1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مهذب الأحكام
  8. /
  9. كتاب المكاسب و المتاجر
  10. /
  11. فصل‏
(مسألة ۱): يحرم كل تدليس بالغير في المعاملة معه و منه تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها، و الأمة التي يراد بيعها (۱)، و يحرم أخذ العوض عليه (۲).

حيث إن الفقهاء لم يضعوا كتابا مستقلا لبيان المحرمات النفسية و ذكر ما يتعلق بها من الأحكام و تعرضوا لجملة منها في المقام بمناسبة ان من شأنها التكسب بها بين الأنام أتبعناهم تبركا بطريقتهم.

لأنه غش، و الغش حرام بالأدلة الأربعة، كما تقدم‏۱.

لما مر من: «ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»۲، و المراد به مطلق العوض إجماعا، فيشمل أجرة الأجير و الإهداء بعنوان العوض أيضا.

(مسألة ۲): التدليس كتمان العيب و إخفاته، و إظهار خلاف الواقع بصورة الواقع (۳). و يتوقف ذلك على قصده و فعل ما يتحقق به ذلك (٤). و كذا يتحقق بعلم من يعمل التدليس إن من يفعل به ذلك قاصد له (٥).

كما صرح به في النهاية، و المجمع، و العرف، و مذاق الشرع يدل على ذلك أيضا.

لأن المنساق من التدليس عرفا و لغة كونه متقوما بالقصد و الإرادة، و ليس من الأمور القهرية الانطباقية و لو مع عدم الالتفات إليه.

لأنه مع قصد الطرف لذلك يكون فاعل التدليس قاصدا له أيضا لقيام العمل التدليسي بالفاعل، فيكون نسبة هذا العمل إليه نسبة الفعل إلى الفاعل‏ بخلاف بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا الذي تقدم أن مجرد العلم بأن المشتري يجعله خمرا ليس من الإعانة و لا حرمة فيه، و أما في المقام الذي يكون التدليس قائما بنفس المدلس فيكون الطرف كالمادة المحضة.

ثمَّ إن التدليس.

تارة: يكون مع الغير في المعاملة معه.      و أخرى‏: في المجاملة معه.

و ثالثة: يكون في فعل الشخص من أفعاله التوصلية لأغراض يتوهمها.

و رابعة: يكون في عبادياته.

و الأول: حرام يوجب بطلان المعاملة، لما تقدم.

و الثاني: لا يحرم للأصل، و إطلاق أدلة المجاملات ما لم يرجع إلى الكذب و النفاق.

و كذا الثالث أيضا.   و الأخير: حرام و يوجب بطلان العبادة كما تقدم في نية الوضوء و الصلاة.

و أما التدليس في المجانيات كالهبات و العطايا فلا بأس به و إن كان خلاف أخلاق الإسلام المبنية على تغليب جانب الإضافة إلى اللّه تعالى مهما أمكن ذلك.

(مسألة ۳): لا بأس بتزيين الزوجة لزوجها بأي وجه أمكن و تيسر لها مباشرة أو تسبيبا و لو بإظهار خلاف الواقع ما لم يترتب على ذلك محرم (٦).و لا بأس بوصل شعر غيرها بشعرها (۷) و إن كره ذلك (۸). و لا بأس بأخذ الأجرة على التزيين و التجميل الحلال (۹).

للنص، و الإجماع قال أبو جعفر عليه السّلام في صحيح محمد بن مسلم: «لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها و لو أن تعلق في عنقها قلادة و لا ينبغي أن تدع يدها من الخضاب و لو أن تمسحها مسحا بالحناء و إن كانت مسنة»۳، و الظاهر بل المعلوم أن ما ذكره عليه السّلام إنما هو من باب المثال لا الخصوصية، و يدل عليه ما ورد من أن: «جهاد المرأة حسن التبعل»4، و يأتي في كتاب النكاح بعض ما ينفع المقام.

للأصل، و الإجماع، و إطلاق ما ورد في التجمل و التزين للزوج كقول أبي جعفر عليه السّلام: «لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها»٥.

لخبر ابن سعيد قال: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن النساء تجعل في رؤوسهن القرامل؟ قال عليه السّلام: يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها، و كره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها، فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرها»٦، و في خبر ابن خالد قال: «قلت له: المرأة تجعل في رأسها القرامل، قال: يصلح له الصوف و ما كان من شعر المرأة نفسها، و كره أن يوصل شعر المرأة (من شعر) بشعر غيرها»۷، و في خبر سعد الإسكاف عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «سئل عن القرامل التي تصنعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن؟ فقال عليه السّلام: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: قلت بلغنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعن الواصلة و الموصولة، فقال عليه السّلام: ليس هناك انما لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الواصلة و الموصولة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة»۸. و على هذا يشكل استفادة الكراهة مما تقدم من الأخبار أيضا.

للإجماع، و الأصل، و الإطلاقات، و العمومات، و قوله عليه السّلام: «لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطي»۹، و ذيله محمول على كراهة المداقة في كمية الأجرة، لأن أجرة مثل هذه الأمور معلومة محدودة غالبا فلا ينافي ما ورد: «لا تستعملن أجيرا حتى تقاطعه»۱۰، لأن المقاطعة النوعية تكفي في التعيين، مع أن المداقة و المماكسة في أجرة مثل هذه الأمور مما يعد مستهجنا عند ذوي الشرف كما لا يخفى على أهله.

(مسألة ٤): الأحوط وجوبا ترك تزيين الرجل بما يختص بالمرأة و بالعكس، و يختلف ذلك باختلاف الازمان و العادات و الأمكنة (۱۰). هذا في غير الحرير و الذهب و أما فيهما فيحرم على الرجال مطلقا (۱۱).

نسبت حرمة ذلك إلى المشهور و اعترفوا بأنه لا دليل عليه إلا النبوي:

«لعن اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال»۱۱، و هو قاصر سندا و دلالة، لاحتمال أن يكون المراد به خصوص الزي التجملي، أو تأنث الذكر، و تذكر الأنثى، أو خصوص اللواط و المساحقة، أو الكراهة في الجملة في غير ما نص فيه على التحريم.

و يشهد للأخير خبر سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن رجل يجر ثيابه، قال عليه السّلام: اني لأكره أن يتشبه بالنساء»۱۲، و عنه عن آبائه عليهم السلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء، و ينهى المرأة تتشبه بالرجال في لباسها»۱۳.

و في خبر أبي حذيفة عن الصادق عليه السّلام: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المتشبهين من الرجال بالنساء، و المتشبهات من النساء بالرجل و هم المخنثون و اللائي ينكحن بعضهن بعضا»۱4.

تقدم الدليل على الحرمة في لباس المصلي‏۱٥، فراجع سواء حصل‏ به التشبيه أو لا.

ثمَّ أن الخنثى المشكل إن علم أنها أما رجل أو مرأة، فيحرم عليها مختصات كل منهما بناء على الحرمة، للعلم الإجمالي، و إن شك في ذلك- أو أحرز انها طبيعة ثالثة- لا يحرم عليها شي‏ء منهما للأصل.

(مسألة ٥): الظاهر ان التزيين المرجوح للرجل بما يختص بالمرأة و بالعكس من الأمور القصدية فلا يحرم إن حصل بلا قصد و اختيار (۱۲).

للأصل بعد انسباق القصد و الاختيار مما دل على المرجوحية لو تمت دلالتها هذا بحسب الحدوث، و أما البقاء فيصير قهرا اختياريا إن أمكنت الإزالة.

ثمَّ إن استعمال الألوان و الادهان للتزيين إن كانت مختصة للنساء يدخل في تزيين الرجل بما يختص بالمرأة، و بالعكس يكون بالعكس. و في المشترك لا بأس لكل منهما، للأصل ما لم تترتب عليه مفسدة.

(مسألة ٦): يحرم حلق اللحية للرجال على الأحوط وجوبا (۱۳).

المعروف بين الفقهاء قدس سرّهم حرمة حلق اللحية للرجال، و قد وضعت في ذلك رسائل شتى بالسنة مختلفة، و استدل عليها بأدلة كثيرة غالبها مخدوشة كما لا يخفى على من تأملها حق التأمل. و أهمها و أولاها التمسك بالسيرة قديما و حديثا المعلوم وجودها في زمان المعصوم و تقريره عليه السّلام لها فإن المتشرعة بارتكازاتهم الشرعية يعدونه قبيحا و محرما شرعيا و يفسقون من فعل ذلك من غير ضرورة، و يشهد للتقرير و قدم السيرة تفسير على عليه السّلام جند بني مروان هم أقوام: «حلقوا اللحى و فتلوا الشارب»۱٦، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أن المجوس جزّوا لحاهم، و وفّروا شواربهم و انا نحن نجز الشوارب، و نعفي اللحى، و هي الفطرة»۱۷، فاصل المرجوحية مسلمة من زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى اليوم، و استفادة الحرمة من هذا النحو من الاهتمام لا بأس به و إن أمكن الإشكال فيها.

و في صحيح أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال عليه السّلام: أما من عارضيه فلا بأس و أما من مقدمها فلا»۱۸، و استفادة الحرمة منه أيضا مشكل، لأن مفاده (لا يصلح) و هو أعم من الحرمة على ما هو المعروف بين الفقهاء.

ثمَّ أنه في جملة من الأخبار القاصرة سندا الواردة في كمية اللحية إن «ما زاد على القبضة ففي النار»۱۹، و القبضة من الأمور التشكيكية فيمكن أن يراد بها الأخذ من مبدإ الشفة السفلى، كما انه يمكن أن يراد بها الأخذ من منتهى الذقن و يمكن أن يراد بها مطلق القبض و لو برؤوس الأصابع و المتيقن هو الأخير لو لم يستظهر أحد الأولين و لو كان الحديث مجملا، فالمسألة من صغريات الأقل و الأكثر فتجري البراءة عن اعتبار غير الأخير.

(مسألة ۷): يحرم التشبيب بالمرأة المحترمة المعروفة (۱٤) إذا استلزم ذلك إيذائها أو فضيحتها و إغراء الناس بها (۱٥)، بل الأحوط الترك مطلقا (۱٦).و أما الغير المعروفة فلا بأس بالتشبيب بها (۱۷)، و إن كان الأحوط الترك (۱۸). و أما التشبيب بالغلام فهو محرم على كل حال (۱۹).

التشبيب: ذكر محاسن المرأة أو الغلام و إظهار الحب بهما بالشعر سواء كان إنشاء أو إنشادا، و الظاهر الشمول للنثر أيضا و إن كان الغالب إنما هو الشعر، لأن المناط انما هو ترتب الأثر و هو يترتب على الجميع.

لحرمة ذلك كله بالنسبة إلى المحترمة التي لم يلق الشارع احترامها بضرورة المذهب بل الدين.

لما علم من مذاق الشرع من مرجوحية ذلك، و يستفاد ذلك من نصوص كثيرة وردت في أبواب متفرقة مثل ما ورد من النهي عن الخلوة مع‏ لأن ثالثهما الشيطان‏۲۰، و كراهة جلوس الرجل في محل المرأة حتى يبرد۲۱، و ما ورد في التستر من الصبي المميز۲۲، و كذا ما ورد في تستر المرأة عن نساء أهل الذمة لأنهن يصفن لأزواجهن‏۲۳، و أن لا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قبله مرض إلى غير ذلك مما يمكن استفادة المرجوحية في المقام أيضا.

و احتمال أن ذلك كله تعبد محض في مورده فلا وجه للاستئناس بها للمقام بعيد، مع ورود التعليل في بعضها كقوله تعالى‏ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏۲4.

للأصل بعد عدم دليل على المنع.

لما مر من إمكان استفادة هذه المرجوحية من الأخبار المختلفة الواردة في الأبواب المتفرقة، كما تقدم.

أرسل ذلك جمع إرسال المسلمات- منهم الشهيدين، و المحقق الثاني، و المحقق الأنصاري- مستندا إلى أنه إغراء بالقبيح. و لكن في إطلاق الحكم نظر، كما عن المفاتيح.

ثمَّ انه لا فرق في التشبيب بين المحرم و الزوجة و المخطوبة و غيرها مع وجود مخاطب في البين.

و كما يحرم التشبيب يحرم استماعه أيضا، لأنه المنساق من أدلة حرمته، و أما لو شك المستمع في تحقق شرط الحرمة، فمقتضى الأصل عدمها.

و أما لو لم يكن سامع في البين أصلا، أو كان هناك سامع و كانت معروفة عند القائل دون السامع ففي الحرمة إشكال، لاحتمال انصراف الأدلة عن الفرضين.

و الظاهر شمول الأدلة لما إذا كانت المشبب بها ميتا بعد تحقق سائر الشرائط.

و أما التشبب الذي هو عنوان خاص مشهور عند أهل الغزل من الشعراء، فالظاهر الجواز، لعدم شمول الأدلة له.

(مسألة ۸): يحرم تصوير ذوات الأرواح مع كون الصورة مجسمة من الأجنبية الخشب أو المعدن أو نحوهما (۲۰)، بل غير المجسمة أيضا (۲۱). و أما تصوير غير ذوات الأرواح كالأشجار و الأوراد و البحار و الجبال و الشمس و القمر و الآلات و الأدوات و نحوها فلا بأس و لو مع التجسم (۲۲).

إجماعا، و نصوصا، ففي صحيح ابن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ فقال عليه السّلام: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان»۲٥، و في حديث المناهي، قال: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن التصاوير، و قال: من صوّر صورة كلفه اللّه تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ»۲٦، و في صحيح ابن مروان عن الصادق عليه السّلام قال: «سمعته يقول: ثلاثة يعذبون يوم القيامة من صوّر صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها، و المكذب في منامه يعذب حتى يعقد بين شعرتين و ليس بعاقد بينهما، و المستمع إلى حديث قوم و هم لهم كارهون يصب في أذنه الآنك و هو الأسرب»۲۷، و نحوه غيره مما يشمل على هذا المضمون.

كما عن جمع من الفقهاء- منهم الحلي، و الشهيد الثاني، و المحقق السبزواري، و المحقق الأنصاري- لإطلاق ما تقدم من الأخبار، و نهى صلّى اللّه عليه و آله: «أن‏ ينقش شي‏ء من الحيوان على الخاتم»۲۸، و قوله عليه السّلام: «نهى عن تزويق البيت قلت و ما تزويق البيوت؟ قال التصاوير و التماثيل»۲۹، و قوله عليه السّلام: «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن فيه مثال الروحاني»۳۰.

و عن جمع آخر من الفقهاء- منهم ظاهر المحقق في الشرائع، و صريح صاحب الجواهر- الجواز في غير المجسمة، و استدل عليه.

تارة: بالأصل.

و أخرى‏: بإطلاقات أدلة التجارة و التكسب.

و ثالثة: بالاستظهار من التكليف بالنفخ بدعوى أن المنساق منه التجسم.

و رابعة: بأن الصورة لا تصدق إلا على المجسم خصوصا مع مقابلة النقش لها في حديث المناهي‏۳۱.

و خامسة: بإشعار ما ورد في الصلاة في البيت الذي فيه تماثيل بأنه لا بأس بالصلاة: «إذا غيرت رؤوسها»، أو «قطعت»، أو «كسرت»۳۲، فإن ظهور هذه التعبيرات في التجسم مما لا ينكر.

و سادسة: بما ورد من جواز إبقاء الصور التي على الوسادة و عدم وجوب محوها۳۳.

و الكل مخدوش. إذ الأول‏: محكوم بما تقدم من الأخبار.

و الثاني‏: مقيدة بها.

و الثالث‏: من الحكمة لا العلة، مع إن مجرد الصورة لها شيئية مطلقا.

و الرابع‏: بأنه من مجرد الدعوى لصدق الصورة على النقش عرفا و لغة و مقابلة النقش الصورة لا تنفع في المقام، لفرض أنه عليه السّلام حكم بحرمة النقش أيضا.

و الخامس: بأنه حكم آخر لا ربط له بالمقام فالأخذ بالإطلاق متعين بعد عدم مقيد في البين.

للنصوص منها ما تقدم من صحيح ابن مسلم، و ابن مسكان، و خبر التحف: «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني» و بها يقيد الإطلاقات الدالة على المنع.

(مسألة ۹): لا فرق في التصوير المحرم بين النقش و التخطيط و التطريز و الحك و نحو ذلك (۲۳)، كما لا فرق في الحيوان المصور بين كون نوعه موجودا أو لا (۲٤)، و الأحوط وجوبا ترك تصوير الملك و الجن و الشياطين أيضا (۲٥). و لا فرق في الحيوان بين الصغير و الكبير، فيشمل الذرة و الفيل (۲٦).

للإطلاق الشامل للجميع.

لصدق الحيوان عليه أيضا، فتشمله الإطلاقات.

لأن المراد من الحيوان و الروحاني الوارد في الاخبار مطلق ذي الروح، و منشأ الترديد احتمال الانصراف عنها.

للإطلاق الشامل للجميع لو لم نقل بالانصراف عن الحشرات.

(مسألة ۱۰): ليس من التصوير المحرم أخذ الصورة بالأجهزة المعدة لذلك بجميع أقسامها و كيفياتها (۲۷).نعم، لو ترتب عليه مفسدة تحرم من تلك الجهة (۲۸).

للأصل بعد إن كان المنساق من الأدلة ما كان بعمل اليد الشائع في الأزمنة القديمة، و الشك في الشمول يكفي في عدم الشمول، لأن التمسك‏ بالدليل حينئذ تمسك به في الموضوع المشتبه و المرجع فيه حينئذ هو الأصل، و كذا المجسمات المصنوعة في عصرنا الحاضر من البلاستيك الذي تصبه المكائن الخاصة في قوالب مخصوصة للشك في كونها من التصوير المحرم، فيرجع فيها إلى الأصل، و في كون القالب من التصوير المحرم إشكال، لانصراف الأدلة عنه.

لعموم دليل حرمة تلك المفسدة، فيحرم حينئذ.

(مسألة ۱۱): يحرم التكسب بما يحرم عمله من الصور و يحرم أخذ الأجرة عليه (۲۹).

لقول أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»۳4، مضافا إلى الإجماع عليه.

(مسألة ۱۲): يجوز جمع الصور مطلقا مجسمة كانت أو لا، و يجوز اقتنائها و استعمالها و النظر إليها (۳۰).نعم، يكره اقتنائها و إمساكها، خصوصا المجسمة، لأن الكراهة فيها أشد و آكد (۳۱)، و لا كراهة في تماثيل غير الحيوان و إن بلغت من الحسن و الجمال ما بلغت (۳۲)، كما لا بأس بتصوير بعض أجزاء الحيوان إن لم يقصد التمام (۳۳).

للأصل، و الإطلاقات، و عدم الدليل على الملازمة بين حرمة الإيجاد و حرمة ما ذكر من عقل، أو نقل إلا إذا ثبت بدليل معتبر إن الإيجاد و الوجود مطلقا محرم كآلات اللهو و القمار. و كتب الضلال و نحوها.

و استدل للحرمة بأمور.

الأول‏: تصريح جمع من القدماء بذلك.

الثاني‏: إطلاق صحيح ابن مسلم: «لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان»۳٥، فإن إطلاقه يشمل الجميع.

الثالث‏: إن الظاهر من تحريم العمل تحريم الاقتناء و البيع و غيرهما.

الرابع‏: خبر التحف: «إنما حرم اللّه الصناعة التي يجي‏ء منها الفساد محضا – إلى أن قال- يحرم جميع التقلب فيه»۳٦.

الخامس‏: النبوي: «لا تدع صورة إلا محوتها»۳۷.

السادس‏: إنكارهم عليهم السّلام أن المعمول لسليمان عليه السّلام تماثيل الرجال و النساء و لكنها الشجر و شبهه‏۳۸.

السابع‏: قول أبي جعفر في صحيح زرارة: «لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها و ترك ما سوى ذلك»۳۹.

الثامن‏: قول أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أن عليا كان يكره الصورة في البيوت»، بضميمة انه عليه السّلام: «لم يكن يكره الحلال».

التاسع‏: ما ورد أنه أهدى إلى الصادق عليه السّلام طنفسة فيها تماثيل طائر فأمر بها فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر.

العاشر: إنه من اللهو المنهي عنه، هذه أدلتهم قدس سرّهم.

و الكل مخدوش: إذ لا اعتبار بالأول، لأنه ليس من الإجماع و لا الشهرة، و المنساق من الثاني هو نفس العمل دون الاقتناء و غيره، و الشك في الشمول يكفي في عدم الشمول.

و الثالث: من مجرد دعوى بلا دليل عليه.

و الرابع: بأنه ليس في الاقتناء و البيع الفساد المحض وجدانا.

و الخامس: قاصر سندا و دلالة، إذ لا يستفاد منه أزيد من المرجوحية.

و السادس: ظاهر في نفس العمل و استنكاره للعمل دون شي‏ء آخر من الاقتناء و البيع.

و السابع: لا يدل على أزيد من رجحان التغيير و لا يدل على أزيد من ذلك، و كذا التاسع، و لا وجه للثامن، لأنه عليه السّلام يكره المكروه قطعا فليكن المقام كذلك.

و العاشر: من مجرد الدعوى بلا دليل بل الظاهر عدم صدق اللهو عليهما.

يظهر وجه الكراهة و أشديتها بالنسبة إلى المجسمة من جميع ما مر، و يشهد للكراهة الجمع بين الصور و التماثيل في البيت و الكلب و الإناء التي يجتمع فيه البول في جملة من الاخبار، كقوله عليه السّلام في صحيح ابن مسكان: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إن جبرائيل أتاني فقال: أنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه»، و غيره من الاخبار، و في بعض الاخبار إضافة الجنب إليها44.

للأصل و الإطلاق و الإجماع.

للأصل بعد ظهور الأدلة في التمام عرفا. و لو قصد التمام ثمَّ بدئ له عن الإتمام يكون من صغريات التجري.

و أما لو اشترك اثنان في تصوير صورة فمقتضى الأصل عدم حرمة فعل كل واحد منهما بعد ظهور الأدلة في التمام، و لو قصد كل منهما التمام و لم يفعل يكون من التجري.

ثمَّ انه لا بأس بالنظر إلى صورة الإنسان و تماثيلهم و إن اختلفت مع الناظر في الذكورة و الأنوثة، للأصل بعد عدم دليل على الخلاف.

(مسألة ۱۳): يحرم التطفيف، سواء كان في المكيل أو الموزون، أو المزروع أو المعدود أو غيرها من طرق تعيين المال (۳٤).

لأنه أكل للمال بالباطل، و لأنه ظلم فتدل على حرمته الأدلة الأربعة، و الظاهر أنه ليس لنفس التطفيف من حيث هو حرمة ذاتية، بل هو طريق إلى أكل مال الغير بالباطل، فلو طفف في الوزن مثلا و اعطى تماما في مقام التسليم لم يفعل محرما و إن فعل ما لا ينبغي للمسلم.

ثمَّ إن المعاملة ان وقعت على الكلي و طفف في مقام الأداء، فالمعاملة صحيحة و الذمة مشغولة بالناقص، و كذا إن وقعت على العين الخارجي باعتقاد إنها مقدار كذا مثلا.

و أما إن وقعت عليها بقيد إنها مقدار كذا، بحيث يكون التقيد عنوانا للمعاملة الواقعة فهي باطلة كما إذا باع فرسا بعنوان الفرسية فبان حمارا.

و لو استأجر كيّالا أو وزّانا مثلا فطفف الأجير، فالإجارة صحيحة و يجري في المعاملة ما تقدم من الاقسام، و ان استأجره لأجل التطفيف فأصل الإجارة باطلة كما هو واضح لا يخفى.

(مسألة ۱٤): يحرم التنجيم، و هو الإخبار بنحو الجزم عن حوادث العالم من النفع و الضرر و الخير و الشر و الصلح و الحرب و نحوها من الأخبار الغيبية مستندا إلى التأثيرات الفلكية معتقدا بهذا التأثير على نحو العلية في العالم (۳٥).

البحث في التنجيم من جهات.

الأولى‏: في معناه و هو عبارة عن الإخبارات الغيبة مستندا إلى الأوضاع الفلكية و هو من العلوم القديمة المتوغلة في القدم و صدر صفحات التقاويم المعمولة يشهد لمعناه لكل من راجع إليها.

الثانية: في ان لهذا العلم و الاخبار موضوعية في الحرمة- كحرمة الغيبة و النميمة و نحوهما- أو أن حرمته إنما يكون لأجل المفسدة المترتبة عليه كما إذا استلزم الشرك في ذاته تعالى، أو في الفعل أو في العبادة، أو إنكار الصانع أو نحو ذلك من المفاسد فهو حرام غيري لا أن يكون حراما نفسيا.

الحق هو الأخير لأن حرمة المفسدة المترتبة معلومة بالضرورة من الدين و حرمة غيره مشكوك فيرجع فيه إلى الأصل، فلو دل قول المنجم على إنه لا إله أصلا غير الأفلاك، أو انها شريك له في الخلق أو في المعبودية، أو ان الصنع لها مطلقا دون اللّه تعالى لكان كل ذلك حراما و باطلا.

و أما لو كان مفاد قولهم إن الأوضاع الخاصة الفلكية تشهد بأن اللّه تعالى يخلق الحادثة الكذائية عند الوضع الخاص الكذائي، كما ينبت اللّه تعالى النباتات في الربيع، فلا حرمة فيه، و لا بطلان بل هو علم مطلوب مرغوب فيه حينئذ شرعا كسائر العلوم التي يستفاد منها عجائب صنع اللّه تعالى في خلقه، ففي خبر يونس قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو؟ قال عليه السّلام: هو علم من علم الأنبياء، قال: فقلت: كان علي بن أبي طالب عليه السّلام يعلمه، فقال عليه السّلام: كان أعلم الناس به»، و في خبر ريان بن الصلت:

«إنه حضر عند الرضا عليه السّلام الصباح بن بصير الهندي و سأله عن علم النجوم، فقال عليه السّلام: هو علم في أصل صحيح ذكر أن أول من تكلم به إدريس عليه السّلام، و كان ذو القرنين بها ماهرا و أصل هذا العلم من عند اللّه عز و جل»، إلى غير ذلك من الأخبار.

و بذلك يمكن أن يجمع بين الاخبار و الكلمات، فما يظهر منه ذمه، و انه كفر و باطل إنما هو فيما إذا ترتبت عليه مفسدة من شرك أو ضعف عقيدة بالنسبة إلى المبدأ مطلقا، كقوله عليه السّلام: «المنجم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون»، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «من صدّق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و آله»، و قول علي عليه السّلام: «أيها الناس إياكم و تعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعوا إلى الكهانة، و المنجم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار، سيروا على اسم اللّه»، و ما يظهر أنه حق إنما هو فيما إذا لم تترتب عليه المفسدة، و يشهد لهذا الجمع بعض الأخبار٥۰، كما لا يخفى عم ن تدبر فيها.

فيكون كما لو أخبر الطبيب بأن حركات القلب تدل على عارضة كذائية في البدن لا ريب في جوازه و صحة المراجعة إليه، فهكذا لو أخبر المنجم بأن الأوضاع الخاصة كاشفة عن حدوث حوادث مخصوصة بإذن اللّه تعالى.

الثالثة: لتأثير الأوضاع الفلكية في الحوادث احتمالات.

الأول‏: أن يكون من العلة التامة المنحصرة بحيث تغلب الإرادة القاهرة الإلهية و لا ريب في بطلان هذا الاحتمال في جميع الشرائع الإلهية فضلا عن الشريعة الختمية التي هي أكملها من حيث المعارف، و إن ما سواه تعالى- كلية و جزئيا و جزءا و كلا- مستند إليه عز و جل حدوثا و بقاء بأسبابها التي جعلها اللّه تعالى في نظامه الكياني الذي هو فوق ما نتعقله من النظام الأحسن.

الثاني‏: أن يكون جزء العلة في عرض الإرادة الإلهية و هذا باطل أيضا. لما أثبتناه في المعارف من ان إرادته تعالى قاهرة على جميع ما سواه، و هو الخالق لما سواه.

الثالث‏: أن تكون تلك الأوضاع مقدرة و مخلوقة له تعالى و يكون الجميع تحت قدرته و إرادته و هذا حق بلا ريب، فتكون نسبة تلك الأوضاع إلى الحوادث كنسبة الربيع إلى نبت النباتات، و كنسبة الأرحام إلى نمو النطفة.

فوائد.

الأولى‏: اختلفوا في أن للأجرام العلوية نفوس ناطقة أو أنها جمادات صرفة تدور بالتسخير كحجر الرحى، فذهب جمع إلى الأول و قال الحكيم السبزواري:

و كل ما هناك حي ناطق‏ و لجمال اللّه دواما عاشق‏

 

فيكون حركاتها إرادية عشقية كحركة العاشق المتيّم المستهام للمعشوق‏ و المشهور بين الإمامية الثاني.

أقول: إن كان المراد بالنفس الناطقة أن لها إرادة و اختيار في عرض إرادة اللّه تعالى و اختياره المسخر لها فهو باطل كما مر، و إن كان المراد أن لها نفس ناطقة و ارادة و اختيار مسخرة تحت إرادة اللّه و اختياره فلا وقع لهذا النزاع، مع انه لم يأت كل من الطرفين بدليل معتبر لمدعاه و للتفصيل مقام آخر.

و قد ورد عن النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله إنه قال: «أطت السماء و حق لها أن تئط فما فيها موضع شبر إلا و فيها ملك قائم أو راكع أو واضع جبهته عظمة للّه تعالى»٥۱، فإن كان مراد من أثبت الحيوة للعلويات هذا فهو حق لا ريب كما مر و تفصيل هذه الأمور يحتاج إلى بسط من الكلام و هو خارج عن مباحث الفقه.

الثانية: في الفلكيات كنوز من العلوم و الخزائن من المعارف لم يصل البشر بعد الجهد الأكيد إلا إلى نذر يسير منها، و علم النجوم الذي قد يطلق عليه علم الأحكام من تلك الكنوز و الخزائن لم يصلوا إليه إلا بقدر ما يأخذ رأس الإبرة من الماء إذا أدخل في البحر المحيط، و لذا قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنكم تنظرون في شي‏ء كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به»٥۲، و قال عليه السّلام أيضا: «قلّت منافعه و كثرت مضاره»٥۳، و كيف يحاط بعلم موضوعه أوضاع الأفلاك الغير المتناهية في الفضاء اللانهائي.

الثالثة: قد يلهم اللّه عز و جل بعض الحيوانات الاطلاع على بعض الأوضاع الفلكية، فيطلعون بذلك على بعض الحوادث المستقبلة جلبا لمنافعهم أو دفعا لمضارهم و ذلك رأفة منه تعالى إليهم، و لذلك حكايات مذكورة في الكتب المعدة لذلك، و قد تعرض شيخنا الأنصاري حكاية عن المحقق الطوسي بالنسبة إلى كلب صاحب الرحى‏٥4، و قال مولانا الصادق عليه السّلام: «اضربوها على العثار و لا تضربوها على النفار، فإنها ترى ما لا ترون»٥٥.

الرابعة: الرمل و الفال مع الاعتقاد بتأثيرهما يحرم و مع العدم لا بأس بهما لما تقدم، و كذا الرقي و التمائم من غير الأدعية الواردة.

ثمَّ إنه لو حدث من قول المنجم و نحوه حالة اضطراب للنفس فلا بد من التوكل على اللّه تعالى و التصدق، و قراءة الأدعية الواردة لإزالة مثل هذه الحالات و هي كثيرة مضبوطة في كتب الأدعية.

(مسألة ۱٥): لا بأس بالإخبار عن الخسوف و الكسوف و درجات الكواكب و بروجها و اقتران بعضها مع بعض و ارتفاعها و حضيضها و مراتب سيره و اضوائها، و طلوعها و أقولها إلى غير ذلك من أحوالها كما لا يخفى (۳٦).

