1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مهذب الأحكام
  8. /
  9. كتاب الحوالة
و هي عندهم «تحويل المال من ذمة إلى ذمة» (۱)، و الأولى أن يقال إنها «إحالة المديون دائنه إلى غيره» أو «إحالة المديون دينه من ذمته إلى ذمة غيره» (۲)، و على هذا فلا ينتقض طرده بالضمان فإنه و إن كان تحويلا من الضمان للدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمته إلا أنه ليس فيه الإحالة المذكورة (۳)، خصوصا إذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه (٤) و يشترط فيها مضافا إلى البلوغ، و العقل، و الاختيار (٥). و عدم السفه في الثلاثة (٦) من المحيل و المحتال و المحال عليه، و عدم الحجر بالسفه (۷) في المحتال‏ و المحال عليه بل و المحيل (۸) إلا إذا كانت الحوالة على البري‏ء فإنه لا بأس به فإنه نظير الاقتراض منه (۹)- أمور:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أحال عامة عباده على رحمته الواسعة الغير

المتناهية- فضلا عن خاصتهم- فما أجود المحيل و ما أعظم المحال عليه و ما أرفع شأن المحتال و الصلاة و السلام على خلّص أحبائه محمد و آله الذين هم الأصل في هذه الحوالة و هم الشهداء عليها يوم القيامة.

نسب هذا التعبير إلى كل من يرى صحة الحوالة على البري‏ء كالعلامة و غيره.

وجه الأولوية أن هذين التعبيرين أجمع لخصوصيات الحوالة من التعبير الأول و كل ما كان التعريف أجمع للخصوصيات كان أحسن كما هو معلوم.

ثمَّ أنه قد تقدم غير مرة أن العقود الدائرة بين الناس في جميع الملل- و منها الحوالة- تكون بمعناها المرتكز في أذهان الأنام مورد الأحكام في الشريعة المقدسة الإسلامية و انظار الفقهاء العظام، و إن اختلفوا في بعض الجهات و الخصوصيات لا أن تكون لها حقيقة شرعية أو متشرعة كما ثبت ذلك في الأصول و في الفقه غير مرة فتفصيل الفقهاء فيها نقضا و إبراما لا وجه له.

لحكم العرف بالتفاوت بين العنوانين و تعريفهما فيكفي نفس مرتكزاتهم في التفرقة بينهما، و إن قصر بعض التعبيرات عن إفادة هذا المرتكز.

لأنه لا منشأ لتوهم الحوالة حينئذ فيه حتى من التوهم البدوي.

هذه الثلاثة من الشرائط العامة لصحة كل عقد و إيقاع فرغنا عن أدلة اعتبارها في أول البيع فراجع إذ لا وجه للتكرار.

لأن السفيه محجور عن التصرف المالي و الحوالة مستلزمة للتصرف في كل واحد من الثلاثة إما إعطاء كما في المحيل و المحال عليه أو أخذا كما في المحتال، ثمَّ ان الحوالة متقومة بأشخاص ثلاثة أحدهم الدائن و المديون معا و الآخر دائن فقط و هو المحتال و الثالث مديون فقط و هو المحال عليه، كما إذا كان زيد مديون لعمرو ألف دينار و دائن لبكر ألف دينار فيحيل عمروا إلى بكر.

حق التعبير أن يعبر ب- (الفلس) لذكر السفه قبل ذلك و الفرق بينهما أن السفه لا يجوز له التصرف لا في ماله و لا في ذمته، بخلاف المفلس، فإنه لا يجوز له التصرف في ماله و يجوز له التصرف في ذمته، كما يأتي في محله و على هذا فإذا كان المحال عليه مفلسا و قبل الحوالة على ذمته لا إشكال فيه.

أما المحتال فإن كان حجره في ماله الذي يطلبه من المحيل لا يعتبر فيه عدم الفلس فيأخذ ماله من المحال عليه و يصرفه فيما شاء و أراد، و إن كان طلبه من مورد الحجر أيضا يجوز له أخذه و لا يجوز له صرفه إلا برضاء الغرماء.

و أما المحال عليه فيجوز له قبول الحوالة في ذمته لأن المفلس غير محجور بالنسبة إلى ذمته و لا يصح في أمواله التي حجرت عليه لتعلق حق الغرماء بها.

و أما المحيل فإن كان ماله الذي عند المحال عليه من موارد حجره فلا تصح الحوالة لمكان الحجر و تعلق حق الغرماء به، و إن لم يكن كذلك بأن كان زائدا على حق الغرماء و استثنوه برضائهم و تحملوا ورود الضرر عليهم بمقدار ما استثنوه فتصح الحوالة لا محالة.

و يصح للمفلس الاقتراض على ذمته لكونه غير محجور بالنسبة إلى الذمة.

أحدها: الإيجاب و القبول، على ما هو المشهور بينهم حيث عدوّها من العقود اللازمة (۱۰)، فالإيجاب من المحيل و القبول من المحتال، و أما المحال عليه فليس من أركان العقد و إن اعتبرنا رضاه مطلقا أو إذا كان بريئا، فإن مجرد اشتراط الرضا منه لا يدل على كونه طرفا و ركنا للمعاملة (۱۱).و يحتمل أن يقال يعتبر قبوله أيضا (۱۲) فيكون العقد مركبا من الإيجاب و القبولين (۱۳)، و على ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللازمة من الموالاة بين الإيجاب و القبول و نحوها، فلا تصح مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما بأن أوقع الحوالة بالكتابة (۱٤). و لكن الذي يقوي عندي كونها من الإيقاع (۱٥) غاية الأمر اعتبار الرضا من المحتال أو منه و من المحال عليه و مجرد هذا لا يصيره عقدا (۱٦)، و ذلك لأنها نوع من وفاء الدين (۱۷) و إن كانت توجب انتقال الدين من‏ ذمته إلى ذمة المحال عليه (۱۸)، فهذا النقل و الانتقال نوع من الوفاء و هو لا يكون عقدا و إن احتاج إلى الرضا من الآخر كما في الوفاء بغير الجنس (۱۹) فإنه يعتبر فيه رضى الدائن و مع ذلك إيقاع، و من ذلك يظهر أن الضمان أيضا من الإيقاع (۲۰) فإنه نوع من الوفاء و على هذا فلا يعتبر فيهما شي‏ء مما يعتبر في العقود اللازمة و يتحققان بالكتابة و نحوها (۲۱)، بل يمكن دعوى أن الوكالة أيضا كذلك (۲۲)، كما ان الجعالة كذلك و ان كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر (۲۳)، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول: «أنت مأذون في بيع داري» أو قال: «أنت وكيل» مع أن الأول من الإيقاع قطعا (۲٤).

أرسل ذلك في الكتب الفقهية إرسال المسلمات و عد في عداد الضروريات الفقهية.

لأنه لا ريب في أن اعتبار رضاء أحد في عقد أعم من كونه طرفا للعقد، كاعتبار رضاء العمة في نكاح بنت الأخ، و رضاء الأب في نكاح بنته البكر بناء على اعتباره و نحوهما.

اعترف في الجواهر بعدم وجدان القائل به و يمكن أن يراد بالقبول وجود مبرز ظاهري لرضاه لا القبول الاصطلاحي المعتبر في العقد، و العرف يساعد على اعتبار هذا خصوصا في الحوالة على البري‏ء و الحوالة بغير جنس ما على المحال عليه فيصير هذا النزاع بينهم لفظيا فراجع الكلمات.

و لا محذور فيه، كما أنه يصح انحلاله في الواقع إلى عقدين، و هو أيضا صحيح كما في انحلال كل عقد يقع على بيع ذات أجزاء أو جزئين.

و تلخيص القول في الحوالة ان الوجوه المحتملة أربعة:

الأوّل‏: كونها عقدا منحلا إلى عقدين أو مركبا من قبولين معتبرا فيه جميع ما يعتبر في سائر العقود و لا بأس ثبوتا و لكن لا دليل عليه إثباتا.

الثاني‏: عين الوجه الأوّل بتوسعة فيه بما لم يوسع في سائر العقود من الموالاة و نحوها، و هو أيضا صحيح و تقتضيه السيرة في الجملة.

الثالث‏: عدم اعتبار قبول المحال عليه و كون منعه مانعا لا أن يكون قبوله شرطا و له وجه وجيه ثبوتا.

الرابع‏: كونها إيقاعا و هو ما كان قائما بشخص واحد في مقابل العقد القائم بشخصين.

و لكن المتحصل من مجموع كلماتهم ان الإيقاع على قسمين:

الأوّل: ما كان قائما بشخص واحد بلا توقف على رضاء شخص آخر كالطلاق و الظهار و الإيلاء و الإقرار و العتق و نحوها.

الثاني: ما كان قائما بشخص واحد و توقف على رضاء شخص آخر كنذر الزوجة مع الزوج أو الولد مع الوالد، و المشهور جعلوه من الإيقاع أيضا كما جعلوا الخلع من الإيقاع مع أنه يتوقف على رضاء الزوجة و بذلها المال، و عن‏ جمع- منهم المحقق- جعل الجعالة من الإيقاع مع أنها تتوقف على رضاء العامل.

مع انهم ذكروا التفليس و الحجر في العقود و لا ريب في عدم كونهما منها إلا بتكلف أن الغرماء يطلبون من الحاكم الحكم بالتفليس، أو أن الحاكم يحكم بالحجر إذا طلب منه ذلك بعد ثبوت السفه و نحوه من موارد الحجر.

