1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مهذب الأحكام
  8. /
  9. کتاب الحج
  10. /
  11. المقدمة
(الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمينَ وَ الصَّلاةُ وَ السَّلامُ عَلى أشْرَفِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطّاهِرِينَ). الحج: هو القصد و السعي إلى شي‏ء، غلب في اصطلاح الكتاب و السنة و المسلمين على القصد إلى بيت اللّه تعالى لإتيان أعمال خاصة في أوقات مخصوصة. و ينبغي تقديم أمور: الأول: حسن السعي إلى معالم المعبود و مشاعره و إتيان مراسم العبودية فيها من فطريات كل عابد بالنسبة إلى معبوده، و لا تختص بملة دون أخرى، و الشوق إلى معالم المحبوب فطريّ لكل حبيب، و إلا لكان في أصل الحبّ خلل، و تكون دعوى المحبة باطلة، و لذا كان البيت المعمور في السماء الرابعة مزدحما بالملائكة بحيث كل من طاف منهم حوله مرّة لا تصل إليه النوبة مرة أخرى إلى الأبد، و الكعبة المقدسة مزدحم طواف الملائكة و المسلمين من البشر يسعون إليها بوله و عشق و انقطاع. و يرون تحمّل جميع المتاعب خفيفة في جنب الوصول إلى أهمّ معالم ربّهم و مشاعره و لا يزال في ازدياد عاما بعد عام، و بيت المقدس مقصد أهل الكتاب، و هناك معالم أخر موجودة على ظهر الأرض يقصدنها عبّادها. و لقد كان الطواف حول البيت العتيق و هذا المحلّ الرفيع قبل هبوط آدم و خلقه، ففي الصحيح عن الصادق (عليه السلام): «لما أفاض آدم من منى تلقته الملائكة، فقالت: يا آدم برّ حجك فأنّا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجه بألفي عام»۱. و لا يدرى أنّ هذه الأعوام من أعوامنا التي كل يوم و ليلة منها أربع و عشرون‏ساعة، أو من الأعوام التي كل يوم فيها خمسون سنة، و إنّ يوما عند ربّك خمسون سنة، أو من الأيام التي هي خمسون ألف سنة، و إنّ يوما عند ربّك خمسين ألف سنة و كل محتمل، و إن كان المنساق هو الأول. الثاني: كلما ضبطته الكتب في فضل البيت العتيق و الطواف حوله، و الوقوف في تلك المشاعر العظام ليس إلا كقطرة من البحر و لمعة من الشمس. و مذا يقال في بيت جعله اللّه مباركا و هدى للعالمين. و «استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه و زيارته و جعله محل أنبيائه، و قبلة للمصلّين له، فهو شعبة من رضوانه و طريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال و مجمع العظمة و الجلال، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحقّ من أطيع فيما أمر و انتهى عما نهى عنه‏۲. و ما ذا يقال في بيت من نظر إليه لم يزل تكتب له حسنة و تمحى عنه سيئة حتى ينصرف بصره عنه. و ما ذا يقال في بيت أحد أركانه يمين اللّه في أرضه يصافح بها خلقه، و أنّه باب من أبواب الجنة لم يغلقه اللّه تعالى منذ فتحه، و أنّ عليه ملك موكل منذ خلق اللّه السّماوات و الأرض ليس له عمل إلّا التأمين على دعائكم، و عنده نهر من أنهار الجنة تلقى فيه أعمال العباد عند كل خميس. و قال نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «و ما أتيت الركن اليمانيّ إلا وجدت جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه»۳. و في ركن آخر حجر استودع اللّه تعالى فيه ميثاق عبادة إذ أخذ ميثاقهم، كما في قوله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏4 .. الثالث: تشريع الحج كان بعد هبوط آدم بمباشرة جبرئيل، ففي خبر أبي إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لما بلغ الوقت الذي يريد اللّه عزّ و جلّ أن‏ يتوب على آدم أرسل إليه جبرئيل، قال: السلام عليك يا آدم الصابر ليلته، التائب عن خطيئته، إنّ اللّه عزّ و جلّ بعثني إليك لأعلّمك المناسك التي تطهر بها- أي التي يريد اللّه أن يتوب بها عليك- فأخذ جبرئيل (عليه السلام): بيد آدم (عليه السلام) حتّى أتى به مكان البيت .. الحديث». و الأخبار في ذلك كثيرة، و قد واظب الأنبياء على الحج بعد أبيهم آدم (عليه السلام)، قال