للأصل، و الإطلاقات، و العمومات الدالة على التعلم و التعقل و التفكر في آيات اللّه و التدبر فيها مع إن ذلك كله مضبوط أما بالحساب الصحيح أو الارصاد المعتبرة، بل الأجهزة التي يرى بها جملة كثيرة من تلك الأحوال في هذه الأعصار، و لكل ذلك علماء متخصصون يبذلون جهدهم في كشف حقائقها، و دقائقها لعل اللّه تعالى يفتح لهم أبوابا من العلوم و يظهر بعض أسرار العلويات لعباده، و ينكشف بذلك أمورا من المعارف فإنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

(مسألة ۱٦): كلما كان من شأنه الضلال و الإضلال- كتابا كان أو صحيفة أو غير ذلك- يحرم بيعه و شرائه و حفظه و تعليمه، و نسخه و مطالعته و قرائته إن لم يكن غرض صحيح في البين (۳۷)، و إن كان فيه غرض‏ صحيح يجوز ذلك كله، كما إذا كان لأجل النقض عليها مع كونه من أهله، و الأمن من الضلال (۳۸). و أما مجرد الاطلاع على مطالبها فليس من الأغراض الصحيحة المجوزة لحفظها لغالب الناس (۳۹)، فيجب عليهم التجنب عن كل ما يخالف الإسلام بل يجب إتلافها (٤۰).

لأن ما هو منشأ الضلال من أهم مناشئ الفساد بين العباد فيحرم جميع ما يتعلق به بالأدلة الأربعة، فمن الكتاب إطلاق الآيات الدالة على النهي عن الفساد في الأرض الشامل للضلال و الإضلال الديني قطعا كقوله تعالى:  وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ‏٥٦.

و من السنة أخبار متفرقة في أبواب مختلفة٥۷، منها قوله عليه السّلام في خبر التحف: «و ما يجبى منها الفساد محضا»٥۸، بل الظاهر عدم اختصاص ذلك بشرعنا، بل أهم أغراض جميع الشرائع الإلهية قلع الضلال و الإضلال مطلقا.

و من العقل إنه ظلم و أي ظلم أقبح منه.

و من الإجماع إجماع المسلمين بل العقلاء.

نعم، يختلف مصاديق الضلال و الإضلال عندهم. كما ان الشريعة المنسوخة تصير ضلالا بالنسبة إلى الشريعة الناسخة لها فالمنسوخ من التوراة و الإنجيل ضلال بخلاف ما قرره الشريعة الإسلامية منهما، فأصل الضلال في الجملة مما اتفقت الأدلة على محوه بأي وجه أمكن.

لأنه ليس من الفساد و الضلال حينئذ، بل من الخير و الصلاح فيكون خارجا تخصصا عما دل على الحرمة.

لتحقق منشأية الإضلال بالنسبة إليهم، فيخشى عليهم الضلال.

لأنها مادة الفساد و لا بد و إن تتلف مادة الفساد كما مر.

(مسألة ۱۷): يحرم إحقاق الباطل و إبطال الحق بأي وجه كان ذلك (٤۱)،و يحرم أخذ العوض عليه (٤۲)، و منه ما يبذل للقاضي ليحكم له بالباطل، و يطلق عليه الرشوة (٤۳)، أو ليحكم له- حقا كان أو باطلا- أو ليعلمه طريق المخاصمة حتى يغلب على خصمه (٤٤).

بإجماع المسلمين، بل بضرورة من الدين، و تدل عليه الأدلة الأربعة، كما سيأتي.

للإجماع، و لأنه أكل للمال بالباطل، لقوله عليه السّلام: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»٥۹، و المراد به مطلق العوض بالإجماع.

تدل على حرمة الرشوة الكتاب المبين، و ضرورة الدين، و نصوص كثيرة) أما الكتاب، فقوله تعالى‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏٦۰.

و أما النصوص فمنها قوله عليه السّلام: «فأما للرشا في الحكم فإن ذلك الكفر باللّه العظيم»٦۱، و عن علي عليه السّلام: «أيما وال احتجب من حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة و عن حوائجه، و إن أخذ هدية كان غلولا و ان أخذ الرشوة فهو مشرك»٦۲، و في خبر عمار: «فأما الرشا يا عمار في الأحكام فإن ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله صلّى اللّه عليه و آله»٦۳، و في خبر ابن فرقد: «سألته عن السحت؟ فقال عليه السّلام:

الرشا في الحكم»٦4، و عن أبي جعفر عليه السّلام: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رجلا احتاج الناس إليه لتفقهه فسألهم الرشوة»٦٥، و يدل على قبحه حكم العقل أيضا، لأنه من الظلم، فالأدلة الأربعة دالة على حرمتها.

و الرشوة من المفاهيم العرفية هي غير الجعل و الأجرة عرفا و إن حرما على الحاكم الشرعي أيضا على ما يأتي دليله في كتاب القضاء.

لشمول إطلاق جميع تلك الأدلة لهذه الصورة أيضا. و الظاهر إن ذلك كله من الخيانة المستقبحة بحكم الفطرة. كما أن مقتضى الإطلاقات عدم الفرق بين كون ذلك بالمشارطة بينهما، أو كان ذلك من قصدهما أو قصد الباذل مع علم الآخذ به. و يأتي تتمة الكلام في كتاب القضاء إن شاء اللّه تعالى.

ثمَّ إن الرشوة المحرمة باقية على ملك المالك، لا يجوز للآخذ التصرف فيها و يضمنها مع التلف.

كما أن العقود المحاباتية المشتملة على الرشوة المحرمة تبطل إن وقعت على العين الخارجي، و كان المقصود بنفس العقد الرشوة المحرمة، لتعلق النهي بنفس العقد حينئذ لا بما خرج عنه، و إن كان القصد من نفس العقد، صحيحا و كان إعطاء الزيادة مجانا بعنوان الرشوة يصح نفس العقد و يجري على الزيادة حكم الرشوة.

و لا فرق في الرشوة المحرمة بين المال، و الأعمال، و المنافع، بل الانتفاع لظهور الإطلاق، و عدم دليل على الفرق بينها.

(مسألة ۱۸): لا بأس ببذل المال لقضاء الحاجة سواء كانت لنفسه أو لغيره- ما لم تكن من تحليل الحرام و تحريم الحلال، و لم تكن في البين مفسدة أخرى (٤٥).

للأصل، و إطلاق دليل السلطنة، و إطلاق أدلة العطية و الهدية و نحوها، و يدل عليه ما ورد في صحيح محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحول من منزله فيسكنه؟

قال عليه السّلام: لا بأس به»٦٦.

و أما قول الرضا عليه السّلام عن علي عليه السّلام: في خبر إسباغ الوضوء «في قوله تعالى‏ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ‏، قال عليه السّلام: هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثمَّ يقبل هديته»٦۷، فلا بد فيه إما من حمل السحت على بعض مراتبه التي لا تبلغ الحرمة، أو حمل الحاجة على مثل الحكم فيكون من الرشوة المحرمة.

(مسألة ۱۹): لو شك في مورد انه من الرشوة المحرمة أو المحللة فهي محللة (٤٦).

لأصالة الحلية بعد عدم وجود أمارة على إنه من القسم المحرم الموعود عليه العذاب.

و لو ادعى الدافع أن الإعطاء فاسد إما لأجل إنه من الرشوة، أو الهبة الفاسدة، و ادعى القابض إنه هبة أو عطية أو هدية صحيحة، فالمرجع أصالة الصحة و مع بقاء العين للمالك الرجوع فيه، لعدم موجب للزوم، و مع تلفه فالمرجع البراءة عن الضمان و في المقام فروع أخرى تأتي في كتاب القضاء إن شاء اللّه تعالى.

(مسألة ۲۰): يحرم سب المؤمن (٤۷)، و لا فرق فيه بين حضور المسبوب و غيبته (٤۸)، و المرجع فيه العرف و كلما صدق عليه عرفا إنه سب يحرم (٤۹) و كلما شك فيه لا يحرم (٥۰)، و لا فرق فيه بين جميع اللغات حتى لو سب أهل لغة خاصة بلغة أخرى لا يفهمها المسبوب حرم ذلك (٥۱).

لأنه إيذاء و ظلم، فتدل على حرمته الأدلة الأربعة، و الظاهر قبحه بين جميع العقلاء بلا اختصاص بملة دون أخرى. فمن الكتاب قوله تعالى‏ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ٦۸، فإن سب المؤمن من أجلى مصاديق الآية الشريفة، و كذا قوله تعالى‏ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ‏٦۹.

و من السنة روايات مستفيضة بين الفريقين‏۷۰، ففي موثق أبي بصير عن‏ أبي جعفر عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية، و حرمة ماله كحرمة دمه»۷۱، و في صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام: «في رجلين يتسابان، قال عليه السّلام: البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم»۷۲، إلى غير ذلك من الروايات، و من العقل ما تقدم من انه ظلم و إيذاء للغير. و أما الإجماع فإجماع المسلمين.

للإطلاق الشامل لهما، و النسبة بينه و بين الغيبة العموم من وجه فمع قصد الإهانة و النقص و حضور سب المسبوب و ليس بغيبة، و مع عدم قصدهما و غيبة الطرف و كونه ذكرا له بما يكره غيبة و ليس بسب، و تتأكد الحرمة في مادة الاجتماع.

لعدم ورود تحديد شرعي بالنسبة إليه فالمرجع هو العرف لا محالة و هو يختلف باختلاف الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة، فربما يكون لفظ سبا عند قوم و لا يكون سبا عند آخرين فيلحق كلا حكمه.

لأصالة البراءة العقلية و النقلية عن الحرمة.

لإطلاق الأدلة الشامل لجميع ذلك.

(مسألة ۲۱): لا فرق في حرمته بين افراد المسلمين إلا إذا تجاهر المسبوب بمخالفة الشرع بحيث القى الشرع احترامه (٥۲). و يعتبر فيه‏ القصد الجدي، فإذا كان من المزاح أو اللهو و اللعب لا يحرم من حيث السب (٥۳)، كما لا فرق في حرمته بين البالغ و غيره، و لا بين الوالد و الولد، و الزوج و الزوجة، و المعلم و المتعلم و نحوهما (٥٤).

لإطلاق الأدلة الشامل للجميع.

نعم، من القى الشرع احترامه فلا حرمة له حتى يجري حكم السب بالنسبة إليه، كما يجوز سب المبتدع أيضا، لقوله عليه السّلام في خبر ابن سرحان: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقعية و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام- الحديث-»۷۳.

لأن ذلك هو المنساق من الأدلة كما في كل كلام يترتب عليه حكم شرعي وضعيا كان أو تكليفيا، إذ يعتبر فيه القصد و الإرادة الجدية، و لو شك في انه هل قصد الجد أو الهزل فمقتضى أصالة الصحة في قول المسلم و فعله الحمل على الأخير.

لشمول الإطلاق لجميع ذلك، و قد يدعى الانصراف عن غير المميز أو عن الوالد بالنسبة إلى ولده، و هو مشكل في الثاني إلا إذا ثبت سيرة معتبرة بين المتدينين- المتصلة إلى زمان المعصوم- عليه بحيث يكون مقيدا للإطلاق.

ثمَّ ان مقتضى إطلاق قوله تعالى‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏۷4، و إطلاق قوله تعالى‏ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ‏۷٥، هو جواز دفع السب بالسب إن كان بالمثل إلا أن ظاهر قوله عليه السّلام فيما مر من الحديث: «البادي منهما أظلم» ثبوت الظلم للمدافع أيضا إلا أن يحمل على ما إذا كان الدفاع بالأشد لا بالمثل.

(مسألة ۲۲): يحرم السحر عملا و تعليما و تعلما و تكسبا (٥٥)، سواء كان ذلك بكتابة أو تكلم، أو نفث أو عقد أو دخنة أو تصوير اثّر ذلك في المسحور عقلا أو قلبا أو بدنا أو مالا أو نوما أو إغماء، حبا أو بغضا أو نحو ذلك (٥٦)، و يلحق به استخدام الملائكة و إحضار الجن و الأرواح و نحو ذلك (٥۷).

للنصوص، و الإجماع بل الضرورة من المذهب إن لم تكن من الدين، و عن علي عليه السّلام: «من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر، و كان آخر عهده بربه وحده أن يقتل إلا أن يتوب»۷٦، و في خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكفار لا يقتل، قيل: يا رسول اللّه لم لا يقتل ساحر الكفار؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: لأن الشرك أعظم من السحر، لأن السحر و الشرك مقرونان»۷۷، أقول: يعني أن ساحر الكفار لا يقتل لأجل سحره و يقتل لأجل شركه، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «السحر و الشرك مقرونان»، أي في إيجاب القتل و ذلك لا ينافي أعظمية الشرك.

ثمَّ إن البحث في المقام من جهات.

الأولى‏: نسبة السحر إلى الواقع نسبة الخديعة و المكر إليه، فكما انه لا واقع للمكر و الخديعة إلا ما يقوم بخيال الماكر و الخادع، و يتأثر بهما الممكور به و المخدوع به بعض التأثير فكذلك السحر فهو إظهار غير الواقع في صورة الواقع خيالا و وهما لا واقعا، فليس السحر تأثر التكوين عن قدرة اللّه تعالى مباشرة كما في استجابة الدعوات، و لا تأثره بواسطة النفوس القدسية كما في المعجزات و الكرامات و التوسلات الحقة، بل هو استيلاء ضعيف مربوط بالنفوس الخبيثة الشريرة الشيطانية على خيال الطرف و وهمه بأسباب خاصة لذلك.

الثانية: اختلفوا في أن للسحر حقيقة أو لا و هذا النزاع ساقط من أصله، لأنهم إن أرادوا أن له حقيقة واقعية تكوينية بأسبابها الحقيقية فلا يتوهمه عاقل حتى أهل الفن من السحرة. و إن أرادوا أن له واقعية خيالية و وهمية و ليس من‏ العدم المحض فهو حق لا ريب فيه، فهذا النزاع لفظي و ساقط عن الاعتبار.

الثالثة: السحر متوغل في القدم، و يدل عليه ما حكاه اللّه تعالى عن سحرة فرعون‏۷۸، و كل ما انعدمت العقائد الحقة في النفوس و ضعفت يكثر مثل السحر فيهم لاستيلاء الشياطين عليهم من كل جهة، فيفعلون ما يريدون بلا مانع و لا دافع و يختلف باختلاف الطوائف فنسب إلى النبط سحر، و إلى الكلدانيين نوع سحر، و إلى العرب نوع آخر، و إلى الهند نوع آخر و لا محذور فيه لاختلاف النفوس في خبائتها و اختلافها في جهة الارتباط بالنفوس و الأرواح الخبيثة:

و إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ‏۷۹، و لا ريب في اختلاف مراتب و حيهم إلى أوليائهم من جهة شدة ارتباط الأولياء مع مولاهم و ضعفه.

الرابعة: لا ريب في أن السحر و نحوه من العلوم السرية الخارطة للعادة التي يجمعها ارتباط النفس بما هو خارج عن المحسوسات، فإن كانت النفس من النفوس القدسية و ما يرتبط به من الملكوت الأعلى و عالم الأمر و كان مقرونا بالتحدي يسمى بالكرامة و المعجزة، كما في أولياء اللّه المقربين و إن كانت النفس خسيسا و كان المرتبط به من الأرواح الخبيثة يسمى ما يظهر منه سحرا، و نحوه من التدخلات الشيطانية.

ثمَّ اعلم أن النفس الإنساني من حيث اتصافها بالإضافة التشريفية الإلهية:

ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ۸۰، و نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي*۸۱، لها استعداد الارتباط بالملكوت الأعلى و عالم الأمر و استفادة علوم السر منه، و لكن الحجب الدنيوية و العلاقة بالحسيات المادية تمنعها عن ذلك، و قال صلّى اللّه عليه و آله: «لو لا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات»۸۲، و قال‏ الحكيم السبزواري:

و إنما الشواغل الحسية قد حجبت نفوسنا النورية

 

ثمَّ إن للوصول إلى المطلوب طرق شتى كتب فيها كتبا كثيرة بالسنة مختلفة، و من تلك الطرق تقوية النفس و تصفيتها و مخالفة هواها حتى يتمكن على إيجاد العجائب و الغرائب.   و منها: خواص الأشياء و الأعداد و الاشكال الهندسية.

و منها: الاستعانة بالأرواح العلوية.     و منها: الارتباط بالأرواح الخبيثة كالأجنة و الشياطين.

و منها: أعمال خاصة مناسبة للمطلوب كتماثيل، و نقوش، و عقد و نفث، و كتابة بأقسامها.

و منها: ذكر أسماء مجهولة المعاني أو كتابتها.   و منها: ذكر ألفاظ معلومة المعاني غير الأدعية.

و منها: التصرف في بعض الآيات و الأدعية بقلبها و نحو ذلك مما هو كثير، و قد تعرضنا لبعض ما يناسب المقام في التفسير فليراجع إليه.

و هذه الأقسام بعضها ليس من السحر قطعا، و بعضها منه بلا ريب فيه، و بعضها مشكوك في انه من السحر أو لا، و مقتضى الأصل فيه الحلية و الإباحة ما لم يكن فيه مفسدة من جهة أخرى.

الخامسة: أثر السحر إما ضرر محض، أو ضرر من جهة و خير من جهة أخرى، و الكل إما بالنسبة إلى من له حرمة شرعا أو بالنسبة إلى من القى الشرع احترامه، فإن قلنا إن لعمل السحر من حيث هو موضوعية خاصة في الحرمة يكون جميع الاقسام حراما، لإطلاق الأدلة الشامل للجميع، و يشهد له مقارنة السحر مع الشرك في خبر السكوني‏۸۳.

و إن قلنا بأن حرمته طريقية إلى المفسدة المترتبة عليه فلا يحرم القسم‏ الأول مع عدم مفسدة خارجية مترتبة عليه، و كذا لا يحرم بالنسبة إلى من القى الشرع احترامه، و في القسم الثاني لا بد من ملاحظة أقوى الملاكين ثمَّ الحكم به حلية أو حرمة.

و البحث فيه.

تارة: بحسب الأصل العملي.

و أخرى‏: بحسب الأدلة.

و ثالثة: بحسب الكلمات.

أما الأولى: فمقتضى الأصل عدم الحرمة إلا فيما هو معلوم الحرمة أي مورد تحقق الضرر المفسدة.

و ما يقال إن نفس العمل من حيث أنه تشبه بالخالق مفسدة و أي مفسدة أعظم منه.

مخدوش: صغرى و كبرى.

و أما الثانية: فليس فيها ما يمكن استفادة الموضوعية في الحرمة إلا قوله صلّى اللّه عليه و آله: «السحر و الشرك مقرونان» كما تقدم في خبر السكوني و هو على فرض اعتبار سنده قاصر دلالة، لاحتمال أن يراد به التشديد في الحرمة كما ورد في الرشوة أنها «الكفر باللّه العظيم»۸4، مع انه في ذيل خبر السكوني: «ان الشرك أعظم» فلا يستفاد منه التنزيل المطلق من كل جهة و لا الموضوعية.

و كذا ما يقال: من انه خلاف الواقع و الأصل في كل خلاف الواقع الموضوعية في الحرمة إلا ما خرج بالدليل.

إذ فيه: إنه من مجرد الدعوى لا دليل على كليته.

و أما الأخيرة فعن صاحب الجواهر أن له موضوعية في الحرمة، و يظهر من الشيخ الأنصاري الطريقية، و كلمات البقية مجملة، و أما خبر السكوني عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام: «قال رسول صلّى اللّه عليه و آله، لامرأة سألته إن لي زوجا و به عليّ‏ غلظة و إني صنعت شيئا لأعطفه عليّ؟ فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أف لك كدرت البحار، و كدرت الطين، و لعنتك الملائكة الاخبار و ملائكة السماوات و الأرض.

فصامت المرأة نهارها و قامت ليلها و حلقت رأسها و لبست المسوح فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله، فقال: ان ذلك لا يقبل منها»۸٥، فلا يستفاد منه الموضوعية أيضا، إذ لعل الزوج تضرر به و حصلت له أذية و يشهد الطريقية خبر السقفي الدال على جواز عمل السحر لحل السحر، قال: «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقلت جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر و كنت آخذ عليه الأجر و كان معاشي و قد حججت منه و منّ اللّه عليّ بلقائك، و قد تبت إلى اللّه عز و جل، فهل لي في شي‏ء من ذلك؟ فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: حلّ و لا تعقد»۸٦، و لكن الأحوط الموضوعية مطلقا إلا فيما دل الدليل على الخلاف، هذا كله في عمله.

و أما علمه و تعلمه فظاهر بعض المفسرين اتفاق المحققين على عدم الحرمة النفسية فيهما و اعترف في الجواهر بذلك أيضا.

نعم، لا ريب في الحرمة الغيرية فيهما.

فائدتان. الأولى‏: السحر و سائر العلوم الغريبة مما جعلها اللّه تعالى أسبابا لحصول الآثار المترتبة عليها، لكنه تعالى نهى عن ذلك و لم يرض به كما انه تعالى جعل شرب السم سببا للقتل و نهى عن شربه، و لا يرضى به فلا بد من انتهاء سلسلة الأسباب إليه تعالى لكن بنحو لا يستلزم النقص في ساحته العليا جل جلاله.

الثانية: العلوم السرية كثيرة يجمع جملة منها حروف «كله سر» فالكاف إشارة إلى الكيمياء بأقسامها، و اللام إشارة إلى الليمياء، و الهاء إشارة إلى الهيماء، و السين إشارة إلى السيمياء، و الراء إشارة إلى الريمياء، و منها السحر و الطلسمات و علم الخواص بالنسبة إلى السفليات و العلويات، و لها عرض عريض جدا لا تبلغ عقول البشر إلا إلى ذرة يسيرة منها، و قد كتب في ذلك كتبا كثيرة بين مطبوعة و غير مطبوعة موجودة في بعض المكتبات الهامة العالمية.

للإطلاق الشامل لجميع ذلك.

لأنه مع ترتب المفسدة لا فرق بين الجميع، و الأحوط الترك حتى مع عدم المفسدة.

(مسألة ۲۳): لا بأس بحل السحر بالسحر إذا انحصر العلاج به (٥۸).

للأصل بعد قصور الأدلة المانعة عنه، و لرواية ابن الجهم عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «و أما هاروت و ماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة، و يبطلوا به كيدهم- الحديث-»۸۷، و في تفسير العسكري‏۸۸، عن آبائه عليهم السّلام في قوله عز و جل: (و ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت، قال عليه السّلام: كان بعد نوح عليه السّلام قد كثرت السحرة المموهون، فبعث اللّه عز و جل ملكين إلى نبي ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة، و ذكر ما يبطل به سحرهم، و يرد به كيدهم فتلقاه النبي عن الملكين و أداه إلى عباد اللّه بأمر اللّه عز و جل، و أمرهم أن يقفوا به على السحر و أن يبطلوه، و نهاهم أن يسحروا به الناس- الحديث-».

(مسألة ۲٤): تحرم الشعبذة عملا و تعليما و تعلما و تكسبا (٥۹).

للإجماع، و لأنه نوع من السحر كما في رواية الاحتجاج المنجبر، قال عليه السّلام: «و نوع آخر منه- أي: من السحر- خطفة و سرعة و مخاريق»۸۹، مضافا إلى انه من اللهو، و الشعبذة اراءة غير الواقع واقعا بواسطة سرعة الحركة مثل ما يرى من إدارة النار بالحركة السريعة دائرة متصلة نارية مع أنها منفصلة في الواقع.

و المتيقن من الدليل ما إذا لم يكن فيها غرض صحيح شرعي و إلا فمقتضى الأصل الإباحة بعد عدم شمول الدليل لهذه الصورة أو الشك في الشمول كما لا تشمل الآثار السريعة الحادثة من الآلات الكهربائية و نحوها.

(مسألة ۲٥): يحرم الغش بما يخفى في البيع و الشراء (٦۰) كشوب‏ اللبن بالماء، و خلط الجيد بالردي مع كونه مخفيا من دون الاعلام به (٦۱)، بل يصدق الغش على كل عيب قصد به التلبيس على المشتري مطلقا (٦۲). نعم، لو كان العيب واضحا و قصّر المشتري في التوجه إليه لا يكون‏ من الغش و لا يجب الاعلام به (٦۳).

للأدلة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى‏ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ*۹۰، و من الإجماع إجماع المسلمين، بل العقلاء لأنه ظلم، و من العقل حكمه بقبح الظلم و الخيانة، و من السنة أخبار متواترة بين الفريقين‏۹۱، فعن الصادق عليه السّلام في صحيح ابن سالم: «ليس منا من غشنا»۹۲، و عنه عليه السّلام أيضا قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لرجل يبيع التمر! يا فلان أما علمت أنه ليس من المسلمين من غشهم»۹۳، و عنه صلّى اللّه عليه و آله أيضا: «ليس منا من غش مسلما أو ضرّه أو ماكره»۹4، و في بعض الأخبار عنه صلّى اللّه عليه و آله أيضا: «و يحشر يوم القيامة مع اليهود لأنهم أغش الخلق للمسلمين، و من بات و في قلبه غش لأخيه المسلم بات في سخط اللّه و أصبح كذلك حتى يتوب»۹٥، و في رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر عليه السّلام:

«مر النبي صلّى اللّه عليه و آله في سوق المدينة بطعام، فقال لصاحبه: ما أرى طعامك إلا طيبا، و سأله عن سعره فأوحى اللّه عز و جل إليه أن يدس يده في الطعام ففعل فأخرج طعاما رديا، فقال صلّى اللّه عليه و آله لصاحبه: ما أراك إلا و قد جمعت خيانة و غشا للمسلمين»۹٦، إلى غير ذلك من الروايات و قد تقدم بعضها.

ثمَّ ان الغش خلاف النصح و النصح: الخلوص فيكون الغش بمعنى غير الخالص، و له مراتب كثيرة جدا شدة و ضعفا، كما و كيفا زمانا و مكانا إلى غير ذلك مما يعرفه أهل الخبرة من الغش في كل شي‏ء، و لا يضبطه ضابطة كلية يتعرض لها الفقيه فمع صدق الغش عند أهل الخيرة يحرم و مع عدم صدقه عنهم لا يحرم، للأصل.

لأنه مع عدم الخفاء لا يكون من الغش المحرم، و كذا مع الاعلام و إن كان خفيا، و في صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «إنه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض، و بعضه أجود من بعض، قال عليه السّلام: إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردي‏ء»۹۷. و خبر داود بن سرحان‏۹۸، عن الصادق عليه السّلام: «كان معي جربان من مسك أحدهما رطب و الآخر يابس، فبدأت بالرطب فبعته، ثمَّ أخذت اليابس أبيعه فإذا أنا لا أعطي باليابس الثمن الذي يسوى و لا يزيدوني على ثمن الرطب، فسألته عن ذلك أ يصلح لي ان أنديه؟ فقال عليه السّلام: لا إلا أن تعلمهم، قال: فنديته ثمَّ أعلمتهم، فقال عليه السّلام: لا بأس به إذا أعلمتهم»، و في رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون عنده لونان من الطعام سعرهما بشي‏ء و أحدهما أجود من الآخر فيخلطهما جميعا ثمَّ يبيعهما بسعر واحد؟ فقال عليه السّلام لا يصلح له أن يغش المسلمين حتى يبينه»۹۹.

لإطلاق ما تقدم من خبر ابن سرحان و الحلبي.

لعدم صدق الغش عليه، و لأصالة البراءة عن وجوب الإعلام.

(مسألة ۲٦): لا فرق في الغش بين ما إذا حصل بفعل البائع أو بغيره إذا باع المغشوش بقصد تلبيس الأمر على المشتري (٦٤).

لأنه يصدق على هذا البائع مع علمه انه غاش، فتشمله الأدلة و يجب عليه الاعلام كما تقدم.

ثمَّ انه قد يقال: إنه لا حرمة نفسية لنفس الغش من حيث انه غش- بحيث يكون مثل الغيبة و الكذب و نحوهما من المحرمات النفسية- بل المناط كله أكل المال بالباطل، لأن مجرد مزج اللبن بالماء مثلا ليس بحرام، و إنشاء البيع من حيث هو ليس كذلك فلا حرمة نفسية فيه.

و هو مردود لأن تصور المفردات كل واحد مستقلا شي‏ء و الإقدام على الغش المعاملي مع الناس و إيجاد المعاملة معهم بهذا العنوان شي‏ء آخر، و العرف أصدق شاهد على ما قلناه، و الشرع، و العرف و العقل يحكم بقبح الثاني دون نفس المفردات من حيث الافراد.

ثمَّ ان ظاهر ما دل من الاخبار على أن الغاش يحشر مع اليهود- كما تقدم- انه من المعاصي الكبيرة، لأن ذلك إيعاد بالنار مع انطباق الخيانة عليه و عطفه عليها فيما تقدم من النص و الخيانة منصوص انها من الكبائر۱۰۰، و لا ريب في أن الإصرار على الغش من الكبائر لو لم يكن بنفسه منها هذا كله في الغش في الأموال.

و أما الغش في النيات القلبية و اللحظات العينية و الأعمال الجوارحية فهو من أهم مصائد الشيطان، و أعظم مكائده لا محيص للعبد إلا من الاستعاذة بحضرة الرحمن، و قد تعرضنا لجملة من الآيات المناسبة لها في التفسير و تعرضنا في الريا بعض الكلام.

(مسألة ۲۷): الغش و إن كان حراما، لكن لا تفسد أصل المعاملة به (٦٥). نعم، لو كان الغش بإظهار الشي‏ء على خلاف جنسه، كبيع المموّه على إنه ذهب أو فضة و نحو ذلك بطل أصل المعاملة (٦٦).

لإطلاقات الأدلة و عموماتها بعد كون المبيع عينا مملوكا ينتفع بها، و تقتضيه أصالة الصحة أيضا، ثمَّ يعمل فيها بالقواعد العامة عند تبين الغش فإن كان قد غش في إظهار وصف مفقود كان فيه خيار التدليس و إن كان من قبيل شوب اللبن بالماء ففيه خيار العيب إن عد ذلك عيبا عند أهل الخبرة، و إن كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة يجري خيار تبعض الصفقة و ينقص من الثمن بقدر التراب لأنه غير متمول، و إن كان متمولا بطل البيع في مقابله لوقوعه على غير الجنس.

لأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد. ثمَّ انه قد يحتمل بطلان أصل البيع في الأقسام الأربعة السابقة أيضا، و يستدل عليه.

تارة: بقضية ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و أخرى‏: بأن النهي يدل على البطلان.

و ثالثة: بما تقدم في خبر موسى بن بكير في الدراهم المغشوشة: «القه في البالوعة حتى لا يباع شي‏ء فيه غش»۱۰۱.

و الكل مخدوش. لأن الأولى: قضية عقلية و المتيقن منه المقومات الحقيقية لذات العوضين دون الجهات الخارجية و إلا لم يبق موضوع لجملة من الخيارات.

و الثانية: بأن سياق الأدلة هو النهي النفسي دون الإرشاد إلى الفساد.

و الأخيرة: بأن الدينار كان من غير الجنس، أو ان اهتمامه عليه السّلام بذلك كان تأكيدا للمدافعة عن الغش مهما أمكن.

ثمَّ إن ظاهر الأدلة كما تقدم هو الحرمة النفسية للغش و على هذا لو غش و باع بثمن أقل من ثمن المثل بحيث يوافق ثمن المغشوش فعل حراما، لما عرفت.

(مسألة ۲۸): الغناء حرام (٦۷)، بلا فرق بين استعماله في كلام حق‏ من قراءة قرآن أو دعاء أو غيره شعرا أو نثرا (٦۸)، بل يتضاعف عقابه لو استعمله في ما يطاع به اللّه تعالى، كقراءة القرآن و نحوها (٦۹). و يستثنى غناء المغنيات في الأعراس (۷۰)، و إن كان الاحتياط في تركه (۷۱). و قد يستثنى مراثي المعصومين خصوصا الحسين عليه السّلام (۷۲)، و لا وجه له. بل هو حرام فيها أيضا (۷۳)، و كذا الحداء لسوق الإبل (۷٤).

للأدلة الثلاثة بل الأربعة كما يظهر من الجواهر فإنها الباعث على الفجور، و كلما كان كذلك فتحريمه عقلي، و يشهد له تعريفها بما عن بعض أهل الخبرة بها: ان الغناء داعية الزنا و انها تنوب مناب الخمر، و تفعل فعله و تنقص من الحياء و تزيد في الشهوة، فمن الكتاب الآيات الدالة على حرمة اللهو و اللعب و قول الزور كقوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏۱۰۲، و كذا قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‏۱۰۳.

