1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 109 الى 112

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (112)


الآيات الشريفة مرتبطة بالآيات السابقة فإنها اختتمت بأن اللّه تعالى لا يريد أن يوقع بالعالمين ظلما.
و في الآية الاولى من هذه الآيات يبين سبحانه العلة لذلك من انه غنى عن ظلمهم لأنه يملك ما في السموات و ما في الأرض و اليه مصير الأمور و انما يريد جلت عظمته ان يحق الحق و يجرى العدل و ينال كل انسان جزاء ما احسن أو أساء فيترتب الجزاء على العمل و يعيش الإنسان بالحق و ينتهي الى الحق فقد جمع اللّه فيها بين المبدأ و المعاد.
و اما الآية الثانية منها فتبين قدر هذه الامة في هذه الأرض و بم استحقت هذه المنزلة و نالت هذه الكبرياء و العظمة؟! لم تكن محاباة و لا مجازفة بل لأنها اعتصمت بحبل اللّه تعالى، فالآية الشريفة توصف المعتصمين به الداعين للخير بوصف شريف رفيع و تبين قدرهم و فضلهم على من سواهم.
كما ان الآيات الاخيرة تكشف عن هوان و تصغير اهل الكتاب بل و غيرهم من الكفار بأنهم لا يملكون ما يضروكم و انما هم في ذلة و كتبت عليهم المسكنة، تعيش في ضمائرهم و تمزق مشاعرهم لأنهم كفروا بآيات اللّه و تمردوا بقتل الأنبياء و الاعتداء على الحق و الحقيقة.

قوله تعالى: وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ.
اي: له وحده جميع ما في السموات و الأرض من جميع الجهات خلقا و تصرفا و تدبيرا و إيجادا و إفناء لأنه إله العالم و مدبره و خالقه و ما سواه محتاج اليه في جميع شؤونه.
و انما ذكر اسم الجلالة لبيان وجه مالكيته و رجوع سائر الخلق اليه، لأنه الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية، و لما في الألوهية من السلطة التامة على جميع الممكنات.
و المراد بالملكية فيه عز و جل هي الملكية الحقيقية الايجادية و الابقائية و الإفنائية و التربوية التامة الابدية لا الملكية الاضافية الاعتبارية، فإنها من الاعتباريات التي لا تليق به تبارك و تعالى كما ذكرنا في هذا التفسير مكررا.
قوله تعالى: وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
بيان للمعاد بعد ذكر المبدء لان من كان موجودا لما سواه لا بد ان يصير ما سواه اليه أيضا لما هو ثابت في الفلسفة الإلهية من التلازم بين المبدء و المعاد فليس لغيره من الأمر شي‏ء، فلا محالة ترجع الأمور اليه عز و جل، فهو واحد في الإيجاد و الإرجاع و المعاد.
و انما ذكر عز و جل ذلك في المقام لبيان التلازم بين المبدء و المعاد و الإظهار في مقام الإضمار لبيان الدليل لإقامة المعاد و رجوع الأمر اليه كما استدل بذلك على إيجاد الممكنات، و لإظهار المهابة و منتهى العظمة و غاية الكبرياء، فإذا كان اللّه تعالى مالكا لسائر خلقه و مصيرهم اليه و هو يجازي كلا بما تقتضيه حكمته و عدله حسب عمله، فلا يتصور وجه للظلم فيه تعالى.
قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
إخبار عن حقيقة الواقع على ما هو عليه، و هو غير محدود بأي حد من الحدود الزمانية و المكانية كما هو شأن الحقائق الواقعية يكفي في صدقها صرف الوجود و قد تحقق ذلك عند ما كان المسلمون متصفين بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و داعين إلى الخير فقد كانت لهم السلطة الروحية و الظاهرية و التفوق على غيرهم من الأمم و صدرت منهم العجائب. و سيستعيدون سلطتهم و عظمتهم و روحانيتهم و تفوقهم إذا ظهر العدل الحقيقي في الإسلام و اتفقت كلمة المسلمين على التوحيد و اجتمعت الامة على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و شاعت الرحمة بينهم.
