1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات ۱ الى ٦

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
الم (۱) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (۲) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (۳) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين هذه السورة تدعو الخلق إلى عبادة اللّه الواحد الأحد المتفرّد، المتّصف بصفات الجمال و الجلال، كما تدعو المؤمنين إلى توحيد الصفوف و الاتحاد في الكلمة، و تحرّضهم على الصبر و المصابرة لمواجهة الأخطار و كيد الأعداء بعد انتشار الإسلام و ذيوع صيته في الجزيرة و الأمم المجاورة لهم، و تحذّرهم عن الاختلاف و التفرقة، و تنبئهم عن كيد الأعداء و اتحادهم في إطفاء نور اللّه تعالى بكلّ ما أمكنهم.
و في هذه السورة بيان لأصول المعارف الإلهيّة، و ما به الاشتراك بين الأديان السماويّة، و تبيّن كيفيّة المحاجّة مع أهل الكتاب، و ترشدهم إلى قصة المباهلة مع وفد نصارى نجران.
و فيها ذكر خلق عيسى عليه السّلام الذي يشبه خلق آدم عليه السّلام، و إنكار كثير من أفعال اليهود و النصارى، و الردّ على مزاعمهم في أنبياء اللّه تعالى.
و يبيّن اللّه تعالى فيها حقائق دينيّة و أمورا عامّة، تجلب السعادة لهم في الدنيا و الآخرة، و يدفع بها شبهات المعاندين و تلبيس الكافرين، و قد أثبت لنفسه مهام الصفات العليا و ما يستلزم في تدبير ملكه و توليته لأمور المؤمنين و إحاطته بالكافرين، و أنهى سبحانه و تعالى هذه السورة بالدعاء.
و من وحدة الأسلوب و الغرض يستفاد أنها نزلت دفعة واحدة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد أعدّ العدّة لمواجهة الأخطار المحدقة بالدين من المشركين و أهل الكتاب.
و يكفي في عظمة هذه السورة المباركة أنها ابتدأت بالتوحيد و أمهات الصفات (الحي و القيوم)، و اختتمت بالأمر بالصبر و المصابرة و التقوى و الوعد بالفلاح، فجمعت بين المبدأ و المعاد بأحسن أسلوب يأخذ بقلوب العباد، فقد جمع اللّه تعالى بها بين التوحيد و النبوّة و المعاد و مراتب تكامل النفس و بدء الطبيعيّات من اللّه و سيرها إليه جلّ جلاله و بين القصة و الاحتجاج و البرهان. كلّ ذلك ينبئ عن عظمة الحكيم الحنّان. و سمّيت هذه السورة بسورة الاصطفاء أيضا، لأن فيها قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [سورة آل عمران، الآية: 33].
و في الآيات المتقدّمة براعة الاستهلال تتضمّن خلاصة ما يذكر في هذه السورة المباركة، فقد أثبت سبحانه و تعالى مهام صفاته العليا و أورد عزّ و جلّ ذكر الكتب الإلهيّة، و حذّر الكافرين عن أفعالهم و أوعدهم بالعذاب الشديد، ثم ذكر ما هو بمنزلة العلّة لما ورد في المقدّمة. و أرشد المؤمنين إلى تذكّر آلاء اللّه تعالى و صفاته العليا، التي بها يدوم العالم و ينتظم نظام الخلق.
فهذه الآيات اشتملت على اصول المعارف الإلهيّة، أما التوحيد فقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، و أما النبوّة فقوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، و أما المعاد ببقية الآيات المباركة.

قوله تعالى: الم.

تقدّم الكلام في الحروف المقطّعة القرآنية في أوّل سورة البقرة، و المتحصّل منه أن الاحتمالات المتصوّرة فيها خمسة .

الأول: أنها أسرار و رموز بين الموحي و الموحى إليه، لا يعلمها أحد حتى جبرائيل الذي هو أمين الوحي، فإن بين كلّ ملك و الخواص من وزرائه أسرارا في المخاطبة و الخطاب كما هو معلوم، بل هذا هو دأب المتيّمين من الأحباب، و قديما قالوا إن للحبّ لغة خاصة في مقابل كلّ لغة.

بين المحبّين سرّ ليس يفشيه             قول و لا قلم للناس يحكيه‏

هذا في الحبّ المجازي، و أما الحقيقي منه فلا يعقل تمديده بحدّ أبدا.

الثاني: أن المركّب منها إشارة إلى أمر مهم في الشريعة المقدّسة.

و لكن يرد عليه أن ذلك لا يكفي في الاحتجاج على أهل العناد و اللجاج بل مطلق العناد، لما ثبت في محلّه من أنه لا أثر للمجمل و الرمز و اللغز التي تنبو عنها الأفهام و لا يعتمد عليها الأعلام في مخاطباتهم، فتدخل في متشابهات القرآن الكريم التي عجزت عن فهمها العقول.

الثالث: أنها اسم لنفس السورة التي بدأت بها.

و يرد عليه أن فيه من الغرابة ما لا يخفي.

الرابع: أنها ذكرت تمهيدا لإصغاء المخاطبين و السامعين.

و فيه: أنه بعيد من الحكمة.

الخامس: أنها ذكرت تجليلا للسورة، يعني أن السورة و إن كانت فيها هذه الحروف الهجائية بحسب الظاهر، و لكنّها مشتملة على معارف لا تحيط بها العقول و يعجز الإنسان عن الإتيان بمثلها.

و هناك وجوه اخرى، يمكن الجمع بينها. و القول بأن تمام تلك الوجوه منطوية فيها، و ليس ذلك من شأن الآيات الكريمة ببعيد. و تمام الكلام تقدّم في أوّل سورة البقرة.

قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.

تقدّم بعض الكلام فيه في تفسير آية الكرسي [۲٥٥ من سورة البقرة]، و نزيد هنا: اللّه اسم للذات المستجمعة لجميع الكمالات الواقعيّة و الادراكيّة، و المسلوب عنها جميع النقائص كذلك، و نفس تصوّر هذا المعنى بما ذكرناه في فرض العقل يغني عن إثبات صفات جماله و جلاله و معبوديته المطلقة، و خضوع ما سواه له، و لا نحتاج إلى إقامة دليل آخر على ذلك، فالهويّة المطلقة في الكمال المطلق مجرّدة عن كلّ قيد و إضافة، منحصرة فيه عزّ و جلّ، و قد روي أن عليا عليه السّلام قال: «يا من هو، يا من ليس هو إلا هو»، و عرض ذلك على سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله‏ فقال لعلي: «علمت الاسم الأعظم»، نعم هو اسم أعظم لمن انقطع إليه تعالى كمال الانقطاع فتجلّى له حينئذ حقيقة أنه ليس هو إلا هو.

و الحيّ القيوم بالمعنى الحقيقي لا يمكن للعقول المحدودة الاحاطة بهما، لأنهما عين الذات المقدّسة، و العقول قاصرة من وصول تلك الساحة العظمى، بل الحياة في ما سواه عزّ و جلّ من المجرّدات، و غيرها تكون شارقة جزئية من شوارق تلك الحياة.

كما أن المراد بالقيوميّة فيه عزّ و جلّ مديريّته و مدبريته و تربيته العظمى لجميع عوالم الممكنات، قيوميّة حياة تستلزم العلم و القدرة و الهيمنة و الإحاطة، لا أن تكون قيوميّة فاقدة للشعور و الحياة، كما في الأسباب الطبيعيّة التكوينيّة.

فيكون لفظ القيوم بهذا المعنى من الأسماء الخاصة به تعالى كلفظ (اللّه)، و لكن لو لوحظ فيه مبدأ الاشتقاق، و هو مطلق القيام بالشي‏ء و على الشي‏ء، و مطلق القيوميّة يكون من الوضع العام و الموضوع له العام بحسب أصل المعنى، و لكن بحسب الإطلاق منحصر فيه عزّ و جلّ.

هذا إذا لم يحصل مثل هذه الألفاظ علما له عزّ و جلّ و إلا فيسقط أصل البحث، و لعلّ أحد أسرار توقيفية أسمائه المقدّسة عدم تدخّل الجهات اللغوية و الأدبية المتعارفة فيها، لتكون بنفسها مرجعا و أصلا يرجع إليها، لا أن يرجع فيها إلى غيرها.