و من الإجماع إجماع الإمامية بل أكثر علماء المسلمين عدى الغزالي و من تبعه منا.

و من النصوص أخبار مستفيضة بل يصح دعوى تواترها قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في رواية الشحام: «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، و لا تجاب فيه الدعوة، و لا يدخله الملك»۱۰4، و عنه أيضا قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله عز و جل‏ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال عليه السّلام: قول الزور الغناء»۱۰٥. و قد ورد عنه عليه السّلام عدة روايات تقرب عشرة في تفسير الآية الكريمة وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ بالغناء، و عنه عليه السّلام أيضا تفسير لهو الحديث بالغناء في عدة روايات‏ أخرى‏۱۰٦، ففي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله و هو مما قال اللّه عز و جل‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏۱۰۷، و عنه عليه السّلام: «الغناء عش النفاق»۱۰۸، و عنه عليه السّلام في رواية حسن بن هارون: «الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله»۱۰۹، و عن الصادق عليه السّلام أيضا: «شرّ الأصوات الغناء»۱۱۰، و في رواية حسن بن هارون قال:

«سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الغناء يورث النفاق و يعقب الفقر»۱۱۱، أيضا: «إن رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام فسأله عن و عنه عليه السّلام الغناء فقال عليه السّلام: يا فلان إذا ميز اللّه بين الحق و الباطل، فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. فقال: قد حكمت»۱۱۲، و عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في رواية الوشاء: «سئل عليه السّلام عن شراء المغنية؟

قال عليه السّلام: قد تكون للرجل الجارية تلهيه، و ما ثمنها إلا ثمن كلب، ثمن الكلب سحت و السحت في النار»۱۱۳، و عن ولىّ الأمر (عجّل اللّه فرجه الشريف): «ثمن المغنية حرام»۱۱4، و في خبر الأعمش عدّ الغناء من الكبائر۱۱٥، إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد منها استفادة قطعية حرمة أصل الغناء.

و أشكل على الكل. أولا: إن الأدلة اثنان لا ثلاثة، لأن الآيات الكريمة لا دلالة لها بنفسها و انما تدل بواسطة النصوص، و العقل إرشاد إليها فالدليل منحصر بالأخبار و الإجماع.

و ثانيا: ان جملة من الروايات لا يستفاد منها أزيد من الكراهة، لوقوع مثل هذه التعبيرات في أدلة جملة من المكروهات كما لا يخفى على من راجعها.

و ثالثا: أن المتيقن منها- على فرض الحرمة- إنما هو فيما إذا اجتمعت مع الغنا العناوين الخارجية كما هو الغالب بل الدائم خصوصا في هذه الأعصار.

و بعبارة أخرى: حرمة الغنا من باب الوصف بحال المتعلق- كدخول الرجال على النساء و غيره من المحرمات- لا بحال الذات و هذا هو المتيقن من الإجماع أيضا، فلم يتم دليل على حرمة ذات الغناء من حيث هو، فيرجع إلى أصالة الإباحة في غير معلوم الحرمة.

و فيه: إن جميع ما تقدم مردود.

أما الأول‏: فلأن طريق الاستدلال بالكتاب إنما هو بملاحظة ما ورد في شرحه من السنة، فالكتاب مستقل لكنه المشروح بالسنة و السنة شاحة كما إذا راجعنا في فهم بعض ألفاظ الكتاب إلى اللغة و العرف، و السنة أيضا لها جهة استقلالية مع قطع النظر من حيث الشرح، فللسنة جهتان جهة الشارحية و جهة الاستقلال في الجملة.

و أما الثاني‏: فلأن بعض التعبيرات و إن كان ظاهرا في الكراهة لكن جملة منها ظاهرة في الحرمة، بل كونه من الكبائر كما تقدم، و في صحيح ابن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: الغناء مما وعد اللّه عليه النار، و تلا هذه الآية:

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏۱۱٦، و في خبر الأعمش الوارد في تعداد الكبائر «و الملاهي التي تصد عن ذكر اللّه عز و جل مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار، و الإصرار على صغائر الذنوب»۱۱۷، فالمراد بالكراهة الحرمة كما في قوله تعالى‏ كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً۱۱۸، و كذا ما مر من أن‏ الغناء مع الباطل‏۱۱۹ و انهم كذبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ترخيص الغناء كما في رواية عبد الأعلى قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء و قلت إنهم يزعمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رخص في أن يقال: جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحيكم؟

فقال عليه السّلام: كذبوا- الحديث-»۱۲۰، و ان «الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله»۱۲۱، إلى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في الحرمة بلا ريب.

و أما الثالث‏: فسياق ما تقدم من الأخبار خصوصا قوله عليه السّلام في الصحيح:

«الغنا مما وعد اللّه عليه النار» كون نفس الغنا المعهود من حيث هو مورد الحرمة، و كونها من باب الوصف بحال المتعلق خلاف الظاهر. و ملازمتها غالبا للمنكرات لا يوجب عدم حرمته بل محرمات اجتمعت في مجلس واحد أحدها نفس الغنا و الباقي بقية المحرمات، بل محور بقية المحرمات يدور مدار ذات الغنا، فإنها المهيج لجملة من الشهوات على ما يعترف به أهل تلك الأمور فلا ريب فيما هو المتسالم عليه بينهم من حرمة الغناء بنفسه، لأنه بنفسه لهو و باطل و لغو.

إن قيل: في المجمع عن الصادق عليه السّلام: «إن لهو الحديث في الآية الطعن في الحق و الاستهزاء به»۱۲۲، و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن كسب المغنيات؟ فقال عليه السّلام: التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول اللّه عز و جل: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏»۱۲۳، فطبق عليه السّلام لهو الحديث على قسم خاص منه دون مطلقه.

يقال: أما خبر المجمع فقاصر سندا، و يمكن حمله على فرض اعتباره على انه عليه السّلام بين بعض مصاديق اللهو و لا ينافي ذلك أن يكون لها مصاديق أخرى. و أما مثل خبر أبي بصير فأحسن المحامل فيه الحمل على التقية لأن‏ الغناء كان من أهم مشتهيات المترفين في تلك الأعصار، و حيث لم يقدر عليه السّلام على التصريح بإطلاق الحرمة قيدها بهذا القيد حتى لا يجترئ أحد على الإشكال عليه، مع أنه يمكن أن يراد بدخول الرجال: الدخول الاقتضائي و هو حاصل في كل غناء المغنيات. فاستفادة حرمة الغناء من الأخبار المتقدمة مما لا إشكال فيه. و إنما الكلام في جهات.

الأولى‏: في بيان موضوعه فقد قيل فيه أقوال كثيرة من اللغوي و الأديب و الفقيه.

فمن قائل بأنه الصوت المطرب.    و عن آخر: بما اشتمل على الترجيع.

و عن الثالث: بما اشتمل عليهما.   و عن الرابع: بأنه التطريب.

و عن الخامس: بأنه الترجيع و التطريب.

و عن سادس: برفع الصوت مع الترجيع.

و من سابع: بمدّ الصوت.

و عن ثامن: بمده مع أحد الوصفين أو كليهما.

و عن تاسع: بتحسين الصوت.

و عاشر: بمد الصوت و موالاته.

و الحادي عشر: بالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب إلى غير ذلك مما قيل.

و لا يخفى أن لذائذ القوى الجسمانية جميعها مما تدرك و لا توصف فكما أن لذائذ البصر و الشم و الذوق، و غيرها من سائر القوى الجسمانية يتعذر تحديدها بحد جامع مانع هكذا لذائذ السمع، و كلما قرب التحديد من جهة يبعد من جهات، فإن تمكن أحد على تفسير ملاحة الجميل بتفسير جامع مانع يتمكن على تفسير الغناء كذلك فلا وجه للإشكال و النقض و الإبرام عليها، مع‏ انها من الشروح الاسمية و قد أتى كل واحد منهم بشي‏ء من التعريف خصوصا في هذه الأزمان التي صار مفهوم الغناء و الاغنية من الأمور الشائعة عند الناس، عامة و جعل تعليمها و تعلمها من أهم الفنون الجميلة و الإيكال إليهم في معنى الغناء و خصوصياته أولى من التعرض لها.

و لا ريب في أن الغناء لها إضافة إلى الصوت و إضافة إلى السامع، و لا بد و إن يشير في تفسيره إلى الإضافتين فهي: كيفية خاصة في الصوت- طبيعيا كانت أو صناعية- توجب نحو طرب في السامع يناسب مجالس اللهو و محافل الاستيناس و الفرح و يلائم مع آلات الملاهي و اللعب.

و الطرب و الفرح أيضا من الوجدانيات التي تدرك و لا توصف فيسمى المغنيين و المغنيات بالمطربين و المطربات، كما يوصف نفس الصوت أيضا يقال: أطربنا غناء فلان أو فلانة، بل يطلق على المرأة الحلوة الجميلة لفظ (طروب) أيضا إطلاقا شائعا.

و الطرب: هو الاهتزاز فرحا و استعمله شعراء الجاهليين و المسلمين قديما في ذلك أيضا فمن الأول قول علقمة:

طحا بك قلب في الحسان طروب‏

 

و من الثاني قول كميت شاعر أهل البيت:

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب‏ و لا لعبا منى و ذو الشيب يلعب‏

 

و الطرب و الفرح بحسب أصل اللغة و الوجدان أعم من أن يكون ما يحصلا منه حلالا أو حراما اختياريا أو غير اختياري.

ثمَّ ان المنساق مما ورد في تفسير قول الزور و لهو الحديث- كما تقدم- انما هو كيفية الصوت بالكيفيات الخاصة بقرينة تفاهم العرف من تلك الروايات لا خصوصيات الكلمات التي يتغنى به.

نعم، لو كانت تلك الكلمات معنونا بالعناوين الباطلة- كالكذب- و ما يوجب تهييج الشهوة المحرمة و نحو ذلك من المفاسد تحرم من تلك‏ الجهات أيضا.

الثانية: النسبة بين مجرد تحسين الصوت و الغناء المحرم عموم من وجه، إذ رب صوت حسن لا ينطبق عليه الغناء المحرم، و رب غناء محرم لا ينطبق عليه الصوت الحسن، لأن لحسن الصوت مراتب كثيرة جدا، و كذا الطرب و الترجيع و الغناء أيضا لها مراتب كثيرة على ما يشهد به الوجدان و فصّل في الفنون المعدة لذلك.

الثالثة: المرجع في تشخيص هذا الموضوع أهل الخبرة و متعارف الناس كما صرح به في الجواهر، و مع الشك في الصدق فمقتضى الأصل الموضوعي و الحكمي عدم الغنا و عدم الحرمة من حيث الصوت، و أما من حيث الآت اللهوية المحفوفة به فتحرم من تلك الجهة، و لكن الأحوط الاجتناب في الشبهة الموضوعية أيضا.

للإطلاق الشامل للجميع من غير ما يصلح للتخصيص. و عن بعض استثناء موارد عن حرمة الغنا:

الأول‏: قراءة القرآن، بل نسب استحباب التغني فيها إلى الطبرسي.

و استدل على عدم الحرمة فيها بالأصل، و الأخبار الدالة على قرائته بالصوت الحسن و بالحزن كقول أبي عبد اللّه عليه السّلام في رواية عبد اللّه بن سنان قال: «قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: لكل شي‏ء حلية و حلية القرآن الصوت الحسن»۱۲4، و قوله عليه السّلام: «إن القرآن نزل بالحزن فأقرؤه بالحزن»۱۲٥، و قول أبي جعفر عليه السّلام: «و رجع بالقرآن صوتك فإن اللّه عز و جل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا»۱۲٦، و قول أبي‏ الحسن الرضا عليه السّلام: «حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»۱۲۷، و ما ورد أن أبا جعفر و أبيه عليهما السّلام كانا أحسن الناس بالقرآن صوتا۱۲۸، و النبوي العامي: «فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا و تغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا»۱۲۹. و قالوا: إن النسبة بين أدلة حرمة الغنا و أدلة قراءة القرآن و نحوه من المناجاة و الدعاء عموم من وجه، فيرجع في مورد التعارض إلى الأصل، و عموم أدلة قراءة القرآن و الدعاء و المناجاة.

و الكل مردود أما الأصل فلا أصل له مع الإطلاقات الظاهرة في التعميم.

و أما الأخبار فلا ريب في أن تحسين الصوت أعم من الغناء العرفي، و كذا مطلق الترجيع و الصوت الحزين كما هو معلوم. و أما التغني بالقرآن فمضافا إلى قصور سنده لا بد من حمله أو طرحه، لأن مقام القرآن أجل من الغناء اللهوي. و أما كون التعارض من وجه فما أحسن قول صاحب الجواهر في رده حيث قال رحمه اللّه: «و إلا لتحقق التعارض من وجه بين ما دل على قضاء حاجة المؤمن مثلا و النهي عن اللواط و الزنا و غيرها من المحرمات، المعلوم بطلانه بضرورة الشرع انه لا يطاع من حيث يعصي» هذا كله مضافا إلى قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر ابن سنان:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أقروا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إياكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر، فإنه سيجي‏ء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة، و قلوب من يعجبه شأنهم»۱۳۰، و هذا الحديث حاكم على جميع ما ورد في هذا الباب و حجة على من ذهب إلى جواز الغناء في القرآن من الأصحاب.

الثاني‏: مطلق الذكر و الدعاء و الفضائل و المناجاة و أمثالها، و يظهر وجه‏ الجواز ورده مما تقدم في الأول، و قد يستدل للجواز هنا بالمرسل عن السجاد قال: «سأل رجل علي بن الحسين عليهما السّلام عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور»۱۳۱.

و فيه: إنه على خلاف المطلوب أدل كما لا يخفى.

لأنه نحو استخفاف و إهانة بطاعة اللّه و أوامره.

هذا هو الثالث من المستثنيات نسب ذلك إلى جمع بل حكي عليه الشهرة، لجملة من الأخبار منها خبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن كسب المغنيات؟ فقال عليه السّلام: التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس»۱۳۲، و في خبره الثاني قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها»۱۳۳، و في خبره الثالث: «أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال»۱۳4، و حلية الأجرة ملازم لحلية العمل شرعا.

و عن جمع حرمة الغناء فيها أيضا، لقصور هذه الأخبار عن تقييد المطلقات.

و فيه: أن السند فيها معتبر و الدلالة تامة فلا إشكال في التقييد.

نعم، الاستثناء في خصوص الغناء فقط لا سائر المحرمات من التكلم بالباطل، و استعمال آلات الملاهي و دخول الرجال على النساء، كما لا بد من الاقتصار على المغنية دون المغني و على الأعراس دون سائر الأفراح.

و أما خبر ابن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: «سألته عن الغناء هل يصلح في‏ الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال عليه السّلام: لا بأس به ما لم يعص به»۱۳٥، فلا بد من حمله على ما إذا لم يصل الغنا مرتبة الحرمة بل كان من مجرد تحسين الصوت، أو على ما إذا كان في العرس الذي يكون في العيد.

خروجا عن خلاف من حرّمه فيها أيضا.

هذا هو الرابع من موارد الاستثناء، و استدل عليه بالأصل و السيرة، و بعموم: «من أبكى أو تباكى»۱۳٦، الوارد في رثاء الحسين عليه السّلام و إن الغناء معين على البكاء خصوصا في بعض أقسامه.

و فيه: إن الأصل لا أصل له في مقابل العمومات و الإطلاقات، و السيرة أيضا لم تقم عليه بين المتشرعة و على فرضه فلا اعتبار بها، و قد مر الجواب عن العموم في نقل كلام صاحب الجواهر.

لما ظهر وجهه هنا و فيما تقدم فراجع.

هذا هو الخامس من مورد الاستثناء، و استدلوا عليه بتقرير النبي صلّى اللّه عليه و آله لابن رواحة، فإنه كان جيد الحداء و كان مع الرجال و كان أنجشة مع النساء، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: لابن رواحة: «حرك بالقوم، فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فأعنفت الإبل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله لأنجشه: رويدك رفقا بالقوارير»۱۳۷.

و فيه: إن السند قاصر كالدلالة فلا وجه للاستثناء.

و لكن يمكن أن يقال: إن الحداء نحو صوت يتلذذ منه الإبل و يوجب حثها على السير، و أما أن هذا هو من الغناء المعروف المبحوث عنه عند الفقهاء، فلم يدل عليه دليل من عقل أو نقل، و في الحديث عن الصادق عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: زاد المسافر الحداء و الشعر ما كان منه ليس فيه خناء»۱۳۸، و لعله نحو ترنم يشغل المسافر نفسه به و يحث إبله على السرعة في السير، فلا وجه لكونه مستثنى من الغناء المحرم، للشك في كونه منه موضوعا.

(مسألة ۲۹): كما يحرم الغناء يحرم استماعه أيضا و تعليمه و تعلمه و الاكتساب به و يحرم أخذ الأجرة عليه (۷٥).

كل ذلك، للإجماع بعد فرض الحرمة، و لأن اللّه تعالى: «إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه»۱۳۹، و يأتي في كتاب الشهادة- إن شاء اللّه تعالى- أن الغناء و استماعه من المعاصي الكبيرة، و عن صاحب الجواهر دعوى الإجماع بقسميه عليه، انظر كتاب الشهادة عند قول المحقق: «و مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله و ترد شهادته و كذا مستمعه».

(مسألة ۳۰): تحرم الغيبة (۷٦)، و هي: أن يذكر الإنسان في خلفه‏ بإظهار نقصه المستور بحيث يكره لو سمعه (۷۷). و لو كان النقص ظاهرا، و لكن قصد المتكلم بذكره النقص أو ترتب على ذكره الانتقاص قهرا فليس من الغيبة (۷۸)، و إن حرم من جهة أخرى (۷۹)، و لكن الأحوط إجراء حكم الغيبة عليه أيضا (۸۰).

للأدلة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى‏ وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏۱4۰، و غيره من الآيات المباركة المفسرة بالغيبة. و من السنة المتواترة بين الفريقين منها قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إياك و الغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا قلت: و لم ذاك يا رسول اللّه؟

قال صلّى اللّه عليه و آله: لأن الرجل يزني فيتوب إلى اللّه، فيتوب اللّه عليه، و الغيبة لا تغفر حتى‏ يغفرها صاحبها»۱4۱، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «الغيبة حرام على كل مسلم، و إن الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»۱4۲، و عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه»۱4۳، إلى غير ذلك مما لا تحصى.

و من الإجماع: إجماع المسلمين من جميع مذاهبهم.

و من العقل انها نحو ظلم و إيذاء بالنسبة إلى الغير و هما من المقبحات العقلية فليست حرمتها مختصة بالشريعة الإسلامية، بل هي محرمة في جميع الشرائع الإلهية كما هو شأن جميع المقبحات العقلية بل من أشدها، كما يظهر من الأخبار كقوله صلّى اللّه عليه و آله: «الغيبة أشد من الزنا»، كما تقدم، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «أن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من ستة و ثلاثين زنية و إن أربى الربا عرض الرجل المسلم»۱44، و عنه صلّى اللّه عليه و آله أيضا: «من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه صلاته و لا صيامه أربعين صباحا إلا أن يغفر له صاحبه»۱4٥، و في حديث المناهي عن أبي جعفر عليه السّلام: «إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن الغيبة و الاستماع إليها، و قال: من اغتاب أمرا و مسلما بطل صومه و نقض وضوئه، و جاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى أهل الموقف، و إن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرّم اللّه عز و جل، ألا و من تطول على أخيه في غيبة سمعها في مجلس فردها عنه رد اللّه عز و جل عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة، فإن هو لم يردها و هو قادر على ردها كان كوزر من اغتابه سبعين مرة»۱4٦، فيحمل نقض الوضوء و بطلان الصوم على بعض مراتب نقصان الطهارة الكاملة و الصوم الكامل لا على البطلان، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنة أبدا و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما، و كان المغتاب خالدا في النار و بئس المصير»۱4۷، و قال صلّى اللّه عليه و آله: «من مشى في عيب أخيه و كشف عورته كانت أول خطوة خطاها و ضعها في جهنم»۱4۸، إلى غير ذلك من الروايات.

لا بد. أولا: من بيان أمرين.

الأول‏: أن ما يقال في الغير إما مدح، أو ذم، أو ليس منهما.

و الأول: كان يقال: فلان حسن الخلق.

و الثاني: كأن يقال: فلان سي‏ء الخلق.

و الثالث: مثل أن يقال: فلان كسائر الناس يأكل و يشرب و ينام. أو يشك في انه من أي الأقسام، و حكمه الإباحة ذكرا و سماعا، للأصل. و هذه كلها من البديهيات بين الأنام و يأتي أحكامها في مستقبل الكلام.

الثاني‏: ان سوء المقول مستلزما لسوء القول في المحاورات و العرفيات، و هما مستلزمان للتنقيض و الانتقاص، فهذه العناوين بينها تلازم عرفي، كما أن سوء القول مستلزم لقصد النقص و لو إجمالا و من غير التفاوت، و كل من يرجع إلى وجدانه و تأمل يجد صدق ما قلناه.

ثمَّ ان البحث في موضوع الغيبة.

تارة: بحسب الأصل العملي.

و أخرى‏: بحسب الأخبار.

و ثالثة: بحسب الاعتبار و الرجوع إلى وجدان المغتابين (بالكسر) و المغتابين (بالفتح).

أما الأول: فمقتضاه فيما هو مركب من قيود و تعلقت الحرمة بها هو ثبوت الحرمة في المتيقن من موارد القيود و البراءة عنها في مشكوكها، كما هو شأن كل تكليف إلزامي تعلق بموضوع مركب مجمل، فإذا كان المقول سوء و استلزم الإسائة إلى المقول فيه تتحقق الغيبة المحرمة، لما مر من استلزام ذلك كله، و مع العلم بانفكاك بعض القيود لا حرمة في البين، لعدم الموضوع لها حينئذ، و كذا مع الشك فيه للأصل.

أما الثاني: فقد ورد في تفسير الغيبة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «ذكرك أخاك بما يكره»۱4۹، و المنساق منه عرفا كراهة القول و المقول مع تلازمهما عرفا، فاتعاب النفس في بيان التفكيك بينهما مما لا وجه له بعد الملازمة العرفية بينهما، كما مر و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في خبر ابن سيابة: «أن الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه، و أما الأمر الظاهر مثل الحدة و العجلة فلا و البهتان أن تقول فيه ما ليس فيه»۱٥۰، و عنه عليه السّلام أيضا في خبر ابن سنان: «الغيبة أن تقول في أخيك ما قد ستره اللّه عليه»۱٥۱، و عن أبي الحسن عليه السّلام في رواية الأزرق: «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، و من ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه، و من ذكره بما ليس فيه فقد بهتهه»۱٥۲، إلى غير ذلك من المستفيضة الظاهرة بل الناصة في إن المقول لا بد و أن يكون مستورا و هو يلازم الكراهة و النقص غالبا بالنسبة إلى المقول.

و أما الأخير: فلا ريب في إن ظاهر حال المغتابين (بالكسر) كشف ستار الطرف و النقص فيه و لو لم يكن متوجها إليه تفصيلا، و الظاهر ترتب الانتقاض عليه أيضا و لو كان المتكلم غافلا عن ذلك، و كذا المغتاب (بالفتح) فإنهم يرون‏ كراهة المقول و القول و الانتقاض في كشف سترهم.

و خلاصة الكلام: أن كراهة القول و المقول و الانتقاص و كشف الستر في الجملة من مقومات الغيبة بحسب اللغة و الأخبار، و الاعتبار، و في الصحاح: «إن الغيبة ان يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة و إن كان كذبا سمي بهتا» و في القاموس: «غابه أي عابه».

للأصل بعد ذكر الاستتار في جملة من الأخبار، فتكون مقيدة لإطلاق بعضها الآخر، و قال أبو الحسن عليه السّلام: «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه».

كالإيذاء و الهتك و نحوهما.

خروجا عن خلاف من جعل ذلك من الغيبة.

(مسألة ۳۱): الغيبة من الكبائر (۸۱)، و لا فرق في حرمتها بين كون‏ المغتاب (بالفتح) مؤمنا إثنا عشريا أو من سائر فرق المسلمين ما لم يحكم بكفره (۸۲).كما لا فرق فيها بين البالغ و غيره (۸۳).

لأن الكبائر عبارة عما أوعد اللّه عليها النار، أو ورد الدليل إنها أشد مما أوعد عليه النار و هما موجودان في الغيبة.

أما الأول: فلرواية النوفلي «من قال في مؤمن ما رأت عيناه، و سمعت أذناه ما يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال اللّه عز و جل‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏- إلى أن قال- من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته و ثلبه أوبقه اللّه بخطيئته حتى يأتي بمخرج مما قال، و لن يأتي بالمخرج منه ابدا»۱٥۳.

و أما الثاني: فلقول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «الغيبة أشد من الزنا»۱٥4، مع إنها من‏ الخيانة و قد ورد التنصيص في بعض الاخبار بأن الخيانة من الكبائر۱٥٥.

و نوقش في الجميع أما في الخبرين فبقصور السند، و أما في الأخير فلأن الخيانة ظاهرة في غير الغيبة مع أن الغيبة عامة الابتلاء، و لم يشر في خبر من أخبار تعداد الكبائر إليها، و كونها من الصغيرة معلومة و خصوصية الكبيرة مشكوكة، و المرجع فيها الأصل هذا.

و لكن ظاهر الفقهاء الاعتماد على مراسيل ابن أبي عمير و الاعتناء بما مر من النبوي.

لأن التعبيرات الواردة في الأدلة ثمانية.

۱- بَعْضُكُمْ بَعْضاً۱٥٦.

۲- قوله صلّى اللّه عليه و آله: «المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه»۱٥۷.

۳- قوله عليه السّلام: «المسلم أخو المسلم لا يخذله و لا يغتابه»۱٥۸.

٤- قوله صلّى اللّه عليه و آله: «ذكرك أخاك بما يكره»۱٥۹.

٥- قوله صلّى اللّه عليه و آله: «و من اغتاب أخاه المسلم»۱٦۰.

٦- قوله عليه السّلام: «البيت الذي تؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة»۱٦۱.

۷- قوله عليه السّلام: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه»۱٦۲.

۸- المطلقات و هي كثيرة.

و أخص التعبيرات الأخ و المؤمن و لو ثبت أن استعمال الايمان و المؤمن‏ في الكتاب و السنة في الصدر الأول كان بمعنى المؤمن الاثني عشري لكان ذلك مقيدا للجميع، و لكنه لم يثبت بل ثبت عدمه لأن المؤمن فيهما عبارة عمن وافق إقراره مع اعتقاده القلبي و الإسلام أعم منه‏ قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏۱٦۳، فالمراد به الإسلام الموافق للاعتقاد، مع ان الغيبة من ذمائم الصفات البشرية فهي مذمومة، و لا يجوز مطلقا إلا ما نص الشرع على جوازها، و قد فسر الأخ في الروايات بالأخ الإسلامي فلا وجه لحمله على الأخ الإيماني الاثني عشري. مع أن الولاية للمعصومين من أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله على قسمين.

الأول‏: المحبة.

الثاني‏: الولاية بالمعنى الأخص.

و الأول: موجود في جميع المسلمين إلا الناصبين و الخوارج و الظالمين عليهم عليهم السّلام و الغلاة و كل من حكم بكفره.

و الثاني: منحصر بالشيعة الاثنى عشرية.

و احترام الشهادتين و محبتهم لأهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله المعصومين- مع انه قد نص الأئمة عليهم السّلام على جواز غيبة جمع، كما سيأتي و لم ينصوا على جواز غيبتهم- يقتضي إجراء جميع أحكام الإسلام على جميع المسلمين إلا ما خرج بالنص الصحيح و الدليل الصريح، و النزاع بين الفقهاء في مثل هذه الجهة صغروي لا أن يكون كبرويا.

و بالجملة: من أقر بالشهادتين على أقسام.

الأول‏: من يحب النبي صلّى اللّه عليه و آله و آله المعصومين و يتبع المعصومين عليهم السّلام من آله.

الثاني‏: من يحبهم في الجملة و لا يتبع أقوالهم بل يتبع أقوال غيرهم.

الثالث‏: من ثبت كفره.

الرابع‏: من يشك أنه من أي الفريقين مع إقراره بالشهادتين، و مقتضى الإطلاقات و العمومات إجراء الأحكام على الجميع إلا الثالث، و لا وجه للتفصيل بأزيد من ذلك، مع ما ورد في جملة من الدعوات المعتبرة: «اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات».

و أما جواز الغيبة بجواز اللعن فلا وجه له، لأن لعن من حكم بكفره منهم يجوز، و أما لعن القاصر و المستضعف منهم فالظاهر عدم الجواز مضافا إلى انه لا وجه للقياس.

للإطلاق الشامل للجميع.

نعم، تنصرف الأدلة عن المجنون المطبق و غير المميز.

(مسألة ۳۲): لا فرق في المقول بين كونه راجعا إلى دينه أو دنياه، كهيئته و شكله و لباسه أو نحو ذلك (۸٤) كما لا فرق في الذكر بين القول و الإشارة و الكتابة و نحوها (۸٥).

لظهور الإطلاق، و الإجماع، و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع: شفاء غيظ، و مساعدة قوم، و تصديق خبر بلا كشف، و تهمة، و سوء ظن، و حسد، و سخرية، و تعجب، و تبرم و تزين»۱٦4.

و يمكن أن يجعل المناط إن كل ما لا يحب الإنسان أن يذكر به في غيابه تتحقق الغيبة بذكره ذلك لغيره في غيابه، لأن أدنى مرتبة الإنسانية أن يحب الشخص لغيره ما يحب لنفسه، و يكره لغيره ما يكره لنفسه و هذا مضمون جملة من الروايات المروية عن الفريقين‏۱٦٥.

لأن الظاهر أن الذكر إنما هو في مقابل الإغفال لا خصوص الذكر اللفظي فقط كما صرح به شيخنا الأنصاري، و النراقي في جامع السعادات، و صاحب الجواهر رحمهم اللّه، و يشهد للتعميم تأذى الناس بكل ذلك و في الحديث:

«إنه دخلت امرأة قصيرة على عائشة، فلما ولت أومأت بيدها أي: هي قصيرة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قد اغتبتيها»۱٦٦.

(مسألة ۳۳): يعتبر فيها وجود مخاطب في البين فلا غيبة فيما إذا ذكره عند نفسه (۸٦) و لكن الأحوط الترك مطلقا (۸۷).

للأصل بعد انصراف الأدلة عنه و إن نسب إلى الأكثر كونه من الغيبة جمودا على لفظ «الذكر» الوارد في الأدلة، و لكنه جمود بلا وجه، و كذا ذكره عند الأصم الذي لا يفهم شيئا أو غير المميز، أو بلغة لا يعرفها المخاطب أصلا.

خروجا عن خلاف من حرّم ذلك خصوصا عند الأصم أو بما لا يفهمه المخاطب من اللغة، لظهور كلمات الأكثر في صدق الغيبة على الجميع.

(مسألة ۳٤): المغتاب (بالفتح) إما معلوم تفصيلا أو مردد بين المحصور، أو غير المحصور، أو مجهول مطلق، و تتحقق الغيبة في الأولين دون الأخيرين (۸۸). و لا فرق في حرمة الغيبة بين كون المغتاب شخصا أو نوعا كما إذا قيل: أهل بلد كذا بخيل مثلا (۸۹).

لأن المنساق من مجموع الأدلة ما إذا تحقق الاستياء عرفا في مورد الغيبة لو سمعها المغتاب (بالكسر)، و يتحقق ذلك في الأولين دون الأخيرين، بل لو أظهر أحد في موردهما مسائة يلام عند المتشرعة و العرف عليه، مع أن الشك في كونه غيبة يجزي في عدم الحرمة، للأصل بعد عدم جواز التمسك بالأدلة، و لكن الأحوط إجراء حكم الغيبة خروجا عن خلاف ما يظهر من بعض كلماتهم.

لظهور الإطلاق و الاتفاق في عدم الفرق بينهما، بل الثاني أشد كما لا يخفى.

