1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 169 الى 175

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (۱۷٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (۱۷٥)


بعد ما بين سبحانه و تعالى مكر المنافقين و ضعف نفوسهم و تحداهم بأمر واقع لا نكران فيه بأن الموت كما يصيب المجاهدين في سبيله تعالى كذلك يصيب القاعدين و لا يستطيعون درء الموت عن أنفسهم بقعودهم.
بين في هذه الآيات الشريفة المائز و الفارق بين ميتة القاعدين و بين ما يصيب المجاهدين في سبيله تعالى و لا يموتون ميتتهم فإنهم ليسوا أمواتا و لا تكون حياتهم محدودة فلا تنتهي و انما لهم الحياة عند ربهم متصفين بأكمل الصفات و أسماها، فرحين، و مستبشرين، لا يطرأ عليهم خوف و لا حزن لأنهم عند «مليك مقتدر».
و الأحياء عند ربهم هم الذين استجابوا للّه و الرسول و لم تزلزلهم المحنة و لم تقعدهم الجراحات عن الجهاد في سبيله و لم يخشوا من تجمع الأعداء و لم يرهبهم ارجاف الناس بل زادهم كل ذلك ايمانا به تعالى و تسليما لأمره فاعتمدوا عليه و ساروا على النهج الذي فيه رضوان اللّه تعالى و يستبشرون خيار المؤمنين بكمال سعادتهم.
و قد كشف سبحانه و تعالى عن منشأ الخوف و هو الشيطان الذي يخوف أولياءه تعالى و لكنهم لا يخافون سواه تعالى و ان قلوبهم مملوءة بالثقة باللّه العظيم و الايمان به.

قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً.
بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية التي غفل عنها جميع من قصر نظره على المادة و الماديات و اعرض عن الواقع و الحقيقة، و لأجل اهمية المضمون تحقق الالتفات في الآية المباركة عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فكأن هذه الحقيقة لا يمكن دركها بسهولة و لا يتقبلها عقول سائر الناس المأنوسة بالماديات إلا من كان متصلا بالفيض الربوبي و متربيا بالتربية الإلهية و مهتديا بهدى اللّه تعالى.
و الآية المباركة رد لجميع مزاعم المنافقين و الكافرين و كل متوهم‏ يتوهم ان الموت هو سبب لصيرورة الميت كالجماد روحا و بدنا و انعدام كل منهما فلا حياة بعد ذلك وراء هذه الحياة الدنيا و لا بعث. و التعبير بالحسبان للاعلان ببطلان هذا الزعم و فساده.
و المراد بسبيل اللّه كل سبيل شرع لإقامة الحق و إزاحة الباطل و قمعه سواء كان من الجهاد الأكبر أو الجهاد الأصغر، و تعلم المعارف الربوبية و الاحكام الشرعية، و تهذيب النفس بما يرتضيه اللّه تعالى، بل و يشمل السعي في قضاء حوائج المؤمنين تقربا إلى اللّه تعالى؛ فكل من قتل في سبيل تلك تشمله الآية الشريفة.
كما ان المراد بالموت هنا هو الموت الظاهري و سقوط الإدراك لأجل مفارقة تلك الحياة الحيوانية المعروفة.
و الحياة الثانية هي الحياة الواقعية المعنوية، فالشهيد بالحق و في الحق تصعد روحه الى الجنة و تعيش في المقامات المعدة لها، فتكون أرواح الشهداء من مظاهر تجليات الحق بالحق و من شوارق اشعة الذات غير المحدودة بحد أبدا.
فالآية الشريفة تبين حقيقة من الحقائق الواقعية و هي الحياة بعد الموت و ان الإنسان بروحه لا بجسده فحسب فهي التي تشقى أو تسعد و المنافقون و غيرهم غفلوا عن هذه الحقيقة و اقتصروا على ما هو المحسوس و كان قصدهم من ذلك تثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل اللّه تعالى و تقنيطهم عن مأمولهم و ما كانوا يرجونه في جهادهم و قتلهم في سبيل اللّه تعالى لكن الوجدان الانساني يعلن بطلان أقوالهم و يحكم عليهم بالخزي و العار و ان نصيبهم من ذلك الحرمان و الشقاء.
فالآية المباركة ترشد إلى أمر وجداني يذعن الإنسان به بعد أدنى تفكر و روية، و لعل ذلك كله هو الوجه في تأكيد هذه الحقيقة في القرآن‏ الكريم و تكرارها في مواضع متعددة منه و قد تقدم في قوله تعالى: «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ» البقرة- ۱٥٤ فقد نفى عز و جل عنهم الشعور لكثرة انسهم بالماديات و غفلتهم عن الحقائق و المعنويات و بعد التفكير و عدم الاقتصار على الجانب المادي فقط في هذه الحياة تنكشف الحقيقة بوضوح هذا و للإذعان بهذه الحقيقة فوائد كثيرة فانه يوجب الاعتقاد ببقاء الروح و انها تنتقل من عالم الى عالم آخر، كما انه يقتضي زوال كثير من الهموم و الغموم التي تصيب الإنسان في الحياة الدنيا و شدة الاقدام و المثابرة في تحمل المكاره للعلم بأنها إذا كانت في سبيل اللّه تعالى فان لها الجزاء الأوفى و هي توجب السعادة و العيش الهني‏ء في العقبى.
و لذا نرى ان هذه الحقيقة انما تذكر بعد آيات الجهاد و القتال في سبيل اللّه لما لها الأثر الكبير على الصبر في ميدان القتال و المثابرة عند النزال.
كما ان الاعتقاد بهذه الحقيقة يكون من اسباب استكمال الإنسان و اعداد نفسه لحياة اخرى بوجه أتم و أكمل كما تدل عليه ذيل الآية الشريفة و آيات اخرى في مواضع متعددة، يضاف إلى ذلك ان لها الأثر الكبير في النفس فتجعلها مطمئنة راضية بما قسمه اللّه تعالى و ما ينزل عليها من المصائب.
قوله تعالى: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
إبطال لما زعموه في المقتولين في سبيل اللّه تعالى بأنهم أموات قد انتهت حياتهم بل هم احياء بحياة خاصة و مقربون عند ربهم يتغمون بأنواع الرزق في تلك الحياة الكريمة و سعداء في ذلك العالم الحميد، و قد كرمهم عز و جل بذكر (عند) و الربوبية و اضافتها إلى ضمير (هم) و فيه غاية التكريم و التبجيل و قد تقدم في آية (۱٥٤) من سورة البقرة بعض الكلام فراجع.
قوله تعالى: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
الفرح: السرور و هو ضد الحزن اي: انهم مسرورون بما وجدوه من فضل اللّه الذي كان حاضرا مشهودا عندهم، و الفضل هذا يكون زائدا على الرزق فانه ما كان من غير مقابلة قال تعالى: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» فاطر- 30.
و هذه الآية الشريفة تثبت الحياة الكاملة لهم بعد قتلهم، و تبين نهاية السعادة و رفعة الدرجات.
قوله تعالى: وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ.
مزيد بيان لتلك الحياة فإنهم في تنعمهم في فضل اللّه تعالى يفرحون بأخبار خيار المؤمنين الباقين في الحياة الدنيا و يستبشرون بسعادتهم و صلاحهم في الآخرة. و انما عبر تعالى: «مِنْ خَلْفِهِمْ» لبيان انهم على طريقة الشهداء و يقتفون أثرهم.
قوله تعالى: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.