أبو الحسن (عليه السلام): «إنّ سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حتّى غرقت الأرض ثمَّ أتت منى في أيامها»٥. و أما إبراهيم و إسماعيل فلقد تحملا المشاق في الحج و تشعير المشاعر بما ذكر في القرآن، و فصّل ذلك في الروايات المستفيضة بين الفريقين، قال الصادق (عليه السلام): «أمر اللّه عزّ و جلّ إبراهيم (عليه السلام) أن يحج و يحج بإسماعيل معه فحجا على جمل أحمر و ما معهما إلا جبرئيل- و الخبر طويل-»٦. فالتشريع وقع ثانيا اهتماما بالقضية بالوحي السماويّ و أمين الوحي و النبيّ الجليل الخليل، و قد تقدم في طواف سفينة نوح التي كانت مأمورة. و قال أبو جعفر (عليه السلام): «حج موسى بن عمران و معه سبعون نبيا من بني إسرائيل خطم إبلهم من ليف، يلبّون و تجيبهم الجبال، و على موسى عباءتان قطوانيان يقول: لبيك عبدك و ابن عبدك»۷، و مر «يونس بن متى بصفائح الروحاء و هو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، و مر عيسى بن مريم بصفائح الروحاء، و هو يقول: لبيك عبدك و ابن أمتك لبيك، و مر محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بصفائح الروحاء و هو يقول: لبيك ذا المعارج لبيك»۸.و عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ سليمان بن داود قد حج البيت في الجنّ و الإنس، و الطير و الرياح و كسى البيت القباطي»۹. و عنه (عليه السلام) أيضا: «صلى في مسجد الخيف سبعمائة نبيّ، و إنّ ما بين الركن و المقام لمشحون بقبور الأنبياء»۱۰. فيرجى من المسلمين الاهتمام بهذا الأمر العظيم الذي اهتمّ به جميع الأنبياء و المرسلين. و قد أفرد المحدّثون و المؤرخون من المسلمين ما يتعلق بحج خاتم النبيين مؤلفات و أبوابا مستقلة. و المستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة في الحج أن تشريعه وقع ثلاث مرّات. الأول: بعد هبوط آدم. الثاني: في زمان النبيّ الجليل إبراهيم الخليل. الثالث: بعد بعثة نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا اختلاف بينها. نعم، تشريع حج التمتع وقع في حجة الوداع و لم يفصّل أحكام الحج و العمرة من نبيّ و لا وصيّ كما فصّله خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) حتى قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام الحنفية: «لو لا جعفر بن محمد (عليه السلام) ما علم الناس مناسك حجهم». و قد بذل الفقهاء رفع اللّه شأنهم كمال جهدهم في تفريعات الأحكام بحسب الأدلة الواصلة إليهم و القواعد المعتبرة لديهم، و مع ذلك كل سنة ترد فروع محدثة ليس لها في كتب فقه الفريقين ذكر و لا أثر، و كيف لا يكون كذلك فقد ورد في صحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلني اللّه فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاما فتفتيني، قال (عليه السلام): يا زرارة بيت حج إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاما»۱۱.و قال في الجواهر: «كما أنّه ينبغي التفقه في الحج فإنّه كثير الأجزاء جم المطالب وافر المقاصد، و هو مع ذلك غير مأنوس و غير متكرّر، و أكثر الناس يأتونه على ضجر و ملالة سفر و ضيق وقت و اشتغال قلب، مع أنّ الناس لا يحسنون العبادات المتكرّرة اليومية مثل الطهارة و الصلاة مع الفهم لها و مداومتهم عليها و كثرة العارفين بها، حتى أنّ الرجل منهم يمضي عليه الخمسون سنة و الأكثر و لا يحسن الوضوء فضلا عن الصلاة فكيف بالحج الذي هو عبادة غير مألوفة لا عهد للمكلف بها مع كثرة مسائلها و تشعب أحكامها و أطولها ذيلا». الرابع: إنّ سفر الحج- كما هو من الأسفار الجسمانية- سفر روحاني أيضا، لأنّه الوفود إلى اللّه عزّ و جلّ و التشرف ببيته تعالى و مشاعره العظام و الاستفادة من الإفاضات المعنوية المفاضة من ربّ العالمين على الواقفين في تلك المواقف المباركة و الطائفين حول الكعبة المقدّسة، و قد وردت في الشريعة المقدّسة آداب كثيرة لمطلق السفر من جميع الجهات المتعلقة