1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مباحث الحکمة المتعالیة
  8. /
  9. المقصد الثاني في معرفة الوجود

والكلام فيه يقع ضمن الجهات التالية:

الجهة الأولى: بداهة مفهوم الوجود

مفهوم الوجود والوجوب والإمكان ونظائرها مفاهيمٌ صحيحة مركوزة في العقل ومرتسمة في الذهن إرتساماً أولياً فطرياً بلا حاجة إلى توسط حدّ أو رسم؛

إذ الحدّ إنَّما يكون فيما إذا تركّب المحدود من الجنس والفصل، والوجود بسيط لا جنس له ولا فصل كما سيأتي.

والرسم إنَّما يكون بالأعرف من المرسوم؛ ولا أعرف من الوجود حتى يُرسم به.

نعم؛ لا بأس بجعل ذلك تنبيهاً وإشارة إلى ما هو المركوز في الذهن، وبذلك يمكن أنْ نجمع بين قول القائلين بأنَّه لا يُحدّ ولا يُرسم، أي بالحقيقة وبين قول القائلين بأنَّه يُرسم؛ أي بنحو الإشارة إلى المعلوم.

ثمّ إنَّهم قالوا: إنَّه لا يمكن إكتشاف حقيقة الوجود.

وهو صحيح؛ بناءً على ما عن جمع من المحققين من عدم إمكان إكتشاف حقائق الأشياء، وأنّ ما يعلم منها إنَما هو بعض آثارها وخواصها، وكذا يكون صحيحاً بناءً على ما قالوه من أنّ حقيقة الواجب بذاته هو الوجود؛ إذ لو أمكن اكتشاف الوجود لأمكن اكتشاف حقيقة الواجب بذاته. وهذا مما يعجز عنه الملائكة المقربون والأنبياء والمرسلون فضلاً عن غيرهم. وأمّا لو أمكن اكتشاف حقائق الموجودات بقدر الوسع البشري كما عليه جمع، أو كانت ذات الواجب تعالى غير حقيقة الوجود كما تدلُّ عليه الآثار المعصومية علیهم السلام؛ من أنَّه ذات لا كالذوات وشيء لا كالأشياء؛ فعدم إمكان اكتشاف حقيقة الوجود يحتاج إلى دليل.

وغاية ما استدل به أنّ الوجود ذاته وكنهه في الأعيان؛ فلو حصل في الذهن فيلزم الخلف وانقلاب الذات، وهو محال. مع أنَّ الصور الذهنية إنَّما هي ظهور الماهية تارة في الذهن، وأخرى في الخارج، فلا بُدَّ وأنْ يكون ما يحصل في الذهن ذات ماهية، والوجود لا ماهية له.

وهذا الدليل باطل لما يلي:

أولاً: إنَّه مبني على أصالة الوجود، وهو محل النزاع.

وثانياً: إنّ الوجود له مراتب كثيرة متفاوتة كما أثبتوه؛ فما هو في الخارج مرتبة منه، وما هو في الذهن مرتبة ضعيفة منه؛ تكون مرآة لما في الخارج فأين يحصل الإنقلاب.

وعلى هذا لا يتم دليل صحيح على هذا المدّعى.

الجهة الثانية: كيفية إطلاق مفهوم الوجود على أقسامه

إطلاق مفهوم الوجود على الواجب بذاته وعلى الممكن من الجوهر والعرض يحتمل أنْ يكون من المشترك المعنوي؛ كإطلاق الماء على أنواعه، أو من المشترك اللفظي؛ كإطلاق العين على أقسامه، أو من الحقيقة والمجاز؛ بأنْ يكون الإطلاق حقيقياً بالنسبة إلى الواجب بالذات ومجازياً بالنسبة إلى الممكن؛ كإطلاق اللابن والتامر بالنسبة إلى بائع اللبن والتمر. وبكلٍّ قال قائل من الحكماء، وهناك قول رابع وهو كون الإطلاق بالنسبة إلى الواجب بالذات تعالى وتقدس بالمجاز والعناية وبالنسبة إلى الممكن بالحقيقة.

ولتحقيق المطلب؛ لا بُدَّ أنْ يُعلم أولاً أنَّ هذا البحث مبني على ثبوت أصالة الوجود لأنَّه شيء مستقل بنفسه يُتصور فيه الإشتراك المعنوي، وأمّا بناء على أنّ الوجود أمر اعتباري ومنتزع عن الماهيات المتباينة المختلفة فلا وجه للاشتراك المعنوي فيه حينئذٍ لأنَّه على هذا تابع للمنتزع منه. نعم؛ قد يُتصور فيه باقي الأقوال.

واستدلوا على الاشتراك المعنوي بأمور:

  • إنَّه مقسم لأقسامه الثلاثة، والمقسم لا بُدَّ أنْ يكون مشتركاً معنوياً بين أقسامه.
  • إنَّه نقيض العدم، والعدم واحد فلا بُدَّ أنْ يكون الوجود واحداً أيضاً، وإلا ارتفع النقيضان.
  • إذا اعتقدنا بأنّ شيئاً ما جوهرٌ -مثلاً- فزال هذا الإعتقاد عنا، وحصل الإعتقاد بأنَّه عرض فلا يتبدل اعتقاد أصل وجوده، وإنْ تبدل اعتقاد الخصوصية. وكذا بالنسبة إلى أقسام الجوهر والعرض.
  • جميع الموجودات بجواهرها وأعراضها آية دالة على وجود الواجب بالذات وعلامته التي لا يباينه، بل يشاركه ولو في الجملة.
  • لو قال أحد شعراً وجعل قافيته لفظ الوجود لكان ذلك من الإبطاء القبيح في البديع، بخلاف ما إذا كان مشتركاً لفظياً فإنَّه يصير من الجناس الممدوح فيه؛ كما إذا جعل القافية لفظ (العين) وأراد من كلِّ واحد من القوافي معنى منه.
  • الفصل يَحِدُّ من المناسبة بين موجود وموجود آخر ما لا يحدّه بين الموجود والمعدوم.
  • الرابط بين القضايا المختلفة في الموضوع والمحمول ضرب من الوجود، وهي واحدة مع اختلافها موضوعاً ومحمولاً.

