1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 161 الى 164

وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (۱٦۱) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (۱٦۲) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (۱٦۳) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (۱٦٤)


الآيات الشريفة تبين جانبا آخر من الجوانب المتعددة في غزوة أحد فإنها تظهر حقيقة المنافقين و ضعفاء الايمان الذين لم يألوا جهدا من النيل من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقد و صموا هذا النبي الأمين بالخيانة و نفى اللّه تعالى عنه هذه التهمة و وصفه بأحسن الأوصاف و ذلك اتباع رضوانه جلّت عظمته الذي هو أهم الغايات و لا يعدوه مؤمن فضلا عن خاتم الأنبياء و المرسلين.
و قد أعلن سبحانه و تعالى انه من اتهم الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و خالفه‏ فقد باء بسخط من اللّه تعالى كما بين عز و جل ان من يتبع رضوان اللّه تعالى في درجة و من باء بسخط من اللّه في درجة اخرى.
ثم ذكر سبحانه انه من على المؤمنين بموهبة عظيمة و هو النبي العظيم الذي اتصف بمكارم الأخلاق بل انه المنة الكبرى و النعمة العظمى و قد جعله أمينا على وحيه و مبلغا لأحكامه لينقلهم من الضلال الذي كانوا فيه إلى الهداية و يطّهرهم من دنس الشرك و المعصية و يخرجهم من الجهالة الى المعرفة و يعلمهم الكتاب و الحكمة و مثل هذا النبي العظيم الأمين كيف يمكن ان يتصف بالخيانة!! و الآيات الشريفة مرتبطة بما قبلها من الآيات كما هو معلوم.