بيان لصلاحهم في الآخرة اي: انهم يستبشرون بمن خلفهم بأنهم لا خوف عليهم من المتوقع و لا هم يحزنون من الواقع و انما كان ذلك منهم مشاهدة و إرشادا للمؤمنين بأن لا يخافوا مما يصيبهم و لا يحزنوا مقابل تلك المقامات العالية.
و قد أبهم الخوف و الحزن لتدل على التعميم من كل جهة يمكن ان تفرض، لان النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ.
جملة مستقلة لم يذكر فيها حرف العطف اهتماما و تعظيما لأن مفادها نعمة عظيمة فوق جميع النعم.
و الاستبشار هو الخبر السار الظاهر سروره على البشرة و هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال أنفسهم و الاستبشار بحال غيرهم، و انما حصلت هذه الفضيلة لهم من مجاهداتهم في سبيل اللّه تعالى و الاصطبار عليها.
و النعمة: هي الأجر الجزيل الذي اتحفهم تعالى به و خصهم بولايتهم، و الفضل هو الكرامة التي حباهم عز و جل زيادة على أجرهم و جزائهم نظير قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ» يونس- ۲٦.
و انما جمع عز و جل بين الاستبشار بانتفاء الخوف و الحزن، و الاستبشار بنعمة من اللّه و فضل لبيان تمامية النعمة و كمال الحياة بعد الموت، و الإرشاد الى ان أعمالهم مشكورة و مقبولة عند اللّه و هي محفوظة لهم قال تعالى: «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ»* البقرة- 110 و لعله لأجل ذلك كله كرر سبحانه و تعالى الاستبشار و الفضل في الآيات المتقدمة.
و قد أبهم عز و جل النعمة و أضافها الى نفسه جلّ جلاله ليقترن الفخامة الذاتية لفخامة الاضافية، و ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن، كما انه عز و جل جمع بين النعمة و الفضل لبيان ان النعمة التي أنعمها اللّه تعالى عليهم مضاعفة و لا نهاية لسرورهم و لذّاتهم و لا حد لعناياته عز و جل بهم.
قوله تعالى: وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
تأكيد آخر بتوفية اللّه اجر المؤمنين من الشهداء و غيرهم من غير نقصان، و الآية الشريفة تبين وجه نفي الحزن و الخوف عنهم فان الإنسان انما يخاف إذا كانت النعمة التي هو فيها في معرض الزوال، و يحزن إذا علم بفقدان السعادة التي اكتسبها فإذا تيقن بأن الأعمال محفوظة عند اللّه تعالى و انه عز و جل لا يضيع الأجر عنده فيرتفع الخوف و الحزن عنه و هذا هو الفضل الذي ذكره تعالى ابتداء و إذا كان عز و جل هو الذي يتولى أمرهم و يمنحهم الفضل الكبير لا وجه للحزن و الخوف عنده.
و انما ذكر عز و جل المؤمنين تنويها بمقامهم السامي و ان تلك المقامات التي ذكرها عز و جل انما تنال بالإيمان. فما ذكره تعالى في هذه الآيات انما هو لبيان تمام النعمة و الدخول في حياة كاملة لا ينغصها شي‏ء من الكدورات و قد خصهم عز و جل بولايته و منحهم انواع النعم.
و الآيات الشريفة المتقدمة من أجل الآيات التي وردت في اثبات الحياة للروح بعد الموت و اثبات عالم البرزخ و تنعم أرواح الشهداء و ابطال مزاعم الكفار و المنافقين في هذا المجال و هي في غاية الفصاحة و البلاغة بأسلوب جذاب لطيف في منتهى الجمال و الروعة و قد ذكر عز و جل فيها من الدقائق و الرموز التي لا يمكن ان يدركها عقول سائر الناس إلا بواسطة الوحي المبين و ارشاد واسطة الفيض الربوبي و هي تدل على امور نحن نذكر جملة منها في المقام.
منها: انه عز و جل ذكر ابتداء الأمر بطلان كل ما قيل من السوء أو يقال في هذا المجال و بين فساد مزاعم المنافقين في أرواح الشهداء و المؤمنين و أدرج جميع ذلك في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» و يستفاد من ذلك ان الاعتقاد بخلاف ما ذكره عز و جل من مجرد الحسبان الذي لا واقع له.
و منها: ثبوت الحياة الكاملة لأرواح الشهداء التي شرّفها عز و جل و انها حاظت مقام القرب لديه الذي هو من أجل المقامات و لا يعقل محمدة فوق هذه المحمدة لان الشهداء بذلوا أعز الأشياء عندهم و هي الروح فإذا فدّى الإنسان ما هو أعز الأشياء لديه في سبيله جلت عظمته كان الجزاء عظيما و ينال ذلك المقام العظيم و هو مقام القرب و لذا ورد في الحديث انه «فوق كل بر بر إلا القتل في سبيل اللّه فليس فوقه بر» و العندية المذكورة في الآية المباركة ليس المراد بها العندية الظاهرية بل العندية الواقعية الحقيقية التي لا يعقل لها حد. و ليس لجلالها و لا لكمالها غاية فهي خارجة عن الحدود الامكانية و إدراكات العقول و رزقنا اللّه تعالى لمحة من لمحاتها و شارقة من شوارقها.
و منها: انها تتنعم في تلك الحياة بأنواع الرزق الظاهرية و المعنوية بجميع مراتبها فلا ينقص من تلك الحياة شي‏ء من اسباب العيش الهني‏ء و قد منحهم عز و جل ذلك الرزق العظيم لأنهم حرموا في هذه الحياة المحدودة الفانية عن تلك الأرزاق ببذل أعز شي‏ء عندهم في سبيل اللّه تعالى و كانوا في جهاد مستمر مع النفس الأمارة و اعداء اللّه تعالى.
و منها: انهم فرحون بما أتاهم اللّه تعالى من فضله لأنهم وجدوا جزاء أعمالهم تاما كاملا قد منحهم اللّه تعالى الفضل الكبير، و هذا الفرح مما يزيد في بهجة تلك الحياة، و انما كانوا فرحين فيها لأنهم كانوا محزونون في الحياة الدنيا بسبب افعال الكافرين و المنافقين و أقوالهم و ما كان يصيبهم من شدة البلاء و المثابرة في سبيل اللّه تعالى.
و منها: ان المقتولين في سبيل اللّه تعالى لما كانوا يحيون حياة كاملة و يتنعمون فيها بأنواع الرزق و هم فرحون فيها لا يحزنهم شي‏ء مما كان يحزنهم في هذه الحياة الفانية قد أتم اللّه تعالى عليهم النعمة و انهم في‏ اتصال مع خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا يستخبرون عن أحوالهم و يصل إليهم اخبارهم و يسألون عن شؤونهم و يسرون بصلاحهم، و يفرحون بنجاتهم عن سوء العقاب.
و منها: انهم بمشاهدتهم جزاء أعمالهم و اعمال المؤمنين فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و بذلك كملت حياتهم لان الحياة التي اشتملت على جميع اللذات و اسباب الفرح و خلصت من جميع ما يوجب الحزن و الخوف لا يعقل فوقها كمال و إذا كان ذلك على وجه الدوام و الخلود و لم يكن في معرض الزوال فلا نقمة من هذه الجهة ايضا، فهذه هي السعادة العظمى، و لذا نرى ان اللّه تعالى يؤكد على هذا الجانب في آيات اخرى قال تعالى: «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏»* القصص- ٦۰و قال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» النحل- 96.