هذا ما استُدل به على الإشتراك المعنوي، والكل مخدوش:

أما الأول؛ فيكفي فيه مجرد الإشتراك في اللفظ والتسمية كما في تقسيم العين إلى الجارية والباصرة، ويكفي فيه مجرد وجود الجامع بأيّ وجه أمكن في المحاورات.

وأما الثاني؛ فلأنّ العدم المحض لا يتَّصف بالوحدة لأنَّها من صفات الموجود، بل مساوق للوجود كما يأتي. نعم؛ باعتبار ملكاته يتصف بالوحدة والكثرة، ولا ريب في أنَّها متعددة؛ فهذا الدليل أدلّ على خلاف المطلوب كما لا يخفى.

 وأما الثالث؛ فلأنّ ما لا يرتفع اعتقاده إنَّما هو الشيئية المبهمة في غاية الإبهام والإجمال، وهي أعمّ من الوجود لشمولها للماهيات أيضاً مع قطع النظر عن الوجود، مع أنّ هذا أعم من الاشتراك اللفظي والمعنوي؛ كما إذا اعتقدنا بأنّ لفظ العين المكتوب في ورقة
-مثلاً- هي عين الركبة، وزال هذا الإعتقاد وحصل لنا الإعتقاد بأنَّها عين الميزان فلا يرتفع الإعتقاد بأصل العينية.

وأما الرابع؛ فلا ريب في أنَّها علامات قدرته، كما لا ريب في وحدة القادر تعالى بذاته، ولكن لم يدل دليل على أنّ علامة القادر المطلق والدليل عليه لا بُدَّ أنْ تكون واحدة، بل له تعالى لكلِّ شأن من شؤونه وطور من أطوار ظهوره وبروزه علامات ودلائل كما يدل عليه العقل والنقل. وجميع ذلك مشترك في عنوان المخلوقية والمقدورية، ويمكن أنْ تكون هذه الجهة الواحدة علامة للواحد ودليلاً عليه.

إنْ قيل: قد تسالموا على قاعدة أنّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد.

فإنَّه يُقال: سيأتي في محله هدم أساس بنيان هذه القاعدة ونقض أساسه.

وأما الخامس؛ فمن العجيب ابتناء المطالب العقلية على المحسنات والمقبحات البديعية؛ مع أنَّه لو كانت في البين قرينة على أنَّه أريد بلفظ الوجود في كلِّ قافيته مرتبة منه غير ما أريد من القافية الأخرى لصار من المحسنات لا محالة كما في لفظ العين إذا جعل قافية.

وأما السادس؛ فهذه المناسبة توجد في الجملة في المشترك اللفظي أيضاً. نعم؛ للمناسبات مراتب متفاوتة يكفي أدناها في صدق المناسبة.

وأما السابع؛ ففيه أنّ في اطلاق الوجود على الرابط تسامح واضح؛ لأنَّه لو كان له وجود لم يكن رابطاً، والموجود في القضايا المختلفة إنَّما هو وجود المحمول للموضوع واتّصاف الموضوع بالمحمول، والرابط عبارة عن الوحدة المحصلة بينهما في القضية لا بنحو اللحاظ مستقلاً حتى يخرج عن حيثية الرابط، بل بنحو الفناء المحض ويأتي في معنى النسبة ما يتضح به الحال وتعرضنا في المعاني النسبية والآلية والحرفية في فنّ الأصول بعض المقال فراجع تجده كافياً للمطلب.

والعجب من صدر المتألهين حيث عقد فصلاً مستقلاً للإشتراك المعنوي للوجود، ثمّ يصرّ في جميع كتبه خصوصاً كتابه الكبير[1] أن الوجود الحقيقي منحصر بالواجب بذاته، والباقي شؤون وظلال وفيء محض، وألَّف رسالة أسماها (طرح الكونين)[2]، وكلماته فيها تدل على أنّ اطلاق الوجود على غيره تعالى بالمجاز والعناية.

أقول: إنّا وإنْ ناقشنا في أدلة الإشتراك المعنوي، ولكن بناءً على كون حقيقة الواجب حقيقة الوجود فالإشتراك المعنوي أقرب إلى الوجدان السليم والذهن المستقيم، وأمّا بناءً على كونه تعالى حقيقة غير معلومة لأحد فالإشتراك المعنوي بين أقسام وجود الممكن وجداني أيضاً.

وأمّا الإشتراك اللفظي فهو ثبوتاً صحيح، ولكن لا طريق لنا لإثبات تعدد الوضع إثباتاً، مع أنَّه خلاف الأصل كما اثبتناه في محله.

وأمّا القول بأنّ إطلاقَه حقيقيٌ بالنسبة إلى الواجب الأقدس، ومجازيٌ بالنسبة إلى غيره فهو مناسب لمذهب ذوق المتألهين والعرفاء الشامخين، ولكنه مبني على كون الذات الأقدس الربوبي حقيقة الوجود، ولا دليل عليه من عقل أو شرع لكونه فوق حقيقة الوجود.

وعدم تعقلنا لشيء فوق حقيقة الوجود لا يدلُّ على عدم تحققه واقعاً كما هو معلوم، وغاية ما للعقول في تلك الحقيقة المحيطة بكل الحقائق أنَّها منفي عنها العدم، وأمّا أنّ حقيقَتها حقيقةُ الوجود فشيء تقصر العقول عن دركه.

ويأتي تفصيل هذا الإجمال في مستقبل المقال إنْ شاء الله المتعال.

وأمّا القول الرابع فهو حقيق بالقبول بناءً على أنّ حقيقته تعالى فوق حقيقة الوجود و(ذات لا كالذوات، وشيء لا كالأشياء)، وفوق ما نتعقله من المدركات؛ فيصير إطلاق الوجود عليه تعالى مجازاً[3] بلا إشكال.

وهذا صحيح حتى بناءً على المستفاد من الكتاب والسنة، وما ذهب إليه شيخ اليونانيين المنسوب إليه هذا المذهب. ويأتي في المباحث المستقبلية تتمة البيان.