قوله تعالى: وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ.
مادة غلل تدل على الخروج عن الحد المقرر أو الدخول في شي‏ء من غير حل سواء كان في المال أو العقيدة أو غيرهما، و في حديث صلح الحديبية: «لا إغلال و لا إسلال». و الأغلال: السرقة الخفية، و الإسلال سل البعير في جوف الليل. و في حديث أبى ذر:
«غللتم و اللّه» اي: خنتم في القول و العمل و لم تصدقوا. و التجاوز إذا كان في الفي‏ء و المغنم تكون خيانة.
و قيل: ان غل يختص بالأخذ خفية و ان كان في ما يضمره الناس في صدورهم يقال رجل غلّ صدره إذا كان ذا غش أو حقد أو ضغن و يقال رجل غل (مجهولا) اشتد عطشه أو كان في جوفه حرارة. و تغلل في الشي‏ء دخل فيه و اختفى في باطنه. و الغلول و الغل‏ (بالفتح) هو السرقة و الأخذ خفية سمي بذلك، لأنها تجري في الملك خفية. و قيل: انها تختص بالمغنم و الفي‏ء.
و المعنى: حاشا لنبي من أنبياء اللّه تعالى ان تقع منه خيانة مطلقا سواء كانت في ما يتعلق باحكام اللّه تعالى أو ما يتعلق بشئون الناس فان الخيانة معهم خيانة مع اللّه أيضا لأنه ليس من شأنهم ذلك و لا يصح منهم.
و الخطاب ينزه ساحة الأنبياء عن الخيانة بأبلغ وجه و أبدع أسلوب، لأنه يتضمن حكما مع دليل متين فهو ينفي الوقوع بنفي الشأن و الصحة، و لان الأنبياء معصومون و هم أمناء اللّه تعالى في ارضه و قد تقدم نظير هذا الخطاب في قوله تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي» آل عمران- 79 و مر الكلام فراجع. و ذكر العلماء في شأن نزول هذه الآية بعض الروايات لا يخلو عن ضعف سيأتي في البحث الروائي نقلها.
و قد ذكر بعض المفسرين ان الغل انما هو في الوحي و كتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم. و لكن ظاهر الآية المباركة التعميم لا الاختصاص، و مما يهون الخطب ان الآية الشريفة تنزه ساحة الأنبياء عن الخيانة و تطهرهم عنها و عن كل سوء و فحشاء و قد ذكرنا ان الخيانة مع الناس خيانة مع اللّه تعالى أيضا.
قوله تعالى: «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
جملة حالية تبين الجزاء المترتب على الفعل و الخيانة اي: ان الخائن يلقى ربه بخيانته يوم القيامة و هو يوم ظهور حقائق الأعمال للناس فيفضحه اللّه تعالى من حين حشره.
و الآية الكريمة تدل على تجسم الأعمال في يوم الجزاء، و المراد بإتيان اللّه تعالى بما غل هو الحضور لديه عز و جل و ظهوره للناس و إيجاد تلك الحالة في ذلك العالم بما يناسبه.
قوله تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ.
اي: إذا احضر الغال للجزاء و الحساب فيوفى و ينال جزاء ما كسب غلا كان أو غيره كما توفى كل نفس وفاء تاما بما كسبت ان خيرا فخير و ان شرا فكذلك.
و الآية الشريفة تدل على ان الغال كما ينال جزاء فعله ينال المغلول منه حقه فان ذلك هو الوفاء التام الذي يعطى لكل نفس يوم الجزاء.
و في ذكر «ثم» لبيان التفاوت بين يوم عرض الأعمال و يوم الجزاء.
قوله تعالى: وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.
بيان لتمامية الوفاء من كل جهة اي: و الحال انهم المحسنون و المسيئون لا يظلمون في جزائهم فلا يظلم المسي‏ء بأن يجازي بغير ما كسب كما لا يظلم المحسن بنقصان جزائه و لا يعاقب العاصي بأكثر و لا ينقص ثواب المحسن.
قوله تعالى: أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ.
هذه الآية الشريفة من جلائل الآيات القرآنية الراجعة إلى تهذيب الإنسان و تربيته- علمية و عملية- و هي تبين اختلاف الناس في الهداية و الضلال و الدخول في رضوان اللّه تعالى و اختيار سخطه على رضوانه تبعا لاختلاف الطينات و الاستعدادات فان هذا الاختلاف مما لا يسع لاحد إنكاره إلا ان ذلك هل هو امر ذاتي غير قابل للتغيير و التبديل، أو هو اقتضائي‏ فقط قابل لهما و الأفعال انما تنبعث عن كل واحد منهما حين تثبت الغالبية أو المغلوبية لكل واحد منهما؟ و الحق هو الثاني لأدلة كثيرة يأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام فيها و القول بالأول يستلزم بطلان الثواب و العقاب و محاذير كثيرة لا يقبلها العقل.
