1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. تهذیب الاصول
  8. /
  9. و هو القطع و البحث فيه عن امور:

لعدم وقوعه في طريق استنباط الحكم الفرعي،لأنه إذا قطع بحكم أو موضوع يقال: هذا واجب،أو هذا ماء-مثلا-و لا يقال:هذا مقطوع الوجوب أو مقطوع المائية، لكونه بالنسبة إلى متعلّقه طريقا من دون أن يكون مأخوذا فيه بوجه من الوجوه.

و يرد عليه:ما مرّ في أول الكتاب من أن علم الاصول ما يبحث فيه عن كيفية استفادة الوظائف العملية،و ما يصح أن يعتذر به لها،و لا ريب في أن القطع مما يصح الاعتذار به،بل هو الأصل فيه،فلا فرق بينه و بين الأمارات و الاصول العملية من جهة صحة الاعتذار في الوظائف العملية،التي هي المناط في المسألة الاصولية،ففي المقام يقال:هذا واجب للقطع به،و كلما وجب للقطع به يصح الاعتذار به،فهذا يصح الاعتذار به،و كذا في القطع بالنسبة إلى الموضوع، كالمائية و نحوها.

و حقيقته الكشف و المرآتية،و آثاره وجوب العمل على طبقه و استحقاق العقاب على مخالفته،و كونه عذرا مع المخالفة للواقع،قصورا لا تقصيرا،و هذه الآثار من المرتكزات التي يلتزم بها كل عاقل،فوجوب العمل على طبقه ليس وجوبا شرعيا،بل هو من الوجوب الارتكازي العقلي،كوجوب دفع الضرر.

و يصح تعلّق الجعل الشرعي بهما إثباتا للتأكيد و ردعا لمصالح يعرفها الشارع،بل الظاهر صحة تعلّق الجعل بجهة الكاشفية أيضا للتأكيد و إتمام الحجة،كما يصح ردع الشارع عنها،لأن اعتبار الكواشف مطلقا في الشريعة معلق على عدم ردع الشارع عنها،فالقاطع و إن كان يرى الواقع باعتقاده و لكن الشارع الحكيم له أن يقول:لا اعتبر الواقع،و لا أريده منك و لا محذور فيه.

ثم إن تحقق القطع بالنسبة إلى القاطع و جعله له إنما هو بالجعل البسيط، و هو إيجاده بما يوجب حصوله في النفس من ترتيب المقدمات الدخيلة في حصوله.

و أما الجعل المؤلف-و هو جعل الحجية و الكاشفية له-فهو غير معقول، لأنه إنما يكون بين الشيء و عوارضه المفارقة،لا بينه و بين ذاتياته،لأن مناط هذا الجعل إنما هو الفقدان،و لا يعقل أن يكون الشيء فاقدا لذاتياته،فلا يعقل الجعل التكويني بين القطع و الكشف و الحجية لهذه الجهة-على المعروف بين الفلاسفة و إن ناقشنا فيه خصوصا بالنسبة إلى مجعولات اللّه تعالى في محله-لا لأنه مستلزم للتسلسل،كما عن جمع من الاصوليين بدعوى:أن حجية كل شيء لا بد و أن تنتهي إلى العلم،فإن كانت حجيته مجعولة يلزم التسلسل،و ذلك لأن التسلسل إنما يلزم إن كان جعل الحجية للقطع بنحو القضية الخارجية.و أما إذا كان على نحو القضية الطبيعية،فلا يلزم ذلك،كما لا يخفى.

و حيث لا يعقل جعل الحجية للقطع على المشهور،فلا يعقل سلبها عنه أيضا،لأن كل ما لا يمكن تعلّق الجعل بوجوده لا يمكن تعلّقه بعدمه أيضا،لأن معنى القدرة-كما ثبت في محله-هو إن شاء فعل و إن شاء ترك،فالقدرة تساوي المشية بالنسبة إلى طرفي الوجود و العدم،و عدم إمكان تعلقها بالنسبة إلى طرف يستلزم عدم إمكانه بالنسبة إلى الطرف الآخر،كما هو واضح،هذا كله في الجعل التكويني.

و أما الجعل التشريعي،فقالوا بعدم إمكانه أيضا،لأنه لإيجاد الداعي و هو حاصل للقاطع لأجل قطعه،فيكون الجعل التشريعي لحجية القطع حينئذ من تحصيل الحاصل المحال.

و يردّ:بأنه كذلك لو لم يكن غرض صحيح عقلائي في البين،كإيجاد الداعى من قبل الشارع أيضا و إتمام الحجة،و هما من أكمل الأغراض الصحيحة العقلائية،و أتمها في تشريع الشرائع الإلهية،فيكون القطع حينئذ،كسائر الحجج العقلائية التي شملتها عناية الشارع و لو بعنوان عدم الردع،هذا بالنسبة إلى جعل الحجية الشرعية للقطع.

و أما بالنسبة إلى سلب الحجية عنه،فقد قالوا أيضا بأنه لا يمكن للشارع سلب الاعتبار و الحجية عن القطع،لأنه إما أن يحكم حينئذ في مورده بعين الحكم المقطوع به،و هو تحصيل للحاصل،أو بمثله،و هو من اجتماع المثلين في نظر القاطع،أو بضده،و هو من اجتماع الضدين فيه،أو لا يحكم بشيء أبدا، فيلزم خلوّ الواقعة عن الحكم،و هو خلاف ما تسالموا عليه من عدم جوازه.