الجهة الثالثة: التشكيك في الوجود وبعض ما يتعلق به

إتَّفق الحكماء، بل العقلاء على أنّ مفهوم الوجود أظهر الأشياء وأعرفها عند العقل، ولكن إختلفوا فيه من جهات أخرى اختلافاً شديداً تحيرت فيه العقول، وهي:

  • إنَّه كلي أو جزئي؛ حيث ذهب إلى كلّ واحد منهما فريق، قال بعضهم إنه جزئي حقيقي لا تعدد فيه أصلاً، وإنَّما التعدد في الموجودات لأجل الإضافات إليه.

وهذا القول بالنسبة إلى مفهوم الوجود باطل؛ لأنَّه كليّ، والوجودات أفراد له بالوجدان، وأمّا بالنسبة إلى حقيقته فهي مشتركة بين الموجودات ولا تتَّصف بالكلية ولا الجزئية، كما سيظهر لك وجهه إنْ شاء الله تعالى.

  • إنَّه واجب أو ممكن؛ حيث نُسب إلى جمعٍ أنّ مفهوم الوجود واجب.

ولا دليل عليه من عقل أو نقل، بل ليس هذا المذهب إلا الضلال المبين.

  • إنَّه جوهر أو عرض أو ليس بشيء منهما؛ ويظهر من كلمات إبن سينا أنَّه عرض.

وهو باطل؛ لأنّ الوجود مقسم للجوهر والعرض، فكيف يكون عرضاً. نعم؛ هو عارض للماهية؛ على ما يأتي تفصيله ، ولا ربط بكونه عرضاً متقوماً بالموضوع، نعم؛ وجود جوهر بنفس جوهرية ذلك الشيء، ووجود العرضي عرض كذلك لمكان الإتحاد الواقعي، وأمّا إذا اعتبرت حقيقة الوجود في نفسها فهو ليس بهذا الإعتبار مندرجاً تحت مقولة من المقولات؛ ولا جنس له ولا فصل لأنَّه بسيط الحقيقة، وليس له ماهية كلية حتى تحتاج في تحقيقه إلى عوارض مشخصة، بل تشخصه بنفس ذاته، فأقسام الوجود حقائق متشخصة بذاتها متفاوتة بنفس حقيقتها[4]، مشتركة في مفهوم الوجود الذي هو من الأمور الإعتبارية.

  • إنَّه موجود أو لا؛ فمن قائل بأنَّه موجود بوجود هو نفسه فلا يتسلسل، ومن قائل أنَّه اعتباري لا تحقق له في الأعيان، ومن قائل أنَّه ليس بموجود ولا معدوم.

والحق أنّ مفهومه اعتباري وله أفراد حقيقية. ويأتي تفصيل ذلك في المباحث المستقبلية إنْ شاء الله تعالى .

  • إنّ الوجودات الخاصة هي نفس الماهيات أو زائدة عليها.

والحق أنَّها عينها في الخارج، وغيرها بحسب الإعتبار الذهني كما سيأتي تفصيله.

  • إنّ إطلاق الوجود على أفراده بنحو التواطؤ كالإنسان بالنسبة إلى أفراده، أو بنحو التشكيك كالنور بالنسبة إلى أفراده.

وهذا هو مورد البحث في المقام, ولا بُدَّ من بيان أمور:

الأمر الأول: إتَّفق الحكماء وتبعهم غيرهم من العلماء على صدق الكليات الطبيعية على أفرادها بالتواطؤ لا بالتفاوت؛ بلا فرق بين أسماء التفاوتات مطلقاً، فالإنسان يصدق على الجنين والرضيع بعين صدقه على العالم والحكيم، ويصدق على أبينا آدم علیه السلام بعين صدقه على البشر الذي يختتم به العالم.

وكذا الماء يصدق على القطرة بعين صدقه على البحر المحيط بالكرة بلا تفاوت في شيء من الذات أبداً، وإنَّما التفاوت فيما هو خارج عن الذات من العوارض والصفات.

وعمدة دليلهم على عدم التشكيك في الذاتيات أنَّها محدودة بالجنس والفصل وبحدّ خاص متعيّن مخصوص، ومع الإختلاف فيها يلزم خرق القاعدة العقلية المتَّفق عليها عند الكل من أنّ (الذاتي لا يختلف ولا يتخلف)[5].

ويمكن الخدشة في هذا الدليل:

أولاً: إنَّه صحيح إذا كان الحدّ مأخوذاً بحدّ معين مخصوص، وأمّا إذا كان الحدّ مأخوذاً بنحو الإجمال القابل للإنطباق على كل فرد كما هو شأن كل جامع بين الأفراد، فلا يلزم حينئذٍ اختلاف الذات ولا تخلفه لعدم أخذ حدّ معين فيه حتى يختلف ويتخلف.

وثانياً: إنّ المتسالم بين المحققين أنّ الذاتيات مجهولة الكُنه، وما يذكر في الحدود بعضٌ من آثار تلك الذاتيات، فينتهي الأمر بالتالي إلى التشكيك في خارج الذات.

وثالثاً: إنَّهم يقولون أنّ مراتب التفاوت في الوجود مقدِّمةٌ له، وقد صرح إبن سينا بذلك وكذا صدر المتألهين وغيرهما مع قولهم بالتشكيك في الوجود، فيلزمهم القول بالتشكيك في الذاتي؛ إذ لا فرق في الذاتي بين الماهيات وبين ذات الوجود. ولنا أنْ نفرض كل ماهية هكذا؛ بأن يفرض لها عرض عريض جداً قابل للإنطباق على جميع الأفراد المتفاوتة في الذات.

الأمر الثاني: أقسام التشكيك على سبيل منع الخلوّ تجمعها الأولوية والأقدمية والأشدية والغنى والفقر إلى غير ذلك، ولكلٍّ منها مراتب كثيرة، ويجمع الكلّ الكمال والنقص. وللكمال مراتب غير متناهية لانتهائها إلى الكمال المطلق الذي لا يتناهى في الكمال، ومراتب النقص منتهية إلى الإمكان الذي هو محدود كما يأتي بيانه.