و الآية الكريمة صريحة في المطلوب فإنها تدعو الناس إلى ابتغاء رضوان اللّه عز و جل في الأعمال و الأقوال و الاعتقادات و أطاعته عز و جل و الاهتداء بهدى الداعين إلى الصلاح من الأنبياء و المرسلين و اولياء اللّه الصالحين و لا بد رسوخ هذا الأمر الاقتضائي الذي يدعو الى رضوان اللّه تعالى في النفس ليغلب على الطرف الآخر الذي يدعو إلى سخط اللّه تعالى و ان لم يوجب زواله بالكلية و لا يتحقق ذلك إلا بازالة الحجب و الموانع عن النفس و ما تدعو اليه الفطرة و ما يرشد إلى الهداية و هذا من أهم الطرق التي اتبعها الأنبياء في تربية النفوس الانسانية و بها يقوم النظام الأحسن الانساني.
و يمكن ان يقال: ان ذلك لا يختص بالتربية الإلهية بل تجرى في غيرها من الأمور الشرعية و العقلية فان في الإنسان الفطرة المستقيمة و نور العقل و ركيزة الجهل و حياة العزم و الخيال، و العالم قائم بذلك كله.
و الرضوان: مصدر كالرضا مصدر رضي و الصحيح انه اسم مصدر فان معناه أوفر من الرضا و فيه من المزية ما لا توجد في مجرد الرضا قال تعالى: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً»* الحشر- 8 و قال تعالى: «وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» التوبة- 72.
و الآية المباركة تدعو الناس إلى جعل رضوان اللّه تعالى مقصودهم في جميع أمورهم و شؤونهم فانه السعادة العظمى و الصراط المستقيم و هو لا يتحقق الا بمطابقة ما يصدر من الإنسان مع دين الحق و شريعة اللّه‏ عز و جل و اسباب الفوز بالرضوان كثيرة و قد ذكر سبحانه و تعالى في كتابه الكريم جملة منها كما ورد في السنة الشريفة جميعها.
و في الآية الشريفة رد على مزاعمهم و ابطال لدعواهم في نسبة الخيانة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فان الذي يتبع رضوان اللّه تعالى في جميع أموره و لا يعدو عن رضا ربه كيف يتحقق فيه الخيانة لان الخائن قد باء بسخط من اللّه تعالى.
قوله تعالى: كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ.
باء بمعنى رجع و استقر و في الحديث: «من طلب علما ليباهي به العلماء فليتبوّأ مقعده في النار» اي لينزل و يستقر فيها.
و السخط: هو الغضب العظيم و المراد من سخط اللّه تعالى هو الدخول في ما يوجب غضبه كالمعاصي و الموبقات و ما نهاه عز و جل و يجمعها متابعة الشيطان و النفس الامارة.
و المعنى: ليس من اتبع رضوان اللّه تعالى في اعتقاده و أفعاله و أقواله كمن دخل في سخط اللّه عز و جل بسبب أفعاله و أقواله و اعتقاده و خروجه عن النهج القويم و الصراط المستقيم و استوجب السخط و العقاب بفعل المعاصي و الموبقات.
و الآية الكريمة ترجع الأمر الى الفطرة التي تحكم بالفرق بينهما، و ان قياس أحدهما على الآخر قياس باطل بل هو جائر و نظير ذلك قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» السجدة- 18.
و انما لم يقل سبحانه و تعالى كمن اتبع سخط اللّه كما قال في رضوان اللّه، لان ترك متابعته يستلزم الدخول في سخط اللّه تعالى لأنهما من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما مضافا إلى ان اسباب الرضوان هي‏ الصراط المستقيم و اعلام الهداية و هي مما يحكم العقل باتباعه بخلاف اسباب السخط فإنها شرور و قبائح فلا وجه لاتباعها.
قوله تعالى: وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.
بيان لحال من باء بسخط من اللّه تعالى. اي: ان المأوى الذي يريد ان يأوى اليه ليستريح فيه انما هي جهنم و قد ساء ذلك المصير الذي يصار اليه.
و انما عبر عز و جل بالمصير لان المكان الذي يصار اليه هو أسوأ حالا إذا قيس بالمكان الذي هو عليه في الدنيا، و لان الرجوع الى سخط اللّه يكون مصيره التكويني النار، فالآية المباركة من قبيل القضايا التي قياساتها معها.
و قد قال بعض العلماء الفرق بين المصير و المرجع ان الاول يستعمل في مورد يقتضي مخالفة ما صار اليه على ما كان عليه في الدنيا بخلاف المرجع فانه يقتضي انقلاب الشي‏ء الى حال قد كان عليها.
و هو مردود لاستعمال كل واحد منهما في الآخر قال تعالى: «وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ»* الأنفال- ٤٤و قال تعالى: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» يونس- ٤ إلا ان يريد اختلاف الجهات و الحيثيات.