و عن جمع جعل الوقف و الوصية من الإيقاع أيضا، و يأتي تفصيل ذلك كله في محله إن شاء اللّه تعالى، فيصح أن تكون الحوالة من القسم الثاني من الإيقاعات، و ليس حصر العقود و الإيقاعات فيما ذكروه حصرا عقليا أو تعبديا شرعيا حتى لا يصح التغيير و التبديل، بل هو من اجتهادات الفقهاء و استقرائهم و يمكن أن يكون نظر آخرين على خلافهم فيتبع الآخر إن أقام الدليل على بطلان قولهم، و مع عدم ذلك و استناد قول الآخرين إلى حجة معتبرة لا بد من التأمل في ترجيح أحد القولين.

مقتضى السيرة أو سعية الأمر في الحوالة من سائر العقود خصوصا في هذه الأعصار فقد وسع الأمر في البيع الذي هو أم العقود فكيف بالحوالة؟! و قد شاع إنشاء البيع بالكتابة مع عدم تعاط بينهما في البين، بل الثمن في المصرف و المبيع في المخزن حتى مع التمكن من اللفظ، و كذلك في الحوالة كما هو الشائع.

أشكل عليه.

تارة: بأنه ضعيف.

و أخرى: بأن دليله أضعف منه.

و ثالثة: بأنه ممتنع.

و الكل باطل. أما الأول: فلأنه من مجرد الدعوى كما يظهر وجهه فيما يأتي، و لم يعلم مخالفته بالمعنى الذي يبينه من الإيقاع، فخلاصة ما قالوا فيه: إن الحوالة و الضمان متغايران مع الوفاء إذا الوفاء تأدية الدين إلى مالكه و المديون هو المسلط على ذلك و ليس لصاحب الدين الامتناع منه مع حلول الدين، و المحيل لا يؤدي ما في ذمته إلى مالكه بل ينقله إلى ذمة أخرى، و هو تصرف في ذمة الغير و في ملكه بلا إذن منه فلا بد من القبول فتكون عقدا لا إيقاعا.

و فيه: أنه مغالطة بين قسمي الإيقاع إذ لا يقول أحد بأن الحوالة و الضمان إيقاع كالعتق و مطلق الطلاق، كيف و هم يصرحون باعتبار الرضاء من المحتال و المحال عليه بل المراد من الإيقاع في المقام عدم الاحتياج إلى القبول كالعقود، و هو أعم من عدم اعتبار الرضا فيكون المقام كنذر الزوجة و الولد بالنسبة إلى رضاء الزوج و الوالد، فكما أن فيهما يكفي الرضاء كيف ما تحقق من دون اعتبار ما يعتبر في الإيجاب و القبول فكذا في المقام.

و من ذلك يظهر ما في دعوى الامتناع مع أنه لم يأت بدليل له إلا ما مر من انها حينئذ تصرف في مال المحتال حينئذ من دون رضاه.

كما في نذر الزوجة و الولد المعتبر فيه رضاء الزوج و الوالد.

لأن الجامع القريب العرفي بين الوفاء و الحوالة و الضمان تفريغ الذمة، و له مراتب متفاوتة فعنوان الجامع يصح أن يكون قائما بشخص واحد.

نعم، بعض مراتبه يحتاج إلى رضاء آخر بحسب الخصوصيات الخارجية، و ذلك لا يوجب تباين الذات و الحقيقة فيكون المقام‏ كأنواع البيوع المتحدة بحسب الذات و المختلفة بحسب الخصوصيات، و ليس مراده قدس سرّه انها عين حقيقة الوفاء حتى يرد عليه إشكال بعض الشراح و المحشين (رحمة اللّه عليهم).

هذا بيان للفرق بين مطلق الوفاء و الحوالة، و لا بأس به بعد كون الجامع القريب بينهما تفريغ الذمة و وفاء الدين في الجملة.

فإن العرف يراه وفاء لا أن يحكم بأنه معاوضة بين الدين و الجنس الآخر.

و لا محذور فيه من عقل أو نقل كما تقدم و إن كان المشهور ذكروه في العقود «و رب شهرة لا أصل لها».

للإطلاقات و العمومات بعد صدق العنوان المعهود على كل ذلك عرفا، بل يصح التمسك بأصالة الصحة أيضا.

قال رحمة اللّه في كتاب الوكالة من الملحقات: «و الأقوى عدم كونها (أي الوكالة) من العقود فلا يعتبر فيها القبول».

أقول: لتقوم الوكالة بالإذن في العمل المأذون فيه سواء حصل القبول من المأذون أو لا، و قد ذكروا أنه لو قال: وكلتك في بيع داري فباعه صح البيع و إن لم يحصل منه قبول، بل و إن غفل عن النيابة و الوكالة لأن ذلك قبول لإيجاب الموكل.

و توهم: أنه يعتبر رضاء الوكيل و كلما يعتبر فيه رضاء شخص آخر في عقد.

ممنوع: صغرى و كبرى، نعم الغالب فيها ذلك و الإشكال عليهم (رحمهم اللّه تعالى) انهم خلطوا الغالب بالحقيقة.

و أما عن جمع من مشايخنا من وضوح الفرق بين الإذن و الوكالة فإن أرادوا به الفرق الاعتباري الغالبي فهو حق، و إن أرادوا به الواقعي الحقيقي فهو أول الدعوى، و قد ذهب الماتن رحمة اللّه إلى أن الوقف و الوصية أيضا من الإيقاع، و يأتي تفصيل ذلك كله في محله إن شاء اللّه تعالى.

تقدم أن مجرد اعتبار الرضا من الطرف لا يدل على كونه من العقود.

و جامع الإذن متحقق فيهما و متقوم لهما.

نعم، للوكالة جهات خاصة مطلق الإذن يكون أعم منها إلا إذا قيد الإذن بها أيضا، فيكون للإذن و الوكالة مراتب كثيرة متفاوتة لا بد و إن يلحظ كل مرتبة من الإذن في عرض مرتبة من الوكالة لا أن تختلط المراتب.

فما عن بعض مشايخنا (رحمهم اللّه تعالى)۱: «ان الوكالة تفويض و إعطاء سلطنة و ذلك لا يحصل إلا بالقبول» صحيح في الوكالة المطلقة لا مطلق الوكالة كما عرفت.

الثاني: التنجيز (۲٥) فلا تصح مع التعليق على شرط أو وصف، كما هو ظاهر المشهور و لكن الأقوى عدم اعتباره- كما مال اليه بعض متأخري المتأخرين.

ذكروا اعتباره في عامة العقود و بعض الإيقاعات و لم يذكروا له دليلا صحيحا من عقل أو نقل، و لكنهم اعتمدوا فيه على الإجماع المتسالم بينهم خلفا عن سلف.

و احتمال استناد إجماعهم على ما ذكروه من الأدلة المخدوشة، موجود فالاعتماد عليه مشكل و رفع اليد عنه مع هذا التسالم أشكل؛ مع أنه لم يذكر هذا الشرط المحقق في الشرائع و الشهيدان في الروضة و شرحها، و لم يتعرض له في الجواهر أيضا في المقام و كذا غيرهم، و مع ذلك كيف يعتمد على مثل هذا الإجماع، مع أن المتعرضين عبر بعضهم بالتنجيز و آخر بعدم التعليق فراجع شرائط عقد البيع.

الثالث: الرضا من المحيل و المحتال بلا إشكال (۲٦)، و ما عن بعضهم (۲۷) من عدم اعتبار رضى المحيل فيما لو تبرع المحال عليه بالوفاء بأن قال للمحتال: «أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي»، و حينئذ فيشترط رضى المحتال و المحال عليه دون المحيل لا وجه له إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان (۲۸)، و كذا من المحال‏ عليه إذا كان بريئا أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه (۲۹) و أما إذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف (۳۰).و لا يبعد التفصيل (۳۱) بين أن يحوله عليه بما له عليه بأن يقول أعطه من‏ الحق الذي لي عليك، فلا يعتبر رضاه فإنه بمنزلة الوكيل (۳۲) في وفاء دينه و إن كان بنحو اشتغال ذمته للمحتال و براءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة (۳۳) بخلاف ما إذا و كله فإن ذمته المحيل مشغولة إلى حين الأداء (۳٤) و بين أن يحوّله عليه من غير نظر إلى الحق الذي له عليه على نحو الحوالة على البري‏ء فيعتبر رضاه لأن شغل ذمته (۳٥) بغير رضاه على خلاف القاعدة، و قد يعلل (۳٦) باختلاف الناس في الاقتضاء فلا بد من‏ رضاه، و لا يخفى ضعفه (۳۷) كيف و إلا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره مع أنه لا إشكال فيه (۳۸).

للإجماع المحصل بين الفقهاء و المستفيض نقله عنهم، و للسيرة العملية بين المتشرعة بل الناس.

لم يتعرضوا أن هذا البعض من الخاصة أو من العامة، و على كل تقدير هو ممن يصلح لأن يعتني بقوله أو لا، و إن كانت العبارة المذكورة في المتن ذكرت في جملة من الكتب.

لصدق نقل ما في ذمة إلى ذمة أخرى عليه عرفا، و يلزم ذلك التعهد أيضا فتشمله أحكام الضمان قهرا، إن قلنا بصحة إنشاء عقد بما هو من ألفاظ عقد آخر و إلا فمقتضى الأصل عدم صحة ترتيب آثار الضمان و لا آثار الحوالة عليه، و مثل ذلك كل مورد كان فيه تعهد للدين في الجملة بحيث يصح انطباق الضمان عليه و أنشأ بلفظ الحوالة.

لأصالة عدم براءة ذمة المحيل بمثل هذه الحوالة ما لم يقبل المحال عليه بعد الشك في شمول أدلة الحوالة لمثلها، و لقاعدة السلطنة فإن التصرف في ذمة البري‏ء أو في ذمة شخص بغير ما في ذمته مخالف لسلطنته المطلقة فلا يصح إلا برضاه.