الأمر الثالث: هذا البحث مبني على ثبوت أصالة الوجود، وأمّا بناءً على عدمه وأصالة الماهية كما عليه جمع من الحكماء وعامة المتكلمين؛ فلا موضوع للبحث عن الإشتراك المعنوي للوجود والتشكيك فيه أصلاً، لأنَّه أمر اعتباري إنتزاعي، والأمور الإعتبارية الإنتزاعية تابعة للمنتزع منها ومنشأ اعتبارها، ولا حيثية لها في حدّ ذاتها حتى يكون لها الإشتراك المعنوي أو التشكيك بحسب ذاتها. والحكماء متسالمون على أنَّه لا تشكيك في الذاتيات فيكون ما انتزع عنها أيضاً كذلك، وإلا يلزم زيادة الفرع على الأصل.

الأمر الرابع: التشكيك على قسمين:

  • ما يكون فيه التفاوت عين ما به التفاوت؛، كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض، فإنّ ما فيه التقدم هو الزمان، وما به التقدم هو الزمان أيضاً.
  • ما يكون فيه التقدم غير ما به التقدم؛ كتقدم الأب على الإبن مثلاً، فإنّ ما به التقدم هو ذات الإنسان المقول عليها بالتواطؤ، وما فيه التقدم هو الوجود والزمان.

والتشكيك في الوجود على فرض ثبوته هو من القسم الأول، فيكون ما فيه التفاوت والتقدم والتأخر عين ما به التفاوت والتقدم والتأخر.

الأمر الخامس: لو قلنا بأنّ ذات الواجب بذاته جلّ جلاله شيء آخر وراء ما نتعقله من الوجود، بل هو فوق الوجود لا أنْ يكون حقيقة الوجود؛ فلا ثمرة يُعتنى بها في هذا البحث الذي ابتنت جملة من المباحث عليه؛ فهو تعالى وتقدس فوق حقيقة الوجود، وظاهرٌ في عين بطونه، وباطنٌ في عين ظهوره، وأقرب إلى الناس من حبل الوريد، وأبعد عن عقولهم فوق ما يتصور من معنى البعيد، وفي الدعاء: أَسْأَلُكَ بِكَيْنُونَتِكَ‏ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ كِبْرِيَائِكَ, وَأَسْأَلُكَ بِكِبْرِيَائِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ عِزَّتِكَ, وَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِهَا عَلَى عَرْشِكَ فَخَلَقْتَ بِهَا جَمِيعَ خَلْقِكَ؛ فَهُمْ لَكَ مُذْعِنُونَ؛ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِه …..[6]، وفي الدعوات المعصومية التي هي منابع المعارف الإلهية من سنخ هذه التعبيرات كثيرة جداً، وكلُّ ذلك يدل على أنّ الذات الأقدس فوق ما ندركه من حقيقة الوجود.

نعم؛ حيث إنّ الحكماء لم يصل إلى أذهانهم فوق حقيقة الوجود شيء قالوا بأنها حقيقة الواجب تعالى وتقدس، كما أنّ النمل لا يدرك فوق زبانيته أبداً، ولذا قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام: كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم، ولعل‏ النمل‏ الصغار تتوهم أنّ لله تعالى زبانيتين، فإنّ ذلك كمالها ويتوهم أنّ عدمها نقصان لمن لا يتَّصف بهما. وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به[7]. فإنّ النمل لا يرى لنفسه كمالاً إلا فيهما.

وإنّي كلما تفحصّت بوسعي في الكتب والصحف السماوية من هبوط أبينا آدم أبو البشر علیه السلام إلى نبينا صلی الله علیه و آله و سلم سيد البشر، وكلمات المعصومين علیهم السلام إلى الغائب المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف لم أجد ما أطلق فيه لفظ الموجود على أنَّه جلّ جلاله.

نعم؛ في دعاء المجير: سُبْحَانَكَ يَا مَعْبُودُ تَعَالَيْتَ‏ يَا مَوْجُود[8].

وفي بعض الدعوات: أُنَاجِيكَ‏ يَا مَوْجُودُ[9] فِي كُلِّ مَكَان[10].

وعن أمير المؤمنين علیه السلام: مَوْجُودٌ لَا عَنْ‏ عَدَم[11].

والمراد بالأول؛ هو الثبوت والتحقق، لا أنْ يكون الوجود عين ذاته.

ولا ريب في أنَّ الثاني هو الإحاطة, مثل قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ[12].

وقوله تعالى: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[13].

وقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ[14].

وفي جملة كثيرة من الدعوات: يَا شَاهِدَ كُلِ‏ نَجْوَى[15].

والدعاء: يَا بَاطِناً فِي ظُهُورِهِ, وَيَا ظَاهِراً فِي بُطُونِهِ, وَيَا بَاطِناً لَيْسَ يَخْفَى, وَيَا ظَاهِراً لَيْسَ يُرَى, يَا مَوْصُوفاً لَا يَبْلُغُ بِكَيْنُونَتِهِ مَوْصُوفٌ وَلَا حَدٌّ مَحْدُودٌ, وَيَا غَائِباً غَيْرَ مَفْقُودٍ, وَيَا شَاهِداً غَيْرَ مَشْهُودٍ, يُطْلَبُ فَيُصَابُ, وَلَمْ يَخْلُ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا طَرْفَةَ عَيْنٍ, لَا يُدْرَكُ‏ بِكَيْفٍ‏ وَلَا يُؤَيَّنُ بِأَيْنٍ وَلَا بِحَيْثٍ, أَنْتَ نُورُ النُّورِ وَرَبُّ الْأَرْبَابِ, أَحَطْتَ بِجَمِيعِ الْأُمُورِ, سُبْحَانَ مَنْ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ, سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا وَلَا هَكَذَا غَيْرُهُ. ثُمَّ تَدْعُو بِمَا تُرِيدُ[16].

والمراد مِمّا في نهج البلاغة نفي الحدوث، لا عينية الوجود لذاته تعالى، والكتب السماوية والصحف المنزلة على الأنبياء علیهم السلام وكلمات المعصومين علیهم السلام في مناجاتهم مع ربّهم مشتملة على سنخ هذه التعبيرات، ولو كانت حقيقته تعالى وتقدّس عين حقيقة الوجود لأشير إليه في كلمة من كلمات الوحي السماوي أو الخطابات المعصومية مع ربهم.

