1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مهذب الأحكام
  8. /
  9. كتاب الديات
  10. /
  11. فصل في تزاحم موجبات الضمان
و هو فيما إذا تحقق هناك موجبان للضمان بنحو الاقتضاء فيقع البحث في أن أيهما مقدم على الآخر؟ فهنا أقسام:
الأول: ما إذا كان التزاحم من السبب و المباشر للإتلاف فيكون الأصل في هذا القسم تقديم المباشر على السبب مطلقا (۱)، إلا إذا كانت هناك قرينة معتبرة على الخلاف (۲).

سواء كانا مساويان في القوة أم كان المباشر أقوى.

لأن المباشر حينئذ كالعلة التامة للإتلاف، فيبقى السبب على مجرد اقتضائه، مضافا إلى الإجماع.

نعم لو كان المباشر بمنزلة الآلة للسبب، كالصبي و المجنون و غير هما، فحينئذ يقدم السبب، لأنه العلة التامة، و أن المباشر ضعيف جدا.

(مسألة ۱): لو كان أحدهما مباشرا للجناية و الآخر سببا لها ضمن المباشر إن كان عالما بها (۳)، و لو كان المباشر جاهلا بها فالضمان على السبب (٤).

لما مر من تقديم المباشر على السبب، و أنه كالعلة التامة لتحقق الجناية، كما إذا اجتمع الحافر و الدافع فحفر بئرا في غير ملكه و دفع آخر ثالثا إليها فسقط فيها و مات، فالضمان على الدافع، و كذا في اجتماع مؤجج النار مع الملقي فيها، إلى غير ذلك من الأمثلة.

لسقوط العلية التامة مع الجهل، فيقوى السبب، كما لو حفر بئرا في الطريق و سترها بالحشيش و غيره فدفع آخر ثالثا مع جهله بالواقعة فسقط في البئر، فالضمان على الحافر، لاستناد القتل إليه عرفا، و أن المباشر كالآلة بعد فرض جهله.

(مسألة ۲): لو أمسك شخص شخصا آخر و قتله غيره فالضمان على القاتل و كذا لو هيّأ أسباب الموت شخص- كالسلاح و الأدوية القتالة- و استعمله آخر في قتله (٥).

لما مرّ من تقديم المباشر على السبب.

نعم للحاكم الشرعي إن يعزّر المسبب من السجن المؤبد كما مر، أو غيره بما يرى فيه من المصلحة حفظا للنظام و دفعا للفساد، و كذا الحكم فيما لو أجج شخص نارا و القى آخر شخصا ثالثا فيها، إلى غير ذلك من الأمثلة.

الثاني: ما إذا اجتمع السببان فالضمان على ما هو السابق تأثيرا و إن كان حدوثه متأخرا أو مصاحبا (٦)، إن تساويا في العدوان (۷).

لاستناد التلف حينئذ إلى السابق تأثيرا لا وجودا، و هو يوجب انحصار التلف فيه.

لتساوي السببين في الاقتضاء من هذه الجهة، و إن لم يكن كذلك فالضمان على المعتدي فقط، كما يأتي.

(مسألة ۳): لو وضع حجرا في الشارع ثمَّ جاء آخر و حفر بئرا بجنبه فسقط فيها شخص بعثرته بالحجر فالضمان على واضع الحجر (۸)، بل و كذا لو حفر أحد بئرا ثمَّ وضع شخص حجرا على جنبها فسقط العاثر بالحجر في البئر و حصلت جناية فالضمان على الواضع أيضا (۹)، و لو نصب سكينا في البئر فسقط في البئر شخص على السكين فالضمان على الحافر (۱۰)، و كذا لو وضع حجرا و وضع آخر حجرا خلفه فعثر بحجر و وقع على آخر و حصلت الجناية فالضمان على الواضع الذي عثر بحجره (۱۱).

لأنه السبب للجناية عرفا، و تقدم أن الضمان على السابق تأثيرا.