و المراد بالخروج هو الظهور بحسب مراتبه التدريجية الواقعية كخروج الأوراد من أكمامها و النباتات عن منبتها قال تعالى: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» الرحمن- 22.
وجهة الخيرية معلومة و هي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و التخلق بأكرم اخلاق اللّه تعالى، فيصير حقيقة المعنى: كنتم خير امة ظهرت للناس لأنكم متخلقون بأعظم اخلاق اللّه تعالى و لا ريب في ان الصفة تعليلية يعني: انكم ما دمتم على تلك الصفة تتصفون بالخيرية و تنسلخ عنكم إذا زالت الصفة كما هو شأن كل وصف تعليلي فتكون هذه الجملة من قبيل القضايا العقلية المشتملة على العلة و المعلول المطابقة لفطرة العقول، يؤتى بها لزيادة التحريض على الانقياد و الطواعية و لبيان شدة الاهتمام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و تدل الآية الشريفة على مدح المؤمنين بالصفات الواردة فيها و تفوقهم على سائر الناس، و قد تشرفت الامة بهذه الطائفة المعينة المتصفة بحقيقة الايمان و بأكرم صفات الباري عز و جل.
و من ذلك يعرف ان (كان) ناقصة تدل على تحقق الشروط، لا ما يقال: من انها تدل على تحقق مضمونها في الزمان الماضي و انقضى و انقطع، على ما ذكر جمع كثير من ان الآية الشريفة نزلت في الذين هاجروا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المدينة، و اخرج بعضهم عن عمرانه قال: «أولنا و لا تكون لآخرنا فلو شاء اللّه لقال أنتم فكنا كلنا و لكن قال: كنتم في خاصة اصحاب محمد (صلى اللّه عليه و آله) و من صنع مثل صنيعهم كانوا خير امة أخرجت للناس».
و لكن حق القول أن (كان) و ان كانت ناقصة و غير منسلخة عن الزمان، و لكنها لا تدل على ما ذكروه فانه لو كان الأمر كذلك‏ لكانت الآية الشريفة واردة في ذم الصحابة لا في مدحهم لأنها تدل على انهم كانوا متصفين في وقت النزول بالمضمون و لكنهم انسلخوا عنه في وقت آخر. و هذا بعيد عن سياق الآية الشريفة، و لأجل هذا قال بعضهم ان (كان) في المقام منسلخة عن الزمان و قد استعملت للأزلية قياسا على قوله تعالى «وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً» النساء- ۱٤۸ و أشباهه فإنها تستعمل على اللزوم من دون انقطاع و انقضاء.
و لكن ذلك مردود أيضا فان كان كذلك بالنسبة إلى صفات الباري لان صفاته سبحانه و تعالى ازلية ابدية لا يعقل المضي و الانقطاع فيها و لكن ذلك لا يوجب صرفها عن وضعها في المقام كما هو معلوم.
و قيل: ان (كان) تامة- كقوله تعالى: «وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ» البقرة- 280- مأخوذة من الكون المطاوع للتكوين نظير قوله تعالى: «كُنْ فَيَكُونُ»* البقرة- 117، و خير امة حال من الضمير، و جملة أخرجت صفة للامة بمعنى أخرجت من العدم إلى الوجود.
و لكن كل ذلك تطويل بلا طائل بعد ظهور السياق في مدح من اتصف بهذه الصفة سواء كان في عصر النزول أو بعد ذلك و قد تشرفت الامة بهذه الطائفة المؤمنة، و قد أثبتنا في الأصول ان القضايا الحقيقية الواقعية تنطبق على موضوعاتها قهرا أينما تحققت و وجدت في الماضي و الحال و المستقبل. فلا وجه للنزاع في ان (كان) تامة أو ناقصة أو منسلخة عن الزمان أو غير منسلخة بعد ان كانت الآية من قبيل القضايا الحقيقية و هكذا في سائر القضايا القرآنية.
قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
بيان لسبب الصلاح و الخيرية للمجتمع بل الحياة السعيدة كما تقدم فان بهما يتحقق صلاح المجتمع و الامة و تبعّد الشر عنهما فالامر بالمعروف و النهي عن المنكر بكل ما فيهما من المتاعب و المشاق ضروريان لإصلاح المجتمع و كل ما ازداد، و انتشر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر اتصفت الامة بالعظمة و الخيرية و كل ما ضعفا انهارت الامة في كيانها.
قوله تعالى: وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
اي: تؤمنون باللّه تعالى حق الايمان، و انما قدم عز و جل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الايمان باللّه تعالى و ان كان الأخير مشتملا عليهما و أصلا لهما، لبيان اهميتهما و ان الإخلال بشي‏ء منهما إخلال بالإيمان، و لان الايمان يمكن ان يدعيه كل احد الا إذا اقترن القول بالفعل. فالامر بالمعروف و النهي عن المنكر لهما الدلالة على صدق الدعوى فهما اظهر في الخيرية من مجرد ادعاء الايمان، فيكونان كالمقتضي لتحقق الايمان و ثبوته و صدقه. و لان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا بد ان يكونا عن علم بموردهما و عمل لهما فقد جمعا بين الاعتقاد و العمل.
و من سياق الآية الشريفة يستفاد ان مجرد الايمان لم يكن كافيا في الاتصاف بالخيرية و الفضل العظيم بل لا بد من تحقق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فتختص هذه الفضيلة بطائفة خاصة و ليس كل واحد من المؤمنين داخلا فيها فالخطاب يكون لجماعة مخصوصين ملازمين للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر متلبسين بحقيقة الايمان‏.
قوله تعالى: وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ.
اي: و لو كان اهل الكتاب على ما وصف به المؤمنون و استعصموا بالإيمان باللّه العظيم حقيقة و واقعا لفازوا بالسعادة في الدنيا و الآخرة و دفع عنهم العذاب.
قوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ.
اي: لكنهم مختلفون فمنهم أمة مؤمنة و اخرى فاسقة خارجة عن طاعة اللّه تعالى فكان هذا الاختلاف سببا في بعدهم عن حقيقة الايمان فلم يجتمعوا على الاعتصام بحبل اللّه تعالى بخلاف المؤمنين الذين آمنوا بمحمد (صلى اللّه عليه و آله) و اجتمعوا على الاعتصام بحبله تعالى و اتفقوا على طاعة اللّه عز و جل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ففازوا بسعادة الدارين و على هذا يمكن ان يكون الايمان و الكفر في الآية الشريفة هما الايمان و الكفر الجهتيان اي الاجتماع على الاعتصام باللّه و التمسك بحبله و الاتفاق على طاعته و الكفر خلاف تلك.
قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً.
الأذى: ما يعرض الإنسان من مكروه في نفسه أو جسمه أو تبعاته و المراد به في المقام إما في القول كالكذب و البهتان، و قبيح الكلام أو في الفعل كالتهييج و التجمع للحرب و القتال أو ما يجرح قلوب المؤمنين بإظهار الكفر و المجاهرة بالضلال و إفساد القلوب الضعيفة و قد يستلزم الضرر اليسير فيكون الاستثناء متصلا.
و قيل: ان الاستثناء منقطع باعتبار خروج الأذى عن مفهوم الضرر و لكنه بعيد لان الضرر مطلق النقص فيشمل الجميع.
و المعنى: ان اهل الكتاب لا يمكنهم إيقاع الضرر بكم الا ما يوجب أذيتكم فإنهم مع اختلافهم المزبور و فسقهم لا يجتمعون على امر فيه الضرر عليكم و لا يقدرون على قتالكم و الغلبة عليكم.
قوله تعالى: وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ.
تولى الأدبار: كناية عن الانهزام و هو معروف و الآية في مقام بيان الضرر الذي تقدم ذكره اي: و ان اجتمعوا على إيقاع الضرر بكم بالقتال معكم فإنهم ينهزمون من غير ان يظفروا منكم بشي‏ء.
قوله تعالى: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ.