نعم؛ أطلق عليه جلّ جلاله لفظ (الذات)، ولفظ (النفس)، ففي الآية الكريمة: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ[17]. وهو بمعنى الذات أيضاً.

وفي جملة من الروايات المذكورة في كتب الفريقين عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم: يُعَيِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: عَبْدِي؛ مَا مَنَعَكَ‏ إِذَا مَرِضْتُ‏ أَنْ تَعُودَنِي؟. فَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ؛ أَنْتَ رَبُّ الْعِبَادِ؛ لَا تَأْلَمُ وَلَا تَمْرَضُ!. فَيَقُولُ: مَرِضَ أَخُوكَ الْمُؤْمِنُ فَلَمْ تَعُدْهُ؛ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ, ثُمَّ لَتَكَفَّلْتُ بِحَوَائِجِكَ فَقَضَيْتُهَا لَكَ, وَذَلِكَ مِنْ كَرَامَةِ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ؛ وَأَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[18]. وسنخ هذه التعبيرات في كلمات المعصومين  كثيرة جداً، وهي تدل على أنّ الذات الأقدس أرفع وأجلّ وأدق من حقيقة الوجود، والأفهام والعقول قاصرة عن إدراكه، والعبارة واللفظ تقصر عن الإحاطة به.

وبعبارة أخرى -وإنْ كانت هذه العبارة قاصرة أيضاً-: إنَّه تعالى وجدانيٌّ للعارفين به والمتوجهين إليه عزّ وجلّ، لا أنْ تكون الذات حقيقة الوجود. والفرق بينهما واضح بَيِّنٌ، ويدلُّ عليه ما في جملة كثيرة من الدعوات مثل: يَا مَنْ فَتَقَ‏ الْعُقُولَ‏ بِمَعْرِفَتِهِ[19]، فإنّ هذا ليس إلا وجدان العقول لخالقها. وفي جملة من الأخبار الواردة في شأن الحيوانات مهما أبهموا عن شيء فلا يبهمون عن خالقهم، فهو تعالى وجدانيُّ في كمون الشعور مطلقاً، لا في كمون العقول فقط.

ولكني مع ذلك مستغفر عن قصور التعبير؛ إذ التعبيرات بأدقّ معانيها قاصرة جداً. قال أمير المؤمنين عليٌّ علیه السلام ونعم ما قال: وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ‏ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ, فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً, وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ, وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين‏[20]. فيا ليت حكماء المسلمين اتبعوا قول هذا الحكيم العظيم لئلا يقعوا في مهالك لا نجاة منها.

إنْ قلت: إنّ ما ذكرته إنَّما هو في مقام الإثبات، وكلام الحكماء من أنّ ذاته تعالى هو حقيقة الوجود إنَّما هو في مقام الثبوت, ولا ربط لأحدهما بالآخر.

قلت: أولاً: إتَّفق الحكماء المسلمون واليونانيون وغيرهم على أنّ بسيط الحقيقة من كل جهة؛ ثبوتُه وإثباتُه واحدٌ، فكيف بما هو بسيط فوق ما يتعقل من معنى البساطة فراجع كتب القوم تجد ذلك مبرهناً عليه لديهم.

وثانياً: إنّ الله تبارك وتعالى ذات قدوسيّ سبحانيّ؛ من شؤونه الحضور والإحاطة القيوميّة على ما سواه، وهذا الحضور والإحاطة عنوان مشير إلى ذات لا تتناهى، وإذا انهدم هذا الأساس المبني عليه جملة كثيرة من المباحث المهمة للحكمة الإلهية وعلم التصوف فسوف ينهدم الكل.

ومنه يظهر بطلان أقاويل ما نسب إلى اللاهوتيين من الغرب في هذا السياق، مع أنَّه ليس لهم شيء مخترع في أمثال هذه المباحث وإنَّما أخذوا ما فضلوه من مزايا كلمات الحكماء من المسلمين واليونانيين، ولولا مخافة التطويل لذكرنا موارد سرقاتهم، مع أنّ النفوس المحجوبة عن ضياء الشريعة الختمية كيف تصل إلى حقائق المعارف الربوبية، وهو من المستحيل، ويصير من الضالّ المضّل؛ وأين الذباب وربّ الأرباب.

اى مگس حضرت سيمرغ نه جولانگه تست
 
عرض خود مى‌برى و زحمت ما مى‌دارى[21]
  

يعني:

يا أيتها الذبابة؛ إنّ حظيرة العنقاء ليست مكاناً لجولانك
 
وأنت تبيحين عرضك وتسببين لنا الألم والضيق في طيرانك
  

ونِعمَ ما قال المُنبئ عن الشريعة الختمية الإمام زين العابدين علیه السلام، الذي هو لسان الأنبياء السابقين وفاتح المعارف على جميع العقلاء إلى يوم الدين كما رواه عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ علیه السلام عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ‏ مُتَعَمِّقُونَ؛‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ, وَالْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلَى قَوْلِهِ:‏ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ؛ فَمَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ[22].

ولعلنا نُشِر إلى قطرة من ذلك البحر غير المتناهي ولمعة من ذلك الضوء الذي لا يدرك بالعقل المتناهي في مستقبل المقال إنْ ساعدنا التأييد السماوي.

الأمر السادس: إتَّفق الحكماء، بل العقلاء على أنّ التمييز بين شيئين لا يكون إلا بأحد أربعة أشياء:

  • تمام الذات؛ كالتمييز بين الجوهر والعرض وأنواع كلٍّ منهما مع نوع الآخر.
  • التمييز ببعض الذات؛ كتمييز الإنسان مع الفرس -مثلاً- فإنَّه بالفصل؛ وهو بعض الذات مع اشتراكهما في البعض الآخر وهو الحيوان.
  • التمييز بما هو خارج الذات؛ كالعوارض والصفات، كتمييز زيد عن عمرو
    -مثلاً-.
  • التمييز بمراتب الذات مع الاشتراك في أصل الذات؛ كتمييز نور الشمس عن نور الشمع، وفي هذا القسم ما به التمييز وما فيه التمييز شيء واحد كما أشرنا إليه قبل ذلك.

والتمييز في مراتب التشكيك في الوجود على فرض ثبوته من القسم الأخير.