نسب إلى المشهور بل ادعى الإجماع على اعتبار رضاه في هذه الصورة أيضا و هو الذي يقتضيه مذاق الفقاهة و مرتكزات المتشرعة مع كثرة اختلاف الأغراض و الرغبات في هذه الأمور، و يمكن أن يستدل بأصالة عدم سلطنة المحتال على المحال عليه إلا برضاه، و كذا أصالة عدم تسلط المحيل على إعطاء سلطنته للمحتال على المحال عليه إلا برضاه لاختلاف الأشخاص في السلطات وجدانا.

و دعوى: ان سلطنته في الجملة على المحال عليه ثابتة بلا إشكال فينقلها إلى المحتال.

فاسدة: لأن سلطنته انما هو في طلب ماله و على ما في ذمته بحسب الموازين الشرعية، و أما سلطنته على إعطاء عين هذه السلطة إلى شخص آخر فمقتضى الأصل عدمها إلا إذا ثبت بدليل شرعي.

و دعوى: ان ما في ذمة المحال عليه ملك للمحيل و هو مسلط على ملكه كيف ما يشاء فله إعطاء ملكه إلى من شاء.

مخدوش .. أولا: بأنه عين الدعوى الأوّل.

و ثانيا: بأن ملك ما في الذمة شي‏ء و التسليط على نفس الذمة شي‏ء آخر، و لا ملازمة بين ثبوت التسلط الأوّل و التسليط الثاني.

إن قيل: فعلى هذا لا يصح بيعه أيضا إلى شخص آخر إلا برضا المحال عليه لأنه نحو تسليط للمشتري على ما في ذمة المحال عليه، و كذا الوكالة في استيفائه لأنها نحو تسلط على ذمة الغير.

يقال: الفارق ظهور الإجماع على جوازهما بدون رضاه بخلاف الحوالة، و نسب إلى أبي الصلاح عدم اعتبار رضاء المحال عليه، و تبعه بعض آخر و استدلوا على ذلك ..

تارة: بأن الحوالة عبارة عن اقامة المحيل المحتال مقام نفسه.

و أخرى‏: بأن الحوالة إلقاء للدين بمال المحيل الذي يكون في ذمة المحال عليه.

و ثالثة: بمنزلة توكيل للمحال عليه في وفاء دين المحيل.

و الكل مخدوش: إلا إذا رجع إلى ما يأتي من التفصيل.

ظاهره رحمة اللّه من هذا التفصيل أن الحوالة قد يكون توكيل من المحيل للمحتال لأخذ دينه من المحال عليه كما نسب إلى أبي الصلاح و من تبعه و جعل، ذلك دليلا لعدم اعتبار رضاء المحال عليه.

و يرد عليه .. أولا: إن الوكالة و الحوالة عنوانان متغايران لا ربط لأحدهما بالأخرى.

و ثانيا: إن الوكالة أيضا تتوقف على رضاء الوكيل، و يمكن أن يكون المراد أن ذات الحوالة على قسمين:

الأوّل‏: ما كان فيها تسليط للمحتال على المحال عليه لأخذ الدين، و حينئذ نحتاج إلى قبول المحال عليه لفرض أنها تسليط على الغير و لا يصح ذلك بدون رضاه.

الثاني‏: ما كان فيها جعل الدين تحت اختيار المحتال و إلقاء الدين نحوه إلقاء اعتباريا و حينئذ بقبول المحتال تتم الحوالة كما إذا رمى المال خارجا نحو المحتال فأخذه فلا فرق بين الإلقاء و الرمي الاعتباري و الخارجي من هذه الجهة، و على هذا فالتعبير بالوكالة فيه مسامحة واضحة، و هذا التقسيم حسن ثبوتا و موافق للأذهان المتعارفة إثباتا و الجامع القريب بين القسمين انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال.

هذا تشبيه من جهة في الجملة لا أن يكون المراد أن هذا القسم من الوكالة حقيقة حتى يثبت نقيض المطلوب، و ذلك لفرض اعتبار رضاء الوكيل في صحة الوكالة بالضرورة هذا بناء على ما بينا في مفاد التفصيل.

لفرض أن المحيل كأنه رمى دينه إلى المحتال و قبله المحتال أيضا، فلا وجه بعد ذلك لبقاء اشتغال ذمة المحيل.

لأن الوكالة لها طريقية إلى الأداء لا أن تكون لها موضوعية بخلاف الحوالة في المقام فإن لها موضوعية برأيه المحيل بعد قبول المحتال.

هذا تعليل لاشتراط الحوالة إلى البري‏ء بقبوله و هو صحيح لا إشكال فيه.

ذكر هذا التعليل جمع منهم صاحب المسالك و هو صحيح عرفا إذ ربما يكون مطالبة شخص عن شخص آخر يعد هتكا و توهينا عند‏ المتعارف فكم فرق بين مطالبة شخص متدين متشرع و مطالبة عامي لا يعتني بقيم الأشخاص أبدا، و نعوذ باللّه من سوء الاقتضاء.

ظهر مما مر أنه متين.

لو لم يكن إجماع في البين لقلنا فيه أيضا بذلك خصوصا مع كونه مستلزما للهتك.

الرابع: أن يكون المال المحال به ثابتا في ذمة المحيل سواء كان مستقرا أو متزلزلا، فلا تصح في غير الثابت سواء و جد سببه كمال الجعالة قبل العمل و مال السبق و الرماية قبل حصول السبق أو لم يوجد سببه أيضا كالحوالة بما يستقرضه، هذا ما هو المشهور (۳۹) و لكن لا يبعد كفاية حصول السبب (٤۰) كما ذكرنا في الضمان بل لا يبعد الصحة فيما إذا قال أقرضني كذا و خذ عوضه من زيد فرضي و رضي زيد أيضا، لصدق الحوالة (٤۱) و شمول العمومات، فتفرغ ذمة المحيل و تشتغل ذمة المحال بعد العمل و بعد الاقتراض.

و غن جمع دعوى الإجماع عليه، منهم صاحب الحدائق.

و قد يقال إن ذلك مقتضى مفهوم الحوالة أيضا، فلا يتحقق هذا المفهوم بدون ذلك.

و فيه: أنه على فرض صحته أعم من الثبوت الحقيقي و الاعتباري الذي يكفي فيه المعرضية العرفية.

بأن يكون للدين معرضية قريبة للثبوت بحيث يصح تنزيل هذه المعرضية منزلة الثبوت عند متعارف الناس، و تقدم الكلام في الشرط الثامن من الشرائط صحة الضمان فراجع، فإنه متحد مع الحوالة من هذه الجهة في دليل الجواز و المنع نقضا و إبراما و اشكالا و حلا.

صدقا ترتيبا عرفا و هو يكفي فيكون فردا من الحوالة.

و أشكل عليه .. تارة: بأنه صحيح، و لكنه ليس من الحوالة و لا عقد الضمان، بل من باب الاستيفاء الموجب للضمان.

و أخرى: بأنه يرجع إلى التعليق و هو مما يوجب البطلان.

و ثالثة: بأن مفاد هذه الجملة أن العوض قد يؤخذ من زيد لا أن الدين ينقل إلى ذمة زيد.

و الكل مخدوش .. أما الأوّل‏: فلأن المفروض قصد الحوالة مع أنه لا بأس بانطباق عناوين متعددة صحيحة على شي‏ء واحد، و حينئذ يكون المدار على ما هو المقصود.

و أما الثاني‏: فلأن المناط في التعليق المبطل على ظاهر الكلام لا على إمكان الإرجاع إلى التعليق، و الا فيمكن إرجاع جملة مما لا تعليق فيه إلى المعلق.

و أما الثالث‏: ففيه مضافا إلى أنه مناقشة مثالية- و ليس ذلك من دأب العلماء- انه مع تبانيهما على الحوالة و قصدهما لها كيف يتحقق ذلك، فالإشكال الصحيح منحصر بأن في الحوالة إن كان ثبوت الدين فعلا معتبرا لا تصح الحوالة و إن كانت المعرضية القريبة العرفية كافية تصح، و الثاني أقرب إلى الأذهان المتعارفة و الأول جمود من الفقهاء من غير دليل عليه و إن كان هو الأحوط.

الخامس: أن يكون المال المحال به معلوما جنسا و قدرا للمحيل و المحتال، فلا تصح الحوالة بالمجهول على المشهور (٤۲) للغرر، و يمكن أن يقال بصحته إذا كان آئلا إلى العلم (٤۳) كما إذا كان ثابتا في دفتره على‏ حد ما مر في الضمان من صحته مع الجهل بالدين، بل لا يبعد الجواز مع عدم أوله إلى العلم بعد إمكان الأخذ بالقدر المتيقن (٤٤)، بل و كذا لو قال «كلما شهدت به البينة (٤٥) و ثبت أخذه من فلان». نعم، لو كان مبهما كما إذا قال: «أحد الدينين اللذين لك علي خذ من فلان» بطل (٤٦)، و كذا لو قال «خذ شيئا من دينك (٤۷) من فلان»، هذا و لو أحال الدينين على نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحته لعدم الإبهام فيه حينئذ (٤۸).

و عن النهاية دعوى الإجماع عليه.

أولا قريبا عرفا، و أصل النزاع في نظائر المقام مبني على أن الغرر المنفي شرعا و الذي لا يقدم عليه العقلاء في عقودهم و عهودهم صرف وجود الغرر و لو آنا ما، أو الغرر الثابت المستقر المستلزم للخطر و الخسران بالنسبة إلى من أقدم عليه، الظاهر هو الثاني و مع الشك فالمرجع العمومات و الإطلاقات إن صدق عنوان العقد الخاص عليه عرفا، و مع تشكيك العرف في الصدق و عدمه فالمرجع أصالة الصحة، ثمَّ انه قد تكرر منا أن قاعدة نفي الغرر من القواعد النظامية العقلائية يكفي فيها عدم ثبوت الردع، و لا نحتاج فيها إلى ثبوت دليل خاص من الشرع.

لأن وجود القدر المتيقن كالمعلوم فيخرج بذلك عن الغرر.