لأن الوقوع في البئر و تحقق الجناية به، يستند عرفا إلى العثور بالحجر، و هو سابق في التأثير، فيكون الواضع للحجر كدافع الشخص في البئر عرفا، فإذا لم يكن عثور لم تتحقق الجناية، فالتأثير له لا للحافر.

و يظهر من ذلك أنه لا وجه لاستصحاب التأثير بالنسبة إلى الحجر، كما عن صاحب الجواهر (قدس اللّه نفسه الزكية)، لأنه بعد الصدق العرفي في كون الحجر كالدافع في البئر يكون بمنزلة الأمارة المتقدمة على الاستصحاب، كما لا وجه للاشتراك في الضمان بعد صدق الاستناد عرفا إلى واضع الحجر، كما هو واضح.

لأنه السبب، فيكون الحفر حينئذ كالإلقاء في البئر على السكين.

لما مرّ من أنه السبب المؤثر للجناية.

(مسألة ٤): لو انقلب الحجر على جانب البئر- بوضع غير آدمي كالحيوان و السيل و غيرها- و عثر به شخص و وقع في البئر فالضمان على الحافر (۱۲).

لاختصاص السببية بالنسبة إليه حينئذ، و عدم استناد وضع الحجر إلى فاعل مختار حتى يتحقق الضمان.

(مسألة ٥): لو حفر بئرا قليل العمق فعمّقها غيره فالضمان على الأول (۱۳)، نعم لو اشتركا في الحفر فالضمان عليهما (۱٤).

لاستناد السبق إليه حينئذ، فهو السبب لتحقق الجناية.

لتحقق السببية منهما، و عدم صحة الترجيح بلا مرجح.

(مسألة ٦): لو كان أحدهما عاديا دون الآخر فالضمان على المتعدي خاصة (۱٥).

لأن جهة عدوانه يوجب سبقه على غيره، كما لو حفر حفره في ملكه و جاء آخر و وضع حجرا بجنبها عدوانا فعثر ثالث بالحجر و سقط في الحفرة، فالضمان على الواضع، و هكذا.

الثالث: ما إذا كانا مباشرين في الجناية (۱٦)، كما لو اشترك اثنان أو أكثر في الجناية على شخص فالضمان على الجميع (۱۷)، و أنه بالسوية و إن اختلف قواهم (۱۸).

تقدم حكمه في المسائل السابقة من الاشتراك في الضمان بالتنصيف أو غيره، فلا وجه للتكرار مرة أخرى.

لصدق التسبيب بالنسبة إليهم، فيكون الضمان على الجميع، كما مر في قصاص النفس.

للاشتراك في التسبيب، و لا أثر لاختلاف القوى.

(مسألة ۷): لو سقط اثنان في البئر فمات كل منهما باصطدام الآخر فالضمان على الحافر (۱۹).

لأنه السابق في التسبيب.

(مسألة ۸): لو أتلف متاع غيره لغرض أهم في البين من خوف على نفس محترمة أو عرض ضمن إن لم يأذن له (۲۰)، و لو قال: الق متاعك في البحر لتسلم السفينة فلا ضمان في البين (۲۱)، و لو قال ذلك و عليّ ضمانه فهو ضامن (۲۲)، و لو قال: الق متاعك في البحر و عليّ ضمانه و على ركبان السفينة صح الضمان (۲۳).

لقاعدة الإتلاف، إلا إذا كان في البين قرينة معلومة على سقوط إذنه‏ لأجل مراعاة الأهم، و حينئذ لا أثر لإذنه و إن بقي الضمان على حاله.

للأصل، و صدور الإلقاء عن فاعل مختار باختياره و قول القائل من باب مجرد إحداث الداعي لا التسبيب منه، و هو لا يوجب شيئا أصلا، مضافا إلى ظهور الإجماع.

للإجماع، و ظهور كلامه في الالتزام بالضمان، و هذا الظهور معتبر عند العرف، و كذا الكلام في المراكب الحديثة.

سواء كان ذلك على نحو البدل أم الاشتراك في الضمان، و ذلك كله لوجود المقتضي و فقد المانع بعد رضا الجميع، و لا بأس باشتراك ذمم متعددة و اجتماعها على مال واحد سواء كان بالاشتراك أم على نحو البدل، كما أثبتنا ذلك في تعاقب الأيادي، مضافا إلى ظهور الإجماع في المقام.