جملة اخبارية مستقبلة و وعد آخر منه عز و جل بأنهم لا ينصرون عليكم، لأنه لا ينصرهم احد عليكم. و يمكن ان تكون الجملة تتمة للسابق اي مع انهزامهم لا ينصرهم احد فتكون عاقبتهم العجز و الخذلان.
و كيف كان ففي الآية الشريفة ثلاث بشارات للرسول الكريم و المؤمنين، و قد تحققت مصاديقها على احسن وجه و أكمله و تستمر ذلك أيضا او اتفق المسلمون على العمل بما نزل من القرآن الكريم و ما جاء به الرسول العظيم، و نبذوا الاختلاف و التفرق كما أمرنا به.
قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا.
الذلة (بالكسر) ذل خاص قرين الاهانة ضد العز الذي هو بمعنى الامتناع فيكون الذل بالمعنى العام هو الانكسار و الضعف و من أسمائه تعالى «المذل» اي هو الذي يلحق الذال بمن يشاء من خلقه، و ينفى عنه جميع انواع العز كما ان من أسمائه عز و جل «المعز» و «العزيز».
و هما اي الانكسار و الضعف تارة يكونان عن قهر فهو ذل (بالضم) و اخرى: عن تصعب و شماس فهو الذل (بالكسر) و هي من صيغ الهيئة.
و ضرب الذلة عليهم كناية عن ملازمتها لهم و ظهور أثرها فيهم فلا خلاص لهم منها كضرب السكة على الفلز.
و ثقفوا بمعنى وجدوا و أدركوا الظفر بهم. و المعنى: ان الذلة قد تمكنت في نفوسهم بحيث يظهر اثرها فيهم عند الملاقاة و الظفر فيهم فانه لا منعة لهم بسببها.
قوله تعالى: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ.
استثناء مفرغ، و الحبل هو السبب الذي يوجب التمسك به العصمة و الامتناع و يطلق على العهود، و الذمام و الرعاية توسعا، و حبل اللّه هو الالتجاء اليه عز و جل بالإيمان به و الإخلاص له، و حبل الناس هو الدخول في ذمامهم و عهودهم و حمايتهم.
و المعنى: انهم لن يسلموا من الذلة إلا إذا آمنوا و دخلوا في عهد اللّه تعالى و انقطعوا اليه بإخلاص أو دخلوا في عهود الناس و ذمامهم فإنهم يسلمون من القتل و الأسر و ذل التباغض و نحو ذلك.
و إنما كرر سبحانه و تعالى لفظ الحبل لاختلاف المعنى فانه من اللّه هو الحكم و القضاء تكوينا أو تشريعا و من الناس العمل و البناء.
و المراد بضرب الذلة الأعم من التشريعي الذي هو القتال معهم و أخذ الجزية منهم و التكويني الذي جعله اللّه تعالى عليهم بسبب الجحود بآيات اللّه تعالى و قد أثبته التاريخ في العهود الماضية، و لا تختص الآية الشريفة بطائفة خاصة منهم بل تشمل اليهود و النصارى و كل من جحد الحق.
قوله تعالى: وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
اي: رجعوا من رحمة اللّه تعالى و هم متلبسون بغضبه عز و جل.
قوله تعالى: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ.
المسكنة شدة الفقر، و المراد بها الفقر الذاتي الذي لا خلاص لهم عنه و هو أشد أنحاء الفقر و الحال السيئة.
و المعنى: ان إصرارهم على الجحود أوجب اتصافهم بانحاء الرذائل المعنوية و الظاهرية.
قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
تعليل لاتصافهم بالرذائل و قد ذكر عز و جل بعض الإفراد و هو الكفر بآيات اللّه تعالى و قتل الأنبياء بغير حق. ثم أجمله عز و جل بعد ذلك بوجه كلي.
و انما كان قتل الأنبياء من أسلافهم و لكن نسب إلى الأخلاف باعتبار رضائهم بفعل الآباء كما انه وصف قتل الأنبياء بغير حق تشديدا لهذه الجريمة النكراء لبيان أن قتل كل نبي انما يكون بغير حق فيكون القيد توضيحيا اعلاما لأهمية الجريمة و تشديد النكير فيها.
قوله تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ.