و يردّ الأول بما مرّ من إمكان تصوير الغرض الصحيح العقلائي فيه، فيخرج من موضوع تحصيل الحاصل حينئذ،و الثاني و الثالث بأن الأحكام اعتبارات عقلائية،و يعتبر في اجتماع المثلين أو الضدين أن يكونا من الموجودات الخارجية،كما ثبت في محله،و على فرض كونها موجودات خارجية،أو يكون المراد بهما مطلق المعاندة العرفية،يكفي اختلاف الحيثية في رفع محذور الاجتماع،فمن حيث صلاحية متعلق القطع للداعوية يكون مورد الحكم الشرعي المجعول،و من حيث تعلّق القطع به يكون مورد حكم آخر،و لا ريب في كونهما حيثيتين مختلفتين عرفا قابلتين لرفع محذور التماثل و التضاد.

و يردّ الرابع بأن الممنوع هو الخلو عن الحكم الواقعي النفس الأمري دون الفعلي الظاهري،فلنا أن نلتزم بعدم حكم للشارع ظاهرا،و إن كان له فيها حكم واقعا.

فتلخّص:أنه يمكن جعل الحجية للقطع من الشارع،كما يمكن له سلبها عنه،و ربما يأتي بعض ما ينفع المقام في مستقبل الكلام.

منها:ما يصح الاعتذار و الاحتجاج به،و بهذا الإطلاق يصح إطلاقها على القطع و جميع الأمارات المعتبرة،بل و الاصول العملية و القواعد الفقهية أيضا، و لا محذور فيه أبدا من عقل أو نقل.

و منها:ما اصطلح عليه أهل الميزان،و هو ما كان علة لتحقق الشيء و ثبوته و يذكر في البرهان عليه-كالتغير الذي هو علة للحدوث،و يذكر في البرهان على الحدوث،فيقال:العالم متغير،و كل متغير حادث،فالعالم حادث-و ظاهرهم بل صريح بعض عدم صحة إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع،لعدم كونه علة لثبوت المقطوع به،بل يكون كاشفا عنه.

و فيه:إن القطع علة لثبوت المقطوع به الأوّلي الذاتي القائم بالنفس.

نعم،هو كاشف عما يكون في الخارج و بينهما نحو اتحاد،فيصح إطلاق الحجة بهذا المعنى عليه أيضا.

و لنا أن نفرض ما يكون القطع فيه علة للثبوت خارجا أيضا،لأن القطع بشيء علة لاستحقاق العقاب على مخالفته و الثواب على الموافقة،فيقال-مثلا- هذا مقطوع الوجوب،و كل مقطوع الوجوب يستحق العقاب على مخالفته،فهذا يستحق العقاب على مخالفته،فلا وجه لنفي إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع على نحو الإطلاق.

و منها:ما اصطلح عليه في الاصول،و هو ما يكون واسطة في الإثبات شرعا،كالأدلة الاجتهادية و القواعد المعتبرة التي نثبت بها الأحكام،و كالبيّنة و قول ذي اليد و نحوهما مما تثبت به موضوعاتها،فكل ما يكون معتبرا شرعا تأسيسا أو إمضاء و يثبت به حكم أو موضوعه،تطلق عليه الحجة باصطلاح الاصول.

و الظاهر عدم الاختصاص لها بالاصول حتى تكون اصطلاحا خاصا فيه، لأن الواسطة في الإثبات شائعة في جميع العلوم،فكل ما يكون منشأ لإثبات مورده عقلا أو عرفا أو شرعا،يسمى دليلا و حجة،و واسطة في الإثبات.

و عن جمع منهم شيخنا المحقق النائيني قدّس سرّه:عدم صحة إطلاق الحجة على القطع بهذا المعنى أيضا،لعدم كونه واسطة في الإثبات شرعا،لما قالوا من أن اعتباره عقلي و لا يمكن الجعل الشرعي بالنسبة إليه.

و يرد عليه:ما تقدم من إمكان تعلّق الجعل الشرعي به و لو على نحو الإمضاء،و سيأتي أن حجية جلّ الحجج الشرعية-لو لا كلها-إمضائية و لو بنحو عدم ثبوت الردع،فليكن القطع أيضا كذلك،بل يصح إطلاق الحجة بهذا المعنى على الاصول العملية أيضا،لكونها واسطة لإثبات متعلّقاتها في الجملة،فيقال: هذا مما قامت عليه أصالة البراءة،و كل ما قامت عليه أصالة البراءة لا إلزام بالنسبة إليه،فهذا لا إلزام بالنسبة إليه،و كذا في سائر الاصول العملية،و لا فرق فيه بين كونها اصولا عقلائية ممضاة شرعا،-كما اخترناه على ما سيأتي في محله-أو كانت اصولا شرعية،كما يظهر عن جمع.

و يصح إطلاق الحجة بهذا المعنى-أي بالاصطلاح الاصولي-على القطع أيضا،فيقال بالنسبة إلى الموضوعات:هذا خمر،لأني أقطع بخمريته،و بالنسبة إلى الأحكام هذا صحيح،لأني أقطع بصحته،و في جملة من كلمات الفقهاء هذا حرام-مثلا-قطعا،أو هذا مما قطع به الأصحاب،إلى غير ذلك مما هو كثير في العرف و في الفقه.

فتلخّص من جميع ما مرّ صحة إطلاق الحجة على القطع بإطلاقاتها الثلاثة بلا محذور فيه أبدا،هذا كله في القطع الطريقي.

و أما القطع الموضوعي فلا إشكال من أحد في صحة إطلاق الحجة عليه بالإطلاقات الثلاثة،لصحة تعلّق الجعل به،إذ لا معنى لأخذه في الموضوع إلاّ ذلك،سواء كان تمام الموضوع أو جزءه بنحو الصفتية الخاصة أو بنحو الكشف.

 الأول:القطع إما طريق محض إلى الواقع

بلا دخل له في الموضوع أصلا، كما هو الغالب فيه في العقليات و الشرعيات و العرفيات.

أو مأخوذ في الموضوع إما بنحو تمام الموضوع أو جزئه،و كل منهما إما بنحو الكاشفية و الطريقية،أو بنحو الصفة الخاصة،فهذه الأربعة مع القسم الأول تصير خمسة أقسام.