إذا تلوت ما ذكرناه لك، فالأقوال في أقسام الوجود أربعة:

القسم الأول: ما نسب إلى المشائين من أنَّها حقائق متباينة، فوجود الواجب بذاته ووجود الجوهر ووجود العرض متباينات.

وأشكل عليه؛ بأنَّه على هذا المذهب لا يصحّ إطلاق مفهوم الوجود على هذه الثلاثة، لأنّ انتزاع مفهوم واحد عن الحقائق المتباينة وحمله عليها بديهي الفساد كما ادّعاه صدر المتألهين.

وهذا الإشكال واضح الفساد؛ لأنّ إطلاق الوجود على الثلاثة يصير من الإشتراك اللفظي كإطلاق العين على معانٍ تنتهي إلى سبعين، والإطلاق ضعيف المؤونة يكفي في صحته وجود الجامع اللحاظي الوضعي كما هو المتسالم عليه بين علماء الأدبيات. فلا إشكال عليه من هذه الجهة.

نعم؛ يبقى عليه إشكال أنّ المشائين إنْ علموا أنّ حقيقة الواجب بذاته هو حقيقته حتى مع تباينها مع الممكن.

وهذا الإشكال وارد على كل من قال بأنّ حقيقته تعالى حقيقة كالإشراقيين وجمع من حكماء المسلمين.

وسنعود إنْ شاء الله تعالى إلى نقض هذا المذهب وإثبات أنّ حقيقته تعالى فوق حقيقة الوجود.

القسم الثاني: ما عليه عامة المتكلمين من المسلمين من القول بأصالة الماهية، كما يأتي إنْ شاء الله تعالى وأنَّه ليس الوجود إلا مفهومه المضاف إلى تلك الماهيات المعبّر عنها بالحصص، فإنّ قول: وجود الإنسان، أو قول: الإنسان موجود -مثلاً- مشتمل على المضاف والمضاف إليه، والإضافة المقولية الحاصلة بينهما يُعبَّر عنها بالحصة؛ لأنّ الحصة عبارة عن الكليّ المضاف مع كون الإضافة معتبرة فيه، وخرج المضاف إليه عنه، ولا ريب في أنّ الحصة كالكليّ أمر اعتباري عقلي ولا تحقُّقَ لها في الخارج، فلا تحقق للوجود عنه في الخارج حتى يتصور فيه التشكيك، ويكون حمل مفهوم الوجود على تلك الحصص بالتواطؤ.

القسم الثالث: ما نسب إلى ذوق المتألهين؛ وهو كون الوجود منحصر بالواجب بالذات، والممكن موجود من حيث إضافته إلى الواجب تعالى بالإضافة الإشراقية لا الإضافة المقولية. والفرق بينهما أنّ الأولى موجد ومثبت للمضاف إليه فيحصل من الإيجاد الربط بين الموجد وما أوجده، والثانية نسبة بين الطرفين الثابتين.

ويمكن تأييد ما نسب إلى ذوق المتألهين سواء كان ذات الواجب هو حقيقة الوجود أم ذاتاً فوق حقيقة الوجود.

القسم الرابع: ما ذهب إليه جمع من الحكماء منهم إبن سينا وصدر المتألهين ومن تبعهما ومن سمّوا أنفسهم بالإشراقيين؛ وهو أنّ حقيقةَ الوجود حقيقة واحدةٌ بين أفراده من الواجب والجوهر والعرض، ولكن مع اختلاف المرتبة بالشدة والضعف والأولية وخلافها والأقدمية وخلافها.

وبعبارة أخصر؛ التفاوت بالكمال والنقص، وهذا هو أساس جملة من المباحث الآتية المهمة، وأصرَّ على إثبات هذا المبحث صدر المتألهين وبعض أكابر الصوفية والعرفاء لابتناء كثير من مقاصدهم عليه كمسألة وحدة الوجود ونحوها، ولكنه مبني على كون ذات الواجب تعالى حقيقة الوجود، ولم يستدلوا عليه إلا بعدم درك العقول شيئاً أعلى من حقيقة الوجود.

وفيه: إنّ عدم الدرك لا يدل على عدم التحقق، فكم من أشياء لم ندركها، وحكمنا بأسماءها بحسب إدراكنا، ثمّ وجدناها متحققة في الخارج، فالذات الأقدس ذات لا تصل إليه العقول أصلاً. نعم هو ثابت ومتحقق بمعنى نفي العدم عنه بفطرة العقول، وأما أنّ تلك الذات حقيقة الوجود أو معنى آخر فلن تصل إليه العقول، ويعترف الكل بالعجز عن دركه، وهذه الجملة مستفيضة في الدعوات المعتبرة المعصومية مثل الدعاء: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ‏ عَلَى‏ نَفْسِكَ‏ وَفَوْقَ‏ مَا يَقُولُ الْقَائِلُون[23]. وكذا قولهم علیهم السلام: يَا مَنْ لَا يَعْلَمُ‏ مَا هُوَ إِلَّا هُو[24]. فغاية ما تدركه العقول إنما هو نفي العدم والإمكان عنه تعالى. وأما درك أنّ حقيقته تعالى حقيقة الوجود فهذا من التحديد، والتحديد مستحيل بالنسبة إليه عزّ وجلّ، مع أنّ الوجود الذي اختلفوا فيه من أنَّه أصيل أو اعتباري، كما يأتي في مسألة أصالة الوجود، كيف يمكن أنْ يكون حقيقة الواجب تعالى. فأنهدمَ أساس مسألة التشكيك في الوجود مع أنهم لم يستدلوا عليه إلا بأنّ بعض أقسام الوجود مقدم على بعض، وبعضها أولى من بعض، إلى غير ذلك من جهات الكمال والنقص. وهذا في الجملة مسلّم ولكنه أعم من أن تكون حقيقة الواجب بالذات حقيقة الوجود ويصدق الوجود بالتشكيك عليه وعلى خلقه.

فنقول: إنَّه تعالى بائن مع خلقه بالذات، وخلقه بائن معه بينونة خاصة لا بينونة العزلة، وهذا المذهب هو المعروف عند المتكلمين وطائفة المشائين. ويمكن استظهاره عن كل من قال بأصالة الماهية. ويأتي تتمة المقام إنْ شاء الله ومنه التأييد وبه الإعتصام.