(مسألة ۳٥): يحرم استماع الغيبة المحرمة (۹۰). و أما السماع فلا يحرم ما لم يتعمد ذلك (۹۱). و كذا لو كانت في البين مصلحة ملزمة للاستماع (۹۲).

نصا، و إجماعا، ففي حديث المناهي، عن الصادق عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام: «إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن الغيبة و الاستماع إليها، و نهى عن النميمة و الاستماع إليها»۱٦۷، و في حديث آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله: «السامع للغيبة أحد المغتابين»۱٦۸، هذا إذا أحرز أن الغيبة وقعت بعنوان الحرام.

و أما لو علم إنها من الغيبة المحللة، أو شك في إنها من أيهما، أو كان المغتاب (بالفتح) جائز الغيبة لدى المستمع فلا يحرم الاستماع، للأصل في جميع ذلك.

لأصالة البراءة بعد عدم كونه عن عمد و اختيار، و اختصاص الحرمة بالفعل المختار.

لأن ثبوت الحرمة له إنما هو فيما إذا لم يعارضها جهة أخرى مقدمة عليها، و إلا فيقدم الأهم لا محالة.

و أما إن الاستماع إليها من الكبائر أو لا؟ فمقتضى الأصل عدم كونه منها إلا أن يدل دليل عليه و هو مفقود.

(مسألة ۳٦): يشتد عقاب المغتاب (بالكسر) إذا كان يمدح الشخص في حضوره و يغتابه في غيبته (۹۳).

لانطباق عنوان النفاق عليه، مضافا إلى الغيبة، و عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من مدح أخاه المؤمن في وجهه، و اغتابه‏ من ورائه، فقد انقطع ما بينهما من العصمة»۱٦۹، و عنه صلّى اللّه عليه و آله أيضا: «من كان ذا وجهين و ذا لسانين كان ذا وجهين يوم القيامة من نار»۱۷۰، إلى غير ذلك من الروايات.

(مسألة ۳۷): الأحوط رد الغيبة لمن سمعها و قدر على ذلك (۹٤).

لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس رد اللّه تعالى عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة، فإن لم يرد عنه و أعجبه كان عليه كوزر من اغتاب»۱۷۱، و في حديث آخر: «فإن هو لم يردها و هو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة»۱۷۲. و لعل وجه التشديد أن الرد يوجب قلة الغيبة و عدمه يوجب الجرأة عليها.

و لا يخفى أن رد الغيبة غير النهي عن المنكر، إذ الأول إذهاب موضوعها و الانتصار للمغتاب (بالفتح)، و الثاني نهي المغتاب (بالكسر) عنها و بينهما فرق واضح، و يجب النهي عن المنكر بشروطها التي تقدمت في كتاب الجهاد.

و حيث إن مثل هذه الأخبار قاصر سندا عن إثبات الوجوب، و لا إجماع في البين يدل عليه عبرنا بالاحتياط.

(مسألة ۳۸): يجوز الغيبة في موارد، بل قد تجب (۹٥) و موارد الجواز كثيرة. الأول: المتجاهر بالفسق (۹٦)، سواء قصد بها ارتداعه عن فسقه أو لا (۹۷). و لا فرق فيه بين غيبته في ما تجاهر فيه و غيره (۹۸)، و إن كان‏ الأحوط الاقتصار على الأول (۹۹). و لو ابدى المتجاهر عذرا شرعيا لما تجاهر به لا يجوز غيبته (۱۰۰).الثاني: تظلم المظلوم في ما ظلم (۱۰۱)، و المرجع في الظلم ما هو المتعارف بين الناس، و يختلف ذلك باختلاف الأشخاص (۱۰۲).الثالث: نصح المستشير، و الاستفتاء، و الشهادة على إتيان المنكرات، و جرح الشهود و الرواة، أو قصد ردع المغتاب (بالفتح) عن المنكر، أو دفع‏ الضرر عنه (۱۰۳). ورد من ادعى نسبا (۱۰٤). و كذا لو كان أحد معروفا بمعصية، بين شخصين فذكره أحدهما للآخر بمعصيته المعروفة بينهما (۱۰٥).

إجماعا، و نصوصا يأتي التعرض لها.

و تنقسم الغيبة بحسب الحكم الشرعي إلى الأحكام الخمسة التكليفية، فالحرام ما خلت عن جميع العناوين الخارجية، و الواجب ما انطبق عليها ما يوجب وجوبها، كأن يكون في تركها ضرر نفسي أو عرضي أو مالي أو نحو ذلك من العناوين الموجبة، و المستحب غيبة أصحاب البدع و الدعاوي الباطلة في الدين، بل قد يظهر من بعض الأخبار وجوبها۱۷۳، و لكن أصل الرجحان مسلم حتى لا يطمع أحد في مدعاهم و المباح ما يأتي من الموارد الكثيرة و المكروه بعض موارد الإباحة إذا انطبق عليه عنوان يوجب رجحان تركها في الجملة. و أصل المسألة بحسب القاعدة من صغريات تقديم الأهم على المهم، فمهما تحقق غرض صحيح شرعي في البين يوجب زوال الحرمة، و مع الشك في تحققه فالمرجع عمومات حرمة الغيبة بعد كون الخاص منفصلا لا يضر بالعام بلا كلام بل، يصح الرجوع إلى أصالة الاحترام في المغتاب (بالفتح).

للنصوص و الإجماع، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في خبر ابن الجهم: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة»۱۷4، و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من القى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له»۱۷٥، و عن أبي جعفر عليه السّلام: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و الفاسق المعلن بالفسق»۱۷٦، و الظاهر أن خروجه من باب التخصص لا التخصيص، لأنه مع التجاهر لا موضوع للغيبة عرفا.

لإطلاق الدليل الشامل للصورتين.

لظهور الإطلاق الشامل لهما، كما استظهره في الحدائق عن كلمات الاعلام و صرح به بعض الأساطين، فيكون صدق صرف وجود التجاهر منشأ للجواز، فلا وجه حينئذ لأن يقال: ان المرجع في مورد الشك أصالة احترام المؤمن، و عمومات حرمة الغيبة بعد كون المخصص مجملا و مرددا بين الأقل و الأكثر، لأن المنساق من الأدلة سقوط احترامه بظهور الفسق مطلقا.

خروجا عن خلاف من اقتصر عليه كما نسب إلى الشهيدين اقتصارا على المتيقن، و لا وجه له كما مر.

لإطلاقات حرمة الغيبة بعد أن المنساق من أدلة الجواز غير هذه الصورة.

فائدة: مقتضى ما ارتكز في نفوس أهل كل مذهب و ملة، ان كل من لم يهتم بحفظ شؤون مذهبه و ملته، لا يعتني ذلك المذهب و الملة بحفظ شؤونه في الجملة، و على طبق هذا الارتكاز وردت جملة من الأخبار منها: ما تقدم، و منها: صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السّلام: «ثلاث من كن فيه أوجبت له أربعا على الناس، من إذا حدثهم لم يكذبهم، و إذا وعدهم لم يخلفهم، و إذا خالطهم لم يظلمهم، وجب أن يظهروا في الناس عدالته، و يظهروا فيهم مروته، و أن تحرم عليهم غيبته و أن تجب عليهم أخوته»۱۷۷، و قريب منه غيره‏۱۷۸، فيستفاد من مثل هذه الأخبار أن حرمة الغيبة محدودة بحد خاص، و لا يشمل من لا يبالي بالشرع، فيخرج بذلك عن حرمتها جمع كثير من فرق المسلمين من الهمج و الرعاء، و الذين قال اللّه تعالى فيهم‏ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا۱۷۹، و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله فيهم: «شرّ الناس يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم»۱۸۰، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «من القى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له»۱۸۱.

للأدلة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى‏ وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏۱۸۲، و قوله تعالى‏ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ‏۱۸۳، و من الإجماع إجماع المسلمين فتوى و عملا. و من النصوص نصوص وردت في تفسير الآية۱۸4، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أن لصاحب الحق مقالا»۱۸٥.

و من العقل حكمه بجواز المدافعة عن النفس و العرض و المال بل قد يجب ذلك.

لعدم ورود تحديد شرعي في ذلك و لا بد و أن يرجع إلى العرف المختلف حسب اختلاف الأشخاص و الأزمان، و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام في تفسير قوله تعالى‏ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ‏ قال:

«من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه»۱۸٦، و لا بد من حمله على ما إذا انطبق عليه عنوان الظلم و الاسائة عرفا، و يصح التمسك بإطلاق قوله تعالى‏ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها۱۸۷، و إطلاق‏ قوله تعالى‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏۱۸۸، و يظهر من بعض الأخبار جواز الاشتكاء لترك الأولى أيضا، فعن حماد بن عيسى قال: «دخل رجل على أبي عبد اللّه عليه السّلام فشكى إليه رجلا من أصحابه فلم يلبث أن جاء المشكو، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما لفلان يشكوك؟ فقال: يشكوني أني استقضيت منه حقي، قال: فجلس أبو عبد اللّه عليه السّلام مغضبا ثمَّ قال: كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ، أ رأيتك ما حكى اللّه عز و جل، فقال‏ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ أ ترى إنهم خافوا اللّه أن يجور عليهم؟ لا و اللّه ما خافوا إلا الاستقضاء فسماه اللّه عز و جل سوء الحساب، فمن استقضى فقد أساء»۱۸۹.

ثمَّ أنه إن كان الشخص معروفا بصفة بحيث يعرفه بتلك الصفة كل أحد، و بدونها يعسر التعرف به، فلا موضوع للغيبة بالنسبة إلى ذكر تلك الصفة، كما في قضية زينب العطارة الحولاء، فعن الصادق عليه السّلام في خبر الهاشمي، قال عليه السّلام:

«جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي و بناته و كانت تبيع منهن العطر- الحديث-»۱۹۰.

و كذا لو كان القائل في مقام تقرير الدعوى و الشكاية عن المدعى عليه لتقوّم شكاية المدعي بذلك، و لولاه لانسد باب الشكايات مطلقا، و يدل عليه شكاية هند زوجة أبي سفيان إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله، حيث قالت: «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني و ولدي إلا أخذت من ماله و هو لا يعلم؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله لها: خذي لك و لولدك بالمعروف»۱۹۱، فلم يزجرها النبي صلّى اللّه عليه و آله عن قولها.

لوجود مصلحة غالبة في جميع ذلك كله على مفسدة الغيبة، و لو بنى على تغليب مفسدة الغيبة في مثل هذه الموارد بطلت جملة من الأحكام التي لا يرضى الشرع بذلك، مع أن نصح المستشير واجب، و في صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السّلام قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: إن أمي لا تدفع يد لامس، فقال صلّى اللّه عليه و آله أحبسها، قال: قد فعلت، فقال صلّى اللّه عليه و آله: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال صلّى اللّه عليه و آله فقيدها فإنك لا تبرها بشي‏ء أفضل من أن تمنعها عن محارم اللّه عز و جل»۱۹۲، هذا مع الشك في شمول أدلة حرمة الغيبة لهذه الموارد التي جرت سيرة المتشرعة عليها في كل عصر و زمان.

لما تقدم من وجود المصلحة الغالبة في جميع ذلك، مع أنه يمكن أن يقال بعدم كون ذلك كله من الغيبة موضوعا، لأنها متقوم بقصد الغيبة و المفروض قصد عنوان آخر في جميع ذلك، و ليست الغيبة من العناوين القهرية الانطباقية، و لو من دون قصد إليها حتى يتحقق في هذه الموارد، و نحتاج إلى إثبات تغليب مصلحتها على مفسدة الغيبة، مع أنه ورد في خصوص الردع قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في الصحيح: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبهم، و القول فيهم و الوقعية و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام «و يحذر هم الناس»، و لا يتعلمون من بدعهم يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة»۱۹۳، و أهل الريب يشمل كل من يدعى شيئا في الدين و ليس أهلا له، حتى لو ادعى الاجتهاد، أو الزهد أو الورع و لم يكن كذلك.

ثمَّ إنه قد ورد عن الصادق عليه السّلام في ذم زرارة مع إنه من أجلاء أصحابه‏۱۹4، و لا بد من حملها على دفع الضرر عنه. كما صرح به في خبر عبد اللّه بن زرارة قال: «قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: اقرأ على والدك السلام، و قل له: إنما أعيبك دفاعا مني عنك، فإن الناس و العدو يسارعون إلى كل من قربناه و حمدنا مكانه، لإدخال الأذى فيمن نحبه و نقربه، فيذمونه لمحبتنا له و قربه و دنوة منا، و يرون إدخال الأذى عليه و قتله، و يحمدون كل من عيناه نحن و إن يحمد أمره، فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا و بميلك إلينا، و أنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر لمودتك لنا و بميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك، و يكون ذلك منا دفع شرهم عنك يقول اللّه عز و جل:

«أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» هذا التنزيل من عند اللّه لا و اللّه ما عابها إلا لكي تسلم من الملك و لا تعطب على يديه، و لقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ، و الحمد للّه فافهم المثل يرحمك اللّه، فإنك و اللّه أحب الناس إليّ أحب أصحاب أبي إلىّ حيا ميتا، فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، و إن ورائك ملكا ظلوما غصوبا يرغب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدى ليأخذها غصبا فيغصبها فرحمة اللّه عليك حيا و رحمته و رضوانه عليك ميتا»۱۹٥.

لأنه لا أثر لهذا الكلام عند السامع و يكون المغتاب (بالفتح) من المتجاهر بينهما.

ثمَّ إنه لا وجه لتعداد جواز الغيبة بعد وضوح مناط الجواز و هو وجود مصلحة غالبة على مفسدة الغيبة أو الشك في كون المقول غيبة حتى يحرم أو انه قصد به عنوان صحيح مضاد لعنوان الغيبة، فلا وجه حينئذ للتمسك بأدلة حرمة الغيبة، لعدم إحراز الموضوع، و لم يعلم بناء من العقلاء و لا المتشرعة على جريان أصالة احترام المؤمن خصوصا إن كان مدركها الأدلة اللفظية الواردة في احترام المؤمن، فلا يصح التمسك بها حينئذ، لعدم إحراز كون المقول خلاف احترامه أو إنه لمصلحته فتجري أصالة الإباحة.

ثمَّ إن المتصور في الغيبة و نحوها من المساوي القولية اللسانية وجوه.

الأول‏: أن تكون متقومة بالقصد الاستعمالي و الجدي، كسائر الاخباريات و الإنشائيات.

الثاني‏: كفاية مجرد قصد الاستعمالي فقط، فلو اغتاب أحد مزاحا من دون جد في البين يكون غيبة.

الثالث‏: إنها من العناوين الانطباقية القهرية حتى مع قصد الخلاف.

الرابع‏: أن يكون قصد الخلاف مانعا لا أن يكون قصد العنوان المخصوص شرطا.

و الكل باطل إلا الأول إذ ليست الغيبة و الفحش و سائر المساوي اللفظية إلا كسائر التكلمات المحاورية المتقومة بالقصد الاستعمالي و الجدي معا، و مع احتمال قصد صحيح آخر يكون مقتضى قاعدة الصحة الحمل عليه، كما إنه مع احتمال عدم القصد الجدي لا يترتب عليه الأثر، و لكن ظاهر المقال حجة في إبراز القصد الجدي ما لم تكن قرينة معتبرة على الخلاف.

(مسألة ۳۹): الغيبة من حقوق الناس، بل من حقوق اللّه تعالى أيضا خصوصا إن كان المغتاب (بالفتح) من المخلصين للّه تعالى (۱۰٦). و بالنسبة إلى حق اللّه يسقط بالاستغفار و بالنسبة إلى المغتاب، فالأحوط الاسترضاء، و مع عدم الإمكان يستغفر له (۱۰۷).

أما إنها من حقوق الناس، فيدل عليه النصوص، و الإجماع، و الوجدان لأنها ظلم بالنسبة إلى المغتاب (بالفتح) و لا ريب في أن ظلم الناس بمراتبه يكون من حقوقهم، و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «للمسلم على أخيه ثلاثون حقا لا برأيه له منها إلا بالأداء أو العفو- و عد منها الغيبة- كما يأتي»۱۹٦.

و أما إنه حق اللّه تعالى أيضا، فلأن جميع أحكامه تعالى حق له عز و جل على عباده.

و أما بالنسبة إلى المخلصين، فلأن الظلم عليهم مبارزة للّه تعالى بالمحاربة كما في الحديث‏۱۹۷.

أما السقوط بالنسبة إلى حق اللّه تعالى بالاستغفار، فلعمومات وجوب التوبة و الاستغفار عن كل أثم و معصية.

و أما بالنسبة إلى حق الناس، فأصل هذا الحق مردد بين الأقل و الأكثر، فإن كان من مجرد الحقوق المجاملية لا يجب الاسترضاء، و إن كان من سنخ الحقوق المالية وجب ذلك، و الأول معلوم و الأخير مشكوك، فالمرجع هو البراءة. و أما ما في ذيل الحديث الآتي: «أن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له و عليه»، فهو أعم من كونه من سنخ الحقوق المالية، لأن يوم القيامة يوم ظهور العدل حتى بالنسبة إلى الحقوق المجاملية.

و أما كفاية الاستغفار مع وجود المحذور العرفي عن الاسترضاء، فلإمكان أن يقال إنه استرضاء نوعي قرره الشارع، لأن نوع المغتابين (بالفتح) راضون ممن اغتابهم إذا ظهر منهم التوبة و الاستغفار و الاسترحام للمغتاب، و لو لم يرض مع ذلك يلام و يوبخ عند متعارف الناس، و يدل عليه قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر حفص بن عمير: «قال سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله ما كفارة الاغتياب؟

قال صلّى اللّه عليه و آله: تستغفر اللّه لمن اغتبته كلما ذكرته»۱۹۸، و عنه عليه السّلام أيضا قال: «قال‏ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من ظلم أحدا ففاته فليستغفر اللّه له فإنه كفارة له»۱۹۹، و في دعاء الاعتذار من الصحيفة: «اللهم إني اعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره- إلى أن قال عليه السّلام- و من عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره»۲۰۰، و في دعائه الآخر: «و أسألك في مظالم عبادي عندي فأيما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه- إلى أن قال عليه السّلام- أو غيبة اغتبته بها- إلى أن قال- فقصرت يدي و ضاق وسعى عن ردها اليه و التحلل منه فأسألك- إلى أن قال- أن ترضيه عنى بما شئت»۲۰۱. هذا مع أنه يمكن أن يقال: إن مثل هذا الحقوق يقع فيها التهاتر القهري، فلا يحتاج إلى الاسترضاء لانتفاء الموضوع بالتهاتر قهرا كجملة كثيرة من الحقوق المجاملية.

ثمَّ انه قد ورد في أداء الحقوق تأكيدات أكيدة في الشرع قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في الصحيح: «ما عبد اللّه بشي‏ء أفضل من أداء حق المؤمن»۲۰۲، و قد كتب في الحقوق الأخوة الإيمانية كتب و رسائل لا بأس بأن نشير إلى بعض ما ورد فيها، منها ما عن علي عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للمسلم على أخيه ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو:

۱- يغفر زلته. ۲- يرحم عبرته. ۳- يستر عورته. ٤- يقيل عثرته. ٥- يقبل معذرته. ٦- يرد غيبته. ۷- يديم نصيحته. ۸- يحفظ خلته. ۹- يرعى ذمته.

۱۰- يعود مرضته. ۱۱- يشهد ميتته. ۱۲- يجيب دعوته. ۱۳- يقبل هديته.

۱٤- يكافئ صلته. ۱٥- يشكر نعمه. ۱٦- يحسن نصرته. ۱۷- يحفظ خلته.

۱۸- يقضي حاجته. ۱۹- يشفع مسألته. ۲۰- يسمّت عطسته. ۲۱- يرشد ضالته.

۲۲- يرد سلامه. ۲۳- يطيب كلامه. ۲٤- يبر إنعامه. ۲٥- يصدّق أقسامه.

۲٦- يوالي وليه و لا يعاد. ۲۷- ينصره ظالما و مظلوما، فأما نصرته ظالما فيرده‏ عمن ظلمه، و أما نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقه و لا يسلمه. ۲۸- لا يخذله.

۲۹- يحب له من الخير ما يحب لنفسه. ۳۰- يكره له من الشر ما يكره لنفسه، ثمَّ قال عليه السّلام: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له و عليه»۲۰۳، و لا بد من حمل مثل هذه الأخبار على المرتبة الكاملة من الأخوة الإيمانية لا كل من يدعيها بلا شاهد على مدعيه، بقرينة قول علي عليه السّلام: «الإخوان صنفان إخوان الثقة، و أخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم كالكف و الجناح و الأهل و المال، فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك و يدك و صاف من صافاه، و عاد من عاداه، و أكتم سره و أعنه و أظهر منه الحسن و إنهم أعز من الكبريت الأحمر، و أما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن ذلك منهم و لا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، و ابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه و حلاوة اللسان»۲۰4، و قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر يونس بن ظبيان: «اختبروا إخوانكم بخصلتين، فإن كانتا فيهم و إلا فاعزب ثمَّ اعزب ثمَّ اعزب، المحافظة على الصلوات في مواقيتها، و البر بالإخوان في العسر و اليسر»۲۰٥، فلا بد من تقييد إطلاق مثل هذه الأخبار بقيود خاصة كما في إطلاقات أدلة التكاليف الإلزامية.

(مسألة ٤۰): يحرم القمار (۱۰۸)، سواء كان بالآلات المعدة له مع‏ العوض (۱۰۹)، أو بالآلات المعدة له بلا عوض (۱۱۰)، أو بغير الآلات المعدة له بعوض (۱۱۱)، أو كان بغير عوض في غير ما نص على جواز المسابقة فيه (۱۱۲).

للأدلة الثلاثة بل الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى‏ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏۲۰٦. و من السنة المتواترة التي يأتي التعرض لبعضها. و من الإجماع: إجماع الإمامية بل‏  المسلمين في الجملة. و من العقل إنه منشأ للفساد و الإفساد و تضييع المال و العمر.

لأن هذا هو المتفق عليه من الأدلة اللفظية و اللبية.

لصدق القمار عليه عرفا، فتشمله العمومات و الإطلاقات قهرا. و عن أبي جعفر عليه السّلام في تفسير الآية: «و أما الميسر فالنرد و الشطرنج، و كل قمار ميسر- إلى أن قال عليه السّلام- كل هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‏ء من هذا حرام من اللّه محرم و هو رجس من عمل الشيطان»۲۰۷، فإن ظهوره في مطلق القمار بالآلات المعهودة مما لا ريب فيه، مضافا إلى إطلاق قول علي عليه السّلام: «كل ما ألهى عن ذكر اللّه فهو من الميسر»۲۰۸، و في خبر الفضيل قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الأشياء التي يلعب بها الناس: النرد، و الشطرنج حتى انتهيت إلى السدر، فقال عليه السّلام: إذا ميز اللّه الحق من الباطل مع أيهما يكون؟ قال: مع الباطل، قال عليه السّلام:

فما لك و للباطل؟!»۲۰۹، و قريب منه ما عن الصادق عليه السّلام في موثق زرارة۲۱۰، و لا ريب في ظهورها في الإطلاق.

نصوصا و إجماعا، ففي خبر ابن سيابة عن الصادق عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أن الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار حرام»۲۱۱، و عن الصادق عليه السّلام: «أن الملائكة لتنفر عند الرهان، و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و البصل- الحديث-»۲۱۲، و عن ياسر الخادم، عن الرضا عليه السّلام قال: «سألته عن الميسر؟ قال عليه السّلام: الثفل من كل شي‏ء، قال: و الثفل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم»۲۱۳، و عن أبي الحسن عليه السّلام في خبر معمر بن خلاد: «كل ما قومر عليه فهو ميسر»۲۱4، و عن أبي جعفر عليه السّلام في رواية جابر: «قيل يا رسول اللّه ما الميسر؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: كل ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز»۲۱٥، و لا ريب في شمول ما تقدم من الأخبار الدالة على دوران الحرمة و الفساد مدار صدق الباطل عليه لهذا القسم أيضا.

و احتمال الانصراف إلى خصوص ما كان فيه العوض، خلاف المتفاهم المحاوري كما هو معلوم.

كما أن ظهور هذه الأخبار في الحرمة و الفساد مما لا ينكر، فلا وجه لما عن بعض من الفساد دون الرحمة في هذا القسم.

و أما خبر ابن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل أكل و أصحاب له شاة، فقال: أن أكلتموها فهي لكم، و إن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا، فقضى فيه إن ذلك باطل لا شي‏ء في المؤاكلة من الطعام ما قل منه و ما كثر و منع غرامة فيه»۲۱٦، فيستفاد من التقرير فيه عدم الحرمة.

فهو مخدوش: لأنه يمكن أن يستفاد من الحكم بالبطلان الحرمة أيضا، و هو كثير في النصوص‏۲۱۷، كما لا يخفى على من له خبرة بها. و يمكن أن يكون تقريره عليه السّلام لأجل استظهاره منهم الرضاء المستأنف بعد التصرف في الشاة.

للإجماع، و لأنه من الباطل، و للحصر المستفاد من قولهم عليهم السّلام: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل»۲۱۸.

و أما ما عن بعض من استظهار الجواز في هذا القسم، للأصل، و عدم ثبوت الإجماع، و لعدم حركة كل باطل، و لأن قولهم عليهم السّلام: «لا سبق» يقرأ بفتحتين و هو العوض فلا يشمل المقام، فلا وجه له، إذ الرجوع إلى الأصل باطل في مقابل الدليل، و الإجماع ثابت كما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم، و أرسل في التذكرة الحكم إرسال المسلمات و جعل المخالف بعض الشافعية، فيكون هذا الإجماع كسائر إجماعاتهم في سائر الأحكام و لم يثبت كون «السبق» في كلامهم عليهم السّلام متحركا، مع أن الأصل عدم الحركة. و احتمال إنه على فرض السكون يدل على نفي الصحة لا على الحرمة باطل، لأن نفي الصحة في مثل هذه الأمور يستلزم الحرمة ما لم تكن قرينة على التفكيك، كما إن صدق الباطل ملازم للحرمة إلا مع الدليل على الخلاف، و وجدان المقامرين اصدق شاهد حيث يرون ذلك من المنكرات الشرعية، و يتوبون إلى اللّه تعالى منه إن وفقوا للتوبة.

(مسألة ٤۱): المرجع في الآلات المعدة للقمار أهل الخبرة بهذا العمل، و هي تختلف باختلاف الأعصار و الأمصار (۱۱۳). و ما كان أصله من آلات القمار فهجر عنه لا يلحقه حكم آلات القمار (۱۱٤)، و ما كان بالعكس يلحقه الحكم (۱۱٥).

لعدم ورود تحديد خاص لذلك من الشرع، و ما ذكر في الروايات إنما هو من باب المثال لما تعارف منها في تلك الأزمنة فكلما صدق الاسم عليه عند العرف يتعلق به الحكم.

لفرض زوال الموضوع بالهجران.

نعم، مع الشك في الهجر و عدمه يجري الأصل الموضوعي و الحكمي.

لأن الحكم يدور مدار تحقق الموضوع و المفروض تحققه.

(مسألة ٤۲): القمار عنوان خاص يكون أخص من مطلق اللعب و اللهو (۱۱٦). و هو من الأمور المتقومة بطرفين (۱۱۷)، فلو فعل ذلك شخص واحد في نفسه و لنفسه لا يكون منه، و إن حرم من جهة أخرى (۱۱۸). و كذا يتقوم بالقصد من الطرفين لهذا العنوان الخاص، فلو لم يكن قصد منهما أو قصد أحدهما دون الآخر، فلا حرمة من هذه الجهة (۱۱۹).

لشهادة الشرع و العرف و اللغة بذلك، و لا ريب في صحة إطلاق اللهو و اللعب عليه أيضا كما في كل خاص بالنسبة إلى العام.

لما هو المعروف منه في الخارج و الأدلة منطبقة على ما هو المعهود في الخارج.

لما مر من تقومه بالطرفين، فلا موضوع له حينئذ و إن انطبق عليه عنوان اللهو و اللعب، و قلنا بحرمتهما مطلقا فيحرم من هذه الجهة.

لظواهر الأدلة، و أصالة عدم الحرمة إلا فيما هو المتيقن من العنوان المخصوص.

(مسألة ٤۳): لا حرمة مع الجهل بالموضوع أو النسيان، أو الاضطرار أو الإكراه أو التقية (۱۲۰).

لحديث الرفع‏۲۱۹، و نحوه الدال على رفع الأحكام الأولية بالاضطرار و الإكراه و التقية.

(مسألة ٤٤): يحرم التصرف في العوض المأخوذ في القمار (۱۲۱)، فيضمن عينه مع البقاء و العوض- مثلا أو قيمة- مع التلف (۱۲۲).

لأصالة بقائه على ملك مالكه، و عدم انتقاله إلى غيره- كما في جميع الانتقالات الفاسدة- إلا برضاء مستأنف جديد بعد إلقاء الشارع رضائه الحاصل‏ حين المقامرة.

نعم، لو كان رضائه الأول مطلقا من كل جهة، و لم يكن مقيدا بالمقامرة أصلا صح الاكتفاء به في التصرف فيه، و إن كان خلاف الاحتياط.

(۱۲۲) لقاعدة اليد، و أصالة الاحترام في الأموال التي هي من الأصول النظامية العقلائية، فلا بد من إحراز الرضا أو إعطاء العوض.

و أما خبر ابن سعيد قال: «بعث أبو الحسن عليه السّلام غلاما يشتري له بيضا فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها، فلما أتى به أكله فقال له مولى له ان فيه من القمار، قال عليه السّلام: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه»۲۲۰، فمع قطع النظر عن السند فيه جهات من البحث.

الأولى‏: هل الإمام مكلف في التكاليف الشرعية بأن يعمل بعمله الواقعي النفسي الأمري أو هو فيها كسائر المكلفين؟

الظاهر بل المعلوم هو الأخير، لعمومات أدلة ما هو معتبر من الظواهر و الأمارات و الأصول الشاملة لنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و المعصومين عليهم السّلام من آله.

الثانية: اعتناؤه بقول مولىّ له، يمكن أن يكون لأجل إنه عليه السّلام موثوق به لديه مع إنه تعليم للناس لكثرة الاهتمام بالتجنب عن الحرام.

الثالثة: تقيأه عليه السّلام كان أيضا لأجل تعليم الاهتمام بالتجنب عن الحرام مهما أمكن، مع إن المالية و إن زالت بتغير الصورة و الازدراد لكن ملكية الغير باقية للمادة القريبة مع إمكان الرد إن أراد.

(مسألة ٤٥): يحرم النقل و الانتقال بالنسبة إلى آلات القمار و يحرم إبقائها و يجب إتلاف صورها (۱۲۳).

لأنها مما يجي‏ء منها الفساد محضا و يجب قطع مادة الفساد شرعا و عقلا، و تقدم بعض ما ينفع المقام.

(مسألة ٤٦): تحرم القيادة و القيافة (۱۲٤).

نصا و إجماعا، ففي صحيح ابن سنان قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام أخبرني عن القواد ما حده؟ قال عليه السّلام: يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة و سبعين سوطا، و ينفى من المصر الذي هو فيه»۲۲۱، و في الحديث: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الواصلة و المستوصلة»۲۲۲، و قد فسر الواصلة بقائدة النساء إلى الرجال، بل هي من الكبائر لتوعيد النار عليها، فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «و من قاد بين امرأة و رجل حراما حرّم اللّه عليه الجنة و مأواه جهنم و ساءت مصيرا، و لم يزل في سخط اللّه حتى يموت»۲۲۳، و لكن الشأن في اعتبار سند الحديث، مع إني لم أجد القيادة في عداد الكبائر فيما ورد في نصوصنا، و يمكن أن يستفاد كونها من الكبائر من ثبوت الحد بالنسبة إليها فتأمل.

و أما الثانية: فعمدة الدليل على حرمتها الإجماع في الجملة، و ما يأتي من خبر ابن جعفر على فرض تمامية الدلالة. و البحث فيها من جهات.

الأولى‏: إنها عبارة عن استكشاف الحالات النفسانية عن ظواهر البدن و استكشاف النسب منها، و قد وضع لها كتب خاصة من شاء فليراجعها.