به لعلنا نشير إلى بعضها في آخر الكتاب، و لا بد في سفر الحج من ملاحظة الآداب الروحانية أيضا، إذ السفر سفر روحانيّ، و أهمّ الأمور في هذا السفر التوبة عن المعاصي قبله و حين التلبس به، و ملازمة الهدوء و الوقار و السكينة، و الاهتمام بالواجبات و ترك المحرّمات، و الانقلاع عن المعاصي و العلائق، و الانقطاع إلى ربّ الخلائق و التخلق بأخلاق اللّه تعالى. و هذه هي الهدية التي يهدي بها إلى اللّه تعالى، ليست الهدية إنعام تراق دماؤها في منى و في حريم حرم اللّه عزّ و جلّ لتصريحه تعالى بأنّها لا اعتبار بها، فقال عزّ و جلّ: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏۱۲. و التلبس بمخالفة المحبوب عند زيارته و الورود إلى بيته مما ينكره كل ذي شعور، فإذا كانت القلوب محجوبة عن اللّه تعالى لأجل النفاق و الشقاق و المعاصي فكيف يطاف بها حول البيت و توقف بها في المواقف، فعن أئمة الدّين «من حج بمال‏ حرام نودي عند التلبية لا لبيك عبدي و لا سعديك»۱۳. الخامس: من أعظم مظاهر عزّ الربوبية و ذل العبودية الذي لا يتصوّر أعظم منه أبدا إنّما هو الحشر الأكبر الذي يعمّ جميع الأنبياء و أممهم و قد تحيّرت عقول الحكماء العارفين في خصوصيات هذا العالم العظيم، و أشير إلى بعض جهاتها في القرآن الكريم، و جعل الحج نموذجا لذلك، و قد سمّي الحج بالحشر الأصغر، و كتب العلماء رسائل في وجوه المطابقة بين الحشرين- من الفقهاء و العرفاء- و أحسنوا و أجادوا (رضوان اللّه عليهم أجمعين)، و قد استفادوا ذلك مما شرحه أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة في خطبته‏۱4 التي هي من جلائل خطبه الشريفة و قد ذكر فيها أسرار الحج، و من أهمّها تذكر الحشر الأكبر الذي يرد على جميع أفراد البشر فيتذكر من خلع الثياب و لبس ثياب الإحرام، و الوقوف في موقف واحد التوشح بالأكفان و الحشر في صعيد واحد، و من السعي و الطواف اضطراب الناس في المحشر فيطلبون ملجأ و ملاذا إلى غير ذلك مما يتوجه إليه العاقل الملتفت إلى الأهوال التي ترد عليه في الحشر. ثمَّ إنّ من أهمّ الأمور النوعية التي لا بد للحجاج من مراعاتها إظهار محاسن تحمّل الأذى حتّى يصير جميع أهل الجمع كنفس واحدة. و من أهمّها أيضا سعي النّاس لقضاء الحوائج بعضهم عن بعض، فإنّ لذلك فضل عظيم في هذا الجمع، فعن الخثعمي: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّا إذا قدمنا مكة ذهب أصحابي يطوفون و يتركوني أحفظ متاعهم؟ قال (عليه السلام): أنت أعظم أجرا»۱٥. و قال (عليه السلام) أيضا: من أماط أذى عن طريق مكة كتب اللّه له حسنة، و من كتب له حسنة لم يعذّبه»۱٦. إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى وضع كتاب مستقل.
  1. الوسائل باب: ۱ من أبواب وجوب الحج و شرائطه حديث: ٦.
  2. الوسائل: باب: ۱ من أبواب وجوب الحج و شرائطه حديث: ۱۰.
  3. الوسائل باب: ۲۲ من أبواب الطواف حديث: ۳.
  4. راجع الروايات في تفسير آية المباركة( ۱۲۷) من سورة البقرة في ضمن البحوث المتعلقة بها في المجلد الثاني من مواهب الرحمن في تفسير القرآن.
  5. الوسائل باب: ۲ من أبواب أقسام الحج حديث: ۲۰.
  6. الوافي باب: ۱۱ من أبواب بدو المشاعر و المناسك حديث: ۱.
  7. الوسائل باب: ۲ من أبواب أقسام الحج حديث: ۲۳.
  8. الوسائل باب: 4۰ من أبواب الإحرام حديث: ۸ و ٦.
  9. الوسائل باب: ۱۰ من أبواب مقدمات الطواف حديث: ۱.
  10. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب أحكام المساجد حديث: ۲.
  11. الوسائل باب: ۱ من أبواب وجوب الحج و شرائطه حديث: ۱۲.
  12. سورة الحج: ۳۷.
  13. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب وجوب الحج و شرائطه حديث: ۱.
  14. نهج البلاغة ص: 4۰٥.
  15. الوسائل باب: ۱۱ من أبواب الطواف حديث: ۱.
  16. الوسائل باب: 4۷ من أبواب مقدمات الطواف حديث: ۱.
الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"