و المراد بتمام الموضوع أنه هو المناط في الحكم،لا أن يكون الموضوع مركبا منه و من متعلّقه و إن كان يلزمه المتعلّق،لأن القطع من الصفات ذات الإضافة لا تحقق له بدون المتعلّق،فيكون زواله من تبدّل الموضوع لا من تبين الخلاف.

و المراد بجزء الموضوع أن الموضوع مركب منه و من متعلّقه و لكل منهما دخل في تحقق الموضوع.

و يتصور هذه الأقسام الخمسة في جميع الأمارات،بل يصح فرضها في الاصول العملية أيضا،لأن الفرض و الاعتبار قليل المئونة،و لكن لا مصداق لجميع هذه الأقسام مطلقا في الفقه إلا للطريقي منها فقط،و إن قيل أن لها مصاديق لكن لا تخلو من مناقشة فلا وجه لتعطيل الوقت فيها.

ثم إن جميع الأمارات تقوم مقام القطع الطريقي المحض،و كذا في ما أخذ في الموضوع من جهة الكشف و الطريقية بنفس دليل اعتبارها،بخلاف ما أخذ في الموضوع بنحو الصفتية الخاصة.

 الثاني:لا ريب في كون الاطمئنان العقلائي حجة عقلائية

و له مراتب متفاوتة أعلاها القطع و أدناها الظن،و كل ما هو حجة عقلائية حجة شرعية أيضا إلا إذا ثبت الردع عنها،فاللازم على الاصولي إثبات دليل الردع،فيكون البحث عن الحجية مطلقا من التطويل بلا طائل،و يكفي في عدم الردع-في الامور العامة الابتلائية بين الناس-أصالة عدمه،و كما لا يخفى.

 الثالث:ذكروا أن حكم العقل باعتبار القطع

تنجّزي غير معلّق على شيء بخلاف الظن الانسدادي بناء على الحكومة،فإن أصل اعتباره معلّق على عدم ثبوت الردع من الشارع،فلا يقاس أحدهما على الآخر.

و استدل عليه:بأن العقل لا يحكم بشيء إلا مع إحاطته بجميع ما له دخل في حكمه،فمع إحاطته بذلك يحكم و ينتجز،و مع العدم فلا حكم له أصلا.

و فيه:أنه صحيح في العقل المحيط بالواقعيات إحاطة واقعية من كل جهة. و أما العقول التي هي في طريق الاستكمال في كل آن فلا وجه لذلك،فكم قد ثبت الخطأ في الأحكام العقلية،و ليس لأحد أن يدعي أن مطابقة القطع للواقع أكثر من مطابقة الأمارات المعتبرة،و مخالفة الأمارات أكثر من مخالفة القطع له، مع أنه لا بد و أن يكون اعتبار الكواشف مطلقا بالنسبة إلى واقعية كل شريعة- اصولا و فروعا-تحت حيطة صاحب الشريعة.و إلا اختل النظام.

 الرابع:قد أشرنا إلى أنه لا يمكن الجعل التأليفي بين الشيء و ذاتياته

و لكن لا بد و أن يعلم أن الذاتي على قسمين:ذاتي واقعي،و ذاتي إدراكي، و بينهما عموم من وجه،و ما لا يمكن الجعل فيه هو الأول دون الثاني،و مع الشك يصح الجعل،لأن موضوع الامتناع إحراز الذاتية الواقعية،كما أن المراد بلوازم الذات التي لا يصح الجعل التأليفي فيها اللوازم للماهية و الذات الواقعية دون اللوازم العقلائية للشيء،فيصح فيها الجعل التأليفي بلا إشكال.

و الظاهر أن استحقاق العقاب على المخالفة و لزوم الموافقة و العذر لدى القصور بالنسبة إلى القطع من القسم الثاني دون الأول،فيصح فيها الجعل التأليفي تكوينا و تشريعا.و لو شك في أنها من القسم الأول أو الثاني يلحق بالأخير،لعدم إحراز الذاتية الأولية.

 الخامس:عن المحقق الخراساني قدّس سرّه أن للحكم مراتبا أربع:
الاقتضاء:

و يعبّر عنه بالشأنية أيضا،و هذه المرتبة عبارة عن المصالح و المفاسد المقتضية لتشريع الحكم على طبقها.

 و الإنشاء:

و هي عبارة عن مجرد الجعل و التشريع.

 و الفعلية:

و هي عبارة عن وصوله إلى المكلف.

 و التنجز:

و هي عبارة عن استجماع المكلف لجميع شرائط التكليف و فقده لموانعه.

و يرد عليه: أولا:أنه إن أراد الإطلاق الحقيقي،فلا يطلق الحكم حقيقة على مرتبة الاقتضاء،لأنه من التكوينيات،و لا ريب في أن الحكم من المجعولات الاعتبارية.و إن أراد الأعم منه و من المجازي،فمبادئ الحكم من العلم بالصلاح،و الإرادة،و نحوهما أيضا،يصح إطلاق الحكم عليها مجازا،فلا وجه للتخصيص بالأربع،إلاّ أن يريد بالاقتضاء المعنى الأعم الشامل لجميع ذلك كله.

و ثانيا:أن التحقيق-كما يأتي إن شاء اللّه تعالى-في مورد الأمارات المعتبرة إنما هو جعل الحجية فقط دون الحكم،فلا وجه لهذا التقسيم في مورد الأمارات،بل لا وجه له في مورد القطع أيضا،إذ لا أثر للقطع بالحكم الاقتضائي و الإنشائي أصلا،كما صرح هو قدّس سرّه بذلك أيضا.