الثانية: لا موضوعية للقيافة في الحرمة، بل حرمتها إنما تكون باعتبار ترتب الأثر المحرم عليها، فمعه تحرم و مع عدمه لا حرمة لها، لأن ذلك هو المتيقن من الإجماع.

نعم، لو ثبت سند حديث الجعفريات التي ورد عن علي عليه السّلام: «من‏ السحت ثمن الميتة- إلى أن قال- و أجر القافي»۲۲4، و إطلاقه من كل جهة، و كان له ظهور في الحرمة إن ثبت الإطلاق، و لكن كل ذلك مورد البحث.

الثالثة: في إن لها واقع أو لا؟ و الحق هو الأول في الجملة، كما تشهد به التجربة و مراجعة الكتب الموضوعة لها بالسنة شتى، و يشهد لما قلناه خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «من تكهّن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد صلّى اللّه عليه و آله قلت: فالقيافة؟ قال عليه السّلام: ما أحب ان تأتيهم، و قيل: ما يقولون شيئا إلا كان قريبا مما يقولون، فقال عليه السّلام: القيافة فضلة من النبوة ذهبت في الناس حين بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله»۲۲٥.

نعم، لا كلية فيما ذكروه.

ثمَّ أنه ورد في مجمع البحرين إن في الحديث: «لا آخذ بقول قائف»۲۲٦، و عن بعض العامة إنه صلّى اللّه عليه و آله قضى بقول القائف‏۲۲۷، و يمكن أن يكون ذلك على فرض صحته لأجل المماشاة مع الخصم، لا من جهة إنه صلّى اللّه عليه و آله استكشف الواقع عن قول القائف، إذ لا يتصور ذلك بالنسبة إلى من هو مؤيد بالوحي السماوي و بروح القدس، و نظير ذلك ما ورد في قصة مولانا الرضا و الجواد عليهما السّلام، ففي رواية زكريا بن يحيى الصيرفي قال: «سمعت علي بن جعفر يحدث حسن بن حسين بن علي بن الحسين عليهما السّلام، فقال: و اللّه لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا عليه السّلام، فقال له الحسن: أي و اللّه جعلت فداك لقد بغى عليه أخوته، فقال علي بن جعفر:

أي و اللّه و نحن عمومته بغينا عليه، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فإني لم أحضركم؟ قال له إخوته و نحن أيضا: ما كان فينا إمام قط حائل اللون، فقال لهم الرضا عليه السّلام: هو ابني، قالوا: فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قضى بالقافة، فبيننا و بينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم فأما أنا فلا، و لا تعلموهم لما دعوتموهم و لتكونوا في بيوتكم، فلما جاؤا و أقعدونا في البستان و اصطف عمومته و أخوته و أخواته، و أخذوا الرضا عليه السّلام و ألبسوه جبة صوف و قلنسوة منها و وضعوا على عنقه مسحا و قالوا له: ادخل البستان كأنك تعمل فيه، ثمَّ جاؤا بأبي جعفر عليه السّلام، فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس له هاهنا أب و لكن هذا عم أبيه، و هذا عمه، و هذه عمته، و إن يكن هاهنا أب فهو صاحب البستان، فإن قدميه و قدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن عليه السّلام قالوا: هذا أبوه، قال علي بن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبي جعفر عليه السّلام، ثمَّ قلت له: أشهد أنك إمامي عند اللّه، فبكى الرضا عليه السّلام، ثمَّ قال: يا عم ألم تسمع أبي و هو يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: بأبى ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيبة الفم المنتجبة الرحم، ويلهم لعن اللّه الأعيبس و ذريته صاحب الفتنة- الحديث-»۲۲۸، فإن ما وقع من تقرير مولانا الرضا عليه السّلام إنما كان لأجل إظهار الحق و إزالة كيد العدو.

ثمَّ إنه أشكل على هذا الحديث.

أولا: بقصور السند.

و ثانيا: باشتماله على ما لا ينبغي تقرير الإمام عليه السّلام له، و هو رؤية القائف النساء.

و ثالثا: تقريره عليه السّلام بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قضى بالقافة.

و الكل مخدوش. أما الأول: فمتن الحديث و القرائن الخارجية تشهد بوقوع القضية.

و أما الأخيران فلا ريب في انهما من باب تغليب الأهم على المهم لأن الأمر كان دائرا بين إزالة الإمامة بشبهات واهية و دسائس عدوانية، و بين تقرير الأمرين، و العقل و العرف يحكم بترجيح جانب تثبيت الإمامة و إبقائها كما هو واضح و معلوم لكل أحد خصوصا من كان ملتفتا إلى كيد بني العباس و ظلمهم‏ مع الأئمة عليهم السّلام، فالإمام عليه السّلام حكم بالواقع و قرره، و هو كون الجواد عليه السّلام ابنه و سكت عن طريق إصابة الواقع لمصالح كثيرة، فقد قرر عليه السّلام ما كان مقبولا عند الخصم ردا عليه بما هو مقبول لديه، و هذا أحسن طريق لمحاجة الخصم كما ثبت في محله.

و بالجملة: آثار صدق القضية المذكورة في الخبر ظاهرة لمن تأمل في حالات المأمون و إحاطته بهما بسلطة الوقت و كيده مع الإمامين عليهما السّلام.

(مسألة ٤۷): يحرم الكذب (۱۲٥)، و معناه من الأمور الوجدانية لكل احد كالصدق الذي هو كذلك أيضا (۱۲٦).

للأدلة الأربعة، فمن الكتاب آيات كثيرة مثل قوله تعالى‏ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ‏۲۲۹، و من السنة المستفيضة بل المتواترة التي تأتي الإشارة إلى بعضها. و من الإجماع: إجماع المسلمين بل العقلاء، و من العقل حكمه الفطري بقبحه.

لكون الصدق مطابقة الخبر للواقع وجدانا، و الكذب مخالفته له كذلك، و استعمال الكذب في قوله تعالى‏ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ‏ .. وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ‏۲۳۰، إنما هو راجع إلى قولهم بادعائهم أن شهادتهم صادرة عن صميم القلب مع أنها صادرة عن ظاهر اللسان لا صميم الجنان، فهي كذب بشهادة اللّه تعالى بل بحسب وجدانهم أيضا، إذ لا معنى للمنافق إلا مخالفة لسانه لجنانه.

ثمَّ إنه قد يعلم المتكلم بمطابقة كلامه للواقع، و قد يعلم بعدم مطابقته له، و قد يشك في ذلك.

و الأول‏: صدق.

و الثاني‏: كذب و الظاهر أن الأخير أما كذب موضوعا أو ملحق به، و يدل عليه إطلاق قوله عليه السّلام: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع»۲۳۱.

(مسألة ٤۸): الكذب على اللّه و على رسوله و على المعصومين من الكبائر (۱۲۷). و كذا إن كان على المؤمنين (۱۲۸) و كذا الكذب الذي تترتب عليه المفسدة (۱۲۹). و أما مطلق الكذب فلا ريب في كونه من الصغائر (۱۳۰)، و الأحوط كونه من الكبائر (۱۳۱).

إجماعا، و نصوصا منها قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في رواية أبي خديجة:

«الكذب على اللّه و على رسوله من الكبائر»۲۳۲.

لظهور إجماعهم على ذلك إن لم يكن أصل الكذب مطلقا من الكبائر و إلا فلا إشكال فيه بل هو المتيقن منه.

لإجماع المسلمين و هو المتيقن مما يأتي من أخبار المعصومين عليهم السّلام.

البحث في المسألة.

تارة: بحسب الأصل العملي.

و أخرى: بحسب الأصل اللفظي.

و ثالثة: بحسب كلمات الفقهاء.

و رابعة: بحسب المنساق من مجموع الأدلة الخاصة.

أما الأولى: فالمسألة من صغريات الأقل و الأكثر، لأن كونه من الصغيرة معلوم و الشك في كونه من الكبائر، و مقتضى الأصل عدم ترتب آثارها عليه و عدم تشريع الكبيرة بالنسبة إليه.

و أما الثانية: فليس في البين إلا جملة من الإطلاقات الدالة على الحرمة و ترتب العقاب عليه، و لا ريب في انها أعم من كونه من الكبائر مع قصور سند جملة من تلك الأخبار كما سيأتي.

و أما الثالثة: فلم أظفر عاجلا على إجماع معتبر يدل على إنه من الكبائر، بل لم يتعرضوا لذلك في جملة من الكتب.

و أما الأخير: فمجموع ما ورد من الأخبار أقسام.

منها: قول أبي جعفر عليه السّلام في صحيح محمد بن مسلم: «إن اللّه عز و جل جعل للشر أقفالا، و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شر من الشراب»۲۳۳.

و منها: المرسل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إلا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك باللّه، و عقوق الوالدين، و قول الزور»۲۳4، و المقصود من قول الزور الكذب.

و منها: الأخبار المصرحة بأن الكذب من الكبائر، كخبر ابن شاذان عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في كتابه إلى المأمون، قال: «الإيمان هو أداء الأمانة، و اجتناب جميع الكبائر، و هو معرفة بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان و اجتناب الكبائر، و هي قتل النفس التي حرم اللّه تعالى- إلى أن قال- و الكذب، و الكبر- الحديث-»۲۳٥. و خبر الأعمش في حديث شرائع الدين، عن الصادق عليه السّلام قال:

«و الكبائر محرمة، و هي الشرك باللّه، و قتل النفس التي حرم اللّه- إلى أن قال- و التجبر، و الكذب، و الإسراف»۲۳٦.

و منها: المقيدات كقول أبي جعفر عليه السّلام في رواية إسحاق بن عمار: «لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية- الحديث-»۲۳۷، و ما تقدم من قوله عليه السّلام في‏ رواية أبي خديجة: «الكذب على اللّه و رسوله من الكبائر»۲۳۸، فمقتضى الصناعة الشائعة في المحاورات تقييدها بمثل هذه الأخبار.

و احتمال إن هذه الأخبار تدل على أن الكذب على اللّه و رسوله من أشد الكبائر خلاف الظاهر، إذ لا يستفاد كون مطلق الكذب كبيرة حتى يجمع بينها بهذا، و يشهد للتقييد قول السجاد عليه السّلام: «اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كل جد و هزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترء على الكبير- الحديث-»۲۳۹، فإن ظهوره بل صراحته في أن منه صغير و كبير مما لا ينكر، و قول علي عليه السّلام: «إن الكذب يهدي إلى الفجور و الفجور يهدي إلى النار»۲4۰، و صحيح ابن الحجاج قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الكذاب هو الذي يكذب في الشي‏ء؟ قال عليه السّلام: لا، ما من أحد إلا يكون ذاك منه، و لكن المطبوع على الكذب»۲4۱، فإن ظهورهما في عدم كون مطلق الكذب من الكبائر مما لا اشكال فيه، بل يمكن أن يستفاد من الأخير كونه من الأمور العادية العرفية الغالبية فإما لا حرمة له أصلا، أو تكون الحرمة مكفرة بالحسنات و لو بلا توجه إلى ذلك، كما هو مقتضى إطلاق قوله تعالى‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏۲4۲، فإثبات كون مطلق الكذب من الكبائر بحسب الأدلة مشكل.

جمودا على ما يمكن أن يستفاد من بعض الأخبار كونه من الكبيرة مثل قول علي عليه السّلام: «لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده»۲4۳، و خروجا عن خلاف من جعله منها.

(مسألة ٤۹): يعتبر في تحققه القصد الجدي، فلو أخبر بلا قصد لا يكون حراما (۱۳۲). و كذا لو كان بعنوان الهزل و اللغو (۱۳۳)، و لكن الأحوط الاجتناب منهما أيضا (۱۳٤)، كما إن الإنشائيات مع عدم واقع لها لا يكون من الكذب كوعد غير العازم بالوفاء، و مدح المذموم و بالعكس، و تمني المكاره، و إيجاب غير الموجب و نحو ذلك (۱۳٥). كما إن خلف‏ الوعد ليس من الكذب (۱۳٦)، و لكن الأحوط إنجاز الوعد و ترك خلفه (۱۳۷). و كذا الادعائيات و المبالغة فيها ليست كذبا (۱۳۸)، و الأحوط تركها أيضا (۱۳۹).

لأنه من مقولة الخبر و هو متقوم بالقصد الجسدي، فيكون خروج ما لا قصد فيه من التخصص لا التخصيص.

لعدم تحقق القصد الجدي فيهما أيضا.

نعم، لو كذب مع القصد الجدي في مقام الهزل و اللغو يشمله دليل الحرمة، و عليه يحمل ما تقدم من قول علي عليه السّلام: «لا يصلح من الكذب جد و لا هزل»۲44.

لإطلاق ما تقدم من الخبرين، بل يترتب على تركه الثواب، لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أنا زعيم بيت في أعلى الجنة و بيت في وسط الجنة و بيت في رياض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و لمن ترك الكذب و إن كان هازلا، و لمن حسن خلقه»۲4٥، و لكن قصور أسنادها يمنع عن الاعتماد عليها في الجزم بالفتوى.

ثمَّ أن الهزل و اللغو أيضا من الأمور القصدية، فمع قصد أحدهما تترتب عليه المنقصة بل العقاب في بعض الصور.

لأن الصدق و الكذب من صفات الخبر، و ذلك كله من الإنشائيات التي تكون قسيم الخبر، و لكن الظاهر ترتب حكم الكذب عليها لاشتراك الجميع في إظهار خلاف الواقع و إبطال الحق و إحقاق الباطل، بل ربما يكون أشد عقابا من الكذب من جهة المفاسد الخارجية المترتبة عليها.

لأنه ليس من مقولة القول، بل من شؤون العمل و الفعل.

لقول علي عليه السّلام: «لا يعدن أحدكم صبيه ثمَّ لا يفي له»۲4٦، و لكن قصور سنده يمنع عن استفادة الحرمة منه، و عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليف إذا وعد»۲4۷، و عنه عليه السّلام أيضا في الصحيح: «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فيخلف اللّه بدا، و لمقته تعرض، و ذلك قوله‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ‏۲4۸، و كون جميع هذه الصفات مذمومة و خلاف المجاملات الأخلاقية مما لا إشكال فيه. و أما كونه معصية- صغيرة أو كبيرة- فلا يستفاد منها.

نعم، قد ينطبق عليه ما يوجب الحرمة بحسب العوارض الخارجية، فيمكن أن يقال: ان خلف الوعد تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة التكليفية.

لأنها أيضا من الإنشائيات لا من الإخبار، و تقدم أن موضوع الكذب الإخبار دون الإنشاء.

نعم، يمكن أن تنطبق الحرمة عليها من جهة أخرى، بل يمكن أن يكون من الكذب موضوعا أيضا، إن حكم العرف بذلك كما إذا مدح البخيل المعروف عند الناس بالبخل و اللئامة بأنه من أجود الناس، أو مدح الجاهل المتوغل في الجهل بأنه عالم رباني.

للجمود على بيان الحق الواقع مهما أمكن و تأسيا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله‏ و المعصومين عليهم السّلام، حيث لم يعرف منهم مبالغة في شي‏ء هذا في غير ما هو المحرم منها و إلا فتحرم.

(مسألة ٥۰): التورية ليست بكذب (۱٤۰)، و هي: أن يريد بلفظ معناه المطابق للواقع و قصد من إلقائه أن يفهم منه المخاطب خلاف ذلك مما هو ظاهر عند العرف (۱٤۱).

إجماعا و نصوصا، منها ما ورد في تفسير قوله تعالى‏ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏۲4۹، حيث قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «سرقوا يوسف من أبيه ألا ترى إنه قال لهم حين قالوا ما ذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، و لم يقل سرقتم صواع الملك إنما سرقوا يوسف من أبيه، و ما ورد في تفسير قوله تعالى‏ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‏۲٥۰، حيث قال عليه السّلام ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم، قيل: و كيف ذلك؟ فقال: إنما قال إبراهيم‏ فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ إن نطقوا فكبيرهم فعل، و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا و ما كذب إبراهيم، و سأل عن قول إبراهيم‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ‏۲٥۱، و ما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتادا»۲٥۲، و في رواية عبد اللّه بن بكير عن الصادق عليه السّلام:

«في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولي ليس هو هاهنا قال عليه السّلام: لا بأس ليس بكذب»۲٥۳، و يقتضيه العرف المحاوري أيضا، لأن أبناء المحاورة لا يرون التورية من الكذب لا موضوعا و لا حكما.

لأن هذه هي التورية عند المحاورة المتعارفة و لا وجه لتوهم الكذب‏ فيها، لأن الكذب إنما هو القول المخالف للواقع و لا ريب في عدم مخالفة هذا القول له.

نعم، لم يأت المتكلم بكلامه بداعي بيان مراد السائل من كل جهة، بل أجمل في كلامه، و ليس من شؤون المحاورات الصحيحة العرفية كون المتكلم في مقام البيان من كل جهة و قد يكون الإهمال و الإجمال و تلبيس الأمر على المخاطب من أهم المقاصد، بل من شؤون الفصاحة و البلاغة و التورية فيما إذا تعلق بها غرض صحيح شرعي من هذا القبيل.

(مسألة ٥۱): يجوز الكذب مع الاضطرار إليه (۱٤۲) و لا يجب التورية حينئذ (۱٤۳)، و لكن الأحوط اعتباره مع القدرة عليها عرفا (۱٤٤).و الضرر المسوغ للكذب ما هو المسوغ لسائر المحرمات (۱٤٥). نعم، يستحب تحمل الضرر الحالي الذي لا يجحف عليه تحمله (۱٤٦).

للأدلة الأربعة، فمن الكتاب قوله تعالى‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏۲٥4، و قوله تعالى‏ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً۲٥٥.

و من السنة قوله عليه السّلام: «ما من شي‏ء إلا و قد أحله اللّه لمن اضطر إليه»۲٥٦، و نصوص مستفيضة بل متواترة دالة على جواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني و المالي عن النفس أو عن الغير الواردة في أبواب متفرقة منها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله:

«احلف باللّه كاذبا و نج أخاك من القتل»۲٥۷، و في صحيح زرارة قال: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم، و يخلون سبيلنا و لا يرضون منا إلا بذلك، قال عليه السّلام فاحلف لهم فهو أحلى من التمر و الزبد»۲٥۸، و في رواية الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف؟ قال عليه السّلام: لا جناح عليه، و عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به؟ قال عليه السّلام: لا جناح عليه، و سألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال عليه السّلام: نعم»۲٥۹، و في رواية سماعة عن الصادق عليه السّلام: «إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أكره‏ و اضطر إليه، و قال عليه السّلام: ليس شي‏ء مما حرم اللّه إلا و قد أحله لمن اضطر إليه»۲٦۰، إلى غير ذلك من الأخبار.

و من الإجماع إجماع المسلمين على الجواز حينئذ.

للأصل، و إطلاقات أدلة الترخيص الواردة في مقام البيان و الامتنان و التسهيل، و اعتبار التورية ينافي ذلك كله خصوصا بالنسبة إلى السواد سيما في حال الاضطرار الذي قل من يلتفت إليها في تلك الحالة.

خروجا عن ما نسب إلى المشهور من اعتبار عدم القدرة على التورية في جواز الكذب اضطرارا، و استدل لهم.

أولا: بأنه لا يتحقق الاضطرار مع القدرة عليها.

و ثانيا: بأن قبح الكذب عقلي لا يرتفع هذا القبح إلا بانطباق عنوان حسن عليه، و لا ينطبق العنوان الحسن إلا مع العجز عن التورية.

و يرد الأول: بأن المرجع في تحقق الاضطرار إلى الكذب هو العرف و هو يحكم بثبوت الاضطرار مطلقا حتى مع القدرة على التورية، لفرض تحقق الاضطرار إلى عنوان الكذب من حيث هو، و الشك في وجوب التورية عليه حينئذ يكفي في عدم الوجوب.

نعم، لو أمكن التقصي بغير التورية فالظاهر عدم صدق الاضطرار إلى الكذب حينئذ عرفا، فيكون المقام كالإكراه في البيع مثلا بحسب الانظار العرفية، و إن أمكن الفرق بينهما بالدقة العقلية، و لكنها ليست مناط الأحكام كما هو معلوم. و يرد الأخير بأن قبح الكذب الذي تترتب عليه المفسدة معلوم و المقام ليس منه لا أقل من الشك في ذلك، فكيف يجزم بالحكم بالقبح حينئذ، هذا مع إنهم لم يقيدوا جواز سائر الأقوال المحرمة عند الاضطرار إليها- كالسب، و التبري و نحوهما- بعدم القدرة على التورية، و ما يأتي في المسألة التالية من‏ عدم اعتبار هم العجز عنها في تلك المسألة فما الفارق بينها و بين المقام.

لإطلاقات الأدلة الشاملة لجميع موارد الضرورة و الاضطرار بلا فرق بين الصغريات إلا بدليل خاص و هو مفقود.

لقول علي عليه السّلام: «علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل عن علمك، و ان تتقي اللّه في حديث غيرك»۲٦۱.

(مسألة ٥۲): يجوز الكذب مع ترتب المصلحة عليه (۱٤۷)، كما يجوز الوعد الكاذب لمصلحة المداراة مع الزوجة و الأهل (۱٤۸).

إجماعا، و نصوصا، و اعتبارا، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في خبر ابن حسان:

«كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما، أو رجل و عد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتم لهم»۲٦۲.

لجملة من الأخبار، منها قوله صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام: «ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، و الإصلاح بين الناس»۲٦۳، و قريب منه غيره، و تقدم في خبر ابن حسان أيضا.

(مسألة ٥۳): تحرم الكهانة (۱٤۹)، و هي عبارة عن الإخبار عما مضى‏ أو يأتي بزعم أنه يأخذها عن الجان (۱٥۰).

إجماعا، و نصوصا، ففي الخصال عن الصادق عليه السّلام: «من تكهّن أو تكهّن له فقد برئ من دين محمد»۲٦4، و في بعض الأخبار ان أجرة الكاهن‏ سحت‏۲٦٥، و في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب»۲٦٦، و في حديث المناهي: «إن رسول اللّه نهى عن إتيان العراف، و قال: من أتاه و صدقه فقد برئ مما أنزل اللّه عز و جل على محمد صلّى اللّه عليه و آله»۲٦۷.

لما يستفاد ذلك من كلمات جمع. و عن جمع من أهل اللغة هي تتعاطى الخبر عن الكائنات في المستقبل، و الكاهن يدعي معرفة الاسرار، و منهم من يدعى معرفة الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها من حال يراه أو كلام يسأله، أو فعل، أو حركات، أو سكنات، أو نحو ذلك مما يستشهد به على بعض الأمور و يطلق عليه العرّاف.

و لا فرق في الحرمة بين تعليمها و تعلمها و عملها، للإطلاق الشامل للجميع، و مقتضى التعليل في خبر الاحتجاج: «لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي»۲٦۸، حرمة جميع الأخبار عن المغيبات على سبيل الجزم إلا للمعصوم نبيا كان أو وصيا أو من يتلوه من كل جهة و هو نادر جدا.

(مسألة ٥٤): اللهو حرام (۱٥۱)، و هو عبارة عن الإلهاء و الاشتغال‏ عن اللّه تعالى شأنه، و له مراتب كثيرة جدا بعضها حرام و الجميع مرجوح (۱٥۲).

إجماعا في الجملة، و نصوصا منها قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في عد الكبائر: «و الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر اللّه كالغناء و ضرب الأوتار»۲٦۹، و الظاهر الملازمة العرفية بين اللهو و بين الصد عن ذكر اللّه تعالى كما لا يخفى على من جرّب ذلك، و منها قوله عليه السّلام: «كل ما ألهى عن ذكر اللّه فهو الميسر»۲۷۰،و قوله عليه السّلام: «كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: في تأديبه الفرس، و رميه عن القوس، و ملاعبته امرأته فإنهن حق»۲۷۱.

فيكون المتيقن من تلك المراتب محرما و في غيره يرجع إلى البراءة، و لكن المرجوحية مسلمة في الجميع. و المتيقن ما كان فيه تهييج القوى الشهوانية و استلذاذها، كالطرب بالآلات المعدة له و ضرب الأوتار و الرقص و نحو ذلك مما تتلذذ منه القوى الشهوانية، و لم يرد ترخيص من الشرع على جوازه كملاعبة الرجل مع أهله و المسابقة و نحوهما.

ثمَّ إن اللهو تلهي النفس و اشتغالها باللذائذ الشهوانية، و تكون نفس هذه اللذة هي الغاية سواء حصلت حركة خارجية كالأغاني و أنحاء الموسيقى، أو لم تحصل حركة خارجية عرفية كاستماعها مثلا.

و اللعب: عبارة عن حركات خارجية تستلذ بها القوى الشهوانية بمراتبها الكثيرة. و اللغو عبارة عن الحركات الخارجية التي ليست لها غاية و لو التذاذ القوى الشهوانية. و لكل منها مراتب كثيرة أيضا، و القول فيهما عين القول في اللهو، فهما بجميع مراتبها مرجوحة، و المتيقن من المحرم منها مرتبة خاصة كاللعب بآلات القمار مثلا.

و لا ريب في ان المؤمن و لو كان بأدنى مرتبة الإيمان لمشغول عن ذلك كله، و قد فسر «الذنوب التي تهتك العصم» بشرب الخمر، و اللعب بالقمار، و تعاطى ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس‏۲۷۲.

فرع‏: مقتضى الأصل حلية الموسيقى الذي يترتب عليه غرض صحيح عقلائي غير منهي عنه شرعا، كالذي يكون لشعار الدولة، و ما يكون لتحريض الجيش، إلى غير ذلك مما لم ينه عنه في الشرع إن لم يترتب عليه مفسدة أخرى، و لو تردد الموسيقى بين كونه من قسم المحلل أو المحرم لا بأس به، للأصل و أما الخلاعيات في الإذاعة و التلفاز فلا ريب في الحرمة، لما عرفت سابقا.

(مسألة ٥٥): مدح شخص بما ليس فيه كذب، و مدح الظالم إن أوجب زيادة لشوكته حرام و لو كان بما فيه، و لا بأس في ما لم تترتب عليه المفسدة، بل قد يجب (۱٥۳).

أما الأول: فلا ريب فيه إن كان إخبارا، و إن كان إنشاء فهو ملحق بالكذب في الإثم.

و أما الثاني: فيحرم التسبيب إلى زيادة شوكة الظالم في ظلمة بالأدلة الأربعة تأتي الإشارة إليها في المسائل الآتية.

و أما الثالث: فلأصالة البراءة بعد عدم دليل على المنع.

و أما الأخير: فلعموم أدلة التقية، و ما دل على رفع الحرمة لأجل الضرورة من العقل و النقل، و لا ينفع ذلك الممدوح بشي‏ء، لأن شر الناس عند اللّه الذين يكرمون اتقاء شرهم‏۲۷۳، و أما قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من مدح سلطانا جائرا و تخفف و تضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار»۲۷4، فلا ريب في دلالته على مذمة المادح مطلقا لما ثبت في محله من أن الطمع في الدنيا و أهلها من أخبث الصفات.

و أما الحرمة الفعلية فمبنية على كون مدحه له موجبا لزيادة الشوكة له، و كذا قوله صلّى اللّه عليه و آله: «و من عظم صاحب الدنيا و أحبه لطمع دنياه سخط اللّه عليه، و كان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار»۲۷٥، و يمكن انقسام تعظيم أهل الدنيا و حبهم و مدحهم بانقسام الأحكام الخمسة التكليفية كحب نفس الدنيا من حيث هي.

(مسألة ٥٦): معونة الظالم في ظلمه حرام (۱٥٤)، بل في كل محرم (۱٥٥)، و هي من الكبائر (۱٥٦). و أما إعانتهم في غير المحرمات فليست محرمة (۱٥۷)، إلا إذا عد المعين من أعوانهم و ممن يقوى به شوكتهم‏ عرفا (۱٥۸).

للأدلة الأربعة فمن الكتاب آيات منها: قوله تعالى‏ وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ۲۷٦. و من السنة المتواترة بين الفريقين عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و المعصومين عليهم السّلام تأتي الإشارة إلى بعضها. و من الإجماع إجماع المسلمين بل الضرورة من الدين.

و من العقل حكمه القطعي بقبح إبقاء مادة الفساد، و جزمه بوجوب إزالتها مهما أمكن.

و أما النصوص فمنها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة، و أعوان الظلمة، و أشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما و لاق لهم دواة، قال: فيجتمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم»۲۷۷، و قوله عليه السّلام: «من مشى إلى ظالم ليعينه و هو يعلم إنه ظالم فقد خرج من الإسلام»۲۷۸، و يشمله أيضا جميع ما مر في الإعانة على الإثم لأنه من أهمها كما لا يخفى، و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إياكم و أبواب السلطان و حواشيها، فإن أقربكم من أبواب السلطان و حواشيها أبعدكم من اللّه عز و جل، و من آثر السلطان على اللّه أذهب اللّه عنه الورع و جعله حيرانا»۲۷۹، إلى غير ذلك من الأخبار.

لأنه حينئذ من الإعانة على الحرام، و يجري فيه جميع ما تقدم فيها من الأحكام و الأقسام.

ثمَّ ان الظالم في المقام يحتمل وجوها ثلاثة: مطلق العاصي لأنه ظالم لنفسه، و الظالم على الغير في نفسه أو عرضه أو ماله، و خصوص سلاطين الجور و الظاهر انصراف الأدلة عن الأولين، و لا ريب في كون الإعانة لهما من حيث ظلمها من الإعانة على مطلق الحرام الذي تقدم ما له من الأحكام، فالمراد به خصوص الأخير، و يشهد له مقابلته بالعاصي في خبر أبي حمزة عن السجاد عليه السّلام: «إياكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين»۲۸۰، و قد فسرت قوله تعالى‏ وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ب «الرجل يأتي السلطان فيحب بقائه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه»۲۸۱، و سياق الروايات بعد رد بعضها إلى بعض ظاهر في خصوص الأخير.

لتوعيد النار عليها فيما تقدم من الأخبار، و لذكرها بالخصوص في صحيح ابن شاذان، قال عليه السّلام: «و معونة الظالمين و الركون إليهم»۲۸۲.

و أما الإعانة في سائر المحرمات فهي تابعة للمحرم المعان عليه، فإن كان صغيرة فهي صغيرة و إن كان كبيرة تكون كذلك.

للأصل، و إطلاق أدلة تلك الأمور واجبا كان أو مندوبا، أو مباحا مضافا إلى دعوى الإجماع على عدم حرمة إعانتهم في غير الحرام، و جريان السيرة على إعانتهم في الواجبات و المباحات و المندوبات.

إن قيل: إن مقتضى الإطلاقات الشمول للجميع، مضافا إلى خبر ابن أبي يعفور قال: «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له:

جعلت فداك إنه ربما أصاب الرجل من الضيق أو الشدة، فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه، أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، و إن لي ما بين لابتيها لا، و لا مدة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد»۲۸۳، و خبر محمد بن عذافر قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا عذافر نبئت أنك تعامل أبا أيوب و الربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي فقال له أبو عبد اللّه لما رأى ما أصابه: أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني اللّه عز و جل به، قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتى مات»۲۸4، و كذا خبر صفوان، قال: «دخلت على أبي الحسن الأول عليه السّلام فقال لي: يا صفوان كل شي‏ء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا، قلت: جعلت فداك أي شي‏ء؟ قال:

إكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون، قال: و اللّه ما أكريته أشرا و لا بطرا و لا للصيد و لا للهو، و لكن أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكة، و لا أتولاه بنفسي، و لكن أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أ يقع كراؤك عليهم؟ قلت:

نعم جعلت فداك، فقال لي: أ تحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم، قال:

من أحب بقاءهم فهو منهم و من كان منهم كان ورد النار، قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني فقال لي: يا صفوان بلغني أنك بعت جمالك، قلت: نعم قال: و لم؟ قلت: أنا شيخ كبير و إن الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر، قلت: مالي و لموسى بن جعفر عليه السّلام؟ فقال لي: دع هذا عنك فو اللّه لو لا حسن صحبتك لقتلتك»۲۸٥، و إطلاق خبر العياشي قال:

«سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان‏ يعملون لهم و يحبون لهم و يوالونهم؟ قال عليه السّلام: ليس هم من الشيعة، و لكنهم من أولئك، ثمَّ قرأ أبو عبد اللّه عليه السّلام الآية لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ، و القردة على لسان عيسى‏ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏ قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمور، و يأتون النساء أيام حيضهن ثمَّ احتج اللّه على المؤمنين الموالين للكفار، فقال:

«ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم .. و لكن كثيرا منهم فاسقون»، فنهى اللّه عز و جل أن يوالي المؤمن الكافر إلا عند التقية»۲۸٦، يقال:

أولا: أنها مقيدة بخبر التحف: «و الكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم»۲۸۷.