و منها: انهم في ولاية اللّه تعالى يرعى شؤونهم و يفيض عليهم ما يوجب استبشارهم في كل آن لأنهم رأوا جزاء ما عملوا حاضرا قد زانه الفضل من اللّه تعالى و بعد اجتماع تلك الخصوصيات في هذه الحياة لا يعقل حياة و لا سعادة فوقها.
قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ.
الآية الشريفة باسلوبها اللطيف تبين كيفية تأثير التربية الحقيقة الملهمة في نفوس المؤمنين بعد ان وعوا تلك الدروس الهائلة التي مرت بهم في معركة احد، و بعد ما لاقوا من الشدائد و الصعاب بسبب المخالفة و العصيان، فكانت حصيلة تلك التعليمات الإلهية و الارشادات الربوبية انهم هبّوا من غفلتهم، و أفاقوا مما لحقهم من تبعات المعصية و التفرق و الاختلاف، و رجعوا إلى الحق و الصراط المستقيم فاجتمعت فيهم صفات الثبات و الصمود و العزيمة و التوكل على اللّه تعالى فأطاعوا اللّه و الرسول و استجابوا له عند ما دعاهم إلى قتال الكفار إثر المعركة السابقة فقد لاحقوا جيش المشركين في رجوعهم من معركة احد على ما هم عليه من الجراح و هم لا يزالون يقاسون الآلام التي انهكت قواهم و أصروا على ان لا يعودوا إلى العهد السابق حذرا من العتاب و الخروج عن الحق فأدوا العمل على أكمل وجه و اتقوا التقصير الذي حصل منهم في تلك المعركة فكانوا في صورة مقابلة للصورة السابقة التي حكى عنها عز و جل في قوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ»– ۱٥۳ هذه هي التربية الإلهية التي تؤثر في النفوس و تغيرها إلى صورة اخرى مخالفة للتي كانت عليها قبلها، و هؤلاء هم المؤمنون الذين حكى عنهم عز و جل آنفا بان الشهداء يستخبرون عن أحوالهم و يستبشرون بجزائهم الجزيل و مقامهم الرفيع.
و انما ذكر سبحانه و تعالى «لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ» مع ان اطاعة أحدهما اطاعة للآخر لبيان أن ما صدر منهم في أحد قد تضمن مخالفة اللّه و عصيان الرسول كليهما اما الاولى فقد خالفوا اللّه تعالى في أوامره بالصبر و الثبات فعصوه بالفرار و التولي. و اما عصيان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فقد كان بمخالفة امره بالصمود في فم الشعب و لزوم مراكزهم.
و في هذه الواقعة قد استجابوا للّه و الرسول فاستحقوا الثناء الجميل و الأجر الجزيل.
قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.
ثناء جميل لمن احسن ممن استجاب للّه و الرسول و اتقى في أقواله‏ و أفعاله و امتثل أوامر اللّه تعالى و الرسول بحسن نية و اخلاص و احترز عن كل ما يوجب البعد عنه عز و جل، فان اللّه تعالى و ان وصف الجميع بالاستجابة إلا انها أعم من الإحسان و التقوى اللتين عليهما مدار هذا الثناء و الأجر الجزيل.
و الاستجابة امر ظاهري تشمل جميع من لبّى دعوة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) إلا ان وراء ذلك امرا خفيا لا يمكن ان يطلع عليه إلا اللّه تعالى و هو تحري الإخلاص، و مراقبة العمل و التحذر مما يشينه فانه الإحسان الذي أمرنا اللّه تعالى بابتغائه في جميع الأحوال.
و إذا لازم ذلك التقوى و التحرز عما يوجب سخط اللّه تعالى في الأقوال و الأفعال، فقد استحق العامل ذلك الثناء الجميل و عظيم الأجر، و هذا مما يختص به طائفة معينة.
فالآية المباركة تقسم المستجيبين إلى طائفتين إحداهما ما حصل منهم الاستجابة الظاهرية التي خلت عن الإحسان و التقوى، و الثانية كانت محسنة و متقية فاستحقت عظيم الأجر.
و من ذلك يظهر ان «من» في قوله تعالى: «مِنْهُمْ» تبعيضية و قيل ان «من» بيانية و عليه الأكثر. كما في قوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ- إلى ان قال تعالى- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً» الفتح- 29 و عليه يكون المستجيبون للّه و الرسول كلهم محسنين و متقين، و الجمع بين الوصفين انما يكون للمدح و التعليل لا التقييد، و يمكن تقريب هذا الاحتمال على ما يوافق الاول بأن الآية الشريفة في الموردين و ان كانت صورتها جارية على النوع إلا ان المراد منها البعض بالتقريب المتقدم و في غيره يكون التأويل خلاف السياق و يأتي‏ في البحث الادبي ما ينفع المقام.
قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ.
اثر من آثار التربية الحقة الحقيقية انهم لا يتأثرون بأقاويل المرجفين و تحذير المنافقين بل ان اثر ذلك يكون على الخلاف فيزيد في ايمانهم باللّه تعالى و توكلهم عليه عز و جل و الثبات و العزيمة و قد كان ذلك فضلا كبيرا من اللّه تعالى عليهم و لذا لمّا عرف المشركون عزم المؤمنين و ذلك الثبات لم يصدقوا بأن فلول الجيش المتفرقة المضطربة في الأمس تريد القتال مع ما بهم من الجراح فأرهبتهم هذه العزيمة فآثروا الفرار على القرار.
و المراد بالذين هم الذين استجابوا للّه و الرسول فهي بدل من قوله تعالى «الَّذِينَ اسْتَجابُوا». كما ان المراد من الناس الاول هم الخاذلون المثبطون للعزيمة الذين قد اشاعوا خبر اجتماع العدو ليخذلوا المؤمنين عن القتال و المراد بالناس الثاني المشركون.
و الظاهر من الآية المباركة انهم في كلا الموردين جماعة لا واحد و اختلفوا في المراد من الناس الاول فقيل انه نعيم بن مسعود الأشجعي قبل إسلامه فيكون اللفظ عاما و يراد به الخاص، و قيل انه ركب من قريش و قيل غير ذلك.
قوله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً.
اي: ان هذا القول زادهم ايمانا باللّه تعالى و برسوله لأنهم أخلصوا للّه عز و جل عن جميع ما سواه و أحسنوا ظنهم به جلت عظمته و صدقوا بوعده فأثرت فيهم التربية الحقة و جنبوا أنفسهم من الرذائل و المعاصي فتجلت في قلوبهم الأنوار الربوبية فلا يبقى موضوع حينئذ لتأثرها بما كان من غير الحق قولا أو فعلا فيزيد التحذير و التخويف في اشتداد الايمان بربهم و لم يعد يؤثر في نفوسهم فان الإنسان إذا لم يحسن الظن بأحد و اعتقد بكونه على الخلاف و يريد الإضلال و الإفساد من أقواله و أفعاله فانه لا يلتفت إلى تخويفه و كل ما أصر عليه زاد في تصميمه و المضي على ما يريد و قوي العزم عنده على طاعة اللّه و الرسول و ثبت على دين الحق لأنه يرى نفسه محقا و انه على يقين من نصر اللّه تعالى و على علم من ان اللّه عز و جل لم يتمّ لهم أمرهم إلا مع ملاقاة الأهوال و ان النصر لا يكون إلا في الجهاد مع اعداء اللّه تعالى و القتال معهم.
و انما يظهر اثر هذه الزيادة في الايمان في اعتقاده و أقواله و أفعاله و يشتد بذلك كله عزيمته على الاقتحام في الشدائد و تحملها في جنب اللّه فلا يخاف فيه لومة لائم.