و الحق أن الحكم-خالقيا كان أو خلقيا-جعل القانون بداعي صيرورته فعليا بالنسبة إلى واجدي الشرائط،سواء كانوا كذلك حين صدوره أو بعد ذلك فهو فعلي أبدا من طرف الجاعل لصلاحيته لإتمام الحجة و البيان،كما أنه كذلك بالنسبة إلى واجدي الشرائط مطلقا.و بالنسبة إلى غيرهم لا حكم أبدا حتى يبحث عن أنه إنشائي أو لا،لأن الإنشاء إن كان بلا داع فهو محال عليه تعالى و قبيح بالنسبة إلى غيره،و إن كان بداع آخر غير الفعلية فلا وجه لصيرورته فعليا حين تحقق الشرائط.

 و خلاصة القول:

أنه ليس للحكم إلا مرتبة واحدة،و هي الفعلية،سواء اضيف إلى الحكم أو إلى المحكوم فلا وجه للتقسيم إلى مرتبة الاقتضاء و الإنشاء و التنجز،مع أنه لا تترتب على هذه المراتب ثمرة عملية بل و لا علمية، فالإعراض عنها أولى

 تمهيد:

هذه المسألة-كجملة من مسائل الاصول-فيها ملاك الفقهية و الاصولية و الكلامية،فإن كان عنوان البحث في أن التجري حرام أو لا؟و أن الفعل المتجرى به محرم أو باق على ما كان عليه؟فهو فقهي.

و إن كان عنوان البحث في أن أدلة التكاليف الواقعية هل تشمل الموضوعات الاعتقادية أو لا؟فهو اصولي.

و إن كان العنوان في أن التجري هل يوجب استحقاق العقاب أو لا؟فهو كلامي.

فيصح أن يكون بكل من هذه الجهات مورد البحث و النظر.

و لا اختصاص للتجري بخصوص القطع،بل يجري في جميع ما هو معتبر شرعا،قطعا كان أو أمارة أو أصلا مع تبين الخلاف.

نعم،لو كان القطع أو الأمارة مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية الخاصة،فلا وجه لجريان التجري فيه،فإن مخالفته حينئذ تكون معصية حقيقية و زواله يكون من تبدل الموضوع لا من تبين الخلاف،كما لا يخفى.

التجري و الانقياد من الموضوعات العرفية في جميع الأزمان و المذاهب و الأديان،فلا بد في الحكم بقبح الأول و كونه موجبا لاستحقاق الذم أو العقاب، و حسن الثاني،و كونه موجبا لاستحقاق المدح أو الثواب،من الرجوع إلى المرتكزات العقلائية،و لو ورد دليل من إجماع أو نص فهو إرشاد محض إلى المرتكزات،لا أن يكون دليلا مستقلا في مقابلها.

نعم،يمكن أن يلاحظ فيه جهة المولوية أيضا مضافا إلى الإرشاد.

فالتجري إما أن يوجب استحقاق العقاب أو لا،و على الثاني إما أن يوجب القبح الفاعلي أو لا،و قال بكل من هذه الاحتمالات قائل.

و الحق أن التجري يوجب استحقاق العقاب،لأن المناط في إيجاب المعصية الحقيقية لاستحقاق العقاب ليس إلا هتك المولى و المبارزة معه و الظلم عليه،و لا ريب في تحقق ذلك كله في مورد التجري لدى العقلاء كافة،فيصح تشكيل القياس على نحو الشكل الأول،فيقال:التجري هتك للمولى،و كل هتك له يوجب استحقاق العقاب،فالتجري يوجب استحقاق العقاب.

إن قلت:نعم،و لكن لتفويت الغرض و تحقق المخالفة مدخلية أيضا.

قلت:تفويت الغرض في الرتبة المتأخرة عن الهتك و الظلم على المولى، و هما في الرتبة الاولى،فيقال تجرأ على المولى ففوت غرضه.

إن قلت:إن ذلك موجب لتعلّق استحقاق العقاب بأمر غير ملتفت إليه،بل غير اختياري،و هو باطل،لأن عنوان التجري،كالناسي من حيث أن النسيان غير ملتفت إليه،و كما أن الناسي لو التفت إلى نسيانه لزال نسيانه بلا إشكال فكذا التجري،و إذا لم يكن ملتفتا إليه لم يكن اختياريا،فيلزم ما ذكر.

قلت:مورد الاستحقاق هو حيثية الهتك و الطغيان،و لا ريب في كونهما ملتفتا إليهما و كونهما اختياريين،كما لا يخفى.

إن قلت:مع تحقق الاستحقاق في مورده إن بقي الواقع على ما كان عليه من عدم استحقاق العقوبة عليه فهو من اجتماع الضدين،و إن انقلب عما كان عليه فلا موجب له،لما يأتي من عدم تغير الفعل المتجري به بالتجري.

قلت:يبقى الواقع على ما كان عليه و لا يلزم اجتماع الضدين،لاختلاف الجهتين،فإن جهة الطغيان التي هي مورد الاستحقاق غير جهة واقع الفعل المتجرى به،و لا ربط لإحداهما بالاخرى.

إن قلت:استحقاق العقاب على المخالفة الاعتقادية مستلزم لشمول الخطابات الأولية للمخالفة الواقعية و الاعتقادية معا،و لا جامع بينهما إلا الإرادة و الاختيار و العلم،و الأولان غير اختياريين مع أنهما غير ملتفت إليهما حين الفعل،و الأخير طريقي إلى المخالفة الواقعية و موضوعي في الاعتقادية. و موضوعية العلم لشيء-خلاف الأصل-تحتاج إلى دليل بالخصوص،و هو مفقود.

قلت:كل ذلك تطويل بلا طائل،لأن الهتك و الطغيان على المولى من المستقلات العقلية لاستحقاق العقوبة،و هو الجامع للمخالفة الواقعية و الاعتقادية،و تشمل الأدلة الأولية لهما بهذا الجامع القريب.