و ثانيا: إعراض المشهور عنها أسقطها عن العمل بإطلاقها.

و ثالثا: انها محمولة على ما إذا استلزم العمل لهم زيادة شوكتهم و محبتهم و استيلائهم على الظلم و مع عدم ذلك كله فلا وجه للحرمة.

و بالجملة: في البين عناوين: الإعانة لهم في ظلمهم، و التعظيم لهم، و محبتهم، و ما يوجب زيادة شوكتهم، و الإعانة لهم في المباحات من غير أن يوجب ذلك كله.

و الأول حرام بالأدلة الأربعة.

و كذا الثاني و الثالث و الرابع ان رجع إلى جهة ظلمهم، و جميع الأدلة راجعة إلى ذلك بعد رد بعضها إلى بعض.

و أما الأخير: فمقتضى الأصل الإباحة بعد عدم الدليل على الحرمة.

و الحاصل حيثية الظلم حيثية تعليلية تدور الحرمة مدار ثبوتها وجودا و عدما. و أما النظر إليهم على وجه المحبة، فمقتضى الأصل إباحته أيضا، و لكن في خبر سليمان الجعفري قال: «قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: ما تقول في‏ أعمال السلطان؟ فقال عليه السّلام: يا سليمان الدخول في أعمالهم و العون لهم و السعي في حوائجهم عديل الكفر، و النظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار»۲۸۸، فلا بد من حمله على ما إذا كان ذلك من جهة ظلمهم و شوكتهم الظلمية، و كذا قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر عياض: «من أحب بقاء الظالمين فقد أحب أن يعصى اللّه»۲۸۹.

ثمَّ إن حب الظلمة و زيادة شوكتهم.

تارة: تكون من جهة الظلم فقط.

و أخرى: تكون من جهة أخرى كالرحيمية مثلا و اتصافه ببعض الصفات الحسنة و الخصال الحميدة، و مثله كون زيادة الشوكة من زيادة الشوكة الإسلامية.

و ثالثة: تكون مركبة منهما، و لا ريب في حرمة الأول، و مقتضى الأصل إباحة الثاني بعد قصور الأدلة عن شموله، و كذا الثالثة، لأن المنساق من الأدلة ان المحرم ما كانت حيثية الظلم علة تامة منحصرة، و في غيرها يرجع إلى البراءة و لكنه مشكل جدا، لأن استفادة العلية التامة المنحصرة لحيثية الظلم من مجرد الدعوى، فالإطلاقات شاملة لمجرد المدخلية و لو بنحو جزء العلة فلا يترك الاحتياط.

لما تقدم آنفا فلا يحتاج إلى الإعادة.

و هل الأدلة المتقدمة تشمل الجائرين من الكفار أيضا، أو تختص بالجائرين من المسلمين؟ مقتضى الإطلاقات هو الأول إلا إذا كان الظلم منهم على نوعهم.

(مسألة ٥۷): لو كانت في البين تقية، أو ضرورة للإعانة- أو إظهار المحبة- المحرمة، أو غير ذلك تزول الحرمة (۱٥۹).

لعمومات أدلة التقية، و انه: «ما من شي‏ء حرمة اللّه إلا و قد أحله لمن اضطر إليه»۲۹۰.

فرع‏: سلطنة الجور و ظلم الجائرين على أقسام.

الأول‏: ما إذا أزال الجائر الحق و العدل عن مقره، و اقام مقامه الظلم و العدوان مع أنه يمكن للناس عادة إقامة الحق و إحقاقه و إزالة الجور و الفساد و لا ريب في شمول الأدلة لهذا القسم.

الثاني‏: ما إذا لم يمكن قيام الحق مقام الباطل عادة، لغلبة الجور و الفساد، و مقتضى الإطلاقات شمولها لهذا القسم أيضا.

الثالث‏: إنه لو فرض قيام الحق مقام الجور لا يمكن عادة إدارة الرعية إلا بما سنّه الجور، لقصور الظروف و الأشخاص عن إقامة الحق و احقاقه و عدم تمكنه بحسب المتعارف في العادة، و هل يشمل الأدلة هذا القسم أو لا، و الشك في الشمول يكفي في عدمه فيرجع حينئذ إلى الأصل.

ثمَّ إن التكليف لعدم الإعانة.

تارة: يكون متعلقا بكل فرد من الأفراد- كالغيبة و الكذب و نحوهما.

و أخرى: يكون متعلقا بالمجموع من الهيئة المديرة للجور و الظلم و هو.

تارة: يكون بنحو الإطلاق.

و أخرى: بنحو لو اجتمع جمع تحرم على البقية تتميم العلة فهل الحرمة في المقام من القسم الأول أو الثاني أو الأخير؟ مقتضى الإطلاقات هو الأول.

و بناء على تقرير الأئمة عليهم السّلام لحكومتهم في بعض الأمور مثل جباية الخراج يجوز معونتهم في تلك الجهة في قبول الولاية من قبلهم تسهيلا على الشيعة.

(مسألة ٥۸): النجش حرام (۱٦۰)، و هو أن يزيد في ثمن السلعة، و هو لا يريد شرائها ليسمعه غيره فيزيد لزيادته (۱٦۱) بشرط المواطاة مع البائع على ذلك (۱٦۲)، بل الأحوط ترك مطلق مدح السلعة في البيع لينفقها و يروجها لمواطاة بينه و بين البائع (۱٦۳). و لا فرق فيه بين كون غرضه وصول النفع إلى البائع أو شي‏ء آخر (۱٦٤).

للإجماع، و النص ففي النبوي: «الناجش و المنجوش ملعونون»۲۹۱، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «لا تناجشوا و لا تدابروا»۲۹۲، بل هو نحو غش و كذب يحكم بقبحه العقل.

كما عن جمع من أهل اللغة، و عن الفقهاء.

نسب ذلك إلى جمع من الفقهاء و يمكن أن يستفاد ذلك من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا تناجشوا»، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لعن اللّه الناجش و المنجوش»، مع أن عمدة الدليل على الحرمة الإجماع و المتيقن منه ذلك.

لذهاب جمع إلى شمول النجش لذلك أيضا.

للإطلاق الشامل للجميع.

(مسألة ٥۹): تحرم النميمة (۱٦٥)، و هي من الكبائر (۱٦٦)، و قد تباح بل قد تجب (۱٦۷).

للأدلة الأربعة، فمن الكتاب قوله تعالى‏ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ‏۲۹۳، و قوله تعالى‏ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ۲۹4. و من النصوص نصوص مستفيضة بل متواترة منها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من مشى في نميمة بين اثنين سلط اللّه عليه في قبره نارا تحرقه إلى يوم القيامة، و إذا خرج من قبره سلط اللّه عليه‏  تنّينا أسود ينهش لحمه حتى يدخل النار»۲۹٥، إلى غير ذلك من الأخبار، و يدل على حرمتها جميع ما يدل على حرمة الغيبة بالفحوى و من الإجماع إجماع المسلمين، و أما العقل فإنها منشأ الفساد و الإفساد.

لتوعيد النار عليها في الآية الكريمة، و لاستفاضة الأخبار بعدم دخول النمام الجنة.

أما الأول: ففي ما إذا ترتبت عليها مصلحة غالبة على مفسدتها.

و أما الثاني: ففيما إذا ترتب عليها مصلحة ملزمة كإيقاع الفتنة بين المشركين ليحفظ المسلمين من شرهم.

(مسألة ٦۰): تحرم النياحة بالباطل كالمشتملة على الكذب و سائر الأمور الغير الشرعية- و يحرم أخذ الأجرة عليها (۱٦۸).

أما أصل حرمة مثل هذه النياحة فتدل عليها أدلة حرمة الأمور الذي تتضمنها النياحة من الكذب و سائر الجهات التي نهى عنها الشرع، و تقدم في أحكام الأموات ما يتعلق بالنوح بغير الباطل‏۲۹٦. و أما حرمة أخذ الأجرة عليها، فلقاعدة «أن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»۲۹۷، كما تقدم مكررا.

و لو شك في نياحة أنها محرمة أو لا فمقتضى أصالة الصحة ان صدرت من مسلم أو مسلمة عدمها و إن كان الأحوط الاجتناب.

(مسألة ٦۱): يحرم الدخول في الولايات و المناصب و الأشغال من قبل الظلمة و الجائرين (۱٦۹) إلا بما فيه مصلحة المؤمنين و لا يخالف‏ الشرع المبين (۱۷۰).

للأدلة الأربعة فمن الكتاب آية الركون‏۲۹۸، و غيرها، و من العقل: أنه‏ تشييد للظلم و تقوية له و هو قبيح، و من الإجماع: إجماع الإمامية، بل ضرورة مذهبهم. و من النصوص المستفيضة الواردة بالسنة شتى منها خبر التحف: «و أما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر و ولاية ولاته، و العمل لهم، و الكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم- الحديث-»۲۹۹، و خبر زياد بن أبي سلمة قال: «دخلت على أبي الحسن موسى عليه السّلام فقال لي: يا زياد انك لتعمل عمل السلطان؟ قلت: أجل، فقال لي: و لم؟ قلت: أنا رجل لي مروة و عليّ عيال و ليس وراء ظهري شي‏ء، فقال لي: يا زياد لئن أسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة أحب إليّ من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلا ..، لما ذا قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره، أو قضاء دينه يا زياد إن أهون ما يصنع اللّه جل و عز بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلائق يا زياد فإن و ليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة- الحديث-»۳۰۰، إلى غير ذلك من الأخبار التي يأتي التعرض لها. و انما البحث في جهات.

الأولى‏: أن هذه الحرمة هل هي ذاتية- كحرمة نفس الظلم- من حيث هو، أو انها غيرية من جهة ترتب المفسدة عليها، فلو فرض عدم الترتب تكون مباحة قولان؟ مقتضى الأصل هو الأخير، لأن حرمتها مع ترتب المفسدة معلومة و إنما الشك في حرمتها من حيث ذاتها فيرجع إلى البراءة فإن استفيدت من الأخبار الحرمة الذاتية نقول بها حينئذ و إلا فيبقى مقتضى الأصل بحاله.

و الأخبار الواردة في المقام على قسمين.

الأول‏: الاخبار الظاهرة في النهي بنحو الإطلاق مثل ما تقدم من خبري التحف و زياد بن أبي سلمة، و صحيح داود بن زربي، قال: «أخبرني مولى لعلي بن الحسين عليهما السّلام، قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد اللّه عليه السّلام الحيرة فأتيته، فقلت:

جعلت فداك لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لا فعل- إلى أن قال- ظننت أنك إنما كرهت ذلك مخافة ان أجور أو أظلم، و ان كل امرأة لي طالق، و كل مملوك لي حر، و عليّ إن ظلمت أحدا أو جرت عليه و إن لم أعدل، قال عليه السّلام: كيف قلت؟ فأعدت عليه الأيمان فرفع رأسه إلى السماء، فقال عليه السّلام: تناول السماء أيسر عليك من ذلك»۳۰۱، و يخدش فيها: بأن الملازمة الغالبية بين الدخول في مناصبهم و ترتب المفسدة تمنع عن التمسك بإطلاقها كما هو معلوم فهي منزلة على ما هو الغالب، و هو ما يستلزم المفسدة، و المنساق من الأدلة التي ذكر فيها العمل لهم، و من التعليل الوارد في خبر التحف عدم الحرمة الذاتية، أي: أخذ نفس المنصب منهم من حيث هو أمر اعتباري من دون أي عمل لهم أصلا، و يظهر من الجواهر إمكان تحصيل الإجماع على عدم الحرمة الذاتية، و يشهد له منع الحرمة الذاتية لما جاز ذلك لأجل ترتب مجرد غايات راجحة كقضاء حوائج المؤمنين و الإحسان لهم، مع إنهم رحمهم اللّه يدعون تطابق الأدلة على جوازه لهذه الأمور و هذه هي القسم الثاني من الأخبار الدالة على الجواز، بل المرغبة فيه كما سيأتي، مضافا إلى انه لو فرض إطلاق من كل جهة في البين بحيث يكون ظاهرا في الحرمة الذاتية فإنما هو بالنسبة إلى عهد الدولتين- الأموية و العباسية- التي بذلوا كل جهودهم و أقصى وسعهم لإزالة الدولة الهاشمية بكل ما أمكنهم، فيجب على إمام الحق المدافعة معهم بكل ما يمكنه، فحرمة الولاية لهم و الدخول في مناصبهم يتصور لها وجه حينئذ، و لو لم تترتب عليه مفسدة، لأنه بنفسه حينئذ مفسدة عرفا في وقت حدوث ثورة الباطل على الحق، و أما بعد أن استقر الظلم و الجور و استترت دولة الحق إلى أن بدئ للّه ما يشاء و ظهرت شوكة الظالمين و استولوا على الأمر بجميع أنحاء الاستيلاء بحيث يكون دخول أحد في مناصبهم مع عدم العمل لهم وجوده كعدمه من كل جهة، فأي فائدة يتصور في الحرمة الذاتية حينئذ؟

إلا أن يقال: إن ترتب المفسدة من حكمة تشريع الحرمة لا أن يكون علة لها وجودا و عدما. و عهدة إثبات هذا القول على مدعيه.

و كيف يمكن إثبات الحرمة الذاتية مع قول الصادق عليه السّلام: «رجل يحب آل‏ محمد صلّى اللّه عليه و آله و هو في ديوان هؤلاء فيقتل تحت رايتهم، فقال عليه السّلام: يحشره اللّه على نيته»۳۰۲، و مثله صحيح الحلبي قال: «سئل أبو عبد اللّه عن رجل مسلم و هو في ديوان هؤلاء و هو يحب آل محمد و يخرج مع هؤلاء في بعثتهم فيقتل تحت رايتهم؟ قال عليه السّلام: يبعثه اللّه على نيته، قال: و سألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء ان يصيب معهم شيئا فيعينه اللّه به فمات في بعثهم؟ قال عليه السّلام: هو بمنزلة الأجير إنه انما يعطي اللّه العباد على نياتهم»۳۰۳، و نحوه غيره فإن لمثل هذه الأخبار نحو حكومة على جميع الأخبار المانعة.

ثمَّ إنه على فرض الحرمة الذاتية لها لا يكون من الكبائر، لعدم التعرض لها فيما ورد في تعدادها فيما تفحصت عاجلا.

نعم، ورد فيها معونة الظالمين و هي أخص منها، كما مر و هو مقتضى الأصل أيضا، و لو كانت الولاية مستلزما لمحرم يتبعه في كونها صغيرة أو كبيرة.

هذا حكم نفس الولاية من حيث هي مع قطع النظر عن متعلقها، و أما باعتبار المتعلق فيأتي التعرض له في الجهة التالية.

الثانية: متعلق الولاية إما محرم منصوص الحرمة بالخصوص، أو واجب شرعي، أو مندوب، أو مباح، أو مكروه، أو من قوانينهم المجعولة التي لم يدل دليل بالخصوص على حرمته، و ليس فيها ظلم شخصي أو نوعي.

و لا ريب في حرمة الأولى نصوصا و إجماعا كما تقدم، و أما البقية غير الأخير فإن لم تكن الولاية منهم محرمة ذاتية فلا ريب في جوازها في الكل، بل تتصف بالوجوب و الندب في الأولين، و يدل على الجواز بل الرجحان ما يأتي من أدلة الترغيب فيها، و هي التي تكون بقدر أدلة المنع لو لم تكن أكثر منها و قد وردت للامتنان و التسهيل، و أدنى مفادها أصل الرجحان بلا إشكال فيه، كما ورد في قضية يوسف عليه السّلام من قوله تعالى‏ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏۳۰4، و يستفاد من تعليله التعميم في جواز الدخول بالنسبة إلى كل‏ من كان أمينا و عليما بالمصرف و كيفية الصرف و سائر الخصوصيات مع ظهوره في إنه كان بعمده و اختياره عليه السّلام، و ما ورد في قضية أبي الحسن الرضا عليه السّلام و قبوله لخلافة العهد من المأمون.

و لكن، يمكن الإشكال في الاستدلال بهما للمقام، لأن الحق كان لهما في الواقع و المأمون و عزيز مصر غصب حقهما، و الامام الرضا عليه السّلام و يوسف عليه السّلام رضيا بإرجاع بعض حقهما إليهما، و عن الصادق عليه السّلام: «كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان»۳۰٥، و في موثق علي ابن يقطين: «قال لي موسى بن جعفر عليه السّلام: إن للّه تبارك و تعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه أولئك عتقاء اللّه من النار»۳۰٦، و في رواية محمد بن بزيع قال أبو الحسن الرضا عليه السّلام: «إن للّه تعالى بأبواب الظالمين من نوّر اللّه له البرهان، و مكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه و يصلح اللّه به أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمن من الضر و إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، و بهم يؤمن اللّه روعة المؤمن في دار الظلمة أولئك المؤمنون حقا، أولئك أمناء اللّه في أرضه، أولئك نور اللّه في رعيته يوم القيمة، و يزهر نورهم لأهل السموات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيمة تضي‏ء منهم القيمة خلقوا و اللّه للجنة و خلقت الجنة لهم فهنيئا لهم ما على أحدكم إن لو شاء لنال هذا كله قلت: بما ذا جعلني اللّه فداك؟

قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد»۳۰۷، و تقدم في ذيل خبر زياد بن أبي سلمة ما يدل على المقام أيضا، فيستفاد من مجموع هذه الأخبار رجحانها لأجل أغراض صحيحة شرعية بل عقلائية غير منهي عنها شرعا، و لو قيل بحرمتها الذاتية لسقط الحرمة لذلك.

و أما الأخيرة فمقتضى هذه الإطلاقات جوازها أيضا إن كان فيها نفع شخصي أو نوعي للمؤمنين خصوصا إن أمضاها الحاكم الشرعي، و أما ان كان موردها مركبة من الحلال و الحرام، ففي حلاله حلال و في حرامه حرام لشمول الأدلة لهما.

الثالثة: في موارد الجواز هل يشترط أن يقصد الشخص الجهات الراجحة من أول ما يدخل في ولايتهم، أو يكفي مجرد انطباقها و لو لم يقصد ذلك؟

مقتضى الإطلاقات هو الأخير، و لكن الأحوط هو الأول.

الرابعة: لا يخفى أن خطرات هذه المناصب كثيرة و عظيمة جدا في حلالها فضلا عن حرامها، و لا يخلو منها إلا الأوحدي الذي عصمه اللّه تعالى عن الزلل و الخطاء.

لما مر من عدم الحرمة الذاتية للولاية من قبلهم لكن خطره عظيم فيما هو مشروع في نفسه فضلا عن غير المشروع.

(مسألة ٦۲): تجوز الولاية المحرمة مع الإكراه من الجائر، بأن يأمره بالولاية و يتوعده على تركها بما يوجب الضرر بدنيا أو ماليا أو عرضيا عليه (۱۷۱)، أو على من يتعلق به بحيث يكون الإضرار عليه إضرارا به عرفا، كمن يهمه أمره (۱۷۲). و يباح به ما يلزمها من المحرمات الأخر و ما يتفق في خلالها مما يصدر الإكراه به من الجائر (۱۷۳) إلا في الدماء المحترمة (۱۷٤)، و يجوز للمكره (بالفتح) تحمل الضرر المالي الذي توعد عليه، و عدم قبول الولاية عن المكره (بالكسر) (۱۷٥).

للأدلة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى شأنه‏ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً۳۰۸، و من السنة المستفيضة منها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه»۳۰۹، و قولهم عليه السّلام: «التقية في كل شي‏ء»۳۱۰، و قوله عليه السّلام: «ما من شي‏ء إلا و قد أحله لمن اضطر إليه»۳۱۱. و من الإجماع إجماع الإمامية بل المسلمين. و من العقل حكمه بتقديم الأهم على المهم.

لأنه من الإضرار بنفس المكره حينئذ بعد أن عد الإضرار بهم إضرارا عليه بحسب المتعارف، فتشمله الأدلة.

لعمومات الأدلة المتقدمة و إطلاقاتها الشاملة لها أيضا، و مقتضى إطلاق أدلة الإكراه، و عموم نفي الحرج و إطلاق قوله عليه السّلام: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية»۳۱۲، شمولها لما إذا كان الضرر المتوعد به أقل من الضرر المكره عليه أيضا فضلا عن صورة التساوي أو ما إذا كان الضرر المتوعد به أكثر إذ لا دليل من عقل أو نقل على تحمل الضرر لدفع الضرر المتوجه إلى الغير.

نعم، لو توجه الضرر إلى الشخص أولا و بالذات لا يجوز دفعه بالإضرار بالغير قطعا و المقام من الأول دون الأخير، و لكن مقتضى الأخوة الإيمانية تحمل الضرر اليسير مع التمكن ان كان الضرر المتوجه إلى الأخ الإيماني كثيرا و في المساوي ان أمكن التحمل يكون من الإيثار المطلوب.

لقولهم عليهم السّلام: «إنما جعلت التقية لتحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية»۳۱۳، و يستفاد منه ان حد تشريع التقية إنما هو ما دون الدم و لا تشريع لها في الدم.

ثمَّ أن ظاهر الإطلاقات و الكلمات إن بالإكراه يباح كل محرم- مالا كان أو عرضا- إلا القتل و لا ضمان على المكره (بالفتح) لكونه كالآلة للمكره (بالكسر) فيكون الضمان عليه و أما دفع الضرر لأجل الخوف على النفس فيحل لأجله كل محرم أيضا حتى التصرف في مال الغير مع الضمان، و الظاهر جواز دفعه بهتك عرض الغير، إذ لا يعادل نفس المؤمن بشي‏ء، و أما دفعه بقتل المؤمن فلا يجوز مطلقا.

فرع‏: صور الاضطرار إلى كل من سفك الدم، و هتك العرض و نهب المال تسعة حاصلة من ضرب الثلاثة المضطر إليها في ثلاثة الغاية أي: ما كان لأجل حفظ نفس آخر أو عرضه أو ماله، و لا إشكال في حرمة سفك الدم بجميع صوره سواء كان لحفظ نفس أو مال أو عرض، و كذا لا يجوز هتك مال لحفظ مال آخر أو هتك عرض لصون عرض آخر، و يجوز كل منهما لحفظ النفس.

هذه أصول الأقسام و يتفرع منها أقسام كثيرة أخرى يحتاج استخراجها إلى مجال واسع و فحص بليغ و ربما تأتي الإشارة إلى بعضها في موجبات الضمان، و غيرها من الموارد المتفرقة.

لقاعدة السلطنة و لأن دفع مثل هذا الضرر رخصة لا أن يكون عزيمة على ما هو المرتكز في الأذهان.

(مسألة ٦۳): يعتبر في تحقق الإكراه عدم قدرة الشخص على التفصي عن توعيد المكره (بالكسر) بما هو سهل له و لا ضرر عليه فيه (۱۷٦).

لانصراف أدلة الإكراه عنه، بل الظاهر عدم صدق الإكراه عليه عرفا خصوصا في بعض موارده.

(مسألة ٦٤): لا فرق في الدم المحقون- الذي لا يجوز سفكه لا إكراه و لا اضطرارا- بين الصغير و الكبير، و الذكر و الأنثى، و الوضيع و الشريف، و العالم و الجاهل (۱۷۷).

لإطلاق قول الصادقين عليهما السّلام: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية»۳۱4، و هل يشمل الدم مطلق الجرح أو يختص بما فيه قوام الروح؟ وجهان و المنساق من الحديث هو الأخير.

(مسألة ٦٥): يجوز أخذ الأجرة على كل مباح فيه غرض حلال، و كذا كل مكروه أيضا (۱۷۸). و كذا كل واجب كفائي نظامي لم يعلم إنه من الحقوق المجانية الدائرة بين البشر (۱۷۹). و طريق الاحتياط أخذ الأجرة فيها لغير إتيان ذات ما هو الواجب، بل لسائر الخصوصيات، كأخذ الطبيب الأجرة على الحضور عند المريض مثلا لا لنفس الطبابة (۱۸۰). و كذا يجوز على جميع المندوبات التوصلية الغير المتقومة بالمجانية (۱۸۱). و كذا في الواجب التخييري فيجوز أخذ الأجرة على اختيار الخصوصية (۱۸۲)، و لا يجوز أخذ الأجرة على الواجب العيني التعييني على الأجير (۱۸۳). و كذا الكفائي، كتجهيزات الميت (۱۸٤). نعم، لو كان واجب عيني أو كفائي محفوف بأمور مباحة أو مندوبة يصح أخذ الأجرة بالنسبة إليها (۱۸٥). و كذا لا يجوز أخذ الأجرة لتعليم الابتلائيات بين الأنام من مسائل الحلال و الحرام (۱۸٦).

لوجود المقتضى و فقد المانع فيشملها العموم و الإطلاق مضافا إلى ظهور الاتفاق.

للسيرة العقلائية في كل الأعصار و الازمان و جميع الملل و الأديان، و لم يردع عنها نبي و لا وصي نبي، بل قررت بعمومات الكتاب و السنة و سيرة الأمة حتى في عصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السّلام و لولاه لاختل النظام و بطل سوق الأنام، و لا يرضى به عاقل فضلا عن الحكيم العلام.

خروجا عن خلاف من يظهر منه عدم الجواز، و إن كان لا دليل عليه إلا بعض ما يأتي التعرض لها و لدفعها.

لإطلاقات الأدلة و عموماتها بعد فرض وجود غرض صحيح في البين كما هو المفروض، و لا مانع في البين من عقل أو شرع.

لأن اختيار الخصوصية من حيث هي ليست بواجبة فيخرج عن موضوع بحثهم من عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب، فإنه فيما لم تتحيث الواجب بحيثية زائدة على ذات الوجوب تكون مباحة حتى تشمله الإطلاقات و العمومات.

البحث في هذه المسألة السيّالة في الفقه من جهات.

الأولى‏: في أن الوجوب من حيث انه وجوب ينافي أخذ الأجرة أو لا.

الثانية: في أن أخذ الأجرة على العباديات- واجبة كانت أو مندوبة- هل ينافي العبادية أو لا.

الثالثة: في تصحيح الأعمال العبادية النيابية.

أما الجهة الأولى: فالبحث فيها.

تارة: بحسب الأصل.

و أخرى: بحسب الأدلة.

و ثالثة: بحسب الكلمات.

أما الأولى: فمقتضى الأصل العملي و إن كان عدم ترتب الأثر في كل معاوضة مطلقا إلا انه يكفينا الأصل اللفظي، أي: أصالة الإطلاق و العموم بعد وجود الغرض الصحيح في البين فلا مانع من هذه الجهة أصلا، فيكون مقتضى الإطلاقات و العمومات بعد صدق الإجارة عرفا الصحة مطلقا إلا مع الدليل على الخلاف.

و أما الثانية فلم يدع أحد نصا في هذه المسألة العامة البلوى إلا ما ورد في موارد كقوله عليه السّلام: «السحت أنواع كثيرة منها ما أصيب من اعمال الولاة الظلمة و منها أجور القضاة»۳۱٥، مع إمكان حمله على قضاة الجور و الأجر من قبل الجائرين و يأتي التفصيل في محله إن شاء اللّه تعالى، و ما ورد في الأجرة على الأذان و الصلاة كقوله عليه السّلام: «لا يصلي خلف من يبتغي على الأذان و الصلاة الأجر. و لا تقبل شهادته»۳۱٦، و ما ورد في فساد الدنيا والدين و اضمحلال الدين من قوله عليه السّلام: «و رأيت الأذان بالأجر و الصلاة بالأجر»۳۱۷، و خبر زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السّلام: «إنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين و اللّه اني أحبك للّه، فقال له: لكني أبغضك للّه قال: و لم قال عليه السّلام: لأنك تبغي في الأذان كسبا، و تأخذ على تعليم القرآن أجرا و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من أخذ على تعليم‏ القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة»۳۱۸.

و إثبات قاعدة كلية بهذه الأخبار القاصرة بعضها سندا و بعضها دلالة مما لا ينبغي و على فرض الاعتبار لا بد و إن يقتصر على موردها في الحكم المخالف للإطلاقات و العمومات.

نعم، استدلوا بوجوه أخرى مثل أن الوجوب من حيث هو ينافي أخذ الأجرة، و انه مملوك للّه تعالى و لا يجوز تمليك ملك الغير إلى شخص آخر، و ان مورد الإجارة لا بد و إن يكون مقدورا و معنى القدرة إن شاء فعل و إن شاء ترك و حيث لا قدرة للمكلف في الواجب على تركه، و في الحرام على فعله، و فلا تصح الإجارة فيهما، مع انه لا نفع للمستأجر و قد استدلوا بالإجماع أيضا.

و الكل مردود. إذ الأول: عين الدعوى و أصل المدعى و ملكية العمل للّه تعالى نحو ملكية خاصة ليست من الملكية الاعتبارية فلا تنافي السلطنة الاعتبارية مع أنها طولية كملكية أموالنا له تعالى، و كذا سائر أعمالنا و القدرة التكوينية حاصلة بالوجدان، و الوجوب لا يستلزم سلب القدرة المعتبرة في المعاوضات، و عدم النفع خلاف الفرض، إذ المفروض أن فيه غرض صحيح يرجع إليه، مع إنه لا يختص بالمقام بل هو عام في جميع الموارد إذ تبطل كل معاوضة مع عدم غرض صحيح فيها. و الإجماع لم يصرح به إلا المحقق الثاني و هو موهون لوجود القول بخلافه من أعيان الأصحاب من القدماء و المتأخرين كما لا يخفى على المتتبعين. و أما الأخيرة: فاختلفت الكلمات فيها جوازا و منعا و لم يأت المانعين إلا بما مر، مما لا يروى الغليل و لا يشفي العليل، فالمسألة بلا دليل.

و خلاصة المقال: أن الواجبات مطلقا إما أن يستفاد من القرائن المعتبرة تقوّمها بالمجانية، و إنها من الحقوق المجانية بين الناس بعضهم على بعض، أو يشك فيه أو يستظهر منها إنها غير متقوّمة بها، و في الأول لا يجوز لفرض التقوم بالمجانية، و في الثاني يجوز بعد صدق المعاوضة عليه عرفا، فتشمله الإطلاقات‏ و العمومات قهرا، و كذا في الثالث كما هو معلوم هذا نخبة الكلام في المقام، و قد تعرضنا لهذه المسألة في موارد كثيرة في هذا الكتاب‏۳۱۹.

أما الجهة الثانية: و هي أخذ الأجرة على العباديات- واجبة كانت أو مندوبة- فقالوا: في وجه عدم الجواز أن العبادة متقومة بالإخلاص و قصد القربة، و أخذ الأجرة ينافي القربة فتبطل العبادة لا محاله و ينفسخ عقد الإجارة قهرا، لأن ما وقع عليه العقد إنما هو العبادة و ما يقع من الأجير ليس منها في شي‏ء فلا تبرء ذمة المستأجر أبدا.

و يرد عليه أن العبادة متقومة بقصد القربة شرعا و عقلا و عرفا بأن تكون منبعثة عن داع قربي، بحيث يكون هو السبب القريب لإيجاد العبادة عرفا و أما كون جميع سلسلة حدوثه قربيا محضا فلا دليل من عقل أو نقل عليه.

نعم، هو مرتبة خاصة من مراتب الإخلاص لخواص الناس، كالأولياء الذين وضعوا جميع ما سوى اللّه تعالى تحت أقدامهم، فمن صلى في الصيف قريبا من المروحة مثلا ليبرد و يصلي قربة إلى اللّه تعالى و كان هذا القصد طوليا أو عرضيا بحيث لا ينافي استقلال داعوية القربة عرفا تصح صلاته، لوجود المقتضى و فقد المانع.