لعدم الغرر فيه عند متعارف الناس.

إن قيل: فليكن مثله صحيحا في جميع العقود مثل أن يقول: «بعتك بما يعينه أهل الخبرة من الثمن»، أو يقول: «آجرتك بما يعينه أهل الخبرة من الأجرة» و كذا في سائر المعاوضات يقال: لا بأس بالصحة بعد عدم الغرر فيها عرفا، و عدم استنكار المتشرعة و متعارف الناس لذلك.

علل البطلان في المقام و نظائره بأن المردد لا تحقق له لا خارجا و لا ذهنا فلا موضوع على هذا للحوالة التي هي من الاعتباريات المحتاجة إلى الموضوع، و هذا عين الإشكال الذي ذكروه في الواجب التخييري و الواجب الكفائي و أتعبوا أنفسهم في الجواب مع أن تصوير الواجب التخييري و الواجب الكفائي في الأذهان العرفية أوضح مما أجابوا به، مضافا إلى ظهور الخدشة في‏ كل واحد من الأجوبة كما فصلناه في الأصول، و لكن لا بد من التفصيل في المقام بأنه مع تساوي الدينين من كل جهة كما و كيفا يلحظ فيه الجامع القابل للانطباق على كل واحد منهما، و هو متعين يصح تعلق الحوالة به و إن كان مختلفا يكون المتيقن هو مورد الحوالة و العرف يساعد على هذا التفصيل فلا وجه للبطلان بقول مطلق.

الظاهر صحة الرجوع فيه إلى القدر المتيقن العرفي لا الدقي العقلي حتى يقال: بأنه مستهجن و القدر المتيقن العرفي يختلف باختلاف مقدار الدين و الأشخاص و سائر الخصوصيات.

لأن عنوان الواجب التخييري مبين و معلوم عند عامة الناس، و ما ذكره العلماء في الأصول في تصويره بحث علمي دقي عقلي لا أن يكون عرفيا، و الأدلة منزلة على العرفيات لا الدقيات العقلية، و الفرق بين هذه الصورة و الصورة السابقة التي حكم فيها بالبطلان أن في هذه موضوع الحوالة عنوان التخيير و هو معلوم مبين عرفا، و في سابقة هو ذات المعنون المردد مع أنا ذكرنا وجه الصحة فيها أيضا.

السادس: تساوي المالين أي المحال به و المحال عليه جنسا و نوعا و وصفا على ما ذكره جماعة (٤۹) خلافا لآخرين (٥۰) و هذا العنوان و إن كان عاما (٥۱).إلا أن مرادهم- بقرينة التعليل بقولهم تفصيا من التسلط (٥۲) على المحال عليه بما لم تشتغل ذمته به إذ لا يجب عليه أن يدفع إلا مثل ما عليه- فيما كانت الحوالة على مشغول الذمة (٥۳) بغير ما هو مشغول الذمة به كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير بأن يدفع بدل الدنانير دراهم، فلا يشمل ما إذا أحال من له عليه الدراهم على البري‏ء بأن يدفع الدنانير أو على مشغول الذمة بالدنانير بأن يدفع الدراهم و لعله لأنه وفاء بغير الجنس برضى الدائن، فمحل الخلاف ما إذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس، و الوجه في عدم الصحة ما أشير إليه من أنه لا يجب عليه أن يدفع إلا مثل ما عليه، و أيضا الحكم على خلاف القاعدة و لا إطلاق في خصوص الباب و لا سيرة كاشفة و العمومات منصرفة إلى العقود المتعارفة (٥٤)، و وجه الصحة أن غاية ما يكون أنه مثل الوفاء بغير الجنس و لا بأس به (٥٥) و هذا هو الأقوى.ثمَّ لا يخفى أن الإشكال (٥٦) إنما هو فيما إذا قال: «أعط مما لي عليك من الدنانير دراهم» بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه، و أما إذا أحال عليه بالدراهم من غير نظير إلى ما عليه من الدنانير فلا ينبغي الإشكال فيه، إذ هو نظير إحالة من له الدراهم على البري‏ء بأن يدفع الدنانير و حينئذ فتفرغ ذمة المحيل من الدراهم و تشتغل ذمة المحال عليه بها و تبقى ذمة المحال عليه مشغولة بالدنانير و تشتغل ذمة المحيل له بالدراهم فيتحاسبان بعد ذلك، و لعل الخلاف أيضا مختص بالصورة الأولى لا ما يشمل هذه الصورة أيضا، و على هذا فيختص الخلاف بصورة واحدة و هي ما إذا كانت الحوالة على مشغول الذمة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحق بغير جنسه كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم.

منهم الشيخ رحمة اللّه على ما نسب إليه و ابني البراج و حمزة و القاضي، و في مفتاح الكرامة دعوى عدم وجدان ذلك في الوسيلة.

منهم العلامة في التذكرة و الشهيدين في اللمعة و شرحها.

فيشمل الحوالة على البري‏ء و من هو مشغول الذمة، و الظاهر أن منشأ اعتبار هذا الشرط هو عدم صحة الحوالة على البري‏ء و إن اعتبره غير واحد ممن يرى جواز الحوالة على البري‏ء.

ذكر هذا التعليل رحمة اللّه في الشرائع، ثمَّ تردد و ظاهره التردد في أصل الحكم و في تعليله.

خلاصة كلامه رحمة اللّه من هذا التفصيل ان هناك عناوين ثلاثة:

الأوّل‏: الحوالة على مشغول الذمة بغير ما اشتغلت ذمته به.

الثاني‏: الوفاء بغير الجنس مع رضاء الدين.

الثالث‏: الحوالة على البري‏ء و مورد الخلاف خصوص الأوّل دون الأخيرين، فإنه لا خلاف فيه لأحد مع رضاء الدائن و المحال عليه كما انه لا خلاف عندهم في عدم الصحة مع الرضاء.

أدلة عدم الصحة بدون رضاء المحال عليه صحيحة لا مناقشة فيها.

دليل الصحة أيضا تام لا خدشة فيه، لكن مع رضاء الدائن و المحال‏ عليه فيصير هذا النزاع بينهم لفظيا.

نعم، لو كان نظر المجوزين إلى الجواز حتى مع عدم رضاء المحال عليه و جواز الوفاء بغير الجنس حتى مع عدم رضاء الدائن لصار النزاع معنويا، و لكنه لا وجه له و يكفي في عدم صحته أصالة عدم تسلط المحيل و المديون على ذلك إلا بدليل معتبر يدل عليه و هو مفقود.

هذا التفصيل الذي ذكره قدس سرّه صحيح ثبوتا، و لكن الشي‏ء الذي يبقي عليه انه مع رضاء المحال عليه مطلقا لا فرق بين قسمي التفصيل أبدا في الصحة، و مع عدم رضائه لا فرق بينهما في عدم الصحة، و يكفي أصالة عدم السلطة للمحيل على هذا التبديل.

نعم، لو قلنا ان مناط صحة الحوالة مطلقا مالية المال التي تكون في ذمة المحال عليه تصح الحوالة بغير الجنس رضي المحال عليه أو لا، و لكنه دعوى بلا دليل.

(مسألة ۱): لا فرق في المال المحال به بين أن يكون عينا في الذمة، أو منفعة، أو عملا لا يعتبر فيه المباشرة و لو مثل الصلاة و الصوم و الحج و الزيارة و القراءة سواء كانت على بري أو على مشغول الذمة بمثلها (٥۷) و أيضا لا فرق بين أن يكون مثليا كالطعام أو قيميا كالثوب (٥۸) و القول بعدم الصحة في القيمي للجهالة ضعيف، و الجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها (٥۹).

كل ذلك لوجود المقتضي و فقد المانع فتشملها الأدلة بلا مدافع و يظهر منهم التسالم عليه أيضا، و الفرق بين المنفعة و العمل هو الفرق بين الفعل و نتيجة الفعل، و كون الحوالة على المنفعة غير متعارفة لا يضر بالصحة بعد عدم مانع عقلي أو شرعي عنها في البين كما هو المفروض إلا دعوى انصراف الأدلة المعلوم كونه بدويا.

لما مر في سابقة من غير فرق.

أما القول فنسب إلى الشيخ رحمة اللّه و ابن حمزة، و أما ضعفه فلعدم دليل على صحة هذا القول من عقل أو نقل بعد ما مر من أن الجهالة التي تكون معرضا للزوال لا أثر لها، لأن الجهالة المانعة الجهالة المستقرة لا الزائلة مع أن القيميات معلومة أيضا كالمثليات فلا وجه لتخصيص الجهالة بالأولى كما هو أوضح من أن يخفى.

(مسألة ۲): إذا تحققت الحوالة برئت ذمة المحيل و إن لم يبرئه المحتال (٦۰) و القول بالتوقف على إبرائه ضعيف، و الخبر الدال على تقييد عدم الرجوع على المحيل بالإبراء من المحتال، المراد منه القبول (٦۱) لا اعتبارها بعده أيضا و تشتغل ذمة المحال عليه للمحتال فينتقل الدين إلى ذمته (٦۲)، و تبرأ ذمة المحال عليه للمحيل (٦۳) إن كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به، و تشتغل ذمة المحيل للمحال عليه إن كانت على برئ (٦٤) أو كانت بغير المثل و يتحاسبان بعد ذلك (٦٥).