إن قلت:ورد في جملة من الأخبار العفو عن قصد المعصية،و إطلاقها يشمل المقام أيضا.

قلت:مع أنها معارضة بأكثر منها،مما تدل على ثبوت الاستحقاق من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اَللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ  .و الأخبار التي أشار إلى بعضها شيخنا الأنصاري قدّس سرّه محمولة على التفضل،فلا ينافي أصل الاستحقاق.

و يمكن الجمع بينهما.إما بحمل ما دلّ على الاستحقاق على ما إذا لم يمت مؤمنا بل مات كافرا و العياذ باللّه،و ما دلّ على العفو على ما إذا مات مع الإيمان،فيشمله التفضل حينئذ.

أو بحمل ما دلّ على العفو على ما إذا ارتدع بنفسه.و ما دلّ على الثبوت على ما إذا منعه عن قصده مانع خارجي.

أو بحمل ما دلّ على الثبوت على بعض المراتب،و ما دلّ على العدم على بعض مراتب اخرى،لأن للعقوبة و الاستحقاق مراتبا متفاوتة جدا،أدناها الحرمان عن الالتذاذ بالمناجاة مع اللّه تعالى،و سلب التوفيق لصلاة الليل-مثلا- و أعلاها الخلود في النار،و بينهما مراتب كثيرة شدة و ضعفا.

و يمكن أن يحمل على الأشخاص،فإن إرادة المعصية بالنسبة إلى الأولياء و العلماء العاملين تعدّ معصية لدى العرف أيضا،بخلاف إرادتها بالنسبة إلى الجهّال و نحوهم من الغافلين.

و قد يستدل على استحقاق العقاب في التجري بأنه لو فرض أن شخصين قطع كل واحد منهما بخمرية ما في إنائه الخاص به و شرباه،فصادف أحدهما الواقع و لم يصادف الآخر.فإما أن نقول باستحقاق كل منهما للعقاب،أو بعدم استحقاقهما له،أو باستحقاق المصادف للواقع دون غيره.و الأخير مستلزم لتعلّق الاستحقاق بأمر غير اختياري،و الثاني مخالف للضرورة فيتعين الأول.

و فيه:أن العرف و الوجدان شاهد بصحة الأخير لتطابقهما على أن من صادف قطعه الواقع،شارب للخمر باختياره،و أن غير المصادف لم يشرب الخمر،بل لم يحصل منه إلا مجرد الجرأة و الطغيان و الهتك بالنسبة إلى المولى. و بالجملة يكفينا التأمل في مفهوم التجري و الجرأة في الحكم باستحقاق العقاب بالنسبة إلى التجري.

ثم إنه قد تكرر في كلمات شيخنا الأنصاري قدّس سرّه أن التجري كاشف عن سوء السريرة و خبثها و شقاوتها.و تبعه صاحب الكفاية على ذلك أيضا.

و يردّ:بأن صدور المعصية الحقيقية أعم من خبث السريرة و الشقاوة،لأن السعيد أيضا قد يصدر منه الذنب و الطغيان.لغلبة الجهالة و الشهوة،كما هو معلوم،بل لا يترصد الشيطان إلاّ للسعداء.

نعم،الشقاوة و الخبث الذاتي منشأ للطغيان و صدور المعاصي على نحو الاقتضاء،لا العلية التامة،و ليس كل من تصدر منه المعصية شقيا و خبيثا،كما أنه ليس كل من تصدر منه الطاعة سعيدا و طيبا ذاتا،و قد ورد في جملة من الأخبار أن اللّه تعالى قد يحب العبد و يبغض عمله،و قد يبغض العبد و يحب عمله، و هذا موافق للأدلة العقلية أيضا.

و قد صرّح صاحب الكفاية قدّس سرّه بأن استحقاق العقاب في التجرّي و الثواب في الانقياد من تبعات البعد و القرب بالنسبة إلى اللّه تعالى،و يرجعان بالآخرة إلى الاستعداد الذي يكون ذاتيا،كذاتية الإنسانية للإنسان،و ذاتي الشيء ضروري الثبوت له و يكون غير معلل.

و هذا الكلام مخالف لما ثبت في محله من نفي الشقاوة و السعادة الذاتيّتين.بل للاختيار دخل فيهما.و عن بعض مشايخنا قدس سرّهم أنه:«كان بصدد حذف هذه الجملات من هنا و ما كانت مثلها في الطلب و الإرادة فلم يوفق له». هذا بالنسبة إلى نفس صفة التجرّي من حيث هو.

و أما الفعل المتجرّى به فيمكن القول بقبحه أيضا،لكونه من مظاهر الطغيان و الظلم على المولى عرفا،و يكفي في ذلك قبحه لدى العقلاء من دون أن يستلزم الحرمة الشرعية،لكونها بلا ملاك بعد القبح العقلائي،و لو فرض وجود دليل شرعي عليها يكون إرشادا،كما في الإطاعة و المعصية الحقيقية،و لو لم يكن ما قلناه كافيا في قبحه فلا موجب له أصلا،لأن القطع بالحسن و القبح لا يغير الواقع عما هو عليه،بل هو باق على ما كان قبل التجري.

و الحاصل:أن التجري الخارجي قائم عرفا بالفعل و الفاعل معا،فينطبق قبحه عليهما كذلك،فإثبات الحرمة إما بالعقل أو بالعرف أو بالشرع،و الأولان أجنبيان عن إثبات الحرمة،لأنه من شأن الشارع لا غيره،مضافا إلى أنهما يشهدان بعدم الحرمة.و أما الأخير فلا دليل في البين إلا ما ادعي في بعض صغريات التجري،كالإجماع المدعى على أنه مع خوف ضيق الوقت يأثم في تأخير الصلاة و إن بان السعة،و الإجماع المدعى على وجوب إتمام الصلاة على من خاف الضرر في سفره و إن بان الخلاف.