و إن لم يرضوا بالضمان فيمكن أن يقال بضمانه للتمام، لدلالة مفهوم قوله على التزامه بضمان الكل إن لم يرض البقية، و لكنه مشكل، فلا بد من اتباع القرائن الحالية أو المقالية، و الأولى التصالح.

(مسألة ۹): لو قال: أحرق متاعك أو ثوبك أو اجرح نفسك و عليّ ضمانه أو أرشه فإن كان فيه غرض صحيح عقلائي فلا شي‏ء في البين (۲٤)، و إن لم يكن كذلك ففيه الضمان (۲٥).

لفرض أنه فعل صحيح عقلائي صدر من فاعل مختار بعمده و اختياره، فلا ضمان.

إن تحقق التسبيب عرفا أو الغرور، و إلا فلا وجه للضمان كما مر.

(مسألة ۱۰): لو ترك حفظ مال الغير أو ترك إنقاذ الغريق أو إطفاء الحريق مع القدرة عليها فلا ريب أنه أثم و لكن لا ضمان في البين (۲٦)، بخلاف ما لو حبس الطعام عن شخص حتى مات فإنه يضمن (۲۷).

لأن التروك كلها ليس فيها ضمان إذا كان علة التلف غيرها.

نعم لو كان الترك علة منحصرة للتلف مع كمال القدرة، كما إذا ترك الطبيب المنحصر القادر مداواة المريض عن عمد و اختيار فتلف المريض، بحيث نسب الإتلاف إليه عرفا، فللضمان وجه.

لأنه صدر منه فعل باختياره، و ترتب عليه الجناية.

(مسألة ۱۱): لو استؤجر شخص لإطفاء الحريق أو لمداواة المرضى أو لصيانة المكائن مثلا أو غير ذلك و ترك عمله بعد تمكينه من العمل و حصل منه ضرر ضمن (۲۸).

لأن مخالفته للشرط فعل تسبيبي حصل منه بعمده و اختياره، فيضمن ما ترتب عليه من الجناية.

(مسألة ۱۲): لو وقع أحد في محل خطر فتعلق لحفظ نفسه بثان و تعلق الثاني بثالث و تعلق الثالث برابع فماتوا جميعا ضمن كل واحد منهم دية الآخر (۲۹).

إن استند موت كل لا حق باستمساك السابق له، بحيث يكون السابق سببا لموت لاحقه فتخرج دية الثاني من تركة الأول، و دية الثالث من تركة الثاني، و هكذا.

و إن لم يكن كذلك بل كل سابق له نحو اقتضاء في البين، و كان الموت مستندا إليهما معا، فتسقط الدية على الجميع بالنصف أو الثلث أو الربع أو غيرها حسب الافراد، كما مر سابقا، و عليه يحمل صحيح محمد بن قيس عن‏ أبي جعفر عليه السّلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في أربعة اطلعوا في زبية الأسد فخر أحدهم فاستمسك بالثاني، و استمسك الثاني بالثالث، و استمسك الثالث بالرابع حتى أسقط بعضهم بعضا على الأسد فقتلهم الأسد، فقضي بالأول فريسة الأسد، و غرّم أهله ثلث الدية لأهل الثاني، و غرّم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية، و غرّم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة»۱، فالصحيحة مطابقة للقاعدة و على هذا لا موضوعية للزبية، بل يجرى الحكم في غيرها، كالغرق و الحرق و غير هما من مظان الخطر.