الجهة الرابعة: مفهوم الوجود العام البديهي إعتبار عقلي غير مقوم لأفراده

حقيقة الوجود وذاته حقيقة خارجية وذات عينيّة، وكلما كان كذلك يمتنع أنْ يحصل في الذهن ويرتسم في النفس لأنَّه خلف، ولا ريب في أنّ المفهوم العام البديهي يحصل في الذهن ويرتسم فيه ليس بحقيقة الوجود، بل هو وجه من وجوهه وعنوان إجمالي من عناوينه، وما يشار به إلى تلك الحقيقة، ومنشأ الإنتقال إليها، وقد يكون المباين منشأ للانتقال إلى مباينه؛ فكلما يرتسم في النفس من الوجود ويعرض له الكلية والعموم وسائر الأمور التي هي من المعقولات الثانية ليس حقيقة الوجود وليس عموم ذلك المفهوم بالنسبة إلى الوجودات عموم معنى الجنس، بل عموم أمر لازم اعتباري انتزاعي كالشيئية بالنسبة إلى الماهيات المتخالفة المعاني المتحصلة في الخارج، مع أنه لو كان جنساً مقدماً يلزم التركّب في وجود الواجب بناءً على أنّ حقيقته حقيقة الوجود، كما أنّ أصل هذا البحث مبني على أصالة الوجود. وأمّا بناءً على أصالة الماهية واعتبارية الوجود وأنّ حقيقة الواجب فوق حقيقة الوجود فيمكن فرض معنى الجنسية فيه لأنّ الاعتباريات خفيفة المؤونة. ويأتي في العنوان التالي تتمة المقال.

 

الجهة الخامسة: أمور سلبية عن حقيقة الوجود

تسالم القوم على أنّ حقيقة الوجود في ذاتها ليست بجوهر ولا بعرض، ولا بكلي ولا بجزئي، وليست لها أجزاء ذهنية كالجنس والفصل، ولا الأجزاء الخارجية كالمادة والصورة، ولا الأجزاء المقدارية كالطول والعرض، وليست بنوع ولا ضدّ لها، إلى غير ذلك مما قالوا في هذا السياق الدال كل ذلك على تنزّه هذه الحقيقة أولاً وبالذات عن شؤون الماهيات والمفاهيم الذهنية الاعتبارية. وكل ذلك مبني على أصالة الوجود، وأنه لا منشأ للأثر إلا للوجود ولا تحقق لشيء أولاً وبالذات إلا له، أمّا أنَّها ليست بجوهر فلأنّ الجوهر ماهيته إذا وجد في الخارج كانت لا في الموضوع، وحقيقة الوجود ليست بماهيته.

وفي هذا الإستدلال مناقشة واضحة؛ لأنّ الماهية والذات والشيء بالمعنى الأعم واحدٌ، فهي وإن لم تكن مبهمة ولكنها ذاتٌ وشيءٌ فيمكن أن يتصف بالجوهرية من هذه الجهة. وأمّا أنَّها ليست بعرض فقد قالوا أنّ العرض متقوم بالموضوع، والوجود مقوّم له فلا وجه لكونه عرضاً.

ويمكن المناقشة فيه؛ بأنّ العرض بالمعنى الأعم ما هو خارج عن الذات سواء كان متقوماً بالموضوع أم مقوماً له. وقد اتفقوا على أنّ مفهوم الوجود عرضيّ بالنسبة إلى جميع الموجودات، أي خارج المحمول، لا المحمول بالضميمة.

وأمّا أنَّها ليست بكلي ولا جزئي؛ فلأنَّها من صفات المفاهيم الذهنيّة والحقيقة بمعزل عنها، فلا إشكال.

نعم؛ تتصف حقيقة الوجود بالسعة والإحاطة والتخصّص والتضيّق، ولا ربط لها بالكلية والجزئية المفهومية الذهنيّة.

وأمّا أنَّه ليست لها أجزاء ذهنيّة كالجنس والفصل فلأنَّها لو تركبت تلك الحقيقة من جنس وفصل فهما؛ إما وجودان، أو عدمان، أو ماهيتان مختلفتان، أو الأول وجود والثاني غيره، أو بالعكس.

والأول باطل؛ لما أثبتوه في علم الميزان من أنّ الفصل عارض ومقسِّم بالنسبة إلى الجنس، إذ لا تَحَصُّلَ للجنس إلا بالفصل، ولكنه مقوّم بالنسبة إلى النوع؛ فإذا كان الجنس وجوداً، والفصل وجوداً أيضاً يلزم المحذور لأنّ الفصل يعطي وجود الجنس وإنيّته، والمفروض أنّ ذات الجنس هو الوجود، فيكون الفصل معطياً لذات الجنس حينئذٍ.

هذا إشكالهم في هذا المقام، ويمكن دفعه بأنه إنما يلزم إذا كان الجنس المفروض وجوده عين وجود الفصل من كل حيثيّة وجهة، وأما مع اختلافهما في المرتبة كما في الاختلاف بين وجود الهيولى ووجود الصورة، فلا محذور فيه، بل هو واقع. كما يأتي في مباحث الطبيعيات.

والثاني باطل كذلك بلا اشكال وكذا البقية؛ للزوم تركّب الذات من المتناقضين، أو ما هو في قوة المتناقضين. ومنه يعلم سلب الأجزاء الخارجية عن حقيقة الوجود، وكذا سلب الأجزاء المقدارية لأنّ الأخيرة مترتبة على الثانية، والثانية مترتبة على الأولى مما ليس له جنس وفصل وليست له مادة وصورة، وما ليست له مادة وصورة وليست له الأجزاء المقدارية.

وأمّا أنَّها ليست بجوهر ولا بعرض؛ فلأنّ الجوهر ماهية إذا تحقق في الخارج تحقق بلا موضوع، والعرض متقوم بالموضوع، والوجود ليس بماهية فليس بجوهر ولا يتقوم بالموضوع، بل الموضوع متقوم به فليس بعرض.