إذ لا معنى لقبول الحوالة من المحتال بعمده و اختياره إلا ذلك عرفا و عقلا و شرعا، لأن الحوالة الصحيحة كالوفاء، و كما أنه بعد الوفاء لا معنى لبقاء اشتغال الذمة فكذا بعد الحوالة التي قبلها المحتال و يدل عليه النصوص أيضا كخبر أبي أيوب: «سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يحيل الرجل بالمال أ يرجع‏‏ عليه؟ قال عليه السّلام: لا يرجع عليه أبدا إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك»۲، و كذا نحوه خبر منصور بن حازم‏۳، و في خبر عقبة بن جعفر عن أبي الحسن عليه السّلام:

«سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي، ثمَّ تغير حال الصيرفي أ يرجع على صاحبه إذا احتال و رضي؟ قال عليه السّلام: لا»4، فإن ظهورها في عدم اعتبار إبراء المحتال مما لا ينكر، و احتمال تقييدها بما يأتي من صحيح زرارة بعيد عن سياقها المطابق للمرتكزات.

أما القول فهو لجمع من القدماء منهم القاضي و الحلبي و الشيخ في نهايته؛ و أما الخبر فهو صحيح زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «في الرجل يحيل الرجل بما كان له على رجل آخر، فيقول له الذي احتال: برئت مما لي عليك، فقال عليه السّلام:

إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، و إن لم يبرأه فله أن يرجع إلى الذي أحاله»٥، و قد حمل هذا الصحيح جمعا بينه و بين ما تقدم من النصوص الآبية عن التقييد بالإبراء على محامل.

منها: ما في المتن تبعا لجمع من الفقهاء و هو أحسن حمل ذكر في المقام.

و منها: حمله على ما إذا شرط الإبراء في عقد الحوالة.

و منها: حمله على ما إذا ظهر بعد الحوالة إفلاس المحال عليه فأبرأه المحتال.

و الظاهر أن طرح الحديث أولى من هذه المحامل البعيدة عن سياقه، مع أنه موافق للمحكي عن الحسن البصري و مخالف للمشهور بينهم، و يستنكر مفاده متعارف الناس و يناسب أقوال الحسن البصري كما لا يخفى على من‏ راجع أقواله في معارفه و فقهه فليرد إلى أهله أو يطرح.

لما مر من النصوص، مضافا إلى الإجماع، و لأنه لا معنى لرضاه بالحوالة إلا ذلك.

لتقوم الحوالة بذلك عرفا و شرعا.

لأن استيفاء مال الغير موجب للضمان عقلا و شرعا و عرفا لحكم الجميع بصحة قاعدة «الاحترام».

لما مر في سابقة من غير فرق.

(مسألة ۳): لا يجب على المحتال قبول الحوالة و إن كانت على مليّ (٦٦).

للأصل، و الإجماع، و أما النبوي الشريف: «إذا أحيل أحدكم على الملي فليحتل»٦، فظهوره في المجاملات الأخلاقية مما لا ينكر فلا يستفاد منه حكم إلزامي.

(مسألة ٤): الحوالة لازمة (٦۷) فلا يجوز فسخها بالنسبة إلى كل من الثلاثة. نعم، لو كانت على معسر مع جهل المحتال بإعساره يجوز له الفسخ و الرجوع على المحيل (٦۸) و المراد من الإعسار أن لا يكون له ما يوفي‏ دينه زائدا على مستثنيات الدين، و هو المراد من الفقر في كلام بعضهم (٦۹) و لا يعتبر فيه كونه محجورا (۷۰) و المناط الإعسار و اليسار حال الحوالة و تماميتها (۷۱) و لا يعتبر الفور في جواز الفسخ (۷۲) و مع إمكان الاقتراض و البناء عليه يسقط الخيار للانصراف على إشكال، و كذا مع وجود المتبرع (۷۳).

لأصالة اللزوم و الإجماع، و ظاهر بعض ما تقدم من النصوص كخبر عقبة بن جعفر و نحوه.

للإجماع و ما تقدم من خبر ابن حازم و أبي أيوب هذا مع جهل‏ المحتال بالحال، و أما علمه بالإعسار فلا وجه للخيار، لإقدامه عليه مع علمه به.

المناط كله عدم التمكن من أداء الدين بحسب ما ورد في الشريعة مع ملاحظة المستثنيات، سواء عبر بالإعسار كما عبر به العلامة رحمه اللّه أو بالفقر كما عبر به المحقق رحمه اللّه، أو بالإفلاس كما مر في خبر أبي أيوب و الحقيقة واحدة و ان اختلفت التعبيرات.

للأصل و إطلاق ما تقدم من النص، و لأن المناط في الموضوعات الأحكام واقعها و مقام الإثبات طريق إلى الواقع.

لظهور الإجماع و قوله عليه السّلام فيما تقدم من خبر أبي أيوب: «إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك»۷، الشامل لصورة مقارنة الإفلاس للحوالة خرج صورة عروضه بعد تمامية الحوالة و بقي الباقي، و أما عروض الإفلاس بعد تمامية الحوالة فلا وجه للخيار، و المرجع فيه حينئذ إلى قوله تعالى‏ وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ۸.

لإطلاق الفتوى بحيث يظهر منهم الاتفاق عليه، و إطلاق ما تقدم من النصوص و على هذا فلا وجه للتمسك بأصالة اللزوم بناء على انحلالها بانحلال الآنات المتصورة في العقد، و منها الآن الذي يكون بعد الاطلاع على ثبوت الخيار و الإهمال في إعماله و ذلك لكونها محكومة بما مر من الإطلاق.

مقتضى الأصل بقاء الخيار و عدم سقوطه بعد ثبوته.

و أشكل عليه. أولا: بأن أدلة ثبوت الخيار منصرفة من هذه الصورة فلا خيار أصلا حتى يستصحب بقائه.

و ثانيا: بأنه مع التمكن من الاقتراض أو وجود المتبرع نشك في تحقق موضوع الاستصحاب فلا يجري من جهة الشك في الموضوع.

و ثالثا: ما عن الإيضاح من انه مبتن على ان علل الشرع معرفات أو علل حقيقة، و على الثاني هل الباقي مستغن عن المؤثر أو محتاج إليه فعلى الأولين يثبت الخيار بخلاف الأخير.

هذه خلاصة ما قالوا في المقام.

و الكل مخدوش .. أما الأول: فلعدم الاعتبار بهذه الانصرافات لكونها بدوية ادعائية.

و أما الثاني: فلأن موضوع الإعسار باق وجدانا، و القدرة على الاقتراض أو وجود المتبرع لا ترفع الإعسار، و أما الأخير فالأحكام الإلهية أجل من أن يبتني على هذه الأمور التي تكون بمعزل عن الأذهان العرفية، مع أنها من الأمور المغالطة القابلة للخدشة في محالها كما لا يخفى على من راجعها، و قد ذكر رحمة اللّه مثل هذه المباني في جملة من الفروع كما هو معلوم لدى المطلع الخبير.

ثمَّ ان الماتن لم يذكر تجدد اليسار، و الكلام فيه عين الكلام في وجود المتبرع و إمكان الاقتراض في جريان استصحاب الخيار لكن الإشكال الثاني و هو الشك في الموضوع هنا قوي.

(مسألة ٥): الأقوى جواز الحوالة على البري‏ء (۷٤) و لا يكون داخلا في الضمان (۷٥).

للإطلاق و الاتفاق و السيرة في الجملة، و نسب إلى الشيخ رحمة اللّه المنع لأصالة عدم ترتب الأثر، و احتمال كون الحوالة اعتياضا لا استيفاء فلا موضوع لها حينئذ مع البري‏ء إذ لا معاوضة معه.

و فيه: أن الأصل محكوم بالإطلاق و الاتفاق و احتمال الاعتياض في‏ الحوالة خلاف العرف و الوجدان و خلاف مفهومها و انما يكون هذا الاحتمال من تخريجات الشافعية بلا دليل عليه حتى لديهم.

لا لغة و لا عرفا و لا شرعا لأن الحوالة انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه و الضمان هو التعهد بالدين و من آثاره هو انتقال الدين إلى عهدة الضامن فهما متباينان مفهوما.

نعم، يشتركان في بعض الآثار و هو أعم من اتحاد الحقيقة.

(مسألة ٦): يجوز اشتراط خيار الفسخ لكل من الثلاثة (۷٦).

لظهور الإجماع و عموم أدلة نفوذ كل شرط إلا ما خالف الكتاب و يجري في الحوالة أيضا جميع ما مر في (مسألة ٥) من كتاب الضمان.

(مسألة ۷): يجوز الدور في الحوالة، و كذا يجوز الترامي بتعدد المحتال عليه و اتحاد المحال عليه (۷۷).

كل ذلك للإطلاق و ظهور الاتفاق و المراد بالدوران أن يحيل المحال عليه في بعض المراتب على المحيل الأوّل.

و البقية واضحة لا تحتاج إلى البيان.

(مسألة ۸): لو تبرع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمته (۷۸). و كذا لو ضمن عنه ضامن برضى المحتال (۷۹) و كذا لو تبرع المحيل عنه (۸۰).

لأن المناط كله وصول الدائن إلى دينه و قد حصل ذلك، و لا يعتبر في وفاء الدين المباشرة للأصل و الإطلاق و ظهور الاتفاق، و ما ورد في أداء الوارث دين مورثهم‏۹، و الوالد دين الوالد و انه يكتب بذلك بارا۱۰، و أداء دين الفقير من الزكاة۱۱.

تقدم التفصيل في كتاب الضمان فراجع.

لعين ما تقدم في الفرع الأوّل من هذه المسألة.