قوله تعالى: وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.
هذا أثر من آثار زيادة الايمان فيهم و اشتداده في قلوبهم فإنهم صدقوا في أقوالهم و عبَّروا عما يجيش في نفوسهم و اعتقدوا بأن اللّه تعالى يكفيهم من الأمور و قد اعرضوا عن ما سوى اللّه تعالى، و هو نعم الوكيل الذي يدبر أمورهم و يكفيهم أعداؤهم و ينصرهم عليهم لأنه لا يعجزه شي‏ء في السموات و الأرض فاجتمعت النية الصادقة و الفعال الحسان و القول الحق فيهم.
و حسبنا مأخوذ من الإحساب و هو الكفاية يقال احسبني الشي‏ء اي كفاني. و قيل انه مصدر مأول باسم الفاعل اي فحسبنا. و الحق هو الاول.
قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ.
ترتب هذه الآية الشريفة على الآية السابقة من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة، فان المؤمن إذا و كل امره إلى اللّه تعالى و اعتقد انه عز و جل يكفيه و يعطيه اللّه تعالى الجزاء العظيم.
و قد ذكر عز و جل أمورا اربعة هي، الانقلاب بنعمة من اللّه، و الفضل، و صرف السوء، و اتباع الرضا.
اما النعمة: فهي عودة المؤمنين إلى التربية الحقة و الاستجابة للّه و الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، و الطاعة بعد المعصية و الصمود بعد الخذلان و هذه هي نعمة كبرى، فجزاهم اللّه تعالى بان صرف عنهم الأسواء و المهالك، فما ذكره بعض المفسرين في هذه النعمة من ان المراد منها السلامة و العافية و الرجوع عن حمراء الأسد بدون قتال انما هو تخصيص بلا مخصص نعم هي من لوازم تلك النعمة الكبرى.
و اما الفضل فهو زيادة الايمان و ثبات العقيدة و الخروج عن العصيان و الخذلان كما حصل منهم في غزوة أحد و هذا الانقلاب كان واضحا عندهم و قد استشعروا برد تلك النعمة و الفضل في نفوسهم و ظهرت آثارهما على أقوالهم و أفعالهم.
و من زيادة النعمة عليهم انهم لم يمسسهم سوء فلم يصبهم قتل أو نكبة و برأهم اللّه تعالى عن السوء الذي لاقوه في معركة احد.
قوله تعالى: وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ.
ثناء جميل و مدح عظيم لهم، و اتباع رضوان اللّه تعالى هو السعادة العظمى و مناط كل خير و قد مدح عز و جل من اتبع رضوان اللّه تعالى في الآيات السابقة، و في هذه الآية الشريفة يبين تعالى حقيقته و هي‏ الاستجابة للّه و الرسول، و شرطها الإحسان و التقوى.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
لأنه تعالى وفقهم لهذه التربية الصالحة و من عليهم ان استجابوا للّه و الرسول، و أخرجهم عن ما هم عليه في معركة أحد فعادوا إلى الصراط المستقيم و زاد ايمانهم و قويت عزيمتهم و اشتد توكلهم على اللّه تعالى و من الفضل عليهم انهم مع ما هم عليه من الجراح و الشدّة ان العدو لما رأى فيهم العزيمة على القتال خشي ان ينقلب عليه الأمر فتقع عليه الهزيمة و الفرار دون القتال و هذا هو الفضل العظيم على المؤمنين في هذه الحال.
قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ.
بعد ما اثبت سبحانه و تعالى ان المؤمنين خرجوا عن غفلتهم و عصيانهم بالاستجابة للّه تعالى و الرسول و انقلبوا عن التفرق و الاختلاف و الطاعة و تفضل عليهم ربهم ان من عليهم و ثبتهم و هداهم إلى الصراط المستقيم فعادوا أقوى عزيمة و أتم ايمانا و أشد توكلا على اللّه تعالى إلا ان الشيطان يلعب دورا هاما في حياة الإنسان يتربص بالمؤمنين الدوائر و يريد إغواءهم و يبث أولياءه و أعوانه ليقوموا بهذه المهمة فينشروا الفساد في الأرض و يروّجوا الضلال، فكان ذلك النداء الشيطاني بالخشية من العدو حفظا لأوليائه و حماية للكفر و الضلال و تثبيطا للمؤمنين عن القتال بإلقاء الرعب و الخوف في نفوسهم ليخضعوا لهم.
و الآية الشريفة ترشد المؤمنين الذين كمل ايمانهم و اهتدوا بهدى اللّه تعالى و توكلوا عليه عز و جل حق التوكل إلى امر مهم يمس عقيدتهم و سعادتهم في الدارين و هو ترك الرهبة و الخوف من الشيطان و أوليائه‏ و عدم الوقوع في حبائله و وساوسه لان الخوف يستوجب الوهن في العزيمة و يلزم ذلك الطاعة لمن يخاف منه فمن خاف اللّه تعالى فانه لا محالة يتبع أحكامه فيبتعد عن الشيطان، و إذا خاف الشيطان و أولياءه فانه يطيعه و يقيم حكمه فيبتعد عن اللّه تعالى و هذا هو السبب للتأكيد على ترك خوف الشيطان بقوله تعالى: «فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ».
و اسم الإشارة في قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ» إما راجع إلى الناس المذكور في قوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ» فيكون من اطلاق الشيطان على الشياطين. و إما ان يرجع إلى الوساوس الحاصلة بين الناس من الشيطان، و انما اتى بضمير ذوي العقول ترجيحا للموسوسين على نفس الوسوسة.
قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
لان الايمان يستلزم خوف اللّه تعالى، و الخوف يوجب الطاعة كما عرفت و اللّه تعالى هو ولي المؤمنين و ناصرهم و قد وعدهم النصر و حسن الجزاء فلا ينبغي الخوف من غيره فالسعادة في خوف اللّه جلت عظمته و تقواه دون غيره.
و في الآية الشريفة الذم لإبليس و أوليائه و البشرى للمؤمنين و من اتبع رضوان اللّه تعالى بالأمن من شر الشيطان و أوليائه، و لا تختص الآية الكريمة بخصوص مشركي قريش و غيرهم للعموم في الطرفين.

المفعول الاول في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً» محذوف و هو أنفسهم.
و قوله تعالى: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قيل انه في محل رفع على انه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة ل (احياء)، أو في محل نصب على انه حال من الضمير في «أحياء».
و قوله تعالى: «فَرِحِينَ» منصوب إما على انه حال من الضمير في «يرزقون» أو يكون على المدح أو الوصفية.
و يستبشرون عطف على «فرحين» و يحتمل ان تكون جملة استينافية أو على تقدير (و هم يستبشرون) فتكون حالا في الضمير من (فرحين).
و قوله تعالى: «أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» بدل اشتمال من «الذين من خلفهم» مبين للاستبشار.
و الذين في قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ» مبتدأ و الخبر قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ». و قيل انه منصوب بإضمار اعني و قيل انه في موضع رفع على إضمار «هم».
و منهم في قوله تعالى «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» حال من الضمير في أحسنوا. و من للتبعيض، كما عرفت.
و قيل انها للبيان. و يرد عليه ان التي للإبهام لا بد ان تكون مباينة فيه إبهام في جنسه و يكون في مجرورها بيان يرفع ذلك الإبهام، و لا إبهام في الآية الشريفة حتى يرفع ب من و مجرورها. و مما يهون الخطب انه يمكن إرجاع ذلك إلى القول الاول كما عرفت في التفسير.