و يصحّ أن يراد من القيوم مقوّم وجود كلّ موجود حدوثا و بقاء.

كما يصحّ أن يراد به مقوّم حياة كلّ ذي حياة، حيوانية كانت أو نباتية.

و يصحّ أن يراد به قيوم كمال كلّ ذي كمال.

و الحقّ هو الأخير و سائر المعاني منطوية فيه، و لذا عقّبه سبحانه و تعالى بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (۷) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، لأن ذلك من شؤون حياته و قيوميّته المطلقة.

و الحيّ و القيوم من أعظم الأسماء الحسنى.

و الأول من أسماء الذات، بل الثاني أيضا إن رجع إلى الحكمة التامّة التدبيرية و القدرة الجامعة التامّة، كما يصحّ أن يكون برزخا بين اسم الذات و اسم الفعل باختلاف الجهة.

و إنما ذكرهما سبحانه هنا و في آية الكرسي [255 من سورة البقرة]، لأنهما دون لفظ (اللّه) و فوق باقي أسمائه المباركة إلا الاسم الأعظم، بناء على كونه من مقولة اللفظ كما يظهر من بعض الروايات، و يصحّ أن يكونا من بعض أجزائه التي من علم خصوصيات التركيب يؤثّر الأثر المطلوب.

و يمكن أن يستدلّ بهذه الآية الشريفة على وحدة المعبود، بأن يقال إنه لا بد أن يكون حيّا قيوما، و الحيّ القيوم منحصر في واحد عقلا و نقلا، فالمعبود منحصر بواحد كذلك.

و افتتاح هذه السورة بهذه الجملة المباركة الجامعة لجميع صفات الجلال و الجمال يدلّ على كمال الاعتناء بها، و حقّ لها أن تكون سورة الاصطفاء.

و فيها التعليل لما ورد في الآية التالية، أي اللّه الذي هو واحد في ألوهيته و ذو الحياة الكاملة، و القائم على تدبير خلقه بأحسن نظام و أتم حكمة، لقادر على أن ينزل الكتاب الفارق بين الحقّ و الباطل، و لا يخفى عليه أمر مخلوقاته، فمن آمن بما أنزل على رسله فقد فاز، و من كفر فقد خاب و سيجزيه اللّه، أنه عزيز ذو انتقام.

قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.

المراد بالكتاب القرآن الكريم، و الباء في (بالحق) إما في موضع الحال، أو للمصاحبة، أي: حال كونه بالحقّ أو مصاحبا له لا يفارقه، و لا تعتريه شبهة، و لا يطرأ عليه الباطل في جميع شؤونه.

و مصدقا حال آخر، أي: حال كونه معترفا بصدق ما بين يديه و مبيّنا له.

و المراد بما بين يديه: ما تقدّم من الكتب الإلهية، و هي التوراة و الإنجيل و غيرهما.

و التنزيل: هو النزول، و قد تقدّم في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [سورة البقرة، الآية: ۱۸٥]، كيفية نزول القرآن، و الفرق بين النزول و الإنزال الذي يدلّ على الدفعة.

و الآية تدلّ على صحّة نسبة الكتب الإلهية المتقدّمة إلى الوحي الإلهي، و صدق بعض الحقائق التي ورد فيها، و تدلّ على ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى:

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [سورة المائدة، الآية: ٤٤]، و قال تعالى: وَ قَفَّيْنا عَلى‏ آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [سورة المائدة، الآية: ٤٦]، و قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ [سورة المائدة، الآية: ٤۸]، و قال جلّ شأنه: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ [سورة الأعراف، الآية:۱٤٥]، و يستفاد من هذه الآية الشريفة كثرة عناية اللّه تعالى بالتوراة، لأن جميع الكتب السماويّة- بما فيها القرآن الكريم- تشترك في اصول المعارف الإلهية التي منها الدعوة إلى المبدأ جلّ جلاله و توحيده و نفي الأضداد و الأنداد، و منها المعاد و العدل الإلهي، و الترغيب إلى رحمة الرحمن و التحذير من الشيطان و عداوته للإنسان، و من عذاب اللّه تعالى، كما تذكر قصص الأنبياء و ما لا قوه من الظالمين في جنب اللّه و نصرة اللّه لهم، و تبيّن قصة ابتلاء آدم عليه السّلام و إخراجه من الجنّة.

كما أنها تشترك في بيان مكارم الأخلاق و ما يرتفع به الإنسان إلى أعلى الجنان و ما ينزله إلى حضيض الحيوان، و تشترك في بيان المستقلّات العقلية، كجنس الإحسان و قبح الظلم، و بيان جملة من التكوينيّات و الطبيعيات.

إلا انها تختلف في بعض الفروع العملية الذي يقتضيه السير التكاملي الإنساني الذي تنوط به المصالح التشريعية، و هذه كلّها اصول نظام التشريع التي لا بد و أن تجمعها جميع كتب السماء.

و بعبارة اخرى: أن الوحي السماوي بالنسبة إلى أنبياء اللّه تعالى واحد بوجود نوعي، و التوراة و الإنجيل و القرآن من أفراد ذلك النوع، كما أن الإنسان واحد نوعي له أفراد كثيرون، فيصحّ لنا تأسيس قاعدة كلّية و هي الاتحاد في الكتب السماويّة، و لكن القرآن مظهر لجميعها، فما كان منها موافقا للقرآن يكون صحيحا و معتبرا، و ما كان مخالفا له يردّ علمه إلى أهله، إلا إذا ثبت بدليل معتبر جهة المخالفة، و الأدلة القطعية التي أقاموها على نسخ القرآن هو إنما يكون بالنسبة إلى الجهات المخالفة، لا المساواة و الموافقة التي هي مقتضى الأصل و القاعدة فيها.

و الآية الشريفة و ان دلّت على صحّة نسبة التوراة و الإنجيل إلى اللّه تعالى، و لكن لا بد أن تكون في الجملة، لا على نحو الكلّية و المجموع، لدلالة آيات اخرى على وقوع التحريف فيهما، قال تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [سورة المائدة، الآية: 13]، و قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [سورة المائدة، الآية: ۱٥].

قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ.

التوراة لفظ عبراني و معناها الشريعة، و تطلق على العهد القديم المتكوّن من أسفار موسى الخمسة، التي يسمّيها اليهود بالناموس، و هي: سفر التكوين، و سفر التثنية، و سفر الخروج، و سفر اللاويين أو الأحبار، و سفر العدد. و قد وقع الخلاف بين المؤرّخين في صحة نسبة التوراة الموجودة بين أيدينا إلى موسى عليه السّلام، و لا يزال‏ كثير من اللاهوتيين يشكّون في صحّة النسبة و يرون أنها كتبت بعد عصر موسى عليه السّلام، و إن كان القول بأن جميع تلك الأسفار ليست من الوحي لا يخلو من غلو و إفراط في القول، فإن فيها ما يكون منسوبا إلى موسى عليه السّلام، كما تشهد له الأدلة الكثيرة إلا أن المراد من التوراة في القرآن هي الحقيقيّة المنزلة على موسى عليه السّلام بوحي من اللّه تعالى، كما تدلّ عليه الآيات الكثيرة، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ [سورة المائدة، الآية: ٤٤]، و قد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في ما يقرب من ثمانية عشر موردا مقرونة بالتجليل و التعظيم.

و اختلف الأدباء في اشتقاقها، و نحن في غنى عن ذلك بعد كونها غير عربية الأصل.

و الإنجيل كلمة يونانية و معناها (الجلوان)، أي ما يعطى لمن يبشّر بالشي‏ء، أو البشرى بالخلاص، و تطلق عند المسيحيين على الأناجيل الأربعة، و هي إنجيل لوقا، و إنجيل مرقس، و إنجيل متى، و إنجيل يوحنا، و العهد الجديد يطلق على هذه الأناجيل الأربعة المتكوّنة من سبعة و عشرين سفرا، تتضمّن سيرة المسيح و تعاليمه و أعمال الرسل (الحواريين) و رؤيا يوحنا اللاهوتي، و قد اختلفوا في تأريخ كتابتها.