و أما رواية مسمع بن عبد الملك عن الصادق عليه السّلام: «إن قوما احتفروا زبية للأسد باليمن فوقع فيها الأسد فازدحم الناس عليها ينظرون إلى الأسد فوقع رجل فتعلق بآخر، فتعلق الآخر بآخر، و الآخر بآخر، فجرحهم الأسد فمنهم من مات من جراحة الأسد، و منهم من أخرج فمات، فتشاجروا في ذلك حتى أخذوا السيوف، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: هلموا أقض بينكم، فقضى أن للأول ربع الدية، و الثاني ثلث الدية، و الثالث نصف الدية و الرابع الدية كاملة، و جعل ذلك على قبائل الذين ازدحموا، فرضي بعض القوم و سخط بعض، فرفع ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و أخبر بقضاء أمير المؤمنين عليه السّلام، فأجازه»۲، فهي خارجة عن ما نحن فيه، لإمكان حملها على جهات أخرى، و تأثير الازدحام في الوقوع و الافتراس و غير هما مما يوجب الموت. و اللّه العالم.

(مسألة ۱۳): لو جذب إنسان غيره إلى بئر فوقع المجذوب فمات الجاذب بوقوعه عليه فالجاذب دمه هدر (۳۰)، و لو مات المجذوب ضمن الجاذب ديته (۳۱)، و لو ماتا فدم الجاذب هدر، و دية المجذوب من مال الجاذب (۳۲).

لاستناد موته إلى فعل نفسه و اختياره.

لقاعدة التسبيب إن لم يكن قاصدا للقتل، أو لم يكن الفعل مما يقتل‏ به غالبا، و إلا فعليه القود، كما مر مكررا.

لما تقدم، مضافا إلى ظهور الإجماع، و لا فرق في ذلك إن البئر كانت محفورة في ملك نفسه أو ملك الغير أو في الطريق، كل ذلك لقاعدة التسبيب، كما عرفت.

(مسألة ۱٤): لو عضّ رجل يد رجل عمدا و اختيارا فانتزعها من فيه فسقطت ثنايا العاض فلا شي‏ء عليه (۳۳).

لقاعدة التسبيب، و جواز المدافعة عن النفس، و ما عن نبينا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «في رجل عض يد رجل فانتزعها من فيه فسقطت ثنايا العاض فطلها»۳، أي أهدرها، و لا فرق في ذلك بين الزوج و الزوجة و غير هما.

(مسألة ۱٥): لو تعثّر بحجر فالضمان على واضعه (۳٤)، و لو تعثر به رجل فدحرجه ثمَّ تعثّر به آخر فالضمان على المدحرج (۳٥)، إلا إذا لم يشعر به فالضمان على العاقلة (۳٦).

لتحقق التسبيب، و قد يدخل في العمد أو في شبه العمد أو يكون من الخطأ، كما هو معلوم، و يكون الضمان في الأخير على العاقلة.

لانتساب التسبيب بالنسبة إليه حينئذ.

لأنه يكون من الخطأ المحض، و هو على العاقلة كما يأتي.

(مسألة ۱٦): لو سبّب ما يوجب الضمان ثمَّ مات أو جن فالضمان باق يخرج من أمواله (۳۷).

لبقاء السببية عرفا، فيشمله إطلاق أدلة التسبيب، و لكن الأحوط التصالح مع الورثة في الأول، و مع الولي في الثاني، لاحتمال انقطاع جهة التسبيب بعروض مثل هذه العوارض.

(مسألة ۱۷): لو سبب ما يوجب زيادة في البدن بحيث يوجب الشين أو قبح المنظر أو نحو ذلك ضمن (۳۸).

لأنه سبّب ما يوجب الضرر بالنسبة إليه، كما إذا أشربه دواء فزاد إصبعا في يده أو لحما زائدا في وجهه يشينه، و حيث إنه لم يرد تحديد شرعي في البين فلا بد فيه من الحكومة.

نعم لو كان الدواء لأجل شفاء مرض، و كان يستلزم استعماله الزيادة في الجسم، أو يستلزم ضرر آخر، فلا ضمان على الطبيب مع اطلاع المريض بذلك، و ان لم يطلعه فالطبيب ضامن لما يحدث من الضرر و الشين، إلا إذا أخذ البراءة منه، كما مر.

  1. الوسائل: باب 4 من أبواب موجبات الضمان: ۲.
  2. الوسائل: باب 4 من أبواب موجبات الضمان الحديث: ۱.
  3. النهاية لابن الأثير ج: ۳ صفحة: ۱۳٦.
الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"