نعم، هو مناف لبعض مراتب الإخلاص الذي يقصر عامة الناس، عن الوصول إليه و لو لزم ذلك لبطل عبادة عامة الناس. هذا مع إمكان تفكيك مورد أخذ الأجرة و قصد القربة بأي وجه أمكن ذلك كأن يقال: أن مورد أخذ الأجرة تنزيل النفس منزلة المنوب عنه، أو تنزيل العمل منزلة عمله أو قضاء حاجته أو استمرار اخوته إلى غير ذلك مما يمكن أن يقال: هذا مع أن هذا البحث ليس له ثمرة عملية، لاتفاق النص‏۳۲۰، و الفتوى على صحة عبادة النائب عن المنوب عنه و إنما حصل التشكيك لشبهات علمية ليست معتنى به أيضا، لأن إيكال مثل هذه الأمور إلى العرف و الوجدان أولى من أصل التعرض لها و فتح باب التشكيك فيها.

ثمَّ انه قد تقدم في مسألة ٦ من فصل شرائط غسل الميت و مسألة ۹ من فصل مستحبات الأذان و الإقامة، و مسألة ۳٥ من فصل القراءة، و مسألة ۲ من فصل صلاة الاستيجار و سيأتي في مسألة ۱۳ من فصل لا يجوز إجارة الأرض لزرع الحنطة من كتاب الإجارة ما ينفع المقام و يرتبط به إذ المسألة سيّالة في كثير من الموارد.

أما الجهة الثالثة: فقد تقدم صحة الأعمال العبادية النيابية بالتفكيك بين مورد أخذ الأجرة و قصد القربة بجعل مورد أخذ الأجرة تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه، أو تنزيل عمله منزلة عمل المنوب ثمَّ يقصد القربة في ذات العمل فلا وجه وجه للإشكال من هذه الجهة كما تقدم‏۳۲۱.

لتقومها بالمجانية، و كونها من الحقوق المجانية بين المؤمنين بعضهم على بعض، و يدل عليه إجماع الإمامية أيضا.

لوجود المقتضي حينئذ و فقد المانع فتشملها الأدلة قهرا.

للإجماع، و لأنها أيضا من الحقون المجانية بين المؤمنين.

(مسألة ٦٦): يجوز أخذ الأجرة لتعليم القرآن و سائر الكمالات الدينية أو الدنيوية (۱۸۷)، و الأولى التنزه عنه في تعليم القرآن (۱۸۸) خصوصا مع الشرط (۱۸۹).

للعمومات و الإطلاقات، و ظهور الاتفاق، و خبر ابن أبي قرة قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت، فقال عليه السّلام: كذبوا أعداء اللّه إنما أرادوا أن لا يعلموا أولادهم القرآن، لو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا»۳۲۲، و عن إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السّلام قال:

«قلت له: إن لنا جارا يكتب و قد سألني أن أسألك عن عمله، قال عليه السّلام. مره إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله: إني إنما أعلمه الكتاب و الحساب و اتجر عليه بتعليم القرآن حتى يطيب له كسبه»۳۲۳، و ذيل هذا الحديث يحتمل معنيان.

أحدهما: جعل مورد الاتجار و الكسب خصوص تعليم القرآن إثباتا للحق وردا لما قاله العامة- كما تقدم في رواية ابن أبي قرة- من ان: «كسب المعلم سحت»۳۲4.

ثانيهما: جعل مورد الكسب و الحساب، و جعل تعليم القرآن من مجرد الإيجار أي: النفع المحض لا من قصد التكسب، و لا بد حينئذ من حمله على الأولوية بقرينة خبر ابن أبي قرة.

لأن تعلم كلام اللّه أجل من أن يقابل بمال الدنيا مطلقا، و لقوله عليه السّلام:

«من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة»۳۲٥.

لقوله عليه السّلام: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن أجرة القارئ الذي لا يقرأ إلا على أجر مشروط»۳۲٦، المحمول على شدة التنزه حينئذ مع إنه يمكن حمله على غير صورة التعليم و التعلم.

(مسألة ٦۷): المراد بالواجب المبحوث عنه في المقام ما إذا وجب شي‏ء على الأجير نفسه (۱۹۰)، و أما إذا وجب على غيره، و يعتبر فيه‏ المباشرة فلا بأس بأخذ الأجرة عليه فيه (۱۹۱).

لأنه المصرح في كلماتهم فراجع المطولات.

للإجماع حتى في العبادات التي تشرع فيها النيابة، فتصح النيابة للأموات في العبادات- كالحج، و الصوم، و الصلاة- بل قد تجوز عن الحي أيضا كما مر في الحج، و قد مر التفصيل في فصل الاستيجار للصلاة و الصوم و الحج فراجع.

(مسألة ٦۸): يحرم هجاء المؤمن، و كذا يحرم الهجر أي: الفحش من القول و ما استقبح التصريح به (۱۹۲).

أما الأول: فتدل على حرمته الأدلة الأربعة، لأنه إيذاء و ظلم، و يدل على حرمته ما يدل على حرمة الغيبة بالفحوى، و لا بأس به فيما إذا كانت في البين مصلحة راجحة على مفسدته بل قد تجب.

و أما الأخير: فلجملة من الأخبار منها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه حرم الجنة على كل فحاش بذي‏ء قليل الحياء لا يبالي ما قال و لا ما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان، قيل: يا رسول اللّه و في الناس شرك شيطان؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أما تقرأ قول اللّه عز و جل‏ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ- الحديث-»۳۲۷، و عن الصادق عليه السّلام في خبر أبي عبيدة: «البذاء من الجفاء و الجفاء في النار»۳۲۸، و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إن من أشر عباد اللّه من تكره مجالسته لفحشه»۳۲۹، و في خبر سماعة قال: «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام: فقال لي مبتدئا:

يا سماعة ما هذه الذي كان بينك و بين جمالك؟ إياك أن تكون فحاشا أو سخابا أو لعانا، فقلت: و اللّه لقد كان ذلك انه ظلمني، فقال عليه السّلام: إن كان ظلمك لقد أوتيت عليه، ان هذا ليس من فعالي و لا آمر به شيعتي، استغفر ربك و لا تعد، قلت: استغفر اللّه و لا أعود»۳۳۰.

و الظاهر ان الفحش مما يختلف باختلاف العادات و الأقوام و الأشخاص‏ و مورد الشك في الشبهة الموضوعية أو المفهومية البراءة و الاحتياط حسن على كل حال.

(مسألة ٦۹): لا يجوز بيع المصحف الشريف من الكافر (۱۹۳)، و يبطل أصل البيع (۱۹٤)، و الأحوط في البيع من المسلم جعل المعاوضة بالنسبة إلى الورق أو الغلاف و نحوهما، أو دفعه إليه بعنوان الهدية و دفع المشتري العوض بعنوان الهبة (۱۹٥).

لما أرسلوه إرسال المسلمات الفقهية، و يظهر منهم الإجماع عليه.

لأن ظاهر كلماتهم ان النهي و إن كان تكليفيا و لكنه لأجل عدم قابلية المنقول إليه عن صلاحية التملك فيحرم و لا يحصل أصل الملكية.

و استدل أيضا بأنه هتك لحرمة القرآن، و بفحوى المنع عن بيع المسلم إلى الكافر. و فيهما: ما لا يخفى، و ظاهرهم عدم الجواز حتى باعتبار الغلاف و الورق و نحوهما.

كما أن ظاهرهم عدم جواز الاستيجار لكتابة القرآن للكافر أيضا، بل و عدم جواز تمكينه منه و استيلائه عليه، و الدليل على ذلك كله منحصر بالإجماع لو تمَّ.

و أما التفاسير و الكتب المشتملة على الأحاديث و أسماء اللّه تعالى و الأدعية، فيصح بيعها منه، للإطلاقات و العمومات من غير ما يصلح للتقييد و التخصيص و إن كان الأحوط المنع فيها أيضا.

عن جمع من الفقهاء حرمة بيع المصحف إلى المسلم أيضا- منهم الحلي، و الشهيد، و العلامة، و المحقق الثاني- و استدلوا بجملة من الأخبار منها قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في موثق سماعة: «لا تبيعوا المصاحف فإن بيعها حرام، قلت: فما تقول في شرائها؟ قال عليه السّلام: اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف و إياك ان تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما و على من باعه‏ حراما»۳۳۱، و عنه أيضا قال عليه السّلام: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بيع المصاحف و شرائها؟ فقال عليه السّلام: لا تشتر كتاب اللّه، و لكن اشتر الحديد و الورق و الدفتين و قل: أشترى منك هذا بكذا و كذا»۳۳۲، و في خبر عبد اللّه بن سليمان قال: «سألته عن شراء المصاحف؟ فقال: إذا أردت أن تشتري فقل: اشترى منك ورقه و أديمه و عمل يدك بكذا و كذا»۳۳۳، و لأن كلام اللّه جل جلاله أجل من أن يقابل بشي‏ء من متاع الدنيا الدنية التي هي انزل شي‏ء عند اللّه تعالى فلا يقابل بكلها بعض كلامه تعالى فضلا عن بعضها، و لكن قال في الجواهر و نعم ما قال:

«و التحقيق الجواز لإطلاق الأدلة و إطلاق كثير من الفتاوي في مقام ذكر شرائط البيع و غيره حتى في مسألة بيع المصحف من الكافر، فإن كلامهم هناك بإطلاقه شامل لجواز بيعه من المسلم من غير تقييد بالآلات، بل السيرة القاطعية أقوى شاهد على ذلك.

و دعوى: انها للآلات كما ترى فإنه لا ريب في ملاحظة الكتابة ببذل الثمن»، ثمَّ استدل بخبر ابن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سألته عن شراء المصاحف و بيعها؟ فقال عليه السّلام: إنما كان يوضع الورق عند المنبر، و كان ما بين المنبر و الحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك، ثمَّ انهم اشتروا بعد، قلت: فما ترى في ذلك؟ فقال لي: أشتري أحبّ إليّ من أن أبيعه، قلت: فما ترى ان أعطي على كتابته أجرا؟ قال عليه السّلام: لا بأس»۳۳4، و خبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بيع المصاحف و شرائها؟ فقال:

إنما كان يوضع عند القامة و المنبر- إلى أن قال عليه السّلام- فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة و يجي‏ء آخر فيكتب السورة كذلك كانوا ثمَّ انهم اشتروا بعد ذلك؟ فقال:

أشتريه أحب إليّ من أبيعه»۳۳٥، و يمكن استظهار الجواز منهما و قال رحمه اللّه أيضا:

«و لعل الفقيه الماهر إذا اعطى النظر حقه في نصوص المقام و في الأصول و القواعد يقطع بما قلناه».

أقول: فيحمل موثق سماعة على مطلق المرجوحية بقرينة غيره، و لكن‏ مع ذلك الجزم بالجواز مشكل، لإمكان حمل ما يظهر منه الجواز على بعض المحامل و قد اشتهر بين المتشرعة التعبير عن اشتراء القرآن بالهدية.

ثمَّ إنه بناء على عدم صحة بيع النقوش المعبر عنها بكلام اللّه تعالى فهي باقية على ملك البائع، و انتقالها إلى ملك المشتري يصح بأحد الوجوه.

منها: التبعية كانتقال نقوش الدار- مثلا- تبعا لانتقال أصل الدار.

و منها: تملك المشترى لها بإعراض البائع عنها فبعد الاعراض تكون مما لا مالك لها، فيملكها المشتري، لوجود المقتضى و فقد المانع و هو أولى بالتمليك لكونها من توابع ملكه.

و منها: إن تمليك القرآن ينحل في الواقع إلى تمليكين بيعي، و هو بالنسبة إلى الورق و نحوه، و آخر بعنوان الهدية- مثلا- و هو بالنسبة إلى النقوش. و لا محذور بالنسبة إلى هذه الوجوه من عقل أو نقل، فيصح للمشتري ترتيب آثار الملكية على نفس النقوش أيضا. هذا مع أن للنقوش حيثيتين.

الأولى‏: كونها مظهر كلام اللّه تعالى.

الثانية: كونها عرضا خارجيا و سوادا على بياض مثلا و التفكيك بين الجهتين ممكن عقلا و يمكن اختلاف الحكم في خصوص المقام بحسبه.

و أما أبعاض القرآن التي تكون في بعض المجلات و الجرائد و نحوهما فإن كانت قليلة بحيث يكون كالشي‏ء المستهلك في المبيع فلا يشملها دليل المنع، و أما ان كانت معتنى بها عند المتشرعة فيشكل الجواز بل الظاهر المنع حينئذ.

(مسألة ۷۰): ما تأخذه الدولة من الضريبة على الأراضي جنسا أو نقدا، و على النخيل و الأشجار يعامل معه معاملة ما يأخذه السلطان العادل (۱۹٦)، فتبرأ ذمة الدافع عما كان عليه من الخراج الذي هو أجرة الأرض الخراجية (۱۹۷) بل لو لم تأخذه الدولة و أحال شخصا على من‏ عليه الخراج فدفعه إلى المحتال يحل له و تبرء ذمة المحال عليه عما اشتغلت به (۱۹۸)، و لكن الأحوط مراجعة الحاكم الشرعي و الاستيذان منه (۱۹۹). و حكم سلطان المؤالف في ذلك حكم المخالف (۲۰۰)، و الأحوط الرجوع إلى الحاكم الشرعي في هذه الأعصار (۲۰۱)، خصوصا في المؤالف (۲۰۲).

بإجماع المسلمين و المتواترة من نصوص المعصومين، و السيرة القطعية بين المؤمنين من عصر الخلفاء، و المسألة كانت من الضروريات الفقهية و انما صارت مورد البحث لشبهات عرضت إلى بعض الأذهان، و حيث بنى‏ الطبقة اللاحقة على دفعها صارت كأنها نظرية، و كيف كان فمن النصوص صحيح الحذاء عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم؟ فقال عليه السّلام: ما الإبل إلا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدق يجئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها فما ترى في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجئنا القاسم فيقسم لنا حظنا و يأخذ حظه فيعزله بكيل فما ترى شراء ذلك الطعام منه؟ فقال:

إن كان قبضة بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل»۳۳٦، و في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام: «إنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث؟ قال عليه السّلام: نعم، لا بأس به قد قبّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيبرا و أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر و الخبر:- هو النصف-۳۳۷، و في صحيح إسماعيل بن الفضل قال: «سألته في الرجل يتقبل خراج الرجال و جزية رؤوسهم و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصائد و السمك و الطير و هو لا يدري لعل هذا لا يكون أبدا أو يكون، أ يشتريه؟ أو في أي زمان يشتريه؟ يتقبل منه؟ فقال: إذا علمت ان من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبل به»۳۳۸، إلى غير ذلك من الأخبار، و تقتضيه قاعدة نفي العسر و الحرج.

و خلاصة المقال: ان سلطان العدل نزل سلطان الجور من هذه الجهة منزلة نفسه في وجوب الدفع إليه و صحة الأخذ منه من كل جهة لما تقدم.

لأن سلطان العدل و الحكومة الحقة اذن في ذلك، و نزل فعلهم منزلة فعل نفسه تسهيلا على المسلمين و تيسيرا عليهم إلى يوم ظهور الحق المبين، فإنه علم استيلاء الجور و الفساد و سلطة الباطل و انتفاء دولة الحق مع ان للمسلمين حقوقا في الأراضي المفتوحة عنوة، فلو حرم عليهم مراجعتهم بالكلية ضاق التعيش عليهم أي مضيقة، فنفس فرض كونه سلطان حق و حكومة عدل يقتضي التوسعة على الأمة في ذلك.

لأنه بعد فرض ان سلطان العدل نزل فعله منزلة فعل نفسه كما هو المنساق من الأخبار فلا فرق فيه بين ما بعد القبض و ما قبله كما في نفس سلطان العدل هذا مع تصريح المحقق الثاني بالإجماع على عدم الفرق بين القبض و عدمه. و أما تعبير الفقهاء بما يأخذه الجائر فهو إما من باب الغالب أو إن المراد به الأعم من الأخذ الفعلي و مطلق الاستيلاء عليه و لو بالحوالة.

خروجا عن خلاف من خص الإذن بما بعد القبض، و لاحتمال أن يكون أصل الإذن مختصا بما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الحاكم الشرعي، و إن ضعف هذا الاحتمال جدا في هذا الحكم الامتناني العام البلوى.

للإطلاقات المشتملة على لفظ: «السلطان» في هذا الحكم العام البلوى و المراد به كل من استولى على الأمر سواء يسمى بالسلطان أو بلفظ آخر، و سواء كان مخالفا أو مؤالفا و احتمال الانصراف إلى الأول بدوي لا يعتنى به مع عموم الحكمة و قاعدة الحرج الشامل لهما.

لعدم حصر الخراج فيها على خصوص الأراضي الخراجية بل يأخذونه من كل ما يقدرون عليه.

لما تقدم من احتمال الانصراف عنه و إن كان هذا الاحتمال‏ ضعيفا جدا.

(مسألة ۷۱): جوائز السلطان يجوز أخذها و التصرف فيها. كما يجوز أخذها بعوض من البيع و نحوه (۲۰۳).

خلاصة الكلام يقع في مقامين.

الأول‏: إن أموال الدول على قسمين.

فتارة: تكون من الملكية الشخصية- كأموالنا الشخصية- كما إذا انتقل إلى السلطان مال بالإرث، أو استقرض مالا على عهدته الشخصية و اتجر به، أو حاز مباحا بقدر شأنه الشخصي فهذا يكون ماله و يكون مسلطا عليه و في عده من أموال الدولة مسامحة واضحة، و ليس لأحد من الرعية مزاحمته فيه و لا يجب عليه صرفه في مصالحهم و هو محترم، لقاعدة السلطنة التي هي من أجل القواعد النظامية إلا إذا القى الشارع احترامه كأموال الحربي على تفصيل تقدم في كتاب الجهاد.

و أخرى: تكون لهم التصرف من حيث كونهم مديرا للعباد و البلاد و جالبا إليهم الصلاح و دافعا عنهم الفساد.

و بعبارة أخرى: من حيث كونهم مسؤول الرعية عند العقلاء في تنظيم مصالحهم الدنيوية على ما ينبغي و يليق، فليست الملكية شخصية قطعا، بل هي نوعية- كملكية الصدقات للفقراء، و الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين فهي نحو مال خاص و ملكية خاصة لهم- أن يقوم بالتصرف فيها في مصالح الرعية، و ليس لهم التصرف فيها بما ليس فيه صلاح الرعية، كما إنه ليس لآحاد الرعية التصرف فيها لنفسه أيضا، إذ المال نوعي و الملكية نوعية. و من هذا القسم الخراج، أي: ما يجعل على الأرض أو غيرها من الدراهم أو الدنانير، و المقاسمة: أي ما يقسم مع الحكومة من حاصل الأرض، و حيازة الدولة المباحات و استخراجه للمعادن و نحو ذلك من تصرفاته النوعية من حيث إنه وكيل الرعايا بزعمهم فمثل هذه‏ الأموال أموال النوع، و لا بد و أن يصرف في مصالحهم و الهيئة المديرية يدعون أنهم أمناء الصرف و المصرف.

و حيث أن أموال الدولة من موارد اختلاط الحلال بالحرام لا بد من بيان مدرك الحكم في هذا الفرع العام البلوى للمسلمين، خصوصا في هذه الأعصار التي صار العالم كأنه بيت واحد، و كثرة ارتباطات بعضهم مع بعض و البحث فيه.

تارة: بحسب القواعد العامة.

و أخرى‏: بحسب الأدلة الخاصة.

و ثالثة: بحسب الاعتبارات و الشواهد العرفية.

أما الأولى: فالمسألة من صغريات العلم المنجز فمن علم تفصيلا- أو إجمالا بعلم إجمالي منجز- بحرمة المأخوذ تماما أو اشتماله على الحرام يحرم الأخذ بلا إشكال، و مع عدم العلم التفصيلي أو الإجمالي المنجز كذلك، فمقتضى أصالة الإباحة و أصالة الصحة إباحة الأخذ و التصرف، و تقتضيها قاعدة نفي العسر و الحرج، إذ لو وجب الاجتناب لاختل النظام بلا كلام خصوصا في هذه الأعصار.

و أما الثانية: فهي ما ورد بالسنة شتى ناصة أو ظاهرة في الحلية و جواز الأخذ و التصرف و انها على أقسام.

القسم الأول‏: صحيح أبي ولاد، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلا من أعمالهم و أنا أمر به فأنزل عليه فيضيفني و يحسن اليّ، و ربما أمر بالدرهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنا و عليه الوزر»۳۳۹، و من ذيله يمكن أن يستفاد قاعدة التعميم لكل مورد كما لا يخفى.

و منها: صحيح ابن مسلم و زرارة قالا: «سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس»۳4۰.

و منها: موثق أبي المعزى قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا عنده، فقال:

أصلحك اللّه أمر بالعامل فيجيزني بالدرهم آخذها؟ قال عليه السّلام: نعم، قلت: و أحج بها؟ قال عليه السّلام: نعم»۳4۱، و في حديث آخر له: «أمر بالعامل فيجيزني بالدرهم آخذها؟ قال عليه السّلام: نعم، قلت: و أحج بها؟ قال عليه السّلام: نعم»۳4۲.

و منها: موثق يحيى بن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهم السّلام: «إن الحسن و الحسين عليهما السّلام كانا يقبلان جوائز معاوية»۳4۳.

و منها: خبر أبي بكر الحضرمي قال: «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام و عنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي السماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطي الناس؟ ثمَّ قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال:

مخافة على ديني، قال عليهما السّلام: ما منع ابن أبي السماك ان يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أن لك في بيت المال نصيبا؟»۳44، و فيه من الترغيب إلى الأخذ منهم ما لا يخفى.

و منها: موثق داود بن زربي قال: «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: اني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، أو الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثمَّ يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال عليه السّلام: خذ مثل ذلك و لا تزد عليه»۳4٥، و فيه دلالة ظاهرة على احترام ما لهم.

و منها: خبر يونس ابن يعقوب عن عمر أخي عذافر، قال: «دفع إليّ إنسان ستمائة درهم أو سبعمائة درهم لأبي عبد اللّه عليه السّلام فكانت في جوالقي، فلما انتهيت إلى الحفيرة شق جوالقي و ذهب بجميع ما فيه، و رافقت عامل المدينة بها، فقال: أنت الذي شق جوالقك فذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم، قال: إذا قدمنا المدينة فائتنا حتى نعوضك، قال: فلما انتهيت إلى المدينة دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال: يا عمر شقت زاملتك و ذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم، فقال: ما أعطاك خير مما أخذ منك فائت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك فإنما هو شي‏ء دعاك اللّه إليه لم تطلبه منه»۳4٦.

و منها: خبر قيس بن زمانة قال: «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فذكرت له‏ بعض حالي، فقال: يا جارية هاتي ذلك الكيس، هذه أربعمائة دينار و صلني بها أبو جعفر فخذها و تفرح بها»۳4۷.

و منها: خبر حسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام: «إن الحسن و الحسين عليه السّلام كانا يغمزان معاوية و يقعان فيه و يقبلان جوائزه»۳4۸.

و منها: خبر الاحتجاج عن الحسين عليه السّلام: «انه كتب كتابا إلى معاوية، و ذكر الكتاب و فيه تقريع عظيم و توبيخ بليغ فما كتب إليه معاوية بشي‏ء يسوؤه، و كان يبعث إليه في كل سنة ألف ألف درهم سوى عروض و هدايا من كل ضرب»۳4۹.

القسم الثاني‏: خبر فضل بن الربيع عن أبي الحسن موسى عليه السّلام في حديث: «إن الرشيد بعث إليه بخلع و حملان و مال، فقال: لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال إذا كان فيه حقوق الأمة، فقلت: ناشدتك باللّه ان لا ترده فيغتاظ، قال عليه السّلام: اعمل به ما أحببت»۳٥۰، و خبره الآخر: «إن الرشيد أمر بإحضار موسى بن جعفر يوما فأكرمه و أتى بها بحقة الغالية، ففتحها بيده فغلفه بيده ثمَّ أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير، فقال موسى بن جعفر عليه السّلام: و اللّه لو لا اني أرى من أزوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها أبدا»۳٥۱، حيث يظهر منهما عدم صحة الأخذ إلا للضرورة. و الحق ان القسم الأول من الأخبار غير قابلة للتقييد بمثل هذين الخبرين مع أن المال ماله عليه السّلام و يمكن حملهما على التقية من جهلة الشيعة.

القسم الثالث‏: ما ورد في الخراج و المقاسمة، و الزكاة كصحيح ابن الحجاج قال: «قال لي أبو الحسن موسى عليه السّلام: مالك لا تدخل مع عليّ في شراء الطعام إني أظنك ضيقا قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي قال عليه السّلام: اشتره»۳٥۲، و صحيح ابن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام أشترى من العامل الشي‏ء و أنا أعلم إنه يظلم؟ فقال عليه السّلام: اشتر منه»۳٥۳، و موثق أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم. فقال عليه السّلام: ما الإبل إلا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه- الحديث-»۳٥4، و في نوادر ابن عيسى قال: «سأل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن شراء الخيانة و السرقة قال عليه السّلام: إذا عرفت ذلك فلا تشتره إلا من العمال»۳٥٥.

و أما الأخيرة: فبعد علم الشارع الأقدس بهذه الحوادث و إخباره بها في جملة من الأخبار بغلبة الجور فهل يبقى التكليف بالاجتناب منجزا على كل حال أو يتغير بحسب الظروف و الأحوال، فكما أن تكليف الصلاة التي هي أهم أركان الدين يتغير بحسب حالات التقية و نحوها مقتضى سهولة الشريعة المقدسة هو الثاني و ثبوت الوزر الواقعي بالنسبة إلى الغاصبين لا ينافي التسهيل الظاهري بالنسبة إلى الرعية حفظا للنظام و تيسيرا على الأنام، و يشهد لما ذكرناه ذكر الزكاة أيضا في بعض الأخبار۳٥٦، و الأحوط المراجعة في جميع الخصوصيات إلى الحاكم الشرعي.

الثاني‏: لا يعتبر ممن يصل إليه الجائزة أو الخراج و المقاسمة من الدولة الاستحقاق، و لا أن يكون من مصارف الزكاة، للأصل و الإطلاق، و عدم ما يصلح للتقييد، مع ان الحكمة التسهيل و رفع العسر و الحرج و هي تعم الجميع، و لكن الأحوط مراجعة الحاكم الشرعي في كل ذلك كما تقدم.

ثمَّ إنه نسب إلى جمع من الفقهاء كراهة الأخذ في صورة الجواز. كما نسب إلى جمع استحباب التخميس و ادعى عدم الخلاف فيه.

أما الأول: فهو قابل للمسامحة يكفى فتوى الفقيه، فضلا عما يمكن الاستدلال به من أن أقوى سبب لجلب القلوب هو المال و التسبب إلى القلب إلى الجائر مكروه بل قد يكون حراما.

و أما الثاني: فيكفي فيه دعوى عدم الخلاف بعد البناء على المسامحة في الاستحباب.

(مسألة ۷۲): يجوز لكل أحد أن يتقبل الأراضي الخراجية و يضمنها من الدولة بشي‏ء و ينتفع بها بأي نفع محلل شاء، أو يقبلها و يضمنها لغيره‏ و لو بالزيادة (۲۰٤)، و يختص جميع ما قلناه بخصوص الشيعة (رفع اللّه‏ شأنهم)، بل يعم جميع المسلمين (زاد اللّه في شوكتهم) (۲۰٥).

البحث. تارة: في مورد الخراج و المقاسمة.

و أخرى‏: في جواز تقبل الأراضي الخراجية من الدولة.

أما الأول: مورد الخراج و المقاسمة الشرعيين انما هو في الأراضي المفتوحة عنوة أو صلحا على أن يكون الأرض للمسلمين، و أن يكون الفتح بإذن الإمام عليه السّلام، و إلا فيكون من الأنفال، كما يشترط أيضا كونها محياة حال الفتح و ثبوت كونها مفتوحة عنوة بإذنه عليه السّلام بوجه معتبر و مع عدم الإحراز كذلك فالمرجع قاعدة الاشتغال إعطاء و أخذا بعد سقوط الأصول الموضوعية من جهة التعارض، أي: أصالة عدم الفتح عنوة، و أصالة عدم كونها ملكا لشخص خاص- إماما كان أو غيره- و لكن يمكن أن يقال: إن مقتضى الإطلاقات و العمومات أن الأراضي كلها للإمام عليه السّلام فيكون هذا نحو أصل معتبر في الأراضي إلا ما خرج بالدليل، فالمشكوك يكون للإمام عليه السّلام، للإطلاقات و للعمومات فلو قلنا بأن ما تأخذه الدولة من الأنفال حكم ما تأخذه من أرض الخراج دخل ما ثبت كونه من الأنفال في حكمها أيضا، و قد تقدم في كتاب الخمس بعض الكلام، و يأتي بقية الكلام في أحكام الأراضي، و في إحياء الموات.

أما الثاني: فيدل على الجواز مضافا إلى الإجماع نصوص كثيرة.

منها: صحيح الحلبي عن الصادق عليه السّلام: «لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان»۳٥۷.

و منها: خبر فيض بن المختار قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان ثمَّ أؤاجرها من أكرتي على أن ما أخرج اللّه منها من شي‏ء كان لي من ذلك النصف و الثلث بعد حق السلطان؟ قال عليه السّلام: لا بأس به كذلك أعامل أكرتي»۳٥۸، و تقتضيه الإطلاقات و العمومات بعد تقرير الشارع لمثل هذه الأعمال من السلطان.

للإطلاقات و العمومات، و قاعدة نفي العسر و الحرج مع ان اختلاط الشيعة مع المسلمين يقتضي التعميم أيضا، و ما في بعض الأخبار: «ليس لعدونا منه بشي‏ء»۳٥۹، يمكن أن يراد به من حكم بكفره مع أنه يصح إرادة إنه ليس لهم مستقلا.

و أولا: و بالذات و إن كان يعمهم الحكم.

ثانيا: و بالعرض لأجل التسهيل على الشيعة.

(مسألة ۷۳): الأموال المشتبهة بالحرام لا تخلو عن صور أربع: فإما أن يعلم بالتفصيل إنه حرام بجميع أجزائه و جزئياته، و ليس فيه حلال أبدا. و إما أن يعلم ذلك بالعلم الإجمالي المنجز من كل جهة، أو بالعلم الإجمالي غير المنجز، أو لا علم في البين أصلا بل يكون من مجرد الشبهة فقط (۲۰٦) و لو وقع مال محرم في يده، فإما أن يعلم صاحبه و مقداره، أو لا يعلم كلا منهما، أو يعلم الصاحب دون المقدار، أو يكون بالعكس (۲۰۷).

و حكم الصورتين الأولتين هو وجوب الاجتناب، لما أثبتناه في الأصول من أن العلم الإجمالي المنجز كالعلم التفصيلي في وجوب الموافقة العملية و حرمة المخالفة، و المرجع في الأخيرتين أصالة الحلية و البراءة، لما ثبت في محله من أن العلم الإجمالي الغير المنجز مثل الشبهة البدوية في جريان أصالة البراءة و الحلية.

و قد تعرضنا لحكم جميع ما يتعلق بهذه الأقسام مفصلا في كتاب‏ الخمس في الخامس، مما يجب فيه الخمس: المال المخلوط بالحرام.

(مسألة ۷٤): لو دفع شخص مالا إلى أحد ليصرفه في طائفة، و كان المدفوع إليه بصفتهم كما إذا دفع إلى فقير مالا- زكاة أو غيرها- ليصرفها في الفقراء، أو دفع إلى سيد خمسا ليصرفه في السادة، و لم يعين شخصا معينا جاز له أن يأخذ مثل أحدهم من غير زيادة (۲۰۸) كما يجوز له أن يصرفه في عياله (۲۰۹)، خصوصا إذا قال: إن هذا المال للفقراء أو السادة و إن مصرفه ذلك (۲۱۰)، و لكن الأحوط التنزه عنه إلا بالإذن الصريح (۲۱۱).

