان و التقوى و العمل الصالح الذي يترتب عليه الحياة الطيبة و السعادة العظمى في العقبى قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» النحل- 97 و قال تعالى: «وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» العنكبوت- 64 فالخير الذي يظنه الكافرون مما أنعمه اللّه تعالى عليهم من الأموال و الأولاد انما هو في الواقع تسخير إلهي لينساقوا الى حيث لا يبقى لهم حظ و قد سلبهم عن الكمال الواقعي المعد لجميع افراد الإنسان و من سوء ظنهم انهم اعتبروا ان ذلك الاستدراج لهم من المسارعة لهم في الخيرات، قال تعالى: «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» المؤمنون- ٥٦ و في ظنهم انهم يوم القيامة يؤتون خيرا مما أوتوه في الدنيا قال تعالى: «وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً» الكهف- ۳٦.
و قد بين عز و جل في موضع آخر ان هذا الاستدراج من كيده المتين، قال تعالى: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»* الأعراف- 183 فاعتبر عز و جل أن ذلك الاستدراج من جزاء الكيد الذي اراده الكافرون للّه و للمؤمنين فهو يسوقهم به الى ازدياد الإثم الموجب لاستحقاق العذاب المهين و لا يخرج جميع ذلك عن سنة متقنة جارية في الحياة و هي سنة التكميل و ابتلاء المؤمنين و تمييز الخبيث من الطيب، قال تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» آل عمران- ۱۸٦ هذه هي الحقيقة في استدراج الكافرين و بيان الواقع في إملاء اللّه تعالى لهم في الأموال و الأولاد.
الخامس‏:
يستفاد من التفنن في وصف العذاب في المواضع الثلاثة- بين عظيم و اليم و مهين- ان كل وصف يناسب مضمون الآية التي ورد فيها الوصف، ففي المسارعة في الكفر يكون العذاب عظيما لان الكفر قد خلب لبهم و استولى على جميع احاسيسهم، و اشتد تسرعهم فيه، فكان ذلك عظيما و كان الجزاء كذلك ايضا.
و في اشتراء الكفر بالإيمان يكون العذاب أليما لأنهم تركوا الإيمان و رغبوا في الكفر بسوء اختيارهم فإنهم بعد معرفتهم حقيقة الحال لا بد من تألمهم كما يتألم المشتري المغبون إذا عرف مقدار الغبن الكبير و لا محيص عن دفعه عنه.
و في الإملاء للكافرين يكون العذاب مهينا فإنهم كانوا يتجبرون بما املاهم اللّه تعالى لهم و يطلبون بذلك العز و الكرامة فآتاهم اللّه عز و جل العذاب المهين و كل ذلك من دقائق الأمور التي لا يعلمها إلا اللّه جلت عظمته.
السادس‏:
يستفاد من قوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» ان التكميل و الابتلاء في طريقه و توارد الآلام و المحن في ابتغائه مما لا بد منه و لا محيص عنه فان من أراد ان يسلك في سلك الطيبين فلا بد له من تحمل البلاء و الصبر عليه.
و تدل الآية الشريفة على ان التمييز بين الخبيث و الطيب في الإنسان منحصر في الايمان باللّه تعالى و التقوى و العمل الصالح، فالدخول في الطيبين طريقه منحصر في الايمان باللّه تعالى و لكن ذلك لا يكفي في نيل الأجر العظيم بل لا بد من البقاء و الاستمرار عليه و حفظ طيبه و هو منحصر في العمل الصالح و التقوى.
و بالجملة: ان من كان مؤمنا بنحو ما اراده اللّه تعالى من العبد فهو من الطيب فإذا وافق العمل الاعتقاد كان طيبا بالذات و بالفعل، و يستتبع ذلك سعادة الدنيا و الآخرة. و من كان غير ذلك فهو خبيث إما اعتقادا أو عملا أو هما معا.
السابع‏:
يستفاد من قوله تعالى: «حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» انهما أمران اختياريان لأنهما يدوران مدار الايمان و الكفر و هذه حقيقة قرآنية و يترتب عليها امور مهمة منها جزاء الأعمال، و منها تكشف اسرار التوحيد و لعلنا نتعرض لذلك في موضع مناسب ان شاء اللّه تعالى.
الثامن‏:
يدل تكرار لفظ الجلالة- في قوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ»، مع ان الثلاثة الأخيرة من وضع الظاهر موضع المضمر- على ان اللّه تعالى هو مصدر الجلال و الجمال، و ان تلك الأمور التي في الآية الشريفة من مختصات الإله الواحد المتصف بالالوهية و ان الرسل وسائط الفيض.
التاسع‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ» ان طريق الإنسان الى العلم بالحقائق إنما هو منحصر بالاستدلال، و الحاصل من نصيب العلامات و اقامة البراهين، و انه لا مطمع لاحد في الاطلاع على الغيب فانه منحصر باللّه تعالى و بمن يجتبيهم عز و جل.
و تعقيب هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ» يدل على فضل الرسل و مزيتهم على سائر الخلق و قصور رتبة غيرهم عن الاطلاع على الغيب و الوقوف على خفايا الأمور و الأسرار التي لا بد من إصدارها عن طريق الوحي.
العاشر:
الآية الشريفة لا تبين طرق التمييز بين الخبيث و الطيب و إنما تدل على انه من الأمور التي تختص باللّه تعالى و قد بين عز و جل في مواضع اخرى من القرآن الكريم تلك الطرق و لعل ذكر اجتباء الرسل بعد ذلك فيه الدلالة على ان جميع مجاهدات الأنبياء و غزواتهم و حروبهم ليس الا للتمييز بين الخبيث و الطيب، فتكون هذه الآية الكريمة بمنزلة العلة لجميع ما ذكر في غزوة أحد و سائر الغزوات و اللّه تعالى هو العالم بما مضى و بما هو آت.
الحادي عشر:
يدل قوله تعالى: «وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» على ان الايمان لا يكمل الا بالتقوى و ان الأجر انما يكون على حسب الايمان المقترن بالتقوى و العمل الصالح.

في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: أخبرني عن الكافر الموت خير له أم الحياة؟
فقال (ع): الموت خير للمؤمن و الكافر قلت: و لم؟ قال لان اللّه تعالى يقول: «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» و يقول: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ».
أقول: روي قريبا منه في الدر المنثور عن ابن مسعود، و حيث انه ذكر الأبرار في مقابل الذين كفروا صح ان يراد به مطلق المؤمنين لا طائفة خاصة، و يشهد لذلك جملة من الآيات و الاخبار التي وردت في بيان درجات الجنة للمؤمنين.
و في اسباب النزول للواحدي قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «عرضت عليّ امتي في صورها كما عرضت على آدم و أعلمت من يؤمن بي و من يكفر، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزأوا، و قالوا يزعم محمد انه يعلم من يؤمن به و من يكفر، و نحن معه و لا يعرفنا فانزل اللّه تعالى هذه الآية «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ».
أقول: على فرض صحة الحديث لا بعد فيه بحسب القواعد العقلية لان المستفيض قابل لجميع أنحاء الاستفاضة و المفيض بالنسبة اليه لاحد لإفاضته، فعرض صور الامة عليه يكون كعرض أعمالها عليه في كل يوم الاثنين و الخميس كما نطقت به الأحاديث.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"