ويمكن الإشكال عليه بأنْ نقول: الجوهر ذات أو شيء إذا تحقق في الخارج يكون بلا موضوع، ولا ريب في شمول الذات والشيء بالنسبة إلى الوجود أيضاً، بل لا تذوُّت ولا تجوهر إلا به.

نعم؛ ليس الوجود عرضاً بمعنى تقوّمه خارجاً بالموضوع وإن كان يعرض على الماهيات في تحليل من العقل فيقال الإنسان موجود -مثلاً-، وقالوا إنها ليست بنوع أيضاً لأنّ النسبةَ بين المشخصات الخارجية والطبيعة النوعية عينُ النسبة بين الفصل والجنس. وقد مرّ التفصيل فراجع.

الجهة السادسة: تخصص حقيقة الوجود وتكثره

لا ريب في أنّ الحقيقة واحدة، ولا تكثُّر في حقيقة واحدة في ذاتها، وإلا لزم الخلف كما هو المسلّم في كل حقيقة واحدة ولو من الماهيات كحقيقة الإنسان مثلاً.

وبعد فرض كون حقيقة الوجود واحدة بين أقسامه الثلاثة؛ الواجب والجوهر والعرض كما نسب ذلك إلى جمع، فلا بُدَّ من تخصّص الشيء في البين؛ فقالوا إنّ تخصص تلك الحقيقة الوجودية الواحدة تارةً بشؤونه الذاتية كالأولية والأشدّية والأولوية ومخالفاتها، وأخرى بالإضافة إلى الماهيات كوجود الإنسان ووجود الفرس ونحوهما. وأما التخصّص والتميّز في الماهيات الفرعية الواحدة فهو بالعوارض الخارجية كوجود زيد ووجود عمرو. ويأتي تفصيل هذا الإجمال في مستقبل المقال.

الجهة السابعة: عروض الوجود على الماهيات وبيان قاعدة فرعية

كل أحد يجد الفرق بين قول الإنسان إنسان، وبين قول الإنسان موجود، ولا توجد العارضيّة والمعروضية في الصيغة الأولى، بخلاف الثانية ففيها معروض وعارض، مع أنّ الحكماء اتفقوا على أنّ كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود؛ فأصل تركّب الممكن مطلقاً من الماهية والوجود والعروض بينهما وجداني واتفاقي في الجملة، ولكن العروض على أقسام:

 منها؛ العروض الخارجي، كعروض الألوان على الأجسام في الخارج.

ومنها؛ العروض الذهني، كعروض النوعية المنطقية مثلاً على الإنسان.

ومنها؛ العروض في تحليل العقل وتعمّله ودقته، كعروض الوجود على الماهية فإنّ مرجعه إلى أنه يمكن فرض شيئية الماهية غافلاً عن الوجود، فيكشف ذلك عن أنه عارض عليها وليس بذاتي لها، وإلا لما صحّت الغفلة عنه كما هو معلوم.

هذا بحسب التحليل العقلي، وأمّا مع قطع النظر عنه فهما متَّحدان في تمام مراحل الوجود من الخارج والذهن والواقع.

واستدل على هذا العروض بوجوه:

  • صحة سلبه عن الماهية، مع أنَّ ذات الشيء وذاتياته لا يصحّ سلبها عنها، فيقال الإنسان ليس بوجود، ولا يقال الإنسان ليس بإنسان أو حيوان أو ناطق.
  • ثبوته للماهية يحتاج إلى العلة، بخلاف ثبوت الذاتي والذاتيات، فإنَّه بيّن الثبوت لها، فلا يقال لِمَ يكون الإنسان إنساناً، ويصحّ أنْ يقال لِمَ وجد الإنسان.
  • نتعقل ذوات الأشياء تفصيلاً مع الغفلة عن وجودها، ولو كان عينها لم يصحّ هذا النحو من التعقل، وهو خلاف الوجدان.

[1]. وهو الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية؛ ج1 ص35 وما بعدها.

[2]. طرح الكونين في حشر العالمين أو رسالة الحشر. وهي موجودة ضمن كتاب مجموعة الرسائل التسعة (والأولى التسع، وهي في الواقع سبع)؛ تبدأ من ص341.

[3]. والمقصود بالمجازية ما لو أُطلق عليه الوجود المتعارف المحمول على باقي الموجودات، أما الوجود الحقّي الحقيقي؛ الذي هو فوق الإدراك فهو الذي يُطلق على وجوده تعالى بنحو الحقيقة.

[4]. أي حقيقتها الموجودية.

[5]. المقصود من عدم اختلاف الذاتي؛ أنَّه لا يتغير لازم ماهيّ أصلاً ولا يتبدّل، وأنّه لا يقوم مقامه شيء.

والمقصود من عدم تخلّفه؛ أنّه لا يمكن تحقّق ذي الذاتي بدونه وخالياً عنه.

[6]. إقبال الأعمال (ط. القديمة)؛ ج2 ص658.

[7]. بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج66 ص292-293.

[8]. البلد الأمين والدرع الحصين؛ ص362.

[9]. وفي نسخة: يا موجوداً.

[10]. مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد؛ ج1 ص136.

[11]. نهج البلاغة؛ الخطبة 1؛ من خطبة له علیه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم, وفيها ذكر الحج؛ وتحتوي على حمد الله, وخلق العالم وخلق الملائكة واختيار الأنبياء, ومبعث النبي والقرآن والأحكام الشرعية.

[12]. سورة الحديد؛ الآية 4.

[13]. سورة ق؛ الآية 16.

[14]. سورة المجادلة؛ الآية 7.

[15]. البلد الأمين والدرع الحصين؛ ص196.

[16]. إقبال الأعمال (ط. القديمة)؛ ج1 ص211.

[17]. سورة المائدة؛ الآية 116.

[18]. وسائل الشيعة (ط. آل البيت علیهم السلام)؛ ج2 ص417.

[19]. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد؛ ج‏1 ص156.

[20]. نهج البلاغة؛ الخطبة 91؛ من خطبة له علیه السلام تعرف بـ(خطبة الأشباح).

[21]. ديوان حافظ؛ غزل 449.

[22]. الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج1 ص91.

[23]. الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج3 ص469.

[24]. إقبال الأعمال (ط. القديمة)؛ ج1 ص343.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"