و لكن الإنجيل في القرآن الكريم هو الكتاب المنزل من اللّه تعالى على عيسى عليه السّلام الموصوف بأنه كتاب واحد حقيقي مشتمل على النور و الهداية، و قد ورد ذكره في القرآن الكريم في ما يقرب من اثنى عشر موردا.

و قد اختلف العلماء في اشتقاق هذه الكلمة على وجوه، و لكن كونها غير عربية الأصل يكفينا عن الخوض في ذكرها.

و يستفاد من مجموع الآيات التي وردت هذه الكلمة فيها أن الإنجيل كتاب واحد حقيقي و ليس هو متعددا كما يدّعيه المسيحيون، و أنه لم يؤمن من السقط و التحريف كالتوراة، و يرشد إلى ذلك إفراد الاسم و التوصيف بأنه هدى للناس، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و إنما ذكرهما سبحانه في أوّل السورة توطئة لما سيذكره من قصصهم و ما يتعلّق بولادة عيسى عليه السّلام.

و من سياق الآية المباركة يستفاد أن التوراة و الإنجيل نزلتا جملة واحدة، بخلاف القرآن فإنه نزل تدريجيا، حيث عبّر تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، و قال تعالى: وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ، كما مرّ سابقا.

إن قيل: ورد نفس التعبير في قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ، فيدلّ على نزول القرآن جمعا و دفعة، فيتحقّق التنافي بين الآيتين.

قلنا: لو كان النزول و التنزيل مرّة واحدة حقيقة فالإشكال وارد، و لكن للقرآن نزولات متعدّدة كما تقدّم سابقا في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [سورة البقرة، الآية: ۱۸٥]، فمرّة نزل نجوما و مرارا نزل دفعة، و إنما ذكره هنا تجليلا و تعظيما لمقام القرآن بالنسبة إلى سائر الكتب السماويّة.

قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ.

الفرقان: ما يفرق بين الحقّ و الباطل، و قد استعملت هذه المادة في القرآن الكريم كثيرا، و جميعها تدلّ على تلك المعارف الإلهية و الأصول الحقّة النظامية، التي تبيّن وظيفة العبد و ما هو مطلوب في مقام العبودية و إقامة العدل و الحقّ، فيشمل الكتب الإلهية و أنبياء اللّه تعالى و الأحكام الإلهية التي تعيّن وظائف العبد، كما يشمل العقل و كلّ أمر محكم، و يدلّ على ذلك آيات متعدّدة، منها قوله تعالى: وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [سورة الأنفال، الآية: ٤۱]، و قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ وَ هارُونَ الْفُرْقانَ [سورة الأنبياء، الآية: ٤۸]، و قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [سورة الفرقان، الآية: 1].

و المراد به هنا القرآن الكريم، فهو باعتبار وجوده الجمعي يسمّى قرآنا، و باعتبار تفرقته بين الحقّ و الباطل يسمّى فرقانا، و باعتبار إرشاداته يكون نورا، و باعتبار كونه أساسا للعمل و الحكم بالعدل يسمّى ميزانا، و تختلف أسماؤه الشريفة باختلاف صفاته المباركة.

و قيل: المراد بالفرقان: العقل، و قيل: الدلالة الفاصلة بين الحقّ و الباطل، و قيل: النصر، و قيل: الحجّة القاطعة للرسول صلّى اللّه عليه و آله على من حاجّه في أمر عيسى عليه السّلام.

و في بعض الروايات: «الفرقان هو كلّ أمر محكم، و الكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الأنبياء»، و يظهر وجه جميع ذلك ممّا ذكرناه آنفا.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.

أي: ان الذين كفروا بآيات اللّه و جحدوا بها لهم عذاب شديد، و ذلك لأن الكفر بآيات اللّه حرمان عن منبع النور و الهداية و السعادة، مع أن النفس مستعدّة لجميع ذلك و لها قابلية إبراز كلّ كمال من الكمالات الممكنة إلى الظهور، فيكون نفس هذا الحرمان عذابا لما يتبعه من الندامة و الشقاوة، فلا يختصّ العذاب بالآخرة، و هو ظاهر إطلاق الآية الشريفة التي توعد الكافرين بآيات اللّه بالعذاب في الدنيا و الآخرة، و هذا من الحقائق القرآنية التي تؤكّدها جملة من الآيات الشريفة، فتعدّ حرمان النفس عن الكمالات التي أعدّها اللّه تعالى لها من العذاب، و يعدّ المعرض عنها شقيا قد سلب السعادة عن نفسه، فكلّ ما يكون سببا لسعادة الإنسان إذا كفر به يكون عذابا و شقاء له، فتكون السعادة و الشقاوة في نظر القرآن بسعادة الروح و شقاوتها، و أما سعادة الجسم و البدن فهي ان أوجبت سعادة الروح فهي السعادة العظمى و الكمال الأتم، و إلا كانت شقاء و عذابا، قال تعالى: مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ [سورة آل عمران، الآية: 197]، فالعذاب الإلهي إنما يكون بالنسبة إلى الروح و الجسم، و لكن المهم هو الأول. و هذا بخلاف ما يراه الإنسان الذي لم يعبأ بما وراء المادة و لم يتخلّق بأخلاق اللّه تعالى في السعادة و الشقاء، فإنه يعتبر ما يكون سببا للاستمتاع المادي- كالمال و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة- سعادة، و ما يكون بخلاف ذلك شقاء و عذابا، و هذا مخالف لما عليه الواقع الإنساني المؤلّف من البدن و الروح، و الكتب الإلهية إنما نزلت لتهذيب الروح و إسعادها و رفع شقائها، لا خصوص سعادة الجسم فقط، و للبحث تتمة تأتي في الموضع المناسب.

قوله تعالى: وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ.

مادة (نقم) تدلّ على إراءة الكراهة، سواء كانت باللسان أم بالعقوبة، و هي كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم، و لا تدلّ المادة بشي‏ء من الدلالات على أن يكون الانتقام للتشفّي، كما هو الدائر في انتقام الإنسان، فإن اللّه تعالى أعزّ جانبا و أبعد ساحة من أن ينتفع أو يتضرّر بشي‏ء من أعمال عباده. و لكن منشأ الانتقام يكون فيهم (أي المنتقم منهم)، و يقوم بهم قيام الصورة بالمادة، و بينهما تلازم، و لا يعقل انفكاكهما إلا في فرض الوهم.

و المعنى: أن اللّه قوي شديد نافذ في إرادته، منيع الجانب لا يرضى بأن تهتك محارمه، ينتقم ممّن خالفها و أعرض عنها.

و ما ورد في هذه الآية الشريفة معلول آخر للحياة الحقيقيّة- من كلّ جهة- و القيومية المطلقة، و لا معنى لهما إلا إيصال كلّ ممكن إلى ما يليق به، بعد بسط العدل و الإحسان و الرحمة و العفو و الغفران.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ.

معلول آخر للحياة الحقيقيّة و القيوميّة المطلقة، فإن وحدة الحيّ القيوم تستلزم الإحاطة المطلقة، و أن لا يخفى عليه شي‏ء ممّا سواه، و إلا كان خلفا و لا يعقل غفلة العلّة- العليم الحكيم- عن معلوله.

و يصحّ أن يكون ما ورد في هذه الآية الشريفة كالعلّة، أي: لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء، فهو الحي القيوم.

و إنما قدّم تعالى الأرض على السماء لقربها إلى أذهان المخاطبين و انسهم بها، و إرشادهم إلى أن أرضهم- التي يفعلون فيها ما يفعلون- تحت إحاطته الفعلية.

و يستفاد من هذه الآية الكريمة أن معنى العلم فيه تبارك و تعالى يرجع إلى أمر سلبي، أي: لا يخفى عليه شي‏ء لقصور العقول عن درك علمه بالمعنى الاثباتي، لقصورها عن درك ذاته، و يدلّ على ذلك أخبار كثيرة.

كما تدلّ الآية المباركة أيضا على العلم التفصيلي الفعلي الإحاطي للّه تعالى، و تدلّ عليه آيات اخرى، منها قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [سورة الحجر، الآية: 21]، و قال تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [سورة الأنعام، الآية: ٥۹].

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ.