و قيل ان «من» للتبعيض و الضمير يرجع إلى المؤمنين في آخر الآية السابقة اي: ان من المؤمنين من لم يخرج إلى حمراء الأسد.
و على هذا لا بد من نصب (الذين) على المدح في أول الآية المباركة إذ لا يستقيم ذلك على كون (الذين) مبتدأ و الخبر جملة «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ» إذ تبقى الجملة بلا رابط.
و يرد على نصب (الذين) على المدح انه لا عطف يدل على المغايرة مضافا إلى ان جعلها منصوبا على المدح بعيد، إذ لا دليل عليه.
و الذين في قوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ» بدل من «الَّذِينَ اسْتَجابُوا» أو صفة.
و المخصوص بالمدح في قوله تعالى: «وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ» محذوف هو ضميره تعالى و الجملة الخبرية، و في الآية الكريمة كلام طويل في عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية.
و الحق ان كل ذلك تطويل بلا طائل تحته، بل ان جميع هذه الآيات جمل مستقلة وردت في مقام مدح المؤمنين و بيان صفاتهم و جي‏ء بالواو لتزيين الكلام.
و جملة «يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» جملة مستأنفة مبينة لشيطنة الشيطان، أو حال.
و خاف يتعدى إلى مفعول واحد، و يتعدي بالتشديد إلى مفعول ثان، و قد يحذف المفعول الاول كما في الآية الشريفة فان الأصل يخوفكم أوليائه. و قد يحذف المفعول الثاني كما تقول خوفني عمرو.

تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن و أكد عليها في مواضع متفرقة و هي تجرد الأرواح و حياتها بعد الموت و قد كانت هذه الحقيقة مورد البحث و النظر من أول حدوث العالم، فالروح جوهر مجرد مختلف التكون عن غيرها و هي من شعاع الذات المقدسة غير المتناهية.
و الآية المباركة رد على شبهات المنافقين و المشركين من ان الإنسان يموت حين القتل في سبيل اللّه و الموت نهاية الحياة في الأرض فتذهب ذكراه و لا يبقى له اسم و لا رسم بعد فترة تطول أو تقصر.
و المستفاد من الآية الشريفة انها تثبت الحياة بعد القتل، و تبين أجر المؤمنين و هو الرزق عند اللّه تعالى، و انه نعمة من اللّه تعالى و فضل منه، و زاد عز و جل عليهم انه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و هذه كلها من أهم مقومات الحياة الكاملة السعيدة الهنيئة في عالم البرزخ.
الثاني‏:
يستفاد من قوله تعالى: «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ماهية هذه الحياة السعيدة و حقيقتها التي تتقوم بالفرح و الاستبشار و نفي الحزن و الخوف، و هي مرزوقة عند اللّه تعالى و هذا هو الحد الفاصل في ما يقال في هذه الحياة، فلا يصغي إلى ما قد قيل فيها من ان أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر، فان أرواح المؤمنين اجلّ قدرا من ان‏ يجعلهم اللّه تعالى في تلك الحواصل، بل هو نحو من التناسخ الذي ثبت بطلانه.
و قد أنعم تعالى عليهم بأنواع الرزق، و أعزهم بأن جعلهم (عنده).
الثالث‏:
يدل قوله تعالى: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» على سنخية أرواح المؤمنين لعالم القدس كيف لا و ان اللّه تعالى خلقها من روحه قال عز و جل: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»* ص- 72 فنزلت من المحل الأرفع لتتحد مع البدن برهة من الزمن و بعد الموت أو القتل تصعد الى محلها فتكون عند ربها، و هذه العندية أعظم قدرا من العندية المكانية أو الزمانية بل هي تبين حقيقة تلك الأرواح المقدسة التي خلقت من روح اللّه جلت عظمته.
فاختلاف العلماء و المفسرين في المراد من قوله تعالى «عِنْدَ رَبِّهِمْ» لا وجه له بعد ملاحظة سياق الآية الشريفة و ما ورد في هذا المضمار في مواضع متعددة من القرآن الكريم قال تعالى: «وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» آل عمران- ۱٤و قال تعالى: «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» ص- ٤۷و غيرهما من الآيات الشريفة.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ» على ان القرح و ما يصيب المؤمنين في ميدان القتال مع اعداء اللّه تعالى في اثبات الحق و إعلاء كلمة الدين و إزهاق الباطل له الأثر الكبير في تهذيب المؤمنين و إرجاعهم الى الصواب بل له دخل في النظام الأحسن فان ما لاقاه المؤمنون من المصائب و المتاعب بسبب عصيانهم و فشلهم و العتاب الشديد العنيف تارة و الخفيف اللطيف اخرى كان السبب في زيادة ايمانهم و الرجوع الى التربية الحقة و الانقلاب عن التفرق و الاختلاف الى الطاعة و الاتحاد و شدة العزيمة و التوكل على‏ اللّه تعالى فهو من المقتضيات في إعداد الإنسان نفسه بالدخول في السير التكاملي. و لأجل ذلك كانت المصائب و القرح الذي لحقهم في معركة أحد من أهم طرق التربية الإلهية الحقة. و لذا عدّ سبحانه و تعالى تلك نعمة ربانية و فضلا من اللّه تعالى عليهم لأنها كانت من الأسباب المهمة في تقويم النفوس و احياء القلوب فقد رجعت الى الحق و خلصت في إيمانها و اشتد توكلها عليه تعالى فكان في الخذلان و الهزيمة و المعصية دروسا كبيرة اثرت في نفوسهم بل كانت معركة أحد أهم مدرسة للمؤمنين عبر التاريخ.
الخامس‏:
يمكن ان يجعل قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ» من الآيات الدالة على لزوم مراعاة الاستقامة الحقيقية للحق في الحق نظير قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» فصلت- 30 و قوله تعالى: «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ» هود- 112 و قوله تعالى: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» الجن- ۱٦إذ لا ريب في ان بناء الشيطان و أوليائه انما هو التشكيك في عقيدة المؤمنين و بث الأشواك و المزالق في طريق الوافدين الى اللّه تعالى لان العبد حينئذ انما أزال جميع الحجب الظلمانية عن نفسه بالصبر و المثابرة حتى وصل إلى معدن النور و العظمة فلم يبق في البين إلا سرادق الجلال و الجمال التي قال فيها جبرائيل أعظم الاملاك: «لو دنوت انملة لاحترقت» و لعل المراد بالاحتراق انطماس الحدود الامكانية بالكلية.
السادس‏:
يدل قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» ان الإحسان و التقوى هما المناط في القرب الى اللّه تعالى و احراز الأجر العظيم و الثناء الجميل و هذان الأمران لا يتوفران في كل احد لان المؤمنين على درجات متفاوتة و الإحسان و التقوى يكشفان عن شدة الخلوص للّه تعالى فيهم و كمال الايمان عندهم و شدة ارتباطهم مع اللّه تعالى و ذلك هو السبب في استحقاقهم لهذا الأجر العظيم الذي أبهمه تعالى ليذهب ذهن السامع إلى كل مذهب أمكن.
السابع‏:
يستفاد من قوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً» حقيقة من الحقائق القرآنية و هي دأب المنافقين و اهل الباطل على التشكيك في معتقدات المؤمنين و اهل الحق و السعي في فسخ عزائمهم و نقض هممهم و إلقاء الرعب و الخوف في نفوسهم و هما مصدران لكل الفساد و الخروج عن الطاعة، و الطغيان على الأوامر الإلهية و الاحكام الربوبية.