و لم يذكر سبحانه و تعالى جزاء من اتبع رضوان اللّه لعظمته و ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن فان رضوان اللّه اكبر و هو يستلزم كل نعيم و هو غير متناه من كل جهة.
قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ.
مدح بليغ لمن ابتغى رضوان اللّه تعالى و بيان لمقاماتهم العالية و مآلهم الحميد الذي يرجعون اليه.
و الضمير «هم» عائد الى الموصول الاول و هو «أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ» و اما الطائفة الثانية و هي من باء بسخط من اللّه تعالى فقد ذكر سبحانه حكمها و حالها في يوم الجزاء في قوله عز و جل «وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» مع ان سياق لفظ الدرجات ظاهر في الاختصاص.
و انما أتى عز و جل بضمير الجماعة العائد إلى ذوي العقول لبيان ان درجات الرضوان عند اللّه تعالى لها حياة ابدية و من اشرف انواع العقول و ان كانوا متفاوتين في ما بينهم و لا يعلم احد خصوصيات ذلك و جهاته إلا اللّه عز و جل قال تعالى في شأن الأنبياء العظام:
«وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ» البقرة- ۲٥۳.
و ظهر مما ذكرناه انه لا حاجة إلى ما قاله جمع من المفسرين: من ان الآية الشريفة على سبيل الاستعارة بأن شبههم بالدرج في تفاوتهم علوا و سفلا، أو انها على سبيل المبالغة في جعلهم نفس الدرجات فيكون تشبيها بليغا بحذف الأداة كقولهم زيد عدل، أو زيد أسد، أو انه على تقدير المضاف اي: ذووا درجات. و قال بعضهم: بأن الآية المباركة تشمل الطائفتين الا ان فيها تغليب الدرجات على الدركات فان الاول لمن اتبع رضوان اللّه تعالى و الثاني لمن باء بسخط من اللّه.
و الجميع كما ترى فان ظاهر الآية المباركة على خلاف ذلك كما قلنا.
و يستفاد من قوله تعالى: «عِنْدَ اللَّهِ» عناية خاصة بهم لا تستفاد من غير هذا اللفظ فان ما عند من هو غير متناه لا يعقل ان يكون متناهيا؛ كما لا يعقل ان يكون محدودا بحد خاص من الكمال و الجلال و العظمة و الكبرياء.
و الآية الكريمة مطلقة تشمل الدرجات في الدنيا و الآخرة، اما الدرجات في الدنيا فقد قال تعالى فيها «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ‏ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» الزخرف- 32 و قال تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» الانعام- ۱٦٥ و اما في الآخرة فالآيات فيها كثيرة قال تعالى: «وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» طه- ۷٦ و قال تعالى: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» المجادلة- 11 و اما قوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا» الإسراء- 21 فانه يشمل درجات الآخرة قال تعالى: «وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» النساء- ۹٦ و الآيات في سياق ذلك كثيرة و هي تبين بعض اسباب رفع الدرجات و موجبات نيلها.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ.
بيان بأن نيل تلك الدرجات لا يكون على التمني و الوهم و الخيال و انما هو على الحقيقة و الأعمال، فان اللّه تعالى لا يغيب عنه شي‏ء و لا يفوت عنه الحقير من خير أو شر فهو عليم بما في الضمائر و النيات و دقائق الأمور و الأعمال فيجازى بحسبها.
قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
ذكر لأفضل افراد من اتبع رضوان اللّه تعالى و بيان لأهم سبيل من سبل الدخول في رضوانه عز و جل.
و المنة: و هي النعمة العظيمة التي تفاجئ الإنسان من دون سبق سؤال و من صفات اللّه العليا: «يا من مننه ابتداء و عطيته فضل» و من أسمائه جلت عظمته «المنان» اي المنعم المعطي.
و لا خير في الممكنات مطلقا أعلى و أكمل و اشمل من تكميل النفوس الناقصة المستعدة فهو الخير المطلق في الدنيا و الآخرة، بل لا آخرة إلا بذلك فيكون أعظم صنع اللّه تعالى و لم يخلق ما سواه الا لأجله، و لذا أجمل سبحانه هذه المنة العظيمة في المقام و أهملها فان أنبياء اللّه تعالى و ان خلقوا في هذا العالم لكنهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) شوارق غيب يستمدون من الفيض الرباني غير المتناهي و يفيضون على الأعيان المستعدة فهم بوجودهم الجمعي ليسوا الا العقل الكلي المجرد يظهر تارة في صورة خليل اللّه تعالى ابراهيم و اخرى في صورة حبيب اللّه احمد (صلى اللّه عليه و آله) فالحقيقة واحدة و الشوارق مختلفة، و من ذلك يظهر السر في أقوالهم (عليهم السلام): «من لا عقل له لا ايمان له و من لا ايمان له لا عقل له» و الآيات الشريفة ناصة في هذا التلازم كما ستعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى.