الصورة تطلق … تارة على الهيئة الخاصة، و بهذا المعنى يصحّ أن تكون من الأعراض، كالصور المتصوّرة في الأذهان، أو ما ينتقش على الجدران أو ما ترتسم في المرآة أو في كلّ جسم شفاف له قابلية المحاكاة. و في العصر الحديث اتسعت دائرتها، و هي بهذا المعنى تعمّ ما يكون له ظل كالتمثال أو ما لا ظل له.

و تطلق اخرى في مقابل المادة، فتكون جوهرا من مقوّمات الجواهر المركبة من المادة و الصورة، و يعبّر في الفلسفة عن المادة بالجنس باعتبار الوجود الذهني، و عن الصورة بالفصل كذلك أيضا، و إلا فالحقيقة واحدة و التصوير إلقاء الصورة.

و الرحم في الحيوان هو العضو الذي يتكوّن فيه الجنين إلى حين الولادة و محل تربية الطفل. و استعير للقرابة باعتبار انتهاء أفرادها إلى رحم واحد.

و يتضمّن معنى الرأفة و الإحسان أيضا، و بهذا المعنى يطلق على اللّه تعالى، فهو الرحمن الرحيم.

و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لما خلق اللّه الرحم قال تعالى: أنا الرحمن و أنت الرحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك و صلته، و من قطعك قطعته»، و منه يظهر معنى الحديث الآخر:  «الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني»، و مخاطبة الرحم للّه تعالى ليست ببعيدة، فإن الأشياء كلّها- بحقائقها الواقعيّة- مرتبطة مع اللّه عزّ و جلّ، يخاطبها اللّه تعالى و تخاطبه، و لكنها مستورة إلا على أهل البصيرة و البصائر.

و إنما خصّ سبحانه و تعالى تقدير الإنسان و تصويره بالذكر مع انه له التقدير العام في جميع المخلوقات، لكمال العناية بالإنسان، الذي هو أعزّ خلقه و أشرفه، فقد ذكر تعالى تصوير الإنسان في آيات اخرى، قال تعالى: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [سورة التغابن، الآية: 3]، و قال تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [سورة الانفطار، الآية: 8]، و لبيان كيفية خلق عيسى عليه السّلام الوارد في هذه السورة و التعريض بالنصارى في ما يقولونه فيه عليه السّلام.

و قد أبدع سبحانه و تعالى في تصوير الإنسان، ممّا يدلّ على بديع صنعه و حكمته البالغة و علمه الأتم، و اعتنى بجميع تفاصيله اعتناء بليغا، و أودع فيه من الحكم و الأسرار وفق قوانين منظمة تعجز عقول البشر عن الوصول إلى كنهها و معرفة دقائقها مهما بلغوا في العلم و المعرفة، فقد كشف العلم الحديث عن بعض جوانب تلك الأسرار و الحكم ممّا يبهر العقول و يجلّ عن الوصف، فحقيق للّه تعالى أن يقول في خلق الإنسان: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، الآية: ۱٤]، و يكفي جانب من تلك الجوانب وجهة من جهاته أن تكون حجّة على العباد،

و عن علي عليه السّلام: «الصورة الإنسانية أكبر حجّة للّه على خلقه، و هي الجسر الممدود بين الجنّة و النّار».

و أما ما ورد في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «ان اللّه خلق آدم على صورته»، فإن المراد صورة مخلوقة اختارها اللّه تعالى لنفسه، و جعلها حجّة على عباده و سخّر لها ما في السماوات و الأرض، و ليس المراد صورة اللّه تعالى، لأنه يستحيل أن تكون للّه صورة كما ثبت ذلك في الفلسفة العلمية، و يدلّ على ما ذكرناه‏

ما ورد في الحديث يشرح هذه الرواية، و هو أنه: «سب رجل شخصا بحضور النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: قبحك اللّه و قبح من على صورتك، فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله: لا تقل هكذا، فإن اللّه خلق آدم على صورته»، أي على صورة الرجل المسبوب، فيكون سبّه سبّا لآدم عليه السّلام و سائر الأنبياء أيضا.

قوله تعالى: كَيْفَ يَشاءُ.

لفظ (كيف) يستعمل في ما فيه شبيه و ما لم يكن له شبيه، كالأبيض و الأسود و الصحيح و السقيم و نحوها.

و (كيف) من إحدى المقولات التسع العرضية المعروفة في الفلسفة القديمة و الحديثة، و يدخل فيه الاشتداد و التضعف لاتصافه بالحركة، كما أن فيه الشدّة و الضعف بذاتها.

و هو من ألفاظ العموم، و لا يطلق عليه تعالى لتقوّمه بالغير كما في غيره، و في الحديث: «هو الذي كيّف الكيف و لا كيف له»، و إلى ذلك تشير القاعدة التي أسّسها أئمة الدين عليهم السّلام في المعارف الربوبية: «كلّ ما يوجد في المخلوق لا يوجد في الخالق»، و قصارى ما يمكن القول فيه عزّ و جلّ هو: إنه تعالى شي‏ء لا كالأشياء و ذات لا كالذوات، حتّى لا يلزم التعطيل.

و إطلاق الكيف في المقام باعتبار المخاطبة مع الناس و الإنسان المخلوق و أطواره في الأرحام، لا بالنسبة إلى الملك العلّام.

و مادة (شي‏ء) تأتي بمعنى المشي‏ء وجوده، فكلّ موجود شي‏ء و بالعكس، و لا يطلق على العدم، و قد أثبت الفلاسفة مساوقة الوجود للشيئية، و قال بعض أكابرهم:

ما ليس موجودا يكون ليسا             قد ساوق الشي‏ء لدينا ايسا

و لا يطلق بهذا المعنى على اللّه عزّ و جلّ، و تقدّم في الحديث: «انه شي‏ء لا كالأشياء».

و المشيئة بالمعنى الوصفي تكون من صفات الفعل: و الفرق بينها و بين الإرادة بالكلّية و الجزئية، أو الحدوث و البقاء، فالحدوث يسمّى مشيئة، و البقاء و الإبقاء إرادة.

بيان ذلك أن كلّ فعل اختياري صادر من الفاعل المختار لا بد و أن يسبقه امور لا يمكن تخلّف واحد منها، كما هو الثابت بالوجدان و البرهان، و هذه الأمور تسمّى ب «أسباب الفعل»، و هي:

الأول: هو العلم بالفعل و لو على نحو الإجمال، و في الجملة لئلا يكون من طلب المجهول المطلق الذي هو قبيح من العاقل، بل هو محال في نفسه، لأن توجّه النفس إلى شي‏ء لا يتحقّق إلا بتعين ذلك الشي‏ء في الجملة.

الثاني: المشيئة بمعنى توجّه النفس إلى طلبه إجمالا.

الثالث: التقدير، و هو التفات النفس إلى خصوصياته كما و كيفا و من سائر الجهات.

الرابع: القضاء، أي: حكم النفس بإيجاده خارجا.

الخامس: إبرام هذا القضاء، أي الاستقامة فيه و جعله بحيث لا يتخلّف.

السادس: الإرادة الموجودة للفعل.

و هذه كلّها موجودة في كلّ فعل اختياري يحصل من الفاعل المختار، و لو كان هو اللّه تعالى الخالق القهّار.

نعم، في الإنسان واقعها موجودة في النفس و مرتكزة فيها إجمالا و إن لم يعلم بها تفصيلا، و لا يضرّ ذلك، لأنها بوجودها الواقعي مقتضية لحصول الفعل لا بوجودها العلمي التفصيلي الفعلي.

و أما بالنسبة إلى اللّه تعالى فمن حيث إحاطته الوجودية فوق ما نتعقّله من معنى الإحاطة، فإن جميع تلك الأمور موجودة و معلومة له تعالى تفصيلا، فهو عالم بجميع أطوار وجود الفعل و شؤونه، بل عالم بما سواه كلّية و جزئية قبل الإيجاد و بعده و جميع مراتب التغيّرات و التبدّلات، و كذلك هو عالم بقدره و قضائه و إمضائه و إبرامه و إرادته- التي هي عين فعله الأقدس- علما تفصيليا إحاطيا.