و تبين الآيات الكريمة ان ذلك ناشئ من المضادة التي هي بين الطرفين كما ان اهل الحق يسعون في ابطال مزاعم المنافقين و إفساد مكرهم و كيدهم بالطاعة للّه تعالى و الرسول و الاستجابة لاوامرهما، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الارشادات الحقة و لا تزول تلك المضادة إلا باضمحلال احد الضدين كما هو واضح بالوجدان.
الثامن‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ» كمال ايمانهم و خلوصهم فيه و انهم كانوا مخلصين للّه تعالى مسلّمين أمرهم اليه عز و جل قد اكتفوا باللّه سبحانه عن غيره من الأسباب، و اعتقدوا بأن اللّه ناصرهم و مؤيدهم؛ كما قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ» الطلاق- 3 فلا يخشون غير اللّه تعالى و لا يخافون لومة لائم و قد صدق اللّه وعده فيهم بأن قال:
«فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ» و اعطاهم الأجر العظيم.
التاسع‏:
يستفاد من ظاهر الآية الشريفة: «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ» ان مضمونها لا تختص بحالة دون اخرى و لا بعالم دون آخر.
و المراد بالانقلاب المعنى العام الشامل للتحولات الدنيوية و البرزخية و الاخروية، كما ان المراد بالنعمة و الفضل ايضا كذلك، و تشمل النعم الدنيوية و المثالية و الاخروية و الوجه في ذلك ان الموضوع كلما اتسعت جهات كماله و فضله اتسع جميع جهات الاضافة إلى اللّه تعالى و المنعم إذا كان محيطا و وسيعا من جميع الجهات المفروضة فيه، فلا يعقل وجه للتخصيص حينئذ، و جهة التعميم تارة مأخوذة في الكلام كما إذا قيل: لا تأكل الرمان لأنه حامض فيشمل الكلام كل حامض، و اخرى مأخوذة في السياق العام من الكلام، و الثانية اولى من الاول بمراتب، و قد اشتهر في العلوم الادبية ان الكناية ابلغ من التصريح و القرآن العظيم مشتمل على أنحاء الكنايات و الاستعارات و التشبيهات البليغة وفقنا اللّه تعالى للتدبر فيها.
العاشر:
يستفاد من قوله تعالى، «وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» ان من لم يتصف بما ذكر في الآيات السابقة قد فوت على نفسه امرا عظيما لا يمكن ان يتدارك و هو جدير بأن يتحسر على ما فاته.
الحادي عشر:
يستفاد من قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» ان الخوف الناشئ من الأمور الدنيوية انما يكون منشأه الشيطان الذي يريد ان يخرج الإنسان بسببه عن طاعة اللّه تعالى و الاحجام من تنفيذ أوامره و أحكامه عز و جل و الخوف الذي يكون مصدره الشيطان هو من أهم سبله التي يتوصل بها لإغواء الإنسان و لذا أمرنا عز و جل بعدم الخوف و حصره اللّه تعالى في نفسه، فان الخوف منه عز و جل‏ مصدر كل خير و مبعث كل سعادة فالآية المباركة ترشد المؤمنين إلى الصراط المستقيم و الكمال العظيم الذي لا كمال فوقه كما انها تنبه المؤمنين إلى الموازنة بين وليّ الكافرين و المشركين و المنافقين و اهل الباطل الذي عجز عن نصرهم و بين ولي المؤمنين الذي لا يعجزه أمر و هو القادر على كل شي‏ء.
الثاني عشر:
يدل قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» على ان الايمان جنة واقية تحرس صاحبه من الخوف عن غير اللّه تعالى. و ان الايمان مع الخوف من غير اللّه تعالى هما ضدان لا يجتمعان فمن يرجح الخوف من اولياء الشيطان فان إيمانه مشكوك فيه، فهذه الآية الشريفة من الآيات التي ينبغي ان يوزن الإنسان نفسه و إيمانه و اعماله بها.

يستفاد من قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» كمال العناية بالشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه فقد أرادوا من جهادهم و بذل أرواحهم الغالية في إعلاء كلمة اللّه و احياء الحق و اماتة الباطل فأعطاهم اللّه تعالى الأجر الجزيل و الثناء الجميل، و الذكر الحميد، و منحهم السعادة الكبيرة ان جعلهم عنده يرزقون و يستبشرون و يفرحون قد خلت حياتهم عن كل ما ينغصها من الخوف و الحزن و الآلام، فإذا كان الجهاد الأصغر له هذه الحظوة عند خالق الأرواح، فما ظنك بالجهاد الأكبر مع النفس الأمّارة لكسر سورتها، و قمع الهوى بالصبر و الاصطبار و كان العبد معه مطيعا لمولاه مخالفا لهواه مراقبا لنفسه‏ و اعماله و أقواله فان له الفضل العظيم و المنزلة الكبرى عند اللّه عز و جل قال تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» العنكبوت- ٦۹ و الجهاد الأصغر و ان كان في وقت معين معلوم اما الجهاد الأكبر فان مدته أطول و معاناته أشد و أعظم.
و المجاهدون مع النفس الامارة لهم الحياة الحقيقة لان الأرواح لها نحو تعلق خاص بالمبدأ الفياض، و الحي القيوم فإذا اشتد ارتباطها معه اشتاقت اليه، و ان حبها له قد تصل إلى مرتبة لا تحس بآلام الجراح و وقع السيوف مثل ما نسب إلى علي (عليه السلام) من عدم توجهه إلى إخراج السهم من بدنه حين اشتغاله بالصلاة و قد نظم هذه القضية جملة من العرفاء باشعار لطيفة و ما نسب الى الصادق (عليه السلام) من مشيه على النار و قوله (عليه السلام): «انا ابن ابراهيم الخليل» الى غير ذلك من آثار ذلك العالم الوسيع الذي لا يمكن ان يحيط به بيان فانه لا يهدي من الجنة إلا بعض ثمارها لإتمام أشجارها. و حينئذ يقدر العبد المجاهد المؤمن على الخلع و اللبس، و من حيث شروق نوره على هذا البدن يتحرك البدن بقدر ذلك الشارق، و مع درك هذه المرتبة قد يصل الى مرتبة جمع الجمع بأن يكثر بدنه كما نسب الى بعض الأولياء من وجودهم في زمان واحد في امكنة متعددة، و قد رأينا بعض مشايخنا (رضوان اللّه تعالى عليه) و رآه بعض أصحابه في عين هذا البدن في محل آخر، و لكن لا يعد ذلك شيئا في مقابل تلك المجاهدات لشدة تفانيه في مرضاة اللّه تعالى و من هنا تنكشف أبواب من المعارف.
و يمكن ان يكون قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ» اشارة الى بعض مقامات العارفين باللّه في سيرهم‏ و سلوكهم، و هم الذين طرحوا جميع الجهات الجسمانية للوصول الى المعشوق الحقيقي و المحبوب الواقعي، فيكون ألم النبال و السهام في ذلك يسير و وقع الصمصام على أبدانهم سهلا حقيرا، بل وجدوا في ذلك التذاذا كبيرا، و هم الذين سمعوا زئير جهنم بآذانهم و رأوا الحور المقصورات في الخيام بأعينهم، فتجاوزوا عن ذلك كله و خرقوا جميع الحجب الظلمانية بهممهم العالية و طرحوا حدود الامكانية فوصلوا الى حد الوجوب و رأوا ان الاملاك قد وضعت أجنحتها تبركا بمقدمهم و وصلوا الى ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، فنزلت عليهم أنوار الجمال و استشرقوا من مشارق الجلال الى غير ذلك من جذبات الحبيب التي يبهر فيها كل عاقل لبيب. رزقنا اللّه تعالى رشحة من تلك الرشحات و نسمة من تلك النفحات.