و فيه..أولا:عدم الاعتماد على مثل هذه الإجماعات.

و ثانيا:بأن للخوف موضوعية في أمثال المقام،فيكون ذلك من المعصية الحقيقية،فلا موضوع للتجرّي حينئذ أصلا،كما مرّ من أن التجرّي إنما يتصور في ما هو طريقي فقط لا في ما له دخل في الموضوع و لو في الجملة.

 الأول:تظهر الثمرة في القبح الفعلي و عدمه

في ما إذا كان عبادة،فلا يصح التقرّب به مع قبحه،كما إذا اعتقد غصبية المكان و مع ذلك صلّى فيه و حصل منه قصد القربة ثم بان الخلاف،فإن قلنا بالقبح الفعلي لا تصح الصلاة،لعدم صلاحية القبيح للتقرّب به،و إن لم نقل به تصح الصلاة و لا شيء عليه.هذا إذا احرز أن القبح الفعلي العرفي لازم للقبح الشرعي أيضا و موجب لاستحقاق العقاب.و أما إذا لم يحرز ذلك فلا وجه للبطلان أصلا،و لا طريق لنا لإثبات هذه الملازمة من عقل أو نقل على نحو الكلية.

 الثاني:التجري طغيان و ظلم على المولى

و قبحهما من المسلّمات لدى العقلاء،و لا يزول ذلك إلا بعروض عنوان حسن أرجح منه مع كونه ملتفتا إليه عمدا و اختيارا.

فما عن الفصول من أنه لو اشتبه عليه مؤمن ورع بكافر واجب القتل، و قطع بأنه الكافر و مع ذلك تجرى و لم يقتله،لا يستحق الذم على التجري لتدارك قبح تجرّيه بحسن حفظ النفس المحترمة.

مردود:بأن الطغيان صدر منه عن عمد و اختيار،بخلاف حفظ النفس المحترمة فإنه لم يكن ملتفتا إليه أصلا،فلا يوجب الحسن و استحقاق المدح، و ما كان كذلك كيف يرجح على القبيح الصادر منه بالعمد و الاختيار،و لا فرق في ذلك بين كون قبح التجري ذاتيا أو بالوجوه و الاعتبار،إذ الترجيح مطلقا لا بد و أن يكون بما يصدر عن العمد و الاختيار.

نعم،ملاك الحسن موجود فيه،و لكنه أيضا غير ملتفت إليه مع الالتفات إلى القبح و ملاكه المتحقق في التجري.

 الثالث:لا ريب في تباين التجري الاصطلاحي مع المعصية الحقيقية

لاعتبار عدم المصادفة مع الواقع في الأول و اعتبارها في الثاني.

فما عن صاحب الفصول من أنه مع مصادفة التجري للمعصية الحقيقية يتداخل عقابهما مخدوش:

أولا:بعدم تعقل مصادفة التجري الاصطلاحي للمعصية الحقيقية.

و ثانيا:على فرض التعقل بأن يكون مراده رحمه اللّه إتيان الحرام لأجل مبغوضيته لدى المولى لا لغلبة الشهوة و نحوها،فلا وجه حينئذ للتداخل مع كونه خلاف الأصل.إلاّ أن يكون مراده بالتداخل اشتداد العقاب لا التداخل الاصطلاحي.

نعم،لو شرب مائعا بقصد شرب جنس الحرام و اعتقد أنه خمر،فبان كونه مائعا نجسا،يمكن أن يتحقق فيه الحرام و التجري من جهتين.

 الرابع:للتجري مراتب متفاوتة جدا:

فتارة:يكون في مجرد القصد فقط.

و أخرى:يكون فيه مع ارتكاب بعض المقدمات.

و ثالثة:مع الإتيان بما يعتقد كونه حراما.

و رابعة:يتحقق بمجرد عدم المبالاة في الدين.

و خامسة:في ارتكاب محتمل الحرمة برجاء إصابة الحرام.

و سادسة:في ارتكاب محتمل الحرمة برجاء عدم الإصابة.

و يجمع الجميع مفهوم التجري في الجملة مع الاختلاف في الضعف و الشدة،و المتيقن من استحقاق العقاب و قبح الفعل هو القسم الثالث.

و يمكن القول بالاستحقاق و القبح في باقي الأقسام أيضا مع اختلاف المراتب.

ثم إنه لا فرق في ما مرّ في التجري-من الأحكام و الأقسام-بين القطع و غيره،فتجري في الأمارات و الاصول المعتبرة أيضا.

و لا يخفى أنه يجري جميع ما مرّ في التجري-من الأحكام و الأقسام-في الانقياد أيضا،لكن مع استحقاق الثواب و حسن الفعل المنقاد به بالأدلة الأربعة.

لا يخفى أن مقتضى طبع القطع أن يكون طريقا محضا إلى متعلّقه-كسائر الحجج و الأمارات-فأخذه في الموضوع مطلقا يحتاج إلى دليل خاص يدل عليه،و يكون فيه تابعا لمقدار دلالة الدليل فقط:

فتارة:يؤخذ فيه على نحو يكون تمام الموضوع،بأن يدور الحكم مدار القطع،أخطأ أو أصاب.

و أخرى:يكون بنحو جزء الموضوع،بأن يدور الحكم مدار القطع و متعلقه معا بحيث ينتفي بانتفاء أحدهما.

و على كل منهما إما أن يؤخذ فيه من حيث أنه كاشف عن الواقع،أو من حيث أنه صفة خاصة من صفات النفس في مقابل الظن و الوهم و سائر الصفات النفسانية،فهذه أربعة أقسام.