(مسألة ۹): لو أحال عليه فقبل و أدى ثمَّ طلب المحيل بما أدّاه فادعى أنه كان له عليه مال و أنكر المحال عليه فالقول قوله مع عدم البينة، فيحلف على براءته و يطالب عوض ما أداء لأصالة البراءة من شغل ذمته للمحيل، و دعوى: ان الأصل أيضا عدم اشتغال ذمة المحيل بهذا الأداء، مدفوعة: بأن الشك في حصول اشتغال ذمته و عدمه مسبب عن الشك في اشتغال ذمة المحال عليه و عدمه و بعد جريان أصالة براءة ذمته (۸۱) يرتفع الشك، هذا على المختار من صحة الحوالة على البري‏ء، و أما على القول بعدم صحتها فيقدم قول المحيل لأن مرجع الخلاف إلى صحة الحوالة و عدمها و مع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدم قول مدعي الصحة و هو المحيل (۸۲).و دعوى: ان تقديم قول مدعي الصحة إنما هو إذا كان النزاع بين المتعاقدين و هما في الحوالة المحيل و المحتال، و أما المحال عليه فليس طرفا و إن اعتبر رضاه في صحتها. مدفوعة: أولا بمنع عدم كونه طرفا فإن الحوالة مركبة من إيجاب و قبولين. و ثانيا: يكفي اعتبار رضاه في الصحة (۸۳) في جعل اعترافه بتحقق المعاملة حجة عليه بالحمل على الصحة. نعم، لو لم يعترف بالحوالة بل ادعى أنه أذن له أداء دينه يقدم قوله لأصالة البراءة، من شغل ذمته فبإذنه في أداء دينه له مطالبة عوضه و لم يتحقق هنا حوالة بالنسبة إليه حتى تحمل على الصحة. و إن تحقق بالنسبة إلى المحيل و المحتال لاعترافهما بها.

مع وجود الأصل الموضوعي- و هو أصالة عدم الاشتغال- لا تصل النوبة إلى الأصل الحكمي.

و يترتب عليه أثر الصحة و هو اشتغال ذمة المحال عليه بالمال المحال به و برئت ذمة المحيل بأدائه، ان قيل: إن اثر أصالة الصحة انما يترتب في الجملة و من جهة ما لا من كل جهة و هو في المقام اشتغال ذمة المحال عليه فقط، و أما براءة ذمة المحيل عن دين المحتال فهي قاصرة عن إثباتها، كما إذا وقع عقد و شك في بلوغ أحد المتعاقدين فحكم بصحة العقد، لقاعدة الصحة لا يحكم ببلوغ المشكوك بلوغه في سائر أموره المغايرة مع مجرى قاعدة الصحة، و كما إذا شك بعد الفراغ من صلاة الظهر انه كان متطهرا أو لا ليحكم بصحة صلاة الظهر و أما صحة دخوله في صلاة العصر فلا يحكم بها.

يقال: أن أصل هذا الاشكال مبني على أن الأصول و القواعد المعتبرة مثل الامارة حتى تكون معتبرة في لوازمها أو لا؟ و مقتضى التحقيق عدم الاعتبار كما أثبتناه في الأصول، لأن الشك في الاعتبار يكفي في عدمه بعد عدم ثبوت دليل عليه، و يمكن دعوى الملازمة العرفية بين قبول دعوى المحيل و صحة الحوالة فلا يرى العرف التفكيك بينهما.

مع انه يكفي في الحمل على الصحة مجرد قابلية الحمل و مجرد وجود أثر في البين.

(مسألة ۱۰): قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة حيث قالوا: «لو أحال عليه فقبل و أدى» فجعلوا محل الخلاف ما إذا كان النزاع بعد الأداء، أن حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض إلا بعد الأداء، فقبله و إن حصل الوفاء بالنسبة إلى المحيل و المحتال لكن ذمة المحيل لا تشتغل للمحال عليه البري‏ء إلا بعد الأداء، و الأقوى حصول الشغل بالنسبة الى المحيل بمجرد قبول المحال عليه (۸٤)، إذا كما يحصل به الوفاء بالنسبة إلى دين المحيل بمجرده فكذا في حصوله بالنسبة إلى دين المحال عليه للمحيل إذا كان مديونا له و حصول شغل ذمة المحيل له إذا كان بريئا، و مقتضى القاعدة في الضمان أيضا تحقق شغل المضمون عنه للضامن بمجرد ضمانه إلا أن الإجماع و خبر الصلح (۸٥) دلّا على التوقف على الأداء فيه، و في المقام لا إجماع و لا خبر، بل لم يتعرضوا لهذه المسألة، و على هذا فله الرجوع على المحيل و لو قبل الأداء (۸٦)، بل و كذا لو أبرأه المحتال أو وفّاه بالأقل أو صالحه بالأقل فله عوض ما أحاله عليه بتمامه‏ مطلقا إذا كان بريئا (۸۷).

تصوير هذا الاشتغال بالنسبة إلى الحوالة على البري‏ء صحيح، و أما بالنسبة إلى الحوالة على المديون فيحتاج إلى التكلف بأن يقال باشتغال ذمة المحيل بالنسبة إلى المحال عليه آنا ما ثمَّ سقوطه بالتهاتر، و هو تكلف لا نحتاج اليه و تطويل بلا طائل.

ثمَّ انه يمكن دعوى الملازمة العرفية في الجملة بين حصول الوفاء بقبول المحال عليه و اشتغال ذمة المحيل للمحال عليه.

نعم، لا ريب في أن لهذه الملازمات العرفية مراتب متفاوتة شدة و ضعفا، فالملازمة بين الأداء و الاشتغال شديدة و بين القبول و الاشتغال دونها في الشدة، و به يمكن أن يجمع بين كلمات الاعلام بعد التأمل في مرتكزات الأنام.

تقدم في (مسألة ۱۳) من كتاب الضمان انه لا أصل لدعوى هذا الإجماع و لا وجه للتمسك بخبر الصلح فراجع و تأمل.

إن كان المراد بهذا الرجوع الرجوع الاقتضائي الشأني لكون المحيل في معرض الرجوع عليه في الحوالة على البري‏ء فله وجه لفرض ثبوت الشأنية و المعرضية، و أما إن كان المراد به الرجوع إلى حق ثابت فعلى من كل جهة فالجزم به مشكل لأن المنساق إلى الأذهان أن مثل هذا الحق في الحوالة يترتب‏ على أداء المحال عليه و وفائه لا أن تثبت للمحيل على المحال عليه حق فعلية هذه المطالبة حتى قبل أداء المحال عليه و بمجرد تحقق الحوالة إلا بنحو تأتي الإشارة إليه.

إن كان هذا قيدا لجميع الموارد المذكورة من إبراء المحتال و الوفاء بالأقل أو المصالحة به فرجوع المحال عليه إلى المحيل بتمام مقدار الحوالة بعيد عن الأذهان العرفية، لأن المحتملات في الحوالة على البري‏ء ثلاثة:

الأوّل‏: كونها ضمانا واقعا، لكن مع الاختلاف في العبارة و لا بأس به بعد استفادة الضمان منها عرفا، و حكمه ما تقدم من أن تدارك المضمون عنه للضامن انما هو بقدر الخسارة لا أن يجب التدارك بمجرد تحقق عقد الضمان.

الثاني‏: أن تكون التزاما خاصا من المحال عليه على نفسه بأن يعطي هذا المقدار الخاص أي: قدر المحال به إلى المحيل مطلقا و على أي تقدير و لا ريب في عدم كون هذا من الحوالة المصطلة، بل تكون هبة مستقلة تجري عليها أحكامها الخاصة بها من الجواز و اللزوم و غيرهما.

الثالث‏: أن تكون عين الحوالة المعروفة إلا أن في الحوالة المعروفة مال المحال به ثابت في ذمة المحال عليه بقدر ما خسر و يجوز له مطالبة المقدار قبل الأداء استيثاقا لما يؤدي بعد ذلك، و أما ثبوت حق مطالبة تمام مقدار الحوالة حتى مع إبراء المحتال أو الوفاء بالأقل فإثباته بحسب ما بأيدينا مشكل.

(مسألة ۱۱): إذا أحال السيد بدينه على مكاتبه بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صح، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده لثبوته في ذمته (۸۸).و القول بعدم صحته قبل الحلول (۸۹) لجواز تعجيز نفسه ضعيف، إذ غاية ما يكون كونه متزلزلا فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمان الخيار، و احتمال عدم اشتغال ذمة العبد لعدم ثبوت ذمة اختيارية له فيكون وجوب الأداء تكليفيا، كما ترى (۹۰). ثمَّ أن العبد بقبول الحوالة يتحرر لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة، و لو لم يحصل الأداء منه فإذا أعتقه المولى قبل الأداء بطل عتقه (۹۱) و ما عن المسالك من عدم حصول الانعتاق قبل الأداء لأن الحوالة ليست في حكم الأداء بل في حكم التوكيل، و على هذا إذا أعتقه المولى صح و بطلت الكتابة و لم يسقط عن المكاتب الحوالة لأنه صار لازما للمحتال و لا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة (۹۲). فيه نظر من وجوه (۹۳) و كأن دعواه أن الحوالة ليست في حكم‏ الأداء إنما هي بالنظر إلى ما مر من دعوى توقف شغل ذمة المحيل للمحال عليه على الأداء كما في الضمان فهي و إن كان كالأداء بالنسبة إلى المحيل و المحتال فبمجردهما يحصل الوفاء و تبرأ ذمة المحيل لكن بالنسبة إلى المحال عليه و المحيل ليس كذلك، و فيه منع التوقف المذكور كما عرفت فلا فرق بين المقامين في كون الحوالة كالأداء فيتحقق بها الوفاء (۹٤).

فيكون المقتضي لصحة الحوالة موجودا و المانع عنها مفقودا فتشمله الأدلة.

نسب هذا القول إلى الشيخ و القاضي (رحمهم اللّه) مستدلا بما في المتن و ضعفه ظاهر بما ذكره.

لا دليل عليه من عقل أو نقل و مخالف لمرتكزات الناس حيث يرونه ذات ذمة تكليفية و وضعية.

لحصول التحرر بالوفاء فلا يبقي موضوع للعتق بعد ذلك فيبطل لا محالة.