لجملة من النصوص منها صحيح ابن الحجاج قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممن تحل له الصدقة؟ قال عليه السّلام: لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره، قال عليه السّلام: و لا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلا بإذنه»۳٦۰، و صحيح ابن يسار قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يعطي الزكاة فيقسمها في أصحابه أ يأخذ منها شيئا؟ قال: نعم»۳٦۱، و في صحيح حسين بن عثمان عن أبي إبراهيم عليه السّلام: «في رجل أعطى مالا يفرقه فيمن يحل له: إله أن يأخذ منه شيئا لنفسه و إن لم يسم له؟ قال عليه السّلام: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره»۳٦۲، و يقتضيه الظاهر أيضا، لأن مقتضى الظاهر ان المقصود صرف المال في مصرفه و المفروض إنه من مصرفه.

لفرض انهم من مصارفه و قد أذن صاحب المال أن يصرفه في مصارفه.

لظهور مثل هذه التعبيرات في الشمول له و لغيره أيضا.

لأنه نحو تحريص على الدنيا، و تشمئز نفوس العوام من ذلك، و لخبر ابن الحجاج عن الصادق عليه السّلام قال: «سألته عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو في مساكين، و هو محتاج أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه؟

قال عليه السّلام: لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه»۳٦۳، المحمول على مطلق التنزه أو على ما إذا كانت قرائن تدل على صرفه في غير نفسه.

(مسألة ۷٥): تقدم سابقا أن طلب الرزق ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة- و كذلك طلب العلم ينقسم حكمه إلى الأحكام الخمسة (۲۱۲)، و عند المزاحمة و فقد المرجح من كل جهة يرجح طلب الفقه (۲۱۳)، إن كان الطالب واجدا للشرائط.

أصل هذا التقسيم بالنسبة إليهما لعله من ضروريات الفقه، فلا إشكال فيه إنما الكلام في ترجيح أحدهما على الآخر عند التزاحم مع كثرة ما ورد في كل منهما من الترغيب و التحريض، و يختلف الترجيح باختلاف الأشخاص و الحالات و الأزمنة و الأمكنة و سائر الجهات، فقد توجب ترجيح طلب العلم و قد توجب العكس.

لقول أمير المؤمنين عليه السّلام: «أيها الناس أعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه»۳٦4، و يشهد له قول أبي جعفر عليه السّلام:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يقول اللّه تعالى: و عزتي و جلالي و كبريائي و نوري و عظمتي و علوي و ارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتّت عليه امره و لبست عليه دنياه، و شغلت قلبه بها و لم أعطه منها إلا ما قدرت له، و عزّتي‏ و جلالي و عظمتي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي و كفلت السموات و الأرضين رزقه و كنت له من وراء تجارة كل تاجر و أتته الدنيا و هي راغمة»۳٦٥، و تشهد له التجربة و التأمل في حالات العلماء الماضين (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) لأنهم كانوا في نهاية الفقر الذي قد لا يتصور فوقه فقر و قد اختاروا طلب العلم و استقاموا في ذلك فكفاهم اللّه شؤون دنياهم و آتاهم برزقهم من حيث لا يحتسبون، و ذلك سنّة اللّه التي قد جرت في عباده و لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا و لن تجد لسنّة اللّه تحويلا و لو أردنا أن نذكر في ذلك ما شاهدناه في أنفسنا و رأيناه من مشايخنا العظام لصار ذلك كتابا مستقلا و في يسير من الكثير عبرة لمن اعتبر.

فائدة: قد تعرضنا من كتاب تحف العقول الرواية المفصلة المتقدمة في ضمن المسائل و اعتمدنا عليها، و الكتاب معتبر اعتمد عليه الأصحاب منهم صاحب الوسائل، و صاحب البحار و الحدائق، و محتوياته تشهد بصدورها عن المعصوم عليه السّلام، كما لا يخفى على من كان مأنوسا بأحاديث الأئمة عليهم السّلام و أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله، و قال صاحب الكتاب في مقدمة كتابه: «و أسقطت الأسانيد تخفيفا و إيجازا و إن كان أكثرها لي سماعا و لأنها آداب و حكم تشهد نفسها» و قال الشيخ الجليل الشيخ حسين بن علي بن صادق البحراني في رسالته التي ألفها في السير و السلوك إلى اللّه على طريق أهل البيت عليهم السّلام: «و يعجبني أن انقل في هذا الباب حديثا عجيبا وافيا شافيا عثرت عليه في كتاب تحف العقول للفاضل النبيل الحسن بن علي بن شعبة من قدماء أصحابنا حتى ان شيخنا المفيد ينقل عن هذا الكتاب و هو كتاب لم يسمح الدهر بمثله» و لم أر من قدح في مؤلف هذا الكتاب و لو بأدنى قدح، و كل من تعرض له قرنه بالتجليل و التعظيم و التوثيق.

و أما نفس الكتاب الشريف فغاية ما قيل في الخدشة فيه أمور.

الأول‏: ان إخبارها مرسلة.

الثاني‏: عدم اعتناء أصحاب الجوامع الأربعة القديمة بالنقل منه، و من البعيد عدم اطلاعهم عليه.

الثالث‏: كون الحديث المتقدم الوارد في بيان معايش العباد مشتملا على الغلق و الاضطراب.

الرابع‏: إن الحديث يشبه تصنيف المصنفين في التشقيق و التقسيم.

الخامس‏: اشتمال الكتاب على النبويات.

و كل هذه الأمور باطلة و لا ينبغي الاعتماد عليها في استفادة القدح، و ما نشأت إلا عن قصور الاطلاع و عدم التتبع و الإحاطة.

أما الأول: فقد صرح المؤلف قدس سرّه في مقدمة الكتاب بوجه الإرسال و من يقول بأن هذا النحو من الإرسال يوجب القدح بعد كون المؤلف موثوقا به فيما قال في المقدمة؟ و بأي دليل يقول بذلك؟ مع إن المؤلف يصرح له بأن أكثرها سماع و لا موضوع للإرسال حينئذ.

و أما الثاني: فلا ريب في كونه أعم من القدح، إذ يمكن أن يكون لكثرة اشتهاره و اعتباره غنيا عن النقل عنه، لأن بناء أرباب الجوامع رحمهم اللّه على النقل عما كان في معرض الاندراس و الاضمحلال كما يظهر ذلك من عاداتهم رحمهم اللّه، بل و من عادة اللّه عز و جل حيث إنه كلما كان في معرض الزوال من الشريعة المقدسة يجدده بكل نحو تعلقت به إرادته الكاملة إتماما للحجة.

و أما الثالث: فلا بأس به و كم له من نظير في الأحاديث كما لا يخفى على الخبير خصوصا فيما هو منقول بالمعنى كما هو الظاهر منه.

و أما الرابع: فهو ساقط جدا، لأن التشقيق و التقسيم ورد في القرآن كما في سورة الواقعة۳٦٦، و في الأحاديث كثيرا كما في موثق ابن بكير الوارد في لباس‏ المصلي‏۳٦۷، و غيره مما يراه الناظر شاليها بأول نظره.

و أما الخامس: فهو نحو اجتراء و ظلم بالنسبة إلى نبينا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، حيث يفتخر على جميع الأنبياء بما تواتر منه: «أوتيت جوامع الكلم»۳٦۸، فيبادر جمع في النبويات إلى الإسقاط و الطرح معللا بأنه نبوي، مع إن هناك قرائن كثيرة تدل على الوثوق بالصدور و لو إن الأعلام- رفع اللّه تعالى شأنهم- بذلوا جهدهم في أن يصححوا السند بالمتن لا العكس لما وقعوا في هذه المتاعب و المشاكل.

فتلخص: أن مؤلف الكتاب ثقة جليل و التأليف معتبر لا مغمز فيه.

ثمَّ ان ما ذكر فيه من حديث أقسام معايش العباد و تفصيل القول فيه الذي نقله في الوسائل و الحدائق مطابق للقواعد العامة و موافق للمجمع عليه بين الإمامية فهو معتبر من هاتين الجهتين أيضا.

و توهم إن الإجماع إنما هو على القواعد لا على الحديث.

مخدوش: بأن ظاهر الكلمات التمسك بنفس الحديث ساكتا عن القواعد.

كما أن توهم ان الشهرة ليست جابرة لضعف السند لو كان و على فرض الجبران، فهي شهرة القدماء لا المتأخرين مخدوش أيضا، لأن اتفاق جمع من أهل الخبرة بشي‏ء على الاعتماد عليه و اتفاق جمع من أهل الخبرة بشي‏ء على الاعراض عنه مما يوجب الاطمئنان بالاعتبار في الأول، و لا أقل من إيجاب الشك فيه في الثاني، و الظاهر كون ذاك في الجملة من الفطريات العقلائية، و لا فرق في هذه الجهة بين الشهرة القدمائية و المتأخرين بعد كون من تقوم به الشهرة من أهل الخبرة، و من النقاد و الحفظة هذا بعض ما يتعلق بكتاب تحف العقول.

  1. تقدم في صفحة: ٦۳
  2. سبق في صفحة: ۳۹ و 4۳
  3. الوسائل باب: ۸٥ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۱.
  4. الوسائل باب: ۸۱ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۲
  5. الوسائل باب: ۱۰۱ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۲.
  6. الوسائل باب: ۱۰۱ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۱ و ۳.
  7. الوسائل باب: ۱۰۱ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۱ و ۳.
  8. الوسائل باب: ۱۰۱ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: ۲.
  9. الوسائل باب: ۱۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  10. الوسائل باب: ۳ من أبواب أحكام الإجارة حديث: ۱.
  11. الوسائل باب: ۸۷ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  12. الوسائل باب: ۱۳ من أبواب أحكام الملابس حديث: ۱ و ۲.( كتاب الصلاة).
  13. الوسائل باب: ۱۳ من أبواب أحكام الملابس حديث: ۱ و ۲.( كتاب الصلاة).
  14. الوسائل باب: ۲4 من أبواب النكاح المحرم حديث: ٦.
  15. راجع المجلد الخامس صفحة: ۳۰٦- ۳۱4.
  16. الوسائل باب: ٦۷ من أبواب آداب الحمام حديث: 4.
  17. الوسائل باب: ٦۷ من أبواب آداب الحمام حديث: ۲.
  18. الوسائل باب: ٦۳ من أبواب آداب الحمام حديث: ٥.
  19. الوسائل باب: ٦٥ من أبواب آداب الحمام حديث: ۱ و غيره من الأخبار.
  20. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب الإجارات
  21. الوسائل باب: ۱4٥ من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.
  22. الوسائل باب: ۱۳۰ من أبواب مقدمات النكاح حديث: ۲.
  23. الوسائل باب: ۹۸ من أبواب مقدمات النكاح.
  24. سورة الأحزاب: ۳۲.
  25. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ٦ و ۷.
  26. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ٦ و ۷.
  27. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ٦ و ۷.
  28. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  29. الوسائل باب: ۳ من أبواب أحكام المساكن حديث: ۸.
  30. الوسائل باب: ۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  31. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  32. الوسائل باب: ۳۲ من أبواب مكان المصلي حديث: ٥ و ۱۰.
  33. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.
  34. تقدم في صفحة: ۳۹ و 4۳.
  35. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳.
  36. الوسائل باب: ۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  37. الوسائل باب: ۳ من أبواب المساكن حديث: ۸.
  38. الوسائل باب: ۹4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  39. الوسائل باب: 4 من أبواب المساكن حديث: ۳.
  40. الوسائل باب: ۳ من أبواب المساكن حديث: ۱4.
  41. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب الربا حديث: ۱.
  42. الوسائل باب: 4 من أبواب المساكن حديث: ۷
  43. الوسائل باب: ۳۳ من أبواب مكان المصلي حديث: ۱ و ٦.
  44. الوسائل باب: ۳۳ من أبواب مكان المصلي حديث: ۱ و ٦.
  45. البحار ج: ٥۸ صفحة: ۲۳٥ باب: ۱۰ من أبواب السماء و العالم حديث: ۱۱.
  46. مستدرك الوسائل باب: ۲۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  47. الوسائل باب: ۲4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۷.
  48. الوسائل باب: ۲4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۱.
  49. نهج البلاغة ج: ۱ صفحة: ۱۲٤- ۱۲٥ ط: مصر مع شرح محمد عبده.
  50. الوسائل باب: ۲4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰.
  51. كنز العمال ج: ۱۰ كتاب العظمة من قسم الأقوال حديث: ۱۷4۸ و ۱۷٥۰ ط: حيدر آباد.
  52. الوسائل باب: ۲4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰.
  53. الوسائل باب: ۲4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰.
  54. راجع المكاسب ج: ۲ صفحة: ۲۹۱ ط: جامعة النجف الأشرف الدينية.
  55. الوسائل باب: ۱۳ من أبواب أحكام الدواب حديث: 4
  56. سورة البقرة: ۲۷.
  57. راجع الوسائل باب: ۱4 من أبواب آداب السفر إلى الحج حديث: ۱.
  58. الوسائل باب: ۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱
  59. تقدم في صفحة: ۳۹ و 4۳.
  60. سورة البقرة: ۱۸۸.
  61. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰ و ۱۲ و 4.
  62. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰ و ۱۲ و 4.
  63. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰ و ۱۲ و 4.
  64. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۱۰ و ۱۲ و 4.
  65. الوسائل باب: ۸ من أبواب القضاء حديث: ٥.
  66. الوسائل باب: ۸٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  67. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۱.
  68. سورة الحج: ۳۱.
  69. سورة الحجرات: ۱۱.
  70. راجع سنن ابن ماجه باب: 4 من أبواب الفتن حديث: ۳۹۳۹- ۳۹4۱.
  71. الوسائل باب: ۱۸٥ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳ و ۱ و 4.
  72. الوسائل باب: ۱۸٥ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳ و ۱ و 4.
  73. الوسائل باب: ۳۹ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ۱.
  74. سورة البقرة: ۱۹4.
  75. سورة النساء: ۱4۸.
  76. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب آداب ما يكتسب به حديث: ۷.
  77. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  78. سورة الأعراف: ۱۱۳.
  79. سورة الانعام: ۱۲۱.
  80. سورة المؤمنون: ۱4.
  81. سورة الحجر: ۲۹.
  82. البحار ج: ۱٥ باب: القلب و صلاحه و فساده صفحة: ۳۹ الطبعة الحجرية.
  83. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب ما يكتسب به و تقدم في صفحة: ۱۹۹.
  84. تقدم في صفحة: ۹4.
  85. الوسائل باب: ۱44 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.
  86. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱
  87. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥ و 4.
  88. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥ و 4.
  89. الاحتجاج ج: ۲ صفحة: ۸۱ ط النجف الأشرف و في البحار ج: ۱۰ صفحة: ۱٦۹.
  90. سورة النساء: ۲۹
  91. راجع سنن ابن ماجه باب: ۳٦ من أبواب التجارات و سنن ابي داود كتاب البيوع باب: ٥۰ حديث: ۳4٥۲.
  92. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  93. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  94. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۲.
  95. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۰.
  96. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۸.
  97. الوسائل باب: ۹ من أبواب أحكام العيوب حديث: ۱ و 4.
  98. الوسائل باب: ۹ من أبواب أحكام العيوب حديث: ۱ و 4.
  99. الوسائل باب: ۹ من أبواب أحكام العيوب حديث: ۲
  100. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳۳ و ۳٦.
  101. الوسائل باب: ۱٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥ و تقدم في صفحة: ٦۳.
  102. سورة لقمان: ٥.
  103. سورة المؤمنين: ۳.
  104. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۲.
  105. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۲.
  106. راجع الروايات الواردة في تفسير الايتين المباركتين في الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به.
  107. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  108. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  109. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  110. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  111. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  112. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦ و ۱۰ و ۱٦ و ۲۲ و ۲۳ و ۱۳.
  113. الوسائل باب: ۱٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  114. الوسائل باب: ۱٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳.
  115. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳٦.
  116. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  117. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳٦.
  118. سورة الإسراء: ۳۸.
  119. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۳ و ۱٥ و ۱٦.
  120. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۳ و ۱٥ و ۱٦.
  121. الوسائل باب: ۹۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۳ و ۱٥ و ۱٦.
  122. راجع تفسير مجمع البيان: الآية السادسة من سورة لقمان.
  123. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  124. الوسائل باب: ۲4 من أبواب قراءة القرآن حديث: ۳.
  125. الوسائل باب: ۲۲ من أبواب قراءة القرآن حديث: ۱.
  126. الوسائل باب: ۲4 من أبواب قراءة القرآن حديث: ٥.
  127. الوسائل باب: ۲4 من أبواب قراءة القرآن حديث: ٦.
  128. الوسائل باب: ۲۳ من أبواب قراءة القرآن حديث: ۲.
  129. سنن ابن ماجه باب: ۱۷٦ من كتاب إقامة الصلاة و السنة منها حديث: ۱۳۳۷.
  130. الوسائل باب: ۲4 من أبواب قراءة القرآن حديث: ۱.
  131. الوسائل باب: ۱٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  132. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۲ و ۳ و ٥.
  133. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۲ و ۳ و ٥.
  134. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ۲ و ۳ و ٥.
  135. راجع كامل الزيارات باب: ۳۲ من أبواب الزيارات.
  136. راجع كامل الزيارات باب: ۳۲ من أبواب الزيارات.
  137. المغني لابن قدامة ج: ۱۲ صفحة: 4۳ ط: بيروت، مستدرك الوسائل باب: ۲۷ من أبواب السفر إلى الحج.
  138. الوسائل باب: ۳۷ من أبواب آداب السفر إلى الحج حديث: ۱. و الخنا: الفحش.
  139. تقدم في صفحة: ۳۹ و 4۳.
  140. سورة الحجرات: ۱۲.
  141. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۹، و في كنز العمال ج: ۳ حديث: ۲۸۹۹ ط: حيدر آباد
  142. مستدرك الوسائل باب: ۱۳۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۹.
  143. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۷.
  144. راجع كنز العمال ج: ۳ حديث: ۲۹۲۳ و في إحياء العلوم ج: ۳ صفحة: ۱44.
  145. مستدرك الوسائل باب: ۱۳۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲۰.
  146. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۳.
  147. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲۰ و ۲۱.
  148. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲۰ و ۲۱
  149. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۹.ذ
  150. الوسائل باب: ۱٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲.
  151. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲۲.
  152. الوسائل باب: ۱٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳.
  153. الوسائل باب: 4۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ صفحة: ۱٥٥.
  154. تقدم في صفحة: ۱۲۰.
  155. راجع صفحة: ۱۷۰.
  156. سورة الحجرات: ۱۲.
  157. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱.
  158. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ٥.
  159. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۹.
  160. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲۱.
  161. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۷.
  162. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ٦.
  163. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ٦.
  164. مستدرك الوسائل باب: ۱۳۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۹.
  165. راجع الوسائل باب: ۱۲۲ من أبواب أحكام العشرة.
  166. مسند ابن حنبل الجزء السادس صفحة: ۲۰٦ و في إحياء العلوم ج: ۳ صفحة: ۱٥۲.
  167. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۳
  168. مستدرك الوسائل باب: ۱۳٦ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۷
  169. الوسائل باب: ۱4۳ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۰ و ۸.
  170. الوسائل باب: ۱4۳ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۰ و ۸.
  171. الوسائل باب: ۱٥٦ من أبواب أحكام العشرة حديث: ٥.
  172. الوسائل باب: ۱٥۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۳
  173. الوسائل باب: ۳۹ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ۱.
  174. الوسائل باب: ۱٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: 4
  175. مستدرك الوسائل باب: ۱۳4 من أبواب آداب أحكام العشرة حديث: ۲ و ما بعده. و في كنز العمال ج: ۳ حديث: ۳۸٥4.
  176. الوسائل باب: ۱٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ٥
  177. الوسائل باب: 4۱ من أبواب الشهادات حديث: ۱4.
  178. الوسائل باب: ۱٥۱ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲.
  179. سورة الفرقان: 44.
  180. الوسائل باب: ۷۰ من أبواب جهاد النفس حديث: ۷ و ۸.
  181. تقدم في صفحة: ۱۳۰.
  182. سورة الشورى: 4۲.
  183. سورة النساء: ۱4۸.
  184. راجع الوسائل باب: ٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ٦ و ۷.
  185. صحيح البخاري ج: ۳ كتاب الهبة باب: ۲۳ صفحة: ۱۱.
  186. الوسائل باب: ۱٥4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ٦.
  187. سورة الشورى: 4۰.
  188. سورة البقرة: ۱۹4.
  189. الوسائل باب: ۱٦ من أبواب الدين و القرض حديث: ۱.
  190. الوسائل باب: ۸٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  191. مستدرك الوسائل باب: ۱۳4 من أبواب أحكام العشرة حديث: 4، و في سنن ابن ماجه باب: ٦٥ من أبواب التجارات حديث: ۲۲۹۳
  192. الوسائل باب: 4۸ من أبواب حد الزنا حديث: ۱.
  193. الوسائل باب: ۳۹ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ۱۱.
  194. راجع رجال الكشي صفحة: ۱۳۳ ط: النجف الأشرف.
  195. الوسائل باب: الزاء- زرارة بن أعين- 4۸۹- ج: ۲۰.
  196. الوسائل باب: ۱۲۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲4
  197. راجع الوسائل باب: ۱4٥ و ۱4٦ من أبواب أحكام العشرة.
  198. الوسائل باب: ۱٥٥ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱.
  199. أصول الكافي ج: ۲ باب الظلم حديث: ۲۰ صفحة: ۳۳4 ط: طهران.
  200. راجع دعاء الثامن و الثلاثين و التاسع و الثلاثين من الصحيفة السجادية.
  201. راجع دعاء الثامن و الثلاثين و التاسع و الثلاثين من الصحيفة السجادية.
  202. الوسائل باب: ۱۲۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱.
  203. الوسائل باب: ۱۲۲ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲4.
  204. الوسائل باب: ۳ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱.
  205. الوسائل باب: ۱۰۳ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱.
  206. سورة المائدة: ۹۰.
  207. الوسائل باب: ۱۰۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۲.
  208. الوسائل باب: ۱۰۰ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱٥.
  209. الوسائل باب: ۱۰4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳.
  210. الوسائل باب: ۱۰۲ من أبواب آداب ما يكتسب به حديث: ٥.
  211. الوسائل باب: ۳ من أبواب أحكام السبق و الرماية حديث: ۳.
  212. الوسائل باب: ۱ من أبواب أحكام السبق و الرماية حديث: ٦.
  213. الوسائل باب: ۱۰4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۹ و ۱.
  214. الوسائل باب: ۱۰4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۹ و ۱.
  215. الوسائل باب: ۳٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.
  216. الوافي ج: ۹ باب: قضايا غريبة و أحكام دقيقة صفحة: ۱٦۹ الطبعة الحجرية.
  217. راجع الوسائل باب: ۸٦ و ٥٥ و ۳۹ من أبواب ما يكتسب به.
  218. الوسائل باب: ۳ من أبواب أحكام السبق و الرماية حديث: ۱
  219. الوسائل باب: ٥٦ من أبواب جهاد النفس.
  220. الوسائل باب: ۳٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  221. الوسائل باب: ٥ من أبواب حد السحق و القيادة.
  222. الوسائل باب: ۱۰ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳ و ۷.
  223. الوسائل باب: ۲۷ من أبواب النكاح المحرم و كذا الذي قبله.
  224. مستدرك الوسائل باب: ۲۳ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  225. الوسائل باب: ۲٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  226. مجمع البحرين مادة: قوف.
  227. سنن ابن ماجه باب: ۲۱ من أبواب الاحكام حديث: ۲۳4۹
  228. أصول الكافي ج: ۱ باب الإشارة و النص على أبي جعفر الثاني حديث: ۱4
  229. سورة هود: ۹۳.
  230. سورة المنافقين: ۱.
  231. سفينة البحار ج: ۲ صفحة: 4۷4 الطبعة الحجرية و في كنز العمال ج: ۳ حديث: ۳۰۸۲ صفحة:۳٥۲.
  232. الوسائل باب: ۱۳۹ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳
  233. الوسائل باب: ۱۳۸ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳.
  234. كنز العمال ج: ۳ صفحة: 4۷٦ حديث: ۳۷٥۸ طبعة حيدر آباد.
  235. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳۳ و ۳٦
  236. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳۳ و ۳٦
  237. الوسائل باب: ۱۳۹ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱ و ۳.
  238. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱ و ۲.
  239. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱ و ۲.
  240. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱ و ۲.
  241. الوسائل باب: ۱۳۸ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۹.
  242. سورة هود: ۱۱4.
  243. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲.
  244. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳.
  245. الوسائل باب: ۱۳٥ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۸.
  246. الوسائل باب: ۱4۰ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۳
  247. الوسائل باب: ۱۰۹ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲ و ۳.
  248. الوسائل باب: ۱۰۹ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۲ و ۳.
  249. سورة يوسف: ۷۰.
  250. سورة الأنبياء: ٦۳.
  251. سورة الصافات: ۸۸.
  252. الوافي ج: ۳ باب: ۳ من أبواب ما يجب على المؤمن اجتنابه صفحة: ۱٥۸ ط: الحجرية.
  253. الوسائل باب: ۱4۱ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۸.
  254. سورة النحل: ۱۰٦.
  255. سورة آل عمران: ۱۹4.
  256. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ و 4 و ٦ و ۱، ج: ۱٦.
  257. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ و 4 و ٦ و ۱، ج: ۱٦.
  258. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ و 4 و ٦ و ۱، ج: ۱٦.
  259. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ و 4 و ٦ و ۱، ج: ۱٦.
  260. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ ج: ۱٦.
  261. الوسائل باب: ۱4۱ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۱ و ٥.
  262. الوسائل باب: ۱4۱ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱۱ و ٥.
  263. الوسائل باب: ۱4۱ من أبواب أحكام العشرة حديث: ۱ و ۲ و ۸.
  264. الوسائل باب: ۲٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  265. مستدرك الوسائل باب: ۲۳ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  266. الوسائل باب: ۲٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳ و ۱.
  267. الوسائل باب: ۲٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳ و ۱.
  268. البحار ج: ۱۰ باب: ۱۳ من كتاب الاحتجاجات حديث: ۲ صفحة: ۱٦۸.
  269. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳٦.
  270. الوسائل باب: ۱۰۰ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱٥
  271. الوسائل باب: ٥۷ من أبواب مقدمات النكاح حديث: ٥۷. و في سنن ابن ماجه باب: ۱۹ من أبواب الجهاد حديث: ۲۸۱۱.
  272. الوسائل باب: 4۱ من أبواب جهاد النفس حديث: ۸.
  273. الوسائل باب: ۷۰ من أبواب جهاد النفس حديث: ۸ و ۹.
  274. الوسائل باب: 4۳ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  275. الوسائل باب: ۱4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  276. سورة هود: ۱۱۳.
  277. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱٦ و ۱۳.
  278. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱٦ و ۱۳.
  279. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  280. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  281. الوسائل باب: 44 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  282. الوسائل باب: 4٦ من أبواب جهاد النفس حديث: ۳۳
  283. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  284. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳.
  285. الوسائل باب: 4۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۷.
  286. الوسائل باب: 4٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۰.
  287. الوسائل باب: ۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  288. الوسائل باب: 4٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۲.
  289. الوسائل باب: 44 من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥.
  290. الوسائل باب: ۱۳ من أبواب الأيمان حديث: ۱٦.
  291. الوسائل باب: 4۹ من أبواب آداب التجارة حديث: ۲ و 4.
  292. الوسائل باب: 4۹ من أبواب آداب التجارة حديث: ۲ و 4.
  293. سورة البقرة: ۲۱۷
  294. سورة الرعد: ۲٥
  295. الوسائل باب: ۱٦4 من أبواب أحكام العشرة حديث: ٦
  296. راجع المجلد الرابع صفحة: ۲4۳.
  297. تقدم في صفحة: ۳۹ و 4۳
  298. سورة الهود: ۱۱۳.
  299. الوسائل باب: ۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  300. الوسائل باب: 4٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۹.
  301. الوسائل باب: 4٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.
  302. الوسائل باب: 4٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٦.
  303. الوسائل باب: 4۸ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲.
  304. سورة يوسف: ٥٥.
  305. الوسائل باب: 4٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳ و ۱ و ۲.
  306. الوسائل باب: 4٦ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳ و ۱ و ۲.
  307. راجع رجال النجاشي ٥ صفحة ۲٥٥ ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع.
  308. سورة آل عمران: ۲۸.
  309. الوسائل باب: ٥٦ من أبواب جهاد النفس.
  310. الوسائل باب: ۲٥ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ۲.
  311. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب الأيمان حديث: ۱۸ ج: ۱٦.
  312. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
  313. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
  314. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ۱.
  315. الوسائل باب: ٥ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۲.
  316. الوسائل باب: ۳٥ من أبواب الشهادات حديث: ۲ و ٦.
  317. الوسائل باب: 4۱ من أبواب آداب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: ٦.
  318. الوسائل باب: ۳۰ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱.
  319. راجع المجلد الرابع صفحة: ۱۲
  320. راجع المجلد السابع صفحة: ۳۳4.
  321. راجع المجلد السابع صفحة: ۳۳٥.
  322. الوسائل باب: ۲۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲ و ۳.
  323. الوسائل باب: ۲۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲ و ۳.
  324. ورد مضمونه في سنن ابي داود باب: ۳٦ من كتاب البيوع حديث: ۳4۱٦.
  325. الوسائل باب: ۲۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۸.
  326. الوسائل باب: ۲۹ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۷.
  327. الوسائل باب: ۷۲ من أبواب جهاد النفس حديث: ۲ و ۳.
  328. الوسائل باب: ۷۲ من أبواب جهاد النفس حديث: ۲ و ۳.
  329. الوسائل باب: ۷۱ من أبواب جهاد النفس حديث: ۸ و ۷.
  330. الوسائل باب: ۷۱ من أبواب جهاد النفس حديث: ۸ و ۷.
  331. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۱ و ۱ و ٦.
  332. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۱ و ۱ و ٦.
  333. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱۱ و ۱ و ٦.
  334. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ۸.
  335. الوسائل باب: ۳۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ۸.
  336. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥.
  337. الوسائل باب: ۸ من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة حديث: ۸.
  338. الوسائل باب: ۱۲ من أبواب عقد البيع و شروطه حديث: 4
  339. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ٥.
  340. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و ٥.
  341. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲ و ۳.
  342. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۲ و ۳.
  343. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ٦ و ۷ و ۸.
  344. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ٦ و ۷ و ۸.
  345. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ٦ و ۷ و ۸.
  346. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 و ٦ و ۷ و ۸.
  347. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۹ و ۱۳.
  348. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۹ و ۱۳.
  349. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱4 و ۱۰ و ۱۱.
  350. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱4 و ۱۰ و ۱۱.
  351. الوسائل باب: ٥۱ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱4 و ۱۰ و ۱۱.
  352. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و 4.
  353. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ۱ و 4.
  354. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥ و ٦.
  355. الوسائل باب: ٥۲ من أبواب ما يكتسب به حديث: ٥ و ٦.
  356. الوسائل باب: ۲۰ من أبواب المستحقين للزكاة حديث: ۱ و 4.
  357. الوسائل باب: ۱۸ من أبواب أحكام المزارعة حديث: ۳.
  358. الوسائل باب: ۱٥ من أبواب أحكام المزارعة حديث: ۳.
  359. الوسائل باب: 4 من أبواب الأنفال حديث: ۱۷.
  360. الوسائل باب: 4۰ من أبواب المستحقين للزكاة حديث: ۳ و ۱ و ۲.
  361. الوسائل باب: 4۰ من أبواب المستحقين للزكاة حديث: ۳ و ۱ و ۲.
  362. الوسائل باب: 4۰ من أبواب المستحقين للزكاة حديث: ۳ و ۱ و ۲.
  363. الوسائل باب: ۸4 من أبواب ما يكتسب به حديث: ۳.
  364. الوسائل باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: ۱۲.
  365. الوافي ج: ۳ صفحة: ۱٥4 باب اتباع الهوى ط: الحجرية.
  366. و هي قوله تعالى‏\i كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ\E- الآية و كذا ما ورد في سورة الكهف في قصة خضر و موسى.
  367. الوسائل باب: ۲ من أبواب لباس المصلي حديث: ۱.
  368. الوسائل باب: ۷ من أبواب التيمم حديث: 4، و في صحيح مسلم ج: ۱ صفحة: ۲۱۳ كتاب المساجد.
الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"