و على كل منها إما أن يؤخذ القطع بموضوع خارجي في متعلق حكم، مثل أن يقال:إن قطعت بدخول الوقت وجب عليك الصلاة،أو يؤخذ القطع بحكم في متعلّق حكم آخر،مثل أن يقال:إن قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الطهارة،و هذه ثمانية أقسام؛و هى اصولها فى الجملة و يمكن تشعب أقسام أخر منها.و سيأتي إمكان أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أيضا، فتكون الأقسام تسعة،و بضميمة القطع الطريقي المحض تصير عشرة كاملة،بل قد تكون أكثر.

و لو شك في قطع أنه أخذ في الموضوع-بأي نحو كان-أو لم يؤخذ فيه، فمقتضى الأصل عدم أخذه فيه،لأن هذه خصوصية زائدة منفية بالأصل،مضافا إلى أصالة الطريقية المحضة و الكشف في القطع مطلقا إلا ما خرج بالدليل.

ثم إنه لا ريب في أن أهم آثار القطع صحة الاعتذار به و الاستناد إليه،و هذا هو الأثر الذي يكون ملتفتا إليه لدى العقلاء.

و أما الكشف عن الواقع و إن كان من لوازمه أيضا،و لكنه مغفول عنه غالبا، لأن القاطع لا يرى إلا الواقع و لا يلتفت إلى قطعه و جهة الكشف غالبا،و حينئذ فكل ما صح به الاعتذار و جاز الاستناد إليه يقوم مقامه من هذه الجهة و الحيثية بنفس دليل اعتباره،سواء كان أمارة أو أصلا،موضوعيا أو حكميا،أي أصل كان، إذ لا وجه لاعتباره إلا صحة الاعتذار به و الاستناد إليه،و لا نحتاج إلى ملاحظة جهة الكشف فيها أبدا،لما مرّ من أنها في القطع-الذي هو ام الأمارات و أصلها- مغفول عنها فضلا عن غيره.

إن قلت:هذا صحيح في الأمارات التي يستند إليها و يعتذر بها،و أما في الاصول العملية التي ليس فيها إلا العمل على طبقها،فلا وجه لذلك.

قلت:المقصود الأصلي في الأمارات و الاصول مطلقا هو العمل،فلو لم يكن لها أثر عملي لما كان لاعتبارها وجه،فلا فرق بينهما من هذه الجهة، و تسمية الاصول بالعملية في مقابل الاصول اللفظية التي لها دخل في العمل بالواسطة،لا في مقابل الأمارات،بأن تكون الاصول العملية دخيلة في العمل بخلاف الأمارات،فإن ذلك فاسد قطعا،بل جميع مباحث الاصول لا بد و أن يكون لها ثمرة عملية،كما تقدم ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب.و حينئذ فنقول الأمارات و الاصول العملية و القواعد المعتبرة في حدّ أنفسها امور معتبرة يصح الاسناد إليها لدى العقلاء،كشف عنها الشارع أو لم يردع عنها،و كل ما كان كذلك يقوم مقام القطع،إما في عرض إمكان تحصيله أو بعد تعذر حصوله،إذ المناط كله صحة الاعتذار بها و جواز الاستناد إليها،و هذه الجهة موجودة في الجميع.

ثم إن ما ذكرناه إنما هو بحسب أصل قيامها مقام القطع في الجملة و لا ينافي ذلك تقدّم بعضها على بعض في أنفسها،كما سيأتي في محله من تقدّم الأمارات على الاصول مطلقا و تقدّم الاصول الموضوعية على الحكمية،و في الاصول الحكمية يقدّم الاستصحاب على الجميع.

و بالجملة:أن نفس أدلة اعتبار الأمارات و الاصول متكفلة بتنزيلها منزلة القطع،لتحقق حيثية الاعتبار و الاعتذار فيها،و يمكن التمسك لذلك بالسيرة العقلائية،فإنهم لا يزالون يعتذرون بها مثل اعتذارهم بالقطع،هذا في القيام مقام القطع الطريقي المحض.

و أما القيام مقام ما أخذ في الموضوع فالحق صحته أيضا فيما أخذ فيه من حيث الكشف و الاعتذار،لا من حيث صفة القطعية فقط،لأنه في قوة أن يقال: إن القطع فقط دون غيره مأخوذ في الموضوع،و حينئذ فلا وجه لقيام شيء مقامه بخلاف ما أخذ فيه من جهة الكشف و الاعتذار،لأن العلة التامة للدخل في الموضوع،و المناط فيه كله ليس إلا صحة الاعتذار و الاعتبار لدى العقلاء،فإذا كان مناط الدخل فيه ذلك فكل ما كان فيه،هذا المناط يقوم مقامه قطعا بنفس دليل الاعتبار،لفرض تحقق المناط فيه و يكون الدخل في الموضوع بالملازمة العرفية العقلائية قهرا،لأنه لا مناط للدخل فيه غير جهة الاعتبار و الاعتذار.

و لكن اورد عليه بوجهين:

الأول:أنه مستلزم للجمع بين اللحاظ الاستقلالي و الآلي في آن واحد في مورد واحد و استعمال واحد من متكلم واحد،و هو باطل،لأنه من الجمع بين الضدين،لأن لحاظ الدخل في الموضوع يستلزم اللحاظ الاستقلالي،و لحاظ الكشف عن الواقع يستلزم اللحاظ الآلي،فيلزم المحذور.

و يرد:

أولا:بأنه مبني على القول بجعل المؤدي،فيتحقق حينئذ اللحاظ الاستقلالي بالنسبة إلى الدخل في الموضوع و اللحاظ الآلي بالنسبة إلى المؤدي. و أما بناء على القول بجعل نفس العذرية و الاعتبارية فليس في البين إلا لحاظ واحد استقلالي فقط،و هو لحاظ الاعتبار الذي هو عين الدخل في الموضوع، فلا موضوع للجمع بين اللحاظ الاستقلالي و الآلي حينئذ.