و يمكن تقليل ما ذكرناه من الأسباب بإدخال بعضها في البعض، و يمكن تكثيرها بتفصيل بعضها إلى امور، و لذا اختلفت الأحاديث الشريفة الواردة في أسباب الفعل قلّة و كثرة.

و كيف كان، فقد وقع الكلام في أن هذه الأسباب من صفات الفاعل أو من‏ صفات الفعل. أما في الإنسان فيصحّ أن تعدّ من صفات الفاعل، كما يصحّ أن تعدّ من صفات الفعل، و لا محذور فيه من عقل أو نقل، فيقال: فاعل مريد، و فعل مراد، و فاعل مقدّر (بالكسر). و فعل مقدّر (بالفتح)، خصوصا في العلم الذي لا إشكال فيه من أحد أنه من صفات الفاعل في الخالق و المخلوق، و كذا القدر و القضاء و الإبرام، إما باعتبار منشئهما و هو العلم الاحاطي الأكمل و الحكمة البالغة، أو باعتبار إضافتهما إلى الممكن المخلوق، فلا ريب في كونهما من صفات الفعل.

و أما بالنسبة إليه تعالى، فما كانت مستلزمة للتغيير و التبدّل فمن صفات الفعل، و ما لم تكن كذلك فمن صفات الذات.

و أصل الإشكال الذي ذكروه في عدم إمكان جعل المشيئة و الإرادة من صفات الذات، أن الإرادة علّة تامّة منحصرة لحصول المراد، فإن كانت في مرتبة الذات فيلزم إما تعدّد القدماء، أو كون الذات المقدّسة محلا للحوادث، و كلّ منهما مستحيل. و قد اثبتوا امتناع كلّ ذلك بالبراهين المتقنة.

و لكن يمكن الجواب عن ذلك.

أولا: بأن علّية الإرادة لحصول المراد إنما تكون في الفاعل الموجب (بالفتح)- أي الفاعل غير المختار- دون الفاعل العالم المختار، الذي تكون الإرادة فيه من المقتضيات، كسائر أسباب الفعل فلا يلزم محذور فيه أبدا، خصوصا في الإرادة الأزلية، فالاختيار في الفعل و الترك، و القدرة القهّارية باقية قبل الإرادة و حينها و بعدها، و حين حصول الفعل أيضا، و لعلّ إحدى مصالح جعل البداء للّه جلّ جلاله ترجع إلى ذلك، حيث قال تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [سورة الرعد، الآية: 39].

و ثانيا: أنه على فرض كون الإرادة علّة تامّة لحصول المراد، و لكن العلّية لا تكون على نحو الجزاف، بل هي على نحو منظم بالنظام الأحسن الأكمل الأتم، فإذا أراد جلّت عظمته خلق آدم- و هبوطه، أو طوفان نوح، و بعثة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، و قيام الساعة، و جزاء أهل الجنّة و النّار، بل جميع العوالم الطولية و العرضية، يكون‏ مورد إرادته الكاملة وفق النظام الأحسن الأكمل، و إلا يكون من تخلّف المراد عن الإرادة، و هو محال.

و ثالثا: أن الإرادة إن كانت علّة تامّة لحصول المراد، فإنما هو بالنسبة إلى حصول المراد بالأصل لا المراد بالعرض. و المراد بالأصل فيه عزّ و جلّ يرجع إلى ابتهاج ذاته بذاته في ذاته، بلا محذور في البين، كما قالوا ذلك في علمه الأزلي بما سواه، و سمعه، و بصره.

و في الحديث: «عالم إذ لا معلوم، و سامع إذ لا مسموع، و بصير إذ لا مبصر».

و بعبارة اخرى: تكون الإرادة التكوينيّة من هذه الجهة، كالإرادة التشريعيّة، فإذا أراد اللّه تعالى الصلاة- مثلا- من عباده، أرادها وفق نظام خاص، بحيث يكون أوّلها تكبيرة و آخرها تسليمة، مع تخلل القيام و الركوع و السجود و الأذكار في البين، فإرادته انبساطية على جميع ذلك، كما أن إرادته الأزلية التكوينيّة تكون كذلك.

قد يقال: إن ما ذكر ينافي قوله تعالى: إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة آل عمران، الآية: ٤۷].

و يمكن الجواب عنه: بأن مرتبة الأمر التكويني غير مرتبة الإرادة، كما هو ظاهر الآية الكريمة. هذا كلّه بحسب القواعد العقلية.

و أما بحسب ظواهر النصوص التي تدلّ على جعل الإرادة و المشيئة من صفات الفعل لا الذات، فلا بد من اتباعها، و لا محيص عمّا ورد فيها. هذا إجمال ما يتعلّق بموضوع القضاء و القدر، اللذين هما من أسباب الفعل في كلّ فاعل مختار.

و أما أسرار القضاء و القدر في فعل اللّه جلّ جلاله، فقد حيّرت الملائكة المقرّبين و الأنبياء المرسلين.

و في الحديث عن علي عليه السّلام: «بحر عميق فلا تلجه، و طريق مظلم فلا تسلكه، و انه سرّ اللّه فلا تتكلّفه»،

و سيأتي في الموضع المناسب تتمة الكلام إن شاء اللّه تعالى.

و تعليق التصوير على المشيئة الإلهية إنما هو لأجل تعميم التصوير ليشمل‏ جميع أقسامه في أصل الخلق و الصفات و الكيفيات الأخلاقيّة و الطبيعيّة، و الإرشاد إلى عدم إحاطة الأفهام و العقول، كما لا يمكن الإحاطة بالمشيئة الإلهية.

و المشيئة في قوله تعالى: يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، مشيئة تقدير و إرادة مشيئة حتم، و هو يرشد إلى اختلاف الحالات و العوارض و اللوازم الواردة على النطف في الأرحام، فإن جميع تلك الأمور- سواء كانت من لوازم الوجود أم من لوازم الماهيّة، التي هي مجعولة بالعرض- تكون تحت القدرة الإلهية، بل تشمل جميع التقديرات الحاصلة للإنسان كالعزّة و الذلّة و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر و العذاب و نحو ذلك، فإن جميعها يكون في الرحم على نحو الاقتضاء و المشيئة، كما يظهر من الأخبار، منها قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «السعيد من سعد في بطن امه، و الشقي من شقي في بطن امه»، و لا بأس بتسمية جميع ذلك بالصورة بمعناها الأعم.

و من ذلك يعلم الوجه في تعقيب الآيات المتقدّمة بهذه الآية الشريفة، و يصحّ أيضا أن تكون تحذيرا و تخويفا بقدرة اللّه تعالى، فإنه قادر على أن يبدل صورة الإنسان إلى صورة اخرى، إتماما للحجّة و بيانا للقدرة الكاملة، ليرتدع الناس عن المعاصي و الآثام.

قوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

تعليل لما تقدّم، و عود إلى ما بدأ به الكلام من التوحيد، أي: هو المتوحّد في الالوهية و المتفرّد في جميع شؤون خلقه، العزيز بقدرته و سلطانه، لا يغلب في إرادته و قضائه، هو الحكيم، أي: يفعل بمقتضى الحكمة التامّة.