و خلاصة الكلام ان هذه الطائفة من المخلصين (بفتح اللام) هم الذين تابعوا نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) حيث قيل له: «هل لك شيطان يا رسول اللّه؟ قال (صلى اللّه عليه و آله): نعم و لكن أسلمت شيطاني بيدي».

في المجمع في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- الآيات-» عن الباقر (عليه السلام) «نزلت في شهداء بدر و أحد معا».
أقول: وردت في ذلك روايات متعددة في بعضها انها نزلت في‏ شهداء أحد خاصة و في بعضها في شهداء بئر معونة و قصتهم مشهورة و ذكر كل ذلك من باب المثال لا التخصيص كما هو كذلك في شأن نزول الآيات.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- الآية-» عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هم و اللّه شيعتنا إذا دخلوا الجنة و استقبلوا الكرامة من اللّه استبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من المؤمنين في الدنيا».
أقول: المراد من الشيعة هنا من تابع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في اعتقاده و أفعاله و أقواله حتى في قوله (ص): «انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي» و قوله (ص): «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» الى غير ذلك من الأحاديث التي رواها المسلمون في شأن ذلك.
و في تفسير العياشي في الآية المتقدمة ايضا عن الصادق (عليه السلام) «هم و اللّه شيعتنا حتى صارت أرواحهم في الجنة و استقبلوا الكرامة من اللّه عز و جل و استيقنوا انهم كانوا على الحق و على دين اللّه عز و جل فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من خلفهم من المؤمنين».
أقول: المراد من الشيعة من تابع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فان متابعته متابعتهم ايضا كما مر في الرواية السابقة.
و في تفسير العياشي ايضا عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اتى رجل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إني راغب نشيط في الجهاد في سبيل اللّه قال (ص): فجاهد في سبيل اللّه فإنك إن تقتل كنت حيا عند اللّه ترزق و ان مت فقد وقع أجرك على اللّه و ان رجعت خرجت من الذنوب إلى اللّه هذا تفسير «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً».
أقول: لا منافاة بين هذا التفسير و ما مر من قول الصادقين (عليهما السلام).
و في اسباب النزول عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد انهار الجنة، و تأكل من ثمارها و تأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مآكلهم و مشربهم و (حسن) مقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا (عنا) انا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا في الحرب؟ فقال اللّه عز و جل انا أبلغهم عنكم فانزل اللّه تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».
أقول: رواه في الدر المنثور و قال اخرج احمد و ابن داود، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم- صححه- و البيهقي من الدلائل و غيرهم رووا جميعا عن أبي سعيد الخدري، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي العالية و ابن عباس و غيرهم، و هي و ان اختلفت في بعض الألفاظ و لكنها متقاربة في المعنى. و هذه الروايات لا بد من تأويلها على نحو تساوق القواعد العقلية و النقلية، و المؤمن أعز على اللّه تعالى من ان يحصره في حواصل الطير، و يمكن ان يراد بحواصل الطيور الخضر الأبدان المثالية التي تكون لهم في ذلك العالم، و قد تقدم ما يتعلق بهذه الروايات في سورة البقرة آية- 153.
و في الدر المنثور في قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» اخرج ابن إسحاق و ابن جرير، و البيهقي في الدلائل «انها نزلت‏ في حمراء الأسد» و في تفسير القمي أيضا انها نزلت في حمراء الأسد.
و في المجمع عن الباقر (عليه السلام) في الآية المباركة انها نزلت في غزوة بدر الصغرى.
أقول: يأتي في البحث التاريخي تفصيل الكلام.
و في اسباب النزول في قوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» عن قتادة: «ذلك يوم بعد القتل و الجراحة و بعد ما انصرف المشركون- أبو سفيان و أصحابه- قال نبي اللّه لأصحابه ألا عصابة تشدد لأمر اللّه فتطلب عدوها فانه أنكى للعدو، و أبعد للسمع، فانطلق عصابة على ما يعلم اللّه تعالى من الجهد حتى إذا كانوا بذي الحليفة جعل الاعراب و الناس يأتون عليهم فيقولون: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس؛ فقالوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل فانزل اللّه تعالى فيهم قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ»، و في المجمع و تفسير القمي عنهما (عليهما السلام) في الآية يعنى نعيم بن مسعود الأشجعي.
أقول: انه على تقدير كون الغزوة هي غزوة بدر الصغرى و إلا فان الناس المحذرين هم غيرهم و يحتمل ان يكون هذا الشخص قد حذر المؤمنين في الغزوتين فلا منافاة في البين.
و في الدر المنثور اخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا «حسبنا اللّه و نعم الوكيل».
و فيه أيضا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه قال: «حسبي اللّه و نعم الوكيل أمان كل خائف».
أقول: على فرض صحتهما فإنهما تدلان على اهمية الآية الشريفة على كل تقدير.

تقدم ان قوله تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ» يشير إلى وقعة اخرى من وقعات الرسول (صلى اللّه عليه و آله) التي كانت مع المشركين و الكفار و اعداء اللّه تعالى لتثبيت الإسلام و الدفاع عنه و عن المؤمنين من كيد المشركين و الكافرين و المنافقين و ابطال مزاعمهم و تقدم في أحد مباحثنا السابقة ذكر عدد غزوات الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و سراياه، و تكلمنا عن غزوة احد مفصلا و نذكر في المقام ما يتعلق بغزوة حمراء الأسد و موقعها، و اسبابها، و اهدافها.
و قبل ان نذكر ذلك لا بد من التنبيه على أمر و هو ان المعروف بين العلماء و المفسرين أن الآيات المتقدمة نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد على ما عرفت و قد وردت في ذلك أحاديث من الفريقين، و ذهب جمع من المفسرين إلى ان الآية الكريمة نزلت في خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بمن معه لموعد أبي سفيان في غزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة في شهر ذي القعدة رأس الحول من وقعة أحد على ما رواه الواقدي، أو في شعبان من السنة الرابعة في رواية الدر المنثور عن مغازي ابن عقبة، و دلائل البيهقي. و في تاريخ ابن جرير عن ابن إسحاق، و في الدر المنثور عن ابن شهاب قال: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس يخوفونهم و قالوا: قد أخبرنا ان العدو قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون ان يواقعوكم فيثبتوكم فالحذر الحذر، فعصم اللّه المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا للّه و رسوله و خرجوا ببضائع لهم، و قالوا: ان لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و ان لم نلقه اتبعنا بضائعنا و كان بدر متجرا يوافي كل عام فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم، و اخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو و لا أصحابه، و مرّ عليهم ابن حمام فقال من هؤلاء؟ قالوا رسول اللّه و أصحابه ينتظرون أبا سفيان و من معه من قريش فقدم على قريش فأخبرهم فارعب أبو سفيان و رجع إلى مكة و انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المدينة بنعمة من اللّه و فضل فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق و كانت في شعبان من السنة الرابعة» و روي قريب منه عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و في المجمع رواه أبو الجارود عنه (عليه السلام) أيضا.