ان قلت: ان ما ذكر من ان إفاضة الخير من دون سبق سؤال تسمى منة مخالفة لظاهر قوله تعالى حكاية عن ابراهيم (عليه السلام) «رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» البقرة- 129 و قول سيد الأنبياء «انا دعوة أبي ابراهيم».
قلت: ان المراد من دون سبق سؤال من نفس المفاض عليه لا ممن يكون من طرق الفيض و في سلسة الافاضة.
قوله تعالى: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
بيان لمنته العظمى التي من بها اللّه تعالى على المؤمنين و تأكيد لها فقد ابتدأ عز و جل بالنعمة ان بعث فيهم رسولا عظيم الشأن جليل القدر. و (إذ) ظرف- ل من- و يتضمن التعليل.
و قد وصف سبحانه و تعالى هذا الرسول بأوصاف تدل على جلالة قدره و تؤكد المنة عليهم و ان كل واحد منها نعمة جليلة تستوجب الشكر، و هي اربع:
الاول: انه رسول من أنفسهم اي: من جنسهم فلم يكن من غير الإنسان و لا من غير العرب ليستأنسوا به كما يستأنس الرجل بأبيه و أخيه فيفهموا كلامه و يسهل التلقي منه و ليتأكدوا على أحواله و كماله و ملكاته العظيمة الفائقة و أخلاقه الفاضلة و غيرها مما يدعو الى الإقبال عليه و الانقياد اليه و التصديق به؛ و لئلا تأخذهم النخوة و العصبية أو العزة بالإثم من الايمان به لو كان من غيرهم، فكان من عظيم المنة على العرب ان سهل عليهم التعرف على الرسول و يسّر لهم الايمان به و ازدادوا بذلك شرفا و عزة، و قد أكد عز و جل هذه المنة في مواضع متعددة في القرآن الكريم قطعا للمعاذير و إتماما للحجة قال تعالى:
«هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» الجمعة- 2.
قوله تعالى: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ.
وصف ثان. الآيات جمع آية و المراد بها الآيات التي أوحاها اللّه تعالى عليه المشتملة على جميع المعارف الإلهية و العلوم الحقيقية الواقعية.
و التلاوة هي القراءة مع التدبر و التمعن ليسهل عليهم فهم تلك الآيات‏ و يدركوا معانيها و حقائقها و إشاراتها و قد جعل اللّه تعالى معجزة هذا الرسول العظيم و الدليل على رسالته في القرآن الكريم الذي نزل بلغتهم.
قوله تعالى: وَ يُزَكِّيهِمْ.
وصف ثالث و هو تزكية نفوسهم و تطهيرها من العقائد الزائفة و الآراء الباطلة و الأخلاق الذميمة و الصفات الرذيلة التي كانوا عليها قبل بعثته فان مع وجود تلك الملكات الفاسدة في النفس لا يمكنها التحلي بالمعارف الإلهية و هي حجب ظلمانية تعوق عن الوصول الى الفيض الالهي، و التخلية متقدمة على التحلية.
قوله تعالى: وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ.
وصف رابع و هو تعليمهم الكمالات الانسانية و جهات الحكمة العلمية و العملية، و الحكمة بأي معنى أخذت مما يفتقر إليها الإنسان و يعجز عن الاحاطة بها البيان.
و التعليم و ان كان مترتّبا على التلاوة الا انه لا بد من التزكية التي هي عبارة عن تخلية النفس عن الرذائل و الحجب و تصفية النفس و تهذيبها بالفضائل ثم تكميلها بالعلم و التعليم المترتبين على التلاوة، و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: «رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ» البقرة- 129 إلا ان الفرق بينهما في تقديم التزكية على التعليم و تأخيرها عنه و يأتي في البحث الدلالي ما يتعلق بذلك.
و الآية المباركة تدل على ان جهات تكميل الانسانية الواقعية تكون مفوضة الى اللّه تعالى و ليس للجهات الامكانية دخل فيها ابدا.
قوله تعالى: وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
جملة حالية تبين حالتهم السابقة التي كانوا عليها قبل البعثة و قد وصفها اللّه تعالى بالجاهلية في مواضع متعددة من القرآن الكريم، و يتضمن هذا اللفظ على جهات الفساد في العقيدة و العمل.
و المراد من قوله تعالى: «مِنْ قَبْلُ» القبلية الرتبية اي قبل العمل بالشريعة فيشمل ما بعد البعثة و قبلها.