تدلّ الآيات المتقدّمة على امور:
الأول: أنه قد أثبت أكابر الفلاسفة المتألّهين توحيد الذات، و توحيد المعبود، و توحيد الصفة و الفعل للّه جلّ جلاله- بمعنى أنه لا شريك له تعالى في شي‏ء من ذلك، فهو واحد متوحّد متفرّد في جميع ذلك- ببراهين عقليّة متينة (جزاهم اللّه تعالى خيرا)، و يمكن استفادة وجه يجمع تلك البراهين من قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فإنه يدلّ على وحدانية الذات المستجمعة لجميع صفات الجلال و الجمال و المعبودية الحقيقيّة في الإله الواحد القهّار.
و ذلك بأن يقال: إن الذات الجامع لجميع الكمالات الواقعيّة، و المسلوب عنه جميع النقائص كذلك، إما أن يفرض وجوده أو لا؟
و الثاني باطل بالضرورة، و الأول يستلزم تحقّقه كذلك، أي مسلوبا عنه جميع النقائص الواقعيّة و جامعا لجميع الكمالات كذلك، و إلا لزم الخلف، و هو باطل بالضرورة أيضا، و لا بد أن يسلب عنه الإمكان، و يكون العلم و الحياة و القيوميّة و الحكمة عين ذاته، لأن خلاف كلّ ذلك نقص، و المفروض أنه مسلوب عنه جميع النقائص الواقعيّة مطلقا.
الثاني: انما ذكر سبحانه: «الحي القيوم» أولا و رتّب عليه تنزيل الكتاب بالحقّ، ليعلم من عظمة المنزل عظمة التنزيل، فكما لا حدّ للحيّ القيوم جلّت عظمته، كذلك لا يمكن تحديد هذا الكتاب العظيم الذي نزل بالحقّ، المهيمن على جميع الكتب الإلهية، و يكون ترتّب تنزيل الكتاب بالحقّ على الحيّ القيوم من قبيل ترتب المعلول على العلّة التامّة المنحصرة، يعني حيث انه تعالى حي و قيوم نزل الكتاب بالحقّ.
الثالث: إنما عبّر سبحانه بالتنزيل، للإشارة إلى كثرة العناية و الاهتمام بوجود القرآن العظيم، فإنه كنسخة واحدة لشرح نظامي التكوين و التشريع، فقد تجلّى اللّه تعالى فيه و أنزله بالحقّ و من الحقّ، و في الحقّ، و إلى الحقّ.
أما أنه بالحقّ، فهو من لوازم كونه من الحقّ المطلق، إذ لا يعقل نزول شي‏ء منه إلا بالحقّ.
و أما أنه في الحقّ، لأنه نزّل الكتاب لتكميل الإنسان كمالا معنويا و ظاهريا، حتى يصير بذلك خلّاقا لما يشاء و فعالا لما يريد من المعنويات.
و أما أنه نزل إلى الحقّ، لأنه نزل من الحي القيوم إلى قلب سيد المرسلين، و الغاية منه هو النعيم الأزلي الذي يبقى و لا يفنى.
الرابع: يدلّ قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ على أن اعتبار الكتب الإلهية السابقة إنما يكون بإمضاء القرآن العظيم، فهو الأصل في مدرك الاعتبار، و يكون هو المعتمد في الموافقة و المخالفة، و في الكلام من براعة الأسلوب و روعة البيان ما لا يخفى.
الخامس: إنما قدّم سبحانه تنزيل الكتاب على نبيّه في الذكر على إنزال التوراة و الإنجيل، لأن القرآن العظيم هو الأصل في الكتب السماويّة، و أن تأخّر انزاله في سير الزمان لمصالح كثيرة، منها حصول استعداد النفوس لذلك، و إلا فهو الأول و الأصل، فمعارفه شموس طالعة، و أحكامه أقمار منيرة، و آدابه نجوم مضيئة، تستشرق الأرواح من شوارقه و تستنير النفوس من بوارقه، تحيا الأرواح حياة أبدية و تتنعم الأشباح بنعمة سرمدية، توصلها إلى قاب قوسين أو أدنى و الاقتراب من العلي الأعلى.
ألم بنا وصف أجلّ من الوصف أدق من المعنى و أخفى من اللطف‏ تمازجه الأرواح و هي لطيفة إذا هو روح الروح و الروح كالظرف‏ نعمنا به رغدا من العيش برهة و راس رتبته المعقول في عالم الكشف‏

السادس: الفرقان يصحّ أن يكون وصفا بحال ذات القرآن، فإنه الفارق بين‏ الحقّ و الباطل، و الهداية و الغواية، كما يصحّ أن يكون ذلك و صفا بحال المتعلّق، أي الفارق بين المؤمن و غيره، فيستفيد كلّ منهم بقدر لياقته و استعداده، قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [سورة الرعد، الآية: 17].
السابع: إنما كرّر سبحانه و تعالى مادة (ن ز ل) في الآية المباركة ثلاث مرات، للاهتمام التامّ بالمنزل و كثرة العناية به، و المراد بالكتاب في أوّل الآية المباركة هو القرآن الذي هو بين أيدينا، بقرينة قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، و المراد من التنزيل التدريجي نجوما متفرّقة حسب تعدّد الخصوصيات، فلاحظ سبحانه و تعالى باعتبار وجوده الجمعي بعد تمامية مراتب التنزيل و ذكره مستقلا.
و أما التوراة و الإنجيل فيستظهر من الآية الشريفة: وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ أنهما نزلا دفعة و هو كذلك، لأن الإنجيل مقتبس من التوراة، و هي نزلت دفعة.
و أما قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ، فهو عبارة عن المحكمات الفارقة بين الحقّ و الباطل، التي تكون في ضمن القرآن، و التكرار ثانيا لكثرة أهميتها و جعل إنزالها إنزالا دفعيا ثانيا مضافا إلى التنزيل التدريجي، و لا بأس بجعل الاختلاف في التعبير من باب التفنّن في الكلام الذي هو من جهات الفصاحة و البلاغة.
و يمكن أن يوجّه بوجه آخر أدقّ و ألطف، و هو أنه إذا لوحظ الوحي بالنسبة إلى الموحي و قلب الموحى إليه، فهو نزول مطلقا، لتنزههما عن الزمان و الزمانيات، و لكن إذا لوحظ بحسب هذا العالم المادي الزماني المتدرّج الوجود، فهو تنزيل، فيكون كلّ منهما بحسب وعائه و عالمه، و بذلك يجمع بين جميع الآيات السابقة من غير محذور في البين.
الثامن: يستفاد من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ تقدير جميع الأمور المتعلّقة بالإنسان، فيكون كفر الكافر و إيمان المؤمن غير خارجين عن تقدير اللّه تعالى على نحو الاقتضاء، و يكون الكلام تعميما بعد التخصيص، و قد ذكر التقدير في الإنسان إتماما للحجّة، و تثبيتا لإيمان المؤمن، و تطييبا لنفوسهم و تخويفا بانتقام الكافرين و تعريضا بالنصارى في أمر المسيح عليه السّلام.
التاسع: يدلّ قوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ بعد ذكر ما تقدّم من إنزال الكتب الإلهية و الفرقان و الانتقام من الكافرين و تصوير الإنسان في الأرحام، على أن جميع ذلك دليل على وحدانيته، و أنه لا بد من استنادها إلى إله واحد مدبّر حكيم، يفعل ذلك بعزّته فلا يغلبه أمر.
العاشر: أن المتأمّل من أهل العرفان في جملة من الآيات الشريفة من سورة آل عمران، و الآيات المباركة في آخر سورة الحشر، و الآيات الاول من سورة الحديد، يعلم أنها تتضمّن أبوابا من المعارف، و حقائق من الواقعيات، و إشارات من المعنويات، و لا يصل إلى جميع ذلك إلا بتصفية النفس و المجاهدة في سبيل اللّه تعالى.
و عن بعض المشايخ: أن في هذه الآيات أسرارا أفاضها اللّه تعالى علينا، انه ولى الإفاضة، خصوصا في تكرار لفظ «هو» أربع مرات.
تارة: مشيرا إلى تجلّي الذات.
و اخرى: مشيرا إلى التجلّي الفعلي بتصوير صورة الإنسان، التي هي أعظم آية و عليها يدور خلق سائر العوالم.
و ثالثة: مشيرا إلى تجلّي العزّة و الحكمة.
و رابعة: بالتجلّي التشريعي في المعارف الحقّة و القوانين التامّة، و يلزمه التجلّي الجزائي أيضا، فإن التشريع بلا جزاء لغو.