أما قوله رحمه اللّه: «إن الحوالة ليست في حكم الأداء بل هي في حكم التوكيل»، فهو من مجرد الادعاء و لم يذكر له دليلا حتى نرى صحته و بطلانه مع أن المتعارف يرونها بحكم الأداء و إن لم يكن منه موضوعا، و أما قوله: «صح و بطلت الكتابة» فهو صحيح على مبناه رحمه اللّه لوجود المقتضي للصحة على هذا و فقد المانع، و أما قوله: «و لم يسقط عن المكاتب» فقد ذكر رحمه اللّه وجهه، و أما قوله:

«و لا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة» فلعل نظره إلى الأصل و يأتي ما فيه.

ذكرها في الجواهر منها عدم كون الحوالة توكيلا و الا لم يكن وجه‏  لانتقال المال من ذمة المحيل إلى المحال عليه في الحوالة على البري.

و منها: انها لو كانت توكيلا ينتفي موضوع التوكيل بالعتق فلا يبقي معنى لما ذكره من لزوم المال للمحتال.

و منها: أن لزوم المال للمحتال ملازم عرفا لاشتغال ذمة السيد لأجل الاستيفاء.

و حينئذ يتحقق الانعتاق و يبطل عتق المولى بعد ذلك كما ذكره رحمه اللّه في المتن.

(مسألة ۱۲): لو باع السيد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها صح لأن حاله حال الأحرار من غير فرق بين سيده و غيره (۹٥) و ما عن الشيخ من المنع ضعيف (۹٦)

فيكون المقتضي للصحة في كل منهما موجودا و المانع عنها مفقودا فتصح فيهما لا محالة.

مع أنه تفرد و لم ينسب هذا القول إلى غيره و استدل عليه بأن الكتابة من العقود الجائزة و لو اشترى شيئا من سيده لزمه ثمنه، و يمكن فسخ الكتابة فيلزم حينئذ ثبوت شي‏ء في ذمة العبد لسيده و هو باطل.

و فيه: أنه مردود صغرى و كبرى، أما الصغرى فلا دليل على أن الكتابة من العقود الجائزة مع عمومات اللزوم بالنسبة إلى كل عقد، و أما الكبرى فلا وجه‏  لبطلان البيع من الأوّل على فرض امتناع ثبوت شي‏ء في ذمة العبد لسيده بل ينفسخ البيع من حين فسخ الكتابة مع أن امتناع ثبوت شي‏ء في ذمة العبد لسيده أول الدعوى.

(مسألة ۱۳): لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيده عليه من‏ مال الكتابة صح (۹۷) فيجب عليه تسليمه للسيد و يكون موجبا لانعتاقه (۹۸) سواء أدى المحال عليه المال للسيد أم لا (۹۹).

لوجود المقتضي للصحة و فقد المانع فتشمله العمومات قهرا، و منه يعلم الوجه في وجوب التسليم إلى السيد لأنه من مقومات الصحة و لوازمها.

لأنه بقبول المحال عليه تبرء ذمة العبد فينعتق قهرا بمقتضى عقد الكتابة، مع إنه لا خلاف فيه عندهم.

لعدم أثر له بعد فراغ ذمة العبد عن مال الكتابة.

(مسألة ۱٤): لو اختلفا في ان الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة (۱۰۰) فمع عدم البينة يقدم قول منكر الحوالة سواء كان هو المحيل أو المحتال، و سواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده، و ذلك لأصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحتال، و بقاء اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل، و أصالة عدم ملكية المال المحال به للمحتال، و دعوى أنه إذا كان بعد القبض يكون مقتضى اليد ملكية المحتال فيكون المحيل المنكر للحوالة مدعيا فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة، مدفوعة بأن مثل هذه اليد لا يكون إمارة على ملكية ذيها، فهو نظير ما إذا دفع شخص و ادعى أنه دفعه أمانة و قال الآخر دفعت لي هبة أو قرضا فإنه لا يقدم قول‏ ذي اليد (۱۰۱) هذا كله إذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما و أما إذا علم و كان ظاهرا في الحوالة أو في الوكالة فهو المتبع (۱۰۲) و لو علم أنه قال «أحلتك على فلان» و قال «قبلت» ثمَّ اختلفا في أنه حوالة أو وكالة، فربما يقال إنه يقدم قول مدعي الحوالة لأن الظاهر من لفظ أحلت هو الحوالة المصطلحة و استعماله في الوكالة مجاز فيحمل على الحوالة، و فيه منع الظهور المذكور (۱۰۳).نعم، لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة و أما ما يشتق منها كلفظ «أحلت» فظهوره فيها ممنوع، كما أن لفظ الوصية ظاهر في الوصية المصطلحة و أما لفظ «أوصيت» أو «أوصيك بكذا» (۱۰٤) فليس كذلك فتقديم قول مدعي الحوالة في الصورة المفروضة محل منع.

قد تعرض رحمه اللّه في هذه المسألة فروعا أربعة إلى قوله رحمه اللّه: «أو بعده»، و ذلك لأن المنكر انما هو المحيل أو المحتال و على كل منهما إما أن يكون النزاع قبل القبض أو بعده، و يقدم قول منكر الحوالة المذكورة، للأصول الثلاثة المذكورة في المتن.

للشك في شمول دليل اعتبار قاعدة اليد لمثل المقام لأنه إما الإجماع، و بناء العقلاء، أو أدلة لفظية واردة في موارد مختلفة، و المتيقن من الأوّل و المنساق من الأخير غير هذه الصورة، بل الشك في شمول دليل الاعتبار يكفي في عدم الاعتبار لأصالة عدم الحجية إلا بدليل معتبر.

نعم، لو كان مورد اعتبار قاعدة اليد طبيعي اليد بأي نحو تحقق لكان للقبول وجه، و لكنه أول الدعوى و لم يثبت ذلك بدليل.

هذا هو الفرع الخامس و السادس المذكور في هذه المسألة و الوجه فيهما معلوم، لأن الظاهر حجة معتبرة و عليه المدار في الاحتجاجات و المخاصمات و لا إشكال في هذين الفرعين عند أحد.

البحث .. تارة: بحسب الأصل العملي.

و أخرى: بحسب الظهور الطبيعي اللفظي.

و ثالثة: بحسب الاستظهار العرفي.

أما الأولى: فمقتضاه عدم تحقق الحوالة للأصول الثلاثة التي مرت في الفروع الأربعة في أول المسألة، و قد نسب ذلك إلى الشيخ رحمه اللّه و لكن لا ربط لذلك بالنزاع في الظهور و عدمه، كما أن تقديم الوكالة بدعوى أن المتكلم أعرف بقصده لا ربط له أيضا بهذا النزاع.

و أما الثانية: فدعوى منع الظهور اللفظي لهذه المادة و متفرعا بها في‏ الحوالة المعهودة مكابرة كما لا يخفى على من راجع إلى وجدانه في الجملة.

و منه يظهر الوجه في الثالثة، إذ الاستظهار مترتب على الظهور هذا إذا لاحظنا نفس مادة «ح و ا ل ة»، و لكن مع ملاحظة النزاع الواقع في البين فإن صار قرينة على الإجمال أو على الخلاف تتبع لا محالة كما أنه لو كانت في البين قرائن خارجية على تعين إحداهما، و لكن المفروض عدم ذلك كله.

و بالجملة: إنكار الظهور العرفي في الحوالة المعهودة خلاف الوجدان كما صرح به بعض مشايخنا۱۲، و منه يعلم سقوط احتمال إرادة مطلق التحويل بالمعنى اللغوي الذي هو مطلق النقل من محل إلى محل آخر لما ثبت في محله من أن الظهور العرفي مقدم على المعنى اللغوي.

يمكن أن يقال: ان كلمة «أوصيك» كثيرا ما يستعمل في غير الوصية المعهودة كما في مقامات النصيحة و الوعظ و الإرشاد.

ثمَّ أنه يمكن أن يجعل النزاع في ظهور لفظ «أحلت» في الحوالة المعهودة و عدمه لفظيا كما لا يخفى، فمن ينكر الظهور ينكره فيما إذا كانت في البين قرائن على الإجماع حالية كانت أو مقالية، و لا ريب في تسالم الكل عليه.

(مسألة ۱٥): إذا أحال البائع من له عليه دين على المشترى بالثمن أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي برئ أو مديون للمشتري ثمَّ بان بطلان البيع بطلت الحوالة في الصورة (۱۰٥) لظهور عدم اشتغال ذمة المشتري للبائع و اللازم اشتغال ذمة المحيل للمحتال، هذا في الصورة الثانية، و في الصورة الأولى و إن كان المشتري محالا عليه و يجوز الحوالة على البري إلا أن المفروض إرادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمته (۱۰٦) فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمته لا عليه (۱۰۷) و لا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده (۱۰۸) فإذا كان بعد القبض يكون المقبوض باقيا على ملك المشتري (۱۰۹) فله الرجوع به و مع تلفه يرجع على المحتال في الصورة الأولى و على البائع في الثانية (۱۱۰).

أي: بطلت من أصلها لا أن يعرضها البطلان بعد انعقادها صحيحة، و الوجه في ذلك فقدانها لشرط الصحة من الأوّل كما في المتن مضافا إلى ظهور إجماعهم على ذلك.

بلا إشكال فيه إذا لوحظت هذه الحيثية قيدا للحوالة حينئذ من أصلها لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، و أما إذا لم تلحظ هذه الحيثية أصلا أو كانت ملحوظة بنحو الداعي لا بعنوان التقييد فلا وجه للبطلان، بل مقتضى أصالة الصحة عدم البطلان.

و الفرق بينهما واضح، لأن الذمة في الأوّل لوحظت بعنوان التقييد فتبطل الحوالة مع عدم اشتغال الذمة بخلاف الأخير فإنه إما إن لم يلحظ فيه شي‏ء أبدا بل لوحظت ذات الحوالة من حيث هي أو لوحظ الاشتغال بعنوان الداعي لا التقييد.