يستفاد من الآيات الشريفة امور:

الاول‏:

يستفاد من سياق قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» تنزيه ساحة الأنبياء و طهارتهم عن السوء و الفحشاء و عصمتهم عن كل معصية و رذيلة فيصح ان تجعل هذه الآية الكريمة من جملة الادلة الدالة على عصمة الأنبياء و لو عن معصية الخيانة فتتم في غيرها بالقول بعدم الفصل، و كذا نقول في القائمين مقامهم.
الثاني‏:

يدل قوله تعالى: «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ» على تجسم الأعمال و ظهور الملكات بما يناسبها من الصور و الحقائق في يوم القيامة و الظالم المذنب يتحمل تبعات تلك المعاصي فيحاسب عليها و يوفي جزاؤه.
الثالث‏:

يرشد قوله تعالى: «وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» على ان نسبة الخيانة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) ظلم و لا بد من التنزه عنها كما تنزه عز و جل عنه فلا يظلم عباده يوم الجزاء مطلقا.
الرابع‏:

يدل قوله تعالى: «أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ» على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يمكن رميه بالخيانة، و الخائن باء بسخط من اللّه تعالى.
و في الآية المباركة الموعظة للمؤمنين و إرشادهم الى اتباع رضوان اللّه تعالى و التعريض لهم بأن هذه الأقوال و الأعمال من التعرض بسخط اللّه و لا بد من الابتعاد عنه.
الخامس‏:

يستفاد من قوله تعالى: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» ان لمن اتبع رضوان اللّه تعالى منازل كريمة و اجرا عظيما، و قد عبر عز و جل في موضع آخر: «لَهُمْ دَرَجاتٌ» الأنفال- 4 و لعل الاختلاف في التعبير باعتبار الاضافة الى اللّه تعالى التي هي الأصل لجميع خيرات الدنيا و الآخرة فقال «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» و من حيث الاضافة الى نفس العاملين الموفين فقال: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» و الجميع صحيح لا اشكال فيه، مع انه يصح ان يقال ان اللام في قوله تعالى: «لَهُمْ دَرَجاتٌ» للاختصاص الذاتي كما يقال: للجنة أشجار و أوراد و رياحين.
السادس‏:

يستفاد من قوله تعالى: «أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ» أهم اصل من أصول التعليم و التربية في الإسلام و هذه الآية المباركة مع إيجازها تتضمن أعظم المقومات في السير و السلوك في الأخلاق و هي تدل على ان المتبع لها يتصف بفضيلة الصلاح و هي توجب الفوز بالسعادة الفردية و الاجتماعية لمن عمل بها، كما انها تبين الحد الفاصل بين الحقيقة و الوهم و الخيال، فان كل من لم يتبع رضوان اللّه تعالى انما هو قشر بدون لب و جسد بلا روح، و ان كان الظاهر مليحا و لكنه سراب زائل و ضال و لم يبين سبحانه سبل رضوان‏ اللّه تعالى لأنها ذكرت في القرآن الكريم و السنة الشريفة و هي معلومة يحكم بحسنها العقل و الفطرة المستقيمة، و لذا ورد في الحديث «ان الذين اتبعوا رضوان اللّه تعالى هم الأئمة (عليهم السلام) لأنهم يدعون الى الكمال المطلق و هم مثال للأخلاق الفاضلة و الأصل في جميع الاحكام.
السابع‏:

يبين قوله تعالى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ان جهات تكميل الإنسان لا بد ان تكون من اللّه تعالى و ان مكمل الانسانية يجب أن يكون مبعوثا من قبله عز و جل لان جهات التكميل الواقعية مما لا يمكن ان يحيط بها العقل.
و بمثل هذه الآية الشريفة يمكن ان يستدل على ان وصي الرسول لا سيما خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) لا بد ان يكون باختيار اللّه تعالى و تنصيص من النبي (صلى اللّه عليه و آله) عليه لان ما يتمم الانسانية الواقعية مثل المكمل للانسانية لا دخل لاختيار الناس فيه فلا بد و ان يكون باختيار من اللّه عز و جل و تعيين من واسطة الفيض بطريق التنصيب و سيأتي في الآيات اللاحقة تفصيل الكلام ان شاء اللّه تعالى.
الثامن‏:

انما خص المؤمنين بالذكر في قوله تعالى، «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» مع ان رسول اللّه تعالى و أنبيائه مبعوثون إلى كافة الناس لبيان مزيد المنة و تماميتها عليهم لأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية و لأنهم مستعدون لنيل الإفاضات الربوبية، و قد تقدم في قوله تعالى: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» ما يرتبط بالمقام فراجع.
التاسع‏:

انما قدم عز و جل التزكية على التعليم في المقام و أخرها في قوله تعالى: «وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ» البقرة- 129 لبيان التلازم بين التخلية و التحلية في النفوس المستعدة فلا ينافي تقديم احد المتلازمين على الآخر في موضع مع تأخره عنه في موضع آخر، أو لأن التزكية و التعليم الواقعين لا بد ان يدعو كل واحد منهما الى الآخر و إلا فليسا من التخلية و التحلية بشي‏ء.

في تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» قال (عليه السلام): «فصدق اللّه لم يكن اللّه ليجعل نبيا غالا «و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة» و من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف ان يدخل اليه فيخرجه من النار».
أقول: الحديث ينص على تجسم الأعمال و ان العامل مأخوذ بعمله في الدار الآخرة.
و في المجالس عن الصادق (عليه السلام): «و إن رضاء الناس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوه- أي نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله)- يوم بدر الى انه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء حتى أظهره اللّه على القطيفة و برّأ نبيه من الخيانة، و انزل في كتابه:
«وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة مروية من الخاصة و الجمهور، و يستفاد منها انهم قد نسبوا ذلك اليه (صلى اللّه عليه و آله) في عدة مواضع.
في الكافي عن عمار الساباطي قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه عز و جل: «أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» فقال (عليه السلام): الذين اتبعوا رضوان اللّه هم الأئمة، و هم و اللّه يا عمار درجات للمؤمنين، و بولايتهم إيانا يضاعف اللّه لهم أعمالهم و يرفع اللّه لهم الدرجات العلى».
أقول من كان مع الحق و في الحق في جميع أفعاله و أقواله تنطبق عليه الآية الشريفة فتكون الرواية من باب التطبيق.
و في تفسير العياشي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» قال (ع): «الدرجة ما بين السماء الى الأرض».
أقول: لا ريب في اختلاف الدرجات اختلافا كثيرا بل ربما تكون التفاوت غير متناهية.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"