في الكافي: عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ قال عليه السّلام: «القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به».
و في تفسير القمّي: «الفرقان هو كلّ أمر محكم، و الكتاب جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الأنبياء».
أقول: قد تقدّم ما يتعلّق بذلك في التفسير.
في المجمع: عن الكلبي، و محمد بن إسحاق و الربيع بن أنس، و في الدر المنثور: عن أبي إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر، عن محمد بن جعفر بن الزبير و عن ابن أبي إسحاق، عن محمد بن سهل بن أبي أمامة و غيرهم: «أن صدر سورة آل عمران إلى بضع و ثمانين آية منها نزلت في وفد نجران لما قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كانوا ستين راكبا و فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، و في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، العاقب: أمير القوم و صاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه و اسمه عبد المسيح، و السيد ثمالهم و صاحب رحلهم و اسمه الأيهم، و أبو حارثة بن علقمة أسقفهم و حبرهم و إمامهم و صاحب مدارسهم، و كان قد شرف فيهم و درس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، و كانت ملوك الروم قد شرّفوه و موّلوه و بنوا له الكنائس لعلمه و اجتهاده، فقدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و في المدينة و دخلوا مسجده حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات جباب و أردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما رأينا و فدا مثلهم، و قد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس و قاموا فصلّوا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: دعوهم فصلّوا إلى المشرق، فكلّم السيد و العاقب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أسلما. قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للّه ولدا، و عبادتكما الصليب و أكلكما الخنزير، قالا: إن لم يكن عيسى ولدا للّه فمن أبوه؟ و خاصموه جميعا في عيسى، فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه و آله: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا و هو يشبه أباه؟
قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربّنا حيّ لا يموت، و أن عيسى يأتي عليه الفناء؟
قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربّنا قيم على كلّ شي‏ء يحفظه و يرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإن ربّنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، و ربّنا لا يأكل و لا يشرب و لا يحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته امه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم‏ غذى كما يغذى الصبي ثم كان يطعم و يشرب و يحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا، فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع و ثمانين آية منها».
أقول: ما ورد في الرواية مطابق للأدلّة العقلية أيضا، و ليس فيها جهة من جهات التعبّد و يمكن أن يكون نزول مجموع الآيات التي ذكرت في الرواية بعضها من باب المقدّمة لدفع احتجاجاتهم، لا أن تكون بنفسها احتجاجا عليهم.
في العلل: عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «سمّي القرآن فرقانا لأنه متفرّق الآيات، و السور نزلت في غير الألواح و غير الصحف، و التوراة و الإنجيل و الزبور أنزلت كلّها جملة في الألواح و الورق».
أقول: أما التوراة و الإنجيل و الزبور أنزلت جملة واحدة، فيمكن ان يستشهد بقوله تعالى: وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [سورة الأعراف، الآية: ۱٥٤].
فيستفاد منه أن التوراة كانت مكتوبة بالخط الأزلي في الألواح، و أما أن الألواح من أي شي‏ء كانت، فلا يستفاد ذلك من الآية المباركة. و يشهد لما قلنا قوله تعالى: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ [سورة الأعلى، الآية: 19].
و أما أن الإنجيل نزل جملة واحدة، فلقوله تعالى: وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ [سورة المائدة، الآية: 46]، و غيره من الآيات المباركة التي يستفاد من سياقها أنه كان مكتوبا و أتاه اللّه إلى عيسى عليه السّلام.
و أما الزبور، فيشهد قوله تعالى: وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [سورة النساء، الآية: ۱٦۳]، فإن المنساق منه أيضا النزول الجمعي.
ثم إن القرآن و الفرقان من الأمور الإضافية النسبية، فيصحّ نسبة الجمع إلى القرآن في كلّ ما يصحّ انتساب الجمع إليه، كالجمع بين الدفتين، أو الجمع في قلب سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله، أو الجمع في اللوح المحفوظ، أو الجمع في علم اللّه تعالى، أو الجمع في غير ما ذكر من العوالم.
كما أن الفرقان يصحّ بانتساب التفريق إلى كلّ ما صحّ ذلك عقلا و شرعا من التفريق بين المحكم و المتشابه، و التفريق بين اصول المعارف و الأحكام، و التفريق بين الآيات الدالّة على التكوين و الآيات الدالّة على القصص و الحكايات، إلى غير ذلك من جهات الفرق. فما ذكر في الروايات في معنى الفرقان يكون من باب ذكر المصداق، كما مرّ.
و في الكافي: عن الباقر عليه السّلام قال: «إن اللّه إذا أراد أن يخلق النطفة التي هي ممّا أخذ عليها الميثاق في صلب آدم عليه السّلام أو ما يبدو له فيه، و يجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع و أوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي و قضائي النافذ و قدري، فتفتح بابها، فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث اللّه ملكين خلاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء اللّه، فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة، فيصلان إلى الرحم و فيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال و أرحام النساء، فينفخان فيها روح الحياة و البقاء، و يشقّان له السمع و البصر و الجوارح و جميع ما في البطن بإذن اللّه تعالى، ثم يوحي اللّه إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي و قدري و نافذ أمري و اشترطا لي البداء في ما تكتبان، فيقولان: يا ربّ ما نكتب؟ فيوحي اللّه عزّ و جلّ إليهما: أن ارفعا رءوسكما إلى رأس امه فيرفعان رؤوسهما، فإذا اللوح يقرع جبهة امه فينظران فيه فيجدان في اللوح صورته و زينته و أجله و ميثاقه شقيا أو سعيدا و جميع شأنه، قال: فيملي أحدهما على صاحبه، فيكتبان جميع ما في اللوح و يشترطان البداء فيما يكتبان، ثم يختمان الكتاب و يجعلانه بين عينيه ثم يقيمانه قائما في بطن امه، قال: فربما عتا فانقلب، و لا يكون ذلك إلا في كلّ عات أو مارد، و إذا بلغ أوان خروج الولد تاما أو غير تام أوحى اللّه إلى الرحم: أن افتحي بابك حتّى يخرج خلقي إلى أرضي و ينفذ فيه أمري فقد بلغ أوان خروجه، قال: فيفتح الرحم باب الولد فيبعث اللّه إليه ملكا يقال له زاجر فيزجره زجرة فيفزع منها الولد فينقلب فتصير رجلاه‏ فوق رأسه و رأسه في أسفل البطن ليسهّل اللّه على المرأة و على الولد الخروج، قال: فإذا احتبس زجره الملك زجرة اخرى فيفزع منها فيسقط الولد إلى الأرض باكيا فزعا من الزجرة».
أقول: هذا الحديث يبيّن جملة من أسرار التكوين ببيان واضح، و الأمور التي ذكرت فيه أسرار معنوية و أسرار تكوينيّة حقيقيّة لا تنافي الأسباب الطبيعيّة المعروفة، إذ يمكن أن يكون في شي‏ء واحد أسباب جليّة واضحة و أسباب خفية معنوية، لا يحيط بها إلا اللّه تعالى، و هما في حاق الواقع يرجعان إلى شي‏ء واحد، و كلّ واحد منهما يكون من المقتضى لتحصيل المعلول، أو يكون كلّ واحد منهما علّة تامّة مترتّبة كلّ سابقة علّة للاحقتها، فيصير كلّ واحد علّة تامّة من جهة و مقتضيا من جهة اخرى، كما هو شأن العلل و المعلولات المترتّبة في حصول النتيجة القصوى.
و أما قوله عليه السّلام: «النطفة التي ممّا أخذ عليها الميثاق»، فهو مطابق للقانون العقلي، و هو انبعاث المعلول عن علّته، و لا ريب في أن جميع الموجودات خصوصا النطفة التي يريد أن يجعلها سويا أتم خلق اللّه و أهمّه، و ارتباطه تكوينا مع اللّه ثابت، و يصحّ أن يعبّر عن هذا الارتباط بالميثاق، فهو ميثاق تكويني من جهة، و اختياري من جهة اخرى، يسمّى في الأخبار بعالم الذر و الميثاق، كما يأتي شرحه عند قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [سورة الأعراف، الآية: 172]، و يصحّ أن يعبّر عن ذلك بالطينة أيضا، لما ورد فيها من أخبار كثيرة.
و أما قوله عليه السّلام: «أو ما يبدو له» من البدء الذي دلّت عليه نصوص كثيرة، و يظهر من الرواية أن البداء يكون في مرتبة الميثاق أيضا، فالميثاق قضاء حتمي و ما يبدو له غير حتمي متوقّف على البدء.
و أما قوله عليه السّلام: «فتصل النطفة إلى الرحم» هذا من الأسباب الطبيعيّة، و قد تقدّم آنفا أنه يمكن أن يجتمع مع الأسباب المعنوية أيضا.
و أما قوله عليه السّلام: «ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة»، قد ورد في ذلك كمية و كيفية نصوص كثيرة، و قد كشف العلم الحديث كثيرا منها، و فرّع الفقهاء على ذلك تعيين دية ما في الأرحام.
و أما قوله عليه السّلام: «ثم يبعث اللّه ملكين خلّاقين»، يصحّ أن يعبّر عن القوة الخلّاقة بالملك، لأن الطبيعة بأجزائها و جزئياتها كلّها من جنود اللّه تعالى.
و أما قوله عليه السّلام: «يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة»، المراد من الاقتحام هو تشبيه المعقول بالمحسوس، توضيحا للأفهام و تشريفا للملك، فإنه مختصّ بأعالي البدن، و في الحديث: «نظفوا المأزقتين فإنهما محل الرقيب و العتيد»، و الملك إن كان جسما لطيفا فهو ألطف من البخار الحاصل من حركة الدم، فاقتحامه في البطن و العروق معلوم، و يعبّر عن ذلك في الفلسفة ب (الروح البخاري)، و إن كان مجرّدا فهو أوضح من أن يخفى، فيكون من سنخ الإدراكات المحسوسة التي توجب حصول صورة في النفس، و كما أن أعالي البدن موكولة بالملك فأسافلها موكولة بافعال الشيطان، كما يظهر من روايات كثيرة.
و أما قوله عليه السّلام: «فيصلان إلى الرحم و فيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال و أرحام النساء»، يمكن أن يراد من الروح القديمة موضع مادة الروح، و هي ماء الرجل و ماء المرأة معا، فيكون بمنزلة الموضوع لتعلّق الحياة به، و التعبير ب «القديمة» لفرض التقدّم الزماني على نفخ الروح الحياتي، فالمراد به القدم الإضافي، لا القدم الحقيقي.
و أما قوله عليه السّلام: «فينفخان فيها روح الحياة و البقاء و يشقّان له السمع و البصر و الجوارح و جميع ما في البطن بإذن اللّه تعالى»، يصحّ انطباق ذلك كلّه على القوى الطبيعيّة المسخّرة تحت أمر اللّه تبارك و تعالى، فإن شئت فسمّها ملكا، و إن شئت فسمّها قوى طبيعية مسخّرة تحت إرادة اللّه عزّ و جلّ، و يصحّ التعبير في جميع ذلك ب (الحركة الجوهرية)، التي هي تحت إرادته عزّ و جلّ، لأن إرادته الأزلية تعلّقت بالاستكمال و الترقّي و التعالي.
و أما قوله عليه السّلام: «ثم يوحي اللّه إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي و قدري و نافذ أمري و اشترطا لي البداء فيما تكتبان»، يظهر من جملة من الروايات أن المكتوب عليه هو الجبين. و أما اشتراط البداء فيدلّ عليه نصوص كثيرة، الدالّة على ثبوته في جملة من موارد القضاء و القدر، و سنتعرّض لتفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و أما قوله عليه السّلام: «فيقولان: ما نكتب؟ فيوحي اللّه عزّ و جلّ إليهما: أن ارفعا رءوسكما إلى رأس امه فيرفعان رؤوسهما فإذا اللوح يقرع جبهة امه فينظران فيه»، لأن محل مجمع الحواس هو الجبهة، فيكون أشرف من سائر أعضاء البدن، و التخصيص بالأم لأن الأب قد انفصل عنه بانفصال النطفة، و لكثرة علاقة الام بالحمل، و لذا يكون جبينها حاملا للمواثيق.
و أما قوله عليه السّلام: «فيجدان في اللوح صورته و زينته و أجله و ميثاقه سعيدا أو شقيا و جميع شأنه فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح و يشترطان البداء فيما يكتبان»، و لعلّ اشتراط البداء من أجل أن الحوادث اللاحقة على الإنسان و ما يجري عليه في المستقبل، تكون لأجل مقتضيات خاصة لا بد من تبدّلها و تغيّرها، فلا بد من اشتراط البداء حينئذ، حفظا لنظام الأسباب و المسبّبات، و ممّا ذكرنا ظهر شرح بقية الحديث.
القمّي في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، قال عليه السّلام: «يعني ذكرا أو أنثى و أسود و أبيض و أحمر و صحيحا و سقيما».
أقول: ما ذكره عليه السّلام من باب الغالب و المثال و إلا فتصورات الأرحام بالنسبة إلى جميع الجهات و المقتضيات غير معلومة إلا له تبارك و تعالى، و لذا قال تعالى: كَيْفَ يَشاءُ معلّق على مشيئته غير المحدودة، و يشهد لذلك أنه عليه السّلام لم يذكر الجمال- مثلا- مع أنه من أهم و أتمّ جهات صور الإنسان.