لأن انتفاء المقيد بانتفاء القيد من الأمور الحقيقة التي لا فرق فيه بين الحالات.

للأصل بعد عدم حدوث ما يوجب انتقاله عنه.

لقاعدة «على اليد» الجارية في المحتال في الصورة الأولى و في البائع في الصورة الثانية.

(مسألة ۱٦): إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثمَّ انفسخ البيع بالإقالة أو بأحد الخيارات فالحوالة صحيحة لوقوعها في حال اشتغال ذمة المشتري بالثمن (۱۱۱) فيكون كما لو تصرف أحد المتبايعين في ما انتقل إليه ثمَّ حصل الفسخ فإن التصرف لا يبطل بفسخ البيع و لا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده فهي تبقى بحالها (۱۱۲). و يرجع البائع على المشتري بالثمن (۱۱۳) و ما عن الشيخ رحمه اللّه و بعض آخر (۱۱٤) من الفرق بين الصورتين و الحكم بالبطلان في الصورة الثانية و هي ما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي لأنها تتبع البيع (۱۱٥) في هذه الصورة حيث أنها بين المتبايعين بخلاف الصورة الأولى ضعيف (۱۱٦) و التبعية في الفسخ و عدمه ممنوعة.نعم، هي تبع للبيع حيث أنها واقعة على الثمن و بهذا المعنى لا فرق بين الصورتين (۱۱۷) و ربما يقال (۱۱۸) ببطلانها إن قلنا إنها استيفاء و تبقى‏ إن قلنا إنها اعتياض، و الأقوى البقاء و إن قلنا إنها استيفاء (۱۱۹) لأنها معاملة مستقلة لازمة لا تنفسخ بانفساخ البيع، و ليس حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة كما إذا اشترى شيئا بدراهم مكسرة فدفع إلى البائع الصحاح أو دفع بدلها شيئا آخر وفاء (۱۲۰) حيث إنه إذا انفسخ البيع يرجع إليه ما دفع من الصحاح أو الشي‏ء الآخر لا الدراهم المكسرة فإن الوفاء بهذا النحو ليس‏ معاملة لازمة (۱۲۱) بل يتبع البيع في الانفساخ، بخلاف ما نحن فيه حيث إن الحوالة عقد لازم و إن كان نوعا من الاستيفاء.

و عدم حدوث ما يوجب البطلان، فالمقتضي للصحة موجود و المانع عنها مفقود كما في المثال الذي يذكره بعد ذلك.

لشمول دليل الصحة- و هو وجود المقتضي لها و فقد المانع عنها- لكلتا صورتي كون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده.

الصحيح عكس ذلك بأن يقال: يرجع المشتري على البائع بالثمن كما هو معلوم.

حكى البطلان في الصورة الثانية عن مبسوط الشيخ معللا له بما في المتن و قواه في مجمع البرهان و تردد في بيع الشرائع، و الأصل في الجميع قول الشيخ رحمه اللّه و تعليله كما لا يخفى على من راجع الكلمات.

و إذا بطل المتبوع بطل التابع، و يمكن تصوير هذا الاستدلال بنحو الشكل الأوّل فيقال: هذه الحوالة تابعة للبيع و كل ما هو تابع لشي‏ء يبطل ببطلان متبوعه، فهذه الحوالة تبطل ببطلان متبوعه.

و لكن يأتي أن هذه مغالطة لا أن يكون برهانا.

لأن التبعية لها مراتب كثيرة، ذاتية و وجودية و شأنية و اعتبارية و فرضية و تامة و ناقصة.

و قضية كل ما بطل المتبوع بطل التابع لا تجري في جميع ذلك كما هو واضح، و التبعية بنحو الإجمال حاصلة في الصورتين فلا إشكال كما انها بحسب بعض مراتبها مفقودة في كلتا الصورتين فلا موجب لاختصاص البطلان بالصورة الثانية، مع أن التفكيك بين التابع و المتبوع بالحيثيات و الاعتبارات سائغ في الفقه بل في كل علم.

لأن ذلك تبعية جهتية و في الجملة، لا ينافي التفكيك من جهات أخرى بحسب الأدلة و المقتضيات.

ذكره العلامة في القواعد و قال رحمه اللّه «في وجه ذلك انه مع كون الحوالة استيفاء تبطل لأنها نوع إرفاق فإذا بطل الأصل بطلت هيئة الإرفاق، و إن قلنا انها اعتياض لم تبطل كما لو استبدل عين الثمن ثوبا ثمَّ رد بالعيب فإنه يرجع بالثمن لا الثوب»، و خلاصة كلامه رحمه اللّه إن الاستيفاء خفيف المؤنة فإن كانت استيفاء يذهب أثره و يضمحل بأدنى شي‏ء و إن كانت معاوضة فأثرها يبقى و لا يزول للزومها، و لا بد أولا من بيان حقيقة الحوالة ثمَّ بيان ما يتعلق بكلامه، قيل في وجه إن الحوالة ليست استيفاء: «بأنها ليست وفاء حال وقوعها إذ لم يصل إلى الدائن شي‏ء من ماله، و لا حال القبض من المحال عليه لفراغ ذمته قبل ذلك، و إنما القبض وفاء عما في ذمة المحال عليه عوضا عما في ذمة المحيل، فإن ذلك غير مقصود و لا هو مفهوم من الحوالة عرفا- إلى أن قال- و لو كانت اعتياضا جرى عليها حكم بيع الصرف».

و فيه: إن الوفاء يترتب على تمام هذا العمل المعهود مجموعه من بدية إلى ختامه، و لا إشكال فيه من عقل أو شرع أو عرف كما في سائر العقود حيث‏ إن الأثر مترتب على تحقق مجموع أجزائها و شرائطها، و يصح اعتبار الاعتياض فيها أيضا كما يصح اعتباره في القرض و أدائه.

إذ الاعتبار خفيف المؤنة و أحكام الصرف مختصة بمورده لا تجري فيما إذا تعنون الحوالة عرفا، و الوفاء قد يكون ملازما للاعتياض لاشتماله على معنى التسليم و لا محذور في أن تنزع من عقد واحد جهات من عقود كثيرة، من عقل أو شرع أو عرف هذا ما يتعلق بما قيل من عدم كونها وفاء، و لا اعتياضا.

و أما ما يتعلق بقول العلامة رحمه اللّه من انها تبطل إن قلنا أنها وفاء و تصح إن قلنا انها اعتياض، فإن أراد من الوفاء الارفاقي المجاملي الغير المقرون باللزوم فالحق معه و لكنه من مجرد الفرض و ان الوفاء في الحوالة يتحقق في العقد اللازم، و إن أريد به الوفاء العقدي فلا وجه للبطلان كما هو معلوم فيصير هذا النزاع لفظيا.

مراده قدس سرّه الاستيفاء القرين للزوم لا الاستيفاء المجاملي الارفاقي فلا وجه لإشكال بعض الشراح و لا بعض المحشين (رحمهم اللّه تعالى).

أشكل عليه بعض الشراح أن هذا لا يكون وفاء لأنه لا بد و أن يكون بما في الذمة.

و فيه: إن الوفاء بمعنى الأداء و التسليم بما يحصل به فراغ الذمة، سواء كان بعين ما في الذمة أو بغيره مما تراضيا عليه كما لا يخفى من راجع موارد استعمالاته في الشرع و العرف.

هذا إذا لم يصدق عليه عنوان العقد من العقود و كان من مجرد الوفاء من دون انطباق أي عنوان عليه فإنه لا موضوع للزوم حينئذ، و أما لو كان داخلا تحت عقد من العقود و صدق عليه ذلك عرفا فتشمله أصالة اللزوم في كل عقد إلا ما خرج بالدليل و لا دليل على الخلاف في المقام، و لعل البحث في هذه المسألة بين اللزوم و عدمه يكون من النزاع اللفظي حينئذ.

(مسألة ۱۷): إذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معين خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع إليه بما عنده فقبل المحتال و المحال عليه وجب عليه الدفع إليه (۱۲۲) و إن لم يكن من الحوالة المصطلحة (۱۲۳) و إذا لم يدفع له الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمته، و لو لم يتمكن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل المحال عليه إذا كانت الخسارة الواردة عليه مستندا إليه، للغرور (۱۲٤).

لالتزامه بذلك على نفسه بقبول الحوالة و إسقاط المالك حق الإرجاع إليه بإذنه بالدفع إلى المحتال.

لعدم انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، كما أنه لا يجري حكم الحوالة على البري‏ء أيضا.

إن أوجب أمانته ايتمان المحال عليه فحصل له الغرور بذلك عرفا لأن الغرور من الموضوعات العرفية و لا يتقوم بالضمان، بل بكل ما حكم العرف بصدقه يترتب عليه حكمه، و اللّه تعالى هو العالم.

و الحمد للّه أولا و آخرا.

  1. الفقيه السيد أبو الحسن الأصفهاني قدس سرّه.
  2. الوسائل باب: ۱۱ من أبواب الضمان ۱.
  3. الوسائل باب: ۱۱ من أبواب الضمان ۳.
  4. الوسائل باب: ۱۱ من أبواب الضمان 4.
  5. الوسائل باب: ۱۱ من أبواب الضمان.
  6. كنز العمال ج: ٥ صفحة: ۳۳۲، حديث ۳۳۳ ط: حيدر آباد.
  7. تقدم في صفحة: ۳۱۹.
  8. سورة البقرة: ۲۸۰.
  9. راجع الوسائل باب: ۱4 من أبواب الدين و القرض.
  10. الوسائل باب: ۳۰ من أبواب الدين و القرض.
  11. الوسائل باب: ۹ من أبواب الدين و القرض.
  12. المحقق آية اللّه العظمى الشيخ آغا ضياء الدين العراقي قدس سرّه.
الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"