تعليل لاتصافهم بالرذائل المعنوية و الظاهرية و ظاهر التعليل شموله لكل من اتصف به و لو لم يكن منهم فلا وجه لما في بعض التفاسير من التخصيص بطائفة خاصة منهم فان المناط عموم التعليل اي إصرارهم‏ على الاعتداء الذي أوجب العصيان و الكفر بآيات اللّه فيكون العصيان منهم مستمرا بسبب استمرار الاعتداء منهم.

قد اشتهر في العلوم العقلية ان الجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا و ذلك لان العلم مطلقا انما يتعلق بالكليات و القواعد العامة و اما الجزئيات و الإفراد فهي تابعة لها و هذا هو المراد من قول الفلاسفة الإلهيين و الطبيعيين ان نتائج الأفكار مطلقا ليست الا الكليات هذا في العلم المستفاد من الحواس الجسمانية.
و اما ما يوحى من اللّه سبحانه و تعالى على أنبيائه أو ما يقوله نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) فإنها كلها ليست إلا قواعد كلية عقلية فطرية فان الجزئيات لا يمكن ان تكون مورد نظر الفلاسفة المتألهين فضلا عن المبدء القيوم و نبيه الأعظم الذي يفتخر على سائر الأنبياء بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «أوتيت جوامع الكلم» فالقرآن الكريم و السنة المقدسة كلاهما حقايق كلية و كليات واقعية تظهر للعقول آثارها و تنشر في العالم أخبارها، و يستفاد من كل آية قواعد و اصول كثيرة، و لذا اتفق الجميع على ان المورد لا يكون مخصصا و مقيدا.
و من ذلك يعرف ان ما ورد في الآية الشريفة حقيقة من الحقائق لا تختص بعصر دون آخر و لا بطائفة معينة من المؤمنين فكل ما تحققت فيه الشروط كان داخلا في مضمون الآية الشريفة و ثبتت له الخيرية و التفضيل على سائر الناس، فلا وجه للنزاع في ان (كان) في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ناقصة أم تامة منسلخة عن‏ الزمان أم لا و ان كان ظاهر السياق بحسب العلوم الادبية يقتضي ان تكون (كان) ناقصة لكن حقيقة الواقع على ما هو عليه لا تتغير بالجهات الادبية، فالآية المباركة في مقام الإخبار عن أمة مؤمنة وفت بما التزمت للّه تعالى و ثبتت على إيمانها ففازت بالسعادة و الخيرية و الفضل على سائر الناس، و لا ينافي ذلك ان يقال: انهم كانوا في علم اللّه كذلك.
ثم انه يدل قوله تعالى: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» على ان السبب في نفي الخيرية عنهم انهم اختلفوا و لم يجتمعوا على الايمان و الثبات عليه، فكان هذا الذيل راجعا إلى صدر الآيات التي أمرنا فيها بالاعتصام بحبل اللّه و الاجتماع، فيرجع الذيل إلى الصدر، و هذا من بدائع الأسلوب كما فيه التأكيد على اهمية الاجتماع و نبذ الافتراق.
و السر في التعبير بالبناء للمجهول في «أخرجت» كون الناس في طريق الاستكمال تكوينا و ان الحركة في سير الاستكمال، فتصير هذه الامة خير الأمم لا محالة ان طبقت على نفسها مبادئ دينها و ذلك لا يتحقق إلا بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما تقدم.
و انما عبّر سبحانه و تعالى في هذه الآية الشريفة بالمجهول «أخرجت» و في قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» البقرة- 227 بالمعلوم، و أضاف الفعل إلى نفسه الأقدس، لان تأسيس الاهتداء إلى الصراط المستقيم و جعل هذا القانون القويم يختص باللّه تعالى و لذا أضاف ذلك إلى نفسه الأقدس قال تعالى: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»– الحجرات- 17. و اما بعد البيان و إتمام الحجة فتصبح النفوس مستعدة لنور الفيض عليها و قبولها للكمالات‏ اعتقادا و عملا و لذا أتى بالفعل مجهولا «أخرجت» مدحا لهم.
فالآيتان المباركتان تبيّنان السبب الفاعلي و المادة القابلة اي النفوس المستعدة.
و التعبير ب (الأذى) في قوله تعالى: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً» للاشعار بان الضرر لا يكون عميقا و لا أصيلا بحيث يتناول أمس الدعوة و انما هو مجرد عرض يزول و ان النصر ليس من نصيبهم فالآية الشريفة تعد من ملاحم الآيات في القرآن الكريم و هي تدل على ان المسلمين لو داوموا على ما كانوا عليه في بدء الدعوة من الاتحاد و الوحدة بينهم تاركين الخلاف و الاختلاف لكانت لهم الكلمة العليا و السيطرة و الاستيلاء على الأعداء و الكفار و لن يقدر احد ان يضرهم، و لكنهم اختلفوا و تفرقوا و كان فعلهم هذا بمنزلة إعطاء السلاح بيد عدوهم فصار يقاتلهم بسلاح أنفسهم فلا يلوموا في ذلك إلا أنفسهم و في مثل ذلك لا ينفع الدعاء و لا الاستغاثة باللّه العظيم كما تقدم في مباحث الدعاء.
كما يستفاد من الآية الشريفة ان الذلة عليهم كانت مستمرة ما داموا مستحقين لها لسوء أعمالهم إلا ان يعتصموا بحبل اللّه أو يعتصموا بذمة المسلمين.
و انما جمع بين ضرب الذلة و ضرب المسكنة على هؤلاء، فان الاولى انما هي حالة خاصة تعتري الشخص الذليل من ناحية الغير إما لانكسار الشوكة و انحلال الجامعة أو لسلب الحق و نحو ذلك. و المسكنة هي حالة تعتري الشخص من ناحية نفسه منشؤها استصغار الشخص نفسه عند الغير كتوارد حالات الذلة و الفقر عليه.
و تعدد كلمة «ضربت» في الآية الشريفة لأجل تعدد متعلقها.
كما ان تعدد اسم الإشارة «ذلك» انما هو لتعظيم الأمر و التفخيم و لتعدد السبب و التأكيد و إتمام الاحتجاج.

في تفسير العياشي عن عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» قال: «يعني الامة التي أوجبت لها دعوة ابراهيم (عليه السلام) فهم الأمة التي بعث اللّه فيها و منها و إليها، و هم الامة الوسطى و هم خير امة أخرجت للناس».
أقول: يستفاد من هذا الحديث ان الامة التي ورد مدحها في مواضع من القرآن الكريم واحدة و هي التي تتصف بفعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هي محصورة في افراد معدودين كما عرفت في التفسير.
في تفسير القمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال نزلت:«كنتم خير أئمة أخرجت للناس».
أقول: قريب منه في تفسير العياشي و هذا على وجه التأويل و هو بيان لأظهر مصاديق الامة الآمرة بالمعروف و الناهية عن المنكر.
و في الدر المنثور اخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر (ع): «كنتم خير امة أخرجت للناس» قال: «اهل بيت النبي (صلى اللّه عليه و آله) أقول: تقدم ما يتعلق بذلك.
و في اسباب النزول للواحدي في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» عن عكرمة و مقاتل: «نزلت في ابن مسعود و ابى ابن كعب و معاذ بن جبل و سالم مولى أبي حذيفة، و ذلك أن مالك بن الضيف و وهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم: ان ربنا خير مما تدعوننا اليه و نحن خير و أفضل منكم فانزل اللّه تعالى هذه الآية».
أقول: لو صح الحديث و انطبقت عليه العلة يكون الحديث بيانا لبعض المصاديق فلا تنافي بينه و بين غيره.
و في الدر المنثور اخرج احمد: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أعطيت ما لم يعط احد من الأنبياء نصرت بالرعب، و أعطيت مفاتيح الأرض، و سميت احمد، و جعل التراب لي طهورا و جعلت امتي خير الأمم».
أقول: الحديث معروف بين الفريقين، و المراد بالفقرة الاخيرة هي البعض كما عرفت. أو تشرفت سائر الامة بهم.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"