و ثانيا:أنه لا يلزم المحذور حتى بناء على القول بجعل المؤدي لعدم تعدد اللحاظ حتى يلزم المحذور و إنما هو واحد انبساطي على المؤدي و على ما نزل منزلة القطع و إن تفاوتا من جهتين،نظير لحاظ وجوب الصلاة و الحج المنبسط على الأجزاء المتفاوتة بالركنية و غيرها،و لحاظ المركب-حقيقيا كان أو اعتباريا-المنبسط على الأجزاء مع كمال الاختلاف بينها.

و ثالثا:بأن التنزيل إنما هو باعتبار الصحة الخاصة من المؤدي المقارنة مع ما قام عليه،فلا اثنينية في اللحاظ حينئذ،لأن لحاظ الحصة بما هي تلك الحصة عين لحاظ ما تحققت به،فقد نزلت الحصة الخاصة من غير المقطوع منزلة الحصة الخاصة منه،فاللحاظ متعلّق بالحصة و هو مستلزم للحاظ ما قام عليها، أمارة كان أو أصلا.

الثاني:أنه مستلزم للدور،إذ الموضوع مركب من جزءين،المؤدي و ما قام عليه،و تنزيل المؤدي منزلة الواقع يتوقف على تنزيل ما قام عليه منزلة القطع،و هو يتوقف على تنزيل المؤدي،إذ لا أثر لكل واحد منهما منفردا عن الآخر،لفرض تركب الموضوع و تقوّمه بجزءين،و هذا هو الدور.

و يرده:

أولا:أنه مبني على القول بجعل المؤدي.و أما بناء على القول بجعل الاعتبار و الاعتذار،فلا يرد الدور أصلا.

و ثانيا:أنه لا دور حتى على القول بجعل المؤدي،لتقوّم الدور بالتعدد الوجودي في المتوقف،و المتوقف عليه،و ليس المقام كذلك،إذ لا تعدد

للتنزيل و المنزل حتى يتوقف أحدهما على الآخر،بل ليس في البين إلا تنزيل واحد انبساطي على جزئي الموضوع في عرض واحد من دون تعدد و توقف فيه أبدا،نظير انبساط الوجوب العيني النفسي على أجزاء الصلاة في عرض واحد مع ترتب الأجزاء و اختلافها واقعا،و سيأتي مزيد بيان لدفع الدور إن شاء اللّه تعالى.هذا كله في القطع الطريقي،سواء كان مأخوذا في الموضوع أو لا.

و أما ما أخذ فيه من حيث الصفتية الخاصة فلا وجه لتوهم قيام غيره مقامه،لأنه مثل التصريح بأن القطع دون غيره مأخوذ في الموضوع،فعدم قيام الغير مقامه لمانع في البين لا لقصور في دليل الاعتبار،كما لا يخفى.و من ذلك كله ظهرت الخدشة في ما ذكره في الكفاية،فلاحظ و تأمل في عباراته المشكلة.

المعروف أنه لا يمكن أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضده.

،لأن الحكم متأخر عن الموضوع طبعا،و هو متقدّم عليه كذلك،فإن كان الموضوع نفس هذا الحكم بعينه يلزم تقدّم الشيء على نفسه،و هو دور.

و فيه:

أولا:أن الدور المحال ما إذا تعدد المتوقف و المتوقف عليه وجودا و حقيقة،و ليس المقام كذلك،إذ التعدد فيه اعتباري محض،كما هو كذلك بين كل علم و معلوم،و قد ثبت في محله اتحاد العقل و العاقل و المعقول وجودا و بالأدلة القطعية،فراجع و تأمل.

و ثانيا:أنهما مختلفان جهة،لأن متعلّق القطع ذات الحكم و ماهيته،لما ثبت في محله من تعلّق العلم بالذوات و الماهيات،و قد قال الحكيم السبزواري:

للشيء غير الكون في الأعيان كون بنفسه لدى الأذهان و أما الحكم فهو بوجوده العيني الخارجي يتوقف على القطع به،فيختلف المتوقف و المتوقف عليه فلا دور،هذا إن كان الأخذ على نحو التقييد الاصطلاحي.

و أما إذا كان على نحو نتيجة التقييد فلا محذور أصلا،و ذلك بأن يستفاد من القرائن الخارجية اختصاص الحكم بالعالم به،كما أن نتيجة الإطلاق أن

يستفاد منها شمول الحكم للعالم و الجاهل به.

و هما باطلان.

و فيه:أن الضدين و المثلين أمران وجوديان لا يجتمعان في محل واحد، و الأحكام مطلقا ليست وجودية و لا من العوارض الخارجية،بل هي اعتبارات عقلائية،كسائر اعتباراتهم التي يقوم بها نظام معاشهم و معادهم،فلا موضوع لاجتماع المثلين و الضدين في المقام حتى يمتنع،هذا إذا كانت الأحكام عبارة عن نفس الاعتبارات.

و أما إذا كانت عبارة عن نفس الإرادة و الكراهة فلا اجتماع للمثلين إن كانا من نوع واحد،بل يكون من التأكيد و الاشتداد،و لا من اجتماع الضدين إن كانا من نوعين لاختلاف موضوعهما،لأن أحدهما قائم باعتقاد القاطع و الآخر بنفس الحاكم،فلا يكون الموضوع واحدا حتى يلزم المحذور.

نعم،الموضوع الخارجي مورد إضافتهما بالعرض،و ليس هذا مناط الاجتماع المحال.

إن قلت:نعم،و لكن جعل حكم آخر من الشارع مثل ما قطع به المكلف يكون لغوا و هو قبيح عليه،فيمتنع من هذه الجهة.

قلت:لا لغوية فيه،بل يكون من تأكد الداعي و هو حسن،بل قد يلزم.

فتلخّص:أنه يصح أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضده، و كذا في