و لكن الاول هو المعروف بين العلماء و المفسرين و رواه القمي في تفسيره بطريق معتبر، و الشيخ الطوسي في التبيان و قد نسب الثاني إلى القيل. و كيف كان فان تسمية هذه الوقعة بالغزوة باعتبار خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بنفسه الشريفة على ما اصطلح عليه العلماء، و إلا فانه لم يكن في هذه الوقعة قتال، بل كان المقصود منها مطاردة المشركين، و ابطال نواياهم، و إفساد ما كانوا يشنونه من الحرب الدعائية ضد المسلمين، فإنهم كانوا يذكرون نتائج غزوة احد و يظهرونها بمظهر يرفع من قدرهم و الحط من قدر المسلمين على ما ستعرف، فتسميتها بقوة مطاردة لها اهداف معينة غير القتال لما كان يعلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه لم يقع قتال اولى و قد تحققت تلك الأهداف بأحسن وجه.
الموقع و الزمان:
حمراء الأسد: سوق للعرب على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، و المعروف انه انتهى إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في اليوم الثاني من يوم أحد، فان وقعة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة و في اليوم الثاني من يوم أحد اي اليوم الخامس عشر من شوال، و لما كان الغد أذّن مؤذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالغزو، و قال: «لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس» فاستجاب المؤمنون للّه و الرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد فأقاموا بها ثلاثة ايام ثم رجعوا إلى المدينة حين علم (صلى اللّه عليه و آله) ان قريشا قد استمرت إلى مكة و قال: «و الذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها كانوا كأمس الذاهب».
العدد:
عدد المسلمين الذين خرجوا للحرب كما في تفسير العياشي: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعث عليا (عليه السلام) في عشرة استجابوا للّه و الرسول من بعد ما أصابهم القرح» و في اسباب النزول للواحدي: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) استنفر الناس بعد أحد حين انصرف المشركون فاستجاب له سبعون رجلا» و يمكن رفع الاختلاف بان رواية الواحدي وردت في مجموع الذين‏ استجابوا للّه و الرسول. و رواية القمي وردت في خصوص المحسنين و المتقين منهم.
و في تفسير القمي: «فلما دخل رسول اللّه المدينة نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد إن اللّه يأمرك ان تخرج في إثر القوم و لا يخرج معك إلا من به جراحة، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مناديا ينادي يا معشر المهاجرين و الأنصار من كانت به جراحة فليخرج و من لم يكن به جراحة فليقم، فاقبلوا يضمدون جراحاتهم و يداوونها فانزل اللّه تعالى على نبيه: «وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ» و هذه الآية (المباركة) في سورة النساء و يجب ان تكون في هذه السورة قال عز و جل: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» فخرجوا على ما بهم من الألم و الجراح، فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بحمراء الأسد و قريش قد نزلت الروحا قال عكرمة بن أبي جهل، و الحارث ابن هشام، و عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد نرجع فنغير على المدينة فقد فقد سراتهم و كبشهم يعني حمزة فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر، فقال تركت محمدا و أصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم جدّ الطلب، فقال أبو سفيان: هذا النكد و البغي قد ظفرنا بالقوم و بغينا و اللّه ما أفلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الأشجعي فقال أبو سفيان اين تريد؟ قال المدينة لامتار لأهلي طعاما، قال هل لك ان تمر بحمراء الأسد و تلقى اصحاب محمد و تعلمهم ان حلفاءنا و موالينا قد وافونا من الأحابيش حتى يرجعوا عنا و لك عندي عشرة قلائص (الإبل) املئوها تمرا و زبيبا؟ قال: نعم، فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الأسد فقال لأصحاب محمد (صلى اللّه عليه و آله) اين تريدون قالوا: قريش، قال: ارجعوا فان قريشا قد اجنحت إليهم حلفاؤهم و من كان تخلف عنهم و ما أظن إلا و أوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة فقالوا «حسبنا اللّه و نعم الوكيل» و نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: ارجع يا محمد فان اللّه قد ارهب قريشا و مروا لا يلوون على شي‏ء و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المدينة و انزل اللّه: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ».
أقول: قوله (عليه السلام): «و يجب ان تكون في هذه السورة» ليس المراد الوجوب الاصطلاحي حتى يستلزم التحريف و لعل المراد المناسبة السياقية كما يدل عليه ذيل الحديث أيضا.
الأسباب:
اما اسباب هذه الوقعة فهي متعددة و يمكن تلخيصها في امور:
الاول: الخشية من مداهمة العدو المدينة استغلالا منهم لضعف المسلمين و ما أصابهم في أحد ففي الدر المنثور اخرج النسائي و ابن أبي حاتم و الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم و لا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم فسمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد- إلى ان قال- فقال المشركون نرجع قابل فرجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكانت تعد غزوة.
الثاني: بلوغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان المشركين قد ازمعوا على الرجعة، ففي الدر المنثور عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حرم قال: «خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بحمراء الأسد، و قد اجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أصحابه، و قالوا: رجعنا قبل ان نستأصلهم لنكون على بقيتهم، فبلغه ان النبي (ص) خرج في أصحابه يطلبهم فثني ذلك أبا سفيان و أصحابه».
الثالث: الحرب الدعائية التي شنها المشركون بإظهار نتائج غزوة احد بمظهر يرفع من قدرهم و يحط من قدر المسلمين، و من المعلوم ان لذلك أثرا كبيرا في وهن العزيمة، و تفكيك القوى و إلقاء الخلاف في الصفوف و هو زوال الهيبة التي اكتسبها المسلمون في غزوة بدر.
الرابع: إعادة الكرة في التطهير العام لإعادة النظام و تمييز المؤمن المستسلم عن غيره و إلقاء الرعب في قلوب الأعداء.
الاهداف:
كانت لهذه الوقعة اهداف معينة و قد حصلت جميعها و هي متعددة منها: إزالة اثار الهزيمة عن نفوس المؤمنين، فانه لو استقرت في قلوبهم لأورثت الرعب في قلوبهم و بقيت اثار الخوف في نفوسهم فلا يعودون يقتحمون ميدان الجهاد بسهولة، و كانت لهذه الوقعة الأثر الكبير في ازالة تلك الآثار و تشجيعهم على القتال، و إلقاء الرعب و الخوف في قلوب الأعداء فإنهم لم يصدقوا ان افرادا من الطائفة التي منيت بالهزيمة بالأمس و قتل صناديدهم و شجعانهم قد تجمعت اليوم لتقاتلهم‏ و هي مثخنة بالجراح فأرهبتهم هذه العزيمة فخشوا ان تنقلب عليهم الدائرة فيذهب ما أحرزوه من النصر بزعمهم.
و في اسباب النزول: «قال نبي اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأصحابه ألا عصابة تشد لأمر اللّه فتطلب عدوها فانه أنكى للعدو و أبعد للسمع فانطلق عصابة على ما يعلم اللّه تعالى من الجهد- الحديث-».
و منها: ظهور التربية الإلهية فيهم فتراهم يلبون دعوة اللّه و الرسول من دون شك و ارتياب و قد أخذوا من الدروس الماضية عبرا و وعوها و جعلوها محط نظرهم و صغت لها قلوبهم، فخرجوا من غفلتهم و غسلوا نفوسهم من آثار المعصية و التفرق و الاختلاف و عادوا إلى الصورة التي ينبغي ان يكونوا عليها.
و منها: ان هذه الوقعة بينت للمشركين ان المسلمين على ما هم عليه من الجراح ففيهم القوة الكافية لمجابهتهم ورد كيدهم فأورثت رعبا في نفوس الأعداء قال ابن إسحاق و «انما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرهبا للعدو و ليبلغهم انه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة و ان الذي أصابهم لم توهنهم عن عدوهم».

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"