عن جمع من الفلاسفة أنهم حدّدوا الفيض النازل من الحي القيوم إلى الممكنات بحدّ خاص مترتب طولا، فلا يستفيض كلّ لا حق إلا بواسطة السابق عليه، و جعلوا أوّل هذه السلسلة ما أصطلحوا عليه ب «القاهر الأعلى»، و آخرها ما أسمّوه ب «الهيولى الاولى»، و فصّلوا القول في ذلك بالنسبة إلى خلق الممكنات من علوياتها و سفلياتها، و هو تصور حسن في نفسه، و لكنه تحديد لقدرة اللّه تبارك و تعالى و إرادته الكاملة، بحسب غاية ما يدركونه بعقولهم، و هو أعمّ من الواقع بلا إشكال، لأن الواقع ذاتا و صفة و فعلا و من كلّ حيثية وجهة غير محدود، فكما أن ذاته الأقدس أجل من أن يحيط به العقول، فكذا صفاته العليا و فعله و سائر ما هو من ناحيته جلّت عظمته، فلا يمكن تحديد قوله تعالى: إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بشي‏ء أبدا.
نعم إن أرادوا به السنّة الإلهية من أنه أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فهو صحيح، و لكن لا دليل على تحديد ما ذكروه من عقل أو نقل، و للبحث بقية نتعرّض لها إن شاء اللّه تعالى.

لا ريب في أن الإنسان أشرف الممكنات، لأنه الفصل الأخير لجميعها في المسير الاستكمالي، فيكون الكلّ متوجّها إليه بالتكوين، توجّه المقدّمات بالنتيجة.
و فيه اجتمعت العلل الأربع، أما العلّة الفاعلية، فقد قال اللّه تعالى بعد ذكر الأدوار و عوالم خلق الإنسان: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، الآية: ۱٤].
و أما العلّة المادية، فقد أخبر سبحانه و تعالى أنه المباشر للخلق و التربية: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [سورة ص، الآية: 71]، و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [سورة الأنعام، الآية: 2].
و أما العلّة الصورية قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، و قال تبارك و تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [سورة الحشر، الآية: ۲٤].
و أما الغائية فقد قال اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [سورة البقرة، الآية: 29].
فجميع الموجودات يحبّ الإنسان محبّة تكوينية، فالكلّ مسخّر له، قال تعالى: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [سورة لقمان، الآية: 20]، كما ان الإنسان بطبعه يحبّ جميع الموجودات لفرض تفانيها فيه، فتكون المحبّة و العشق من الطرفين (أي تعاشقا)، فالموجودات كالشجرة بالنسبة للإنسان و هو كالثمرة، فخلقت الدنيا له و لأجله.
فلا بد للإنسان من بذل الجهد لكشف أسرار الموجودات و رموزها و استخراج الحقائق منها، و ذلك لا يكون إلا بالارتباط التامّ مع الربّ المطلق و القيوم بالحقّ، قال اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [سورة الأعراف، الآية: ۹٦]، فهو أشدّ أنحاء العلم و أمتنه و أقواه، كما أثبته الفلاسفة- من قديمهم و حديثهم- و جميع أهل العرفان.
و لكن الإنسان قصّر في ذلك، فأوقع نفسه في ظلمات بعضها فوق بعض، لا يمكنه التخلّص عن بعضها فكيف عن جميعها، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة الحديد، الآية: ۲۸]، و ليس المراد بهذا المشي في طريق خاص أو علم مخصوص، بل المشي في جميع أبواب العلوم و المعارف، مشيا مطابقا للواقع يصل إلى النتيجة الحقّة، قال تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [سورة الحشر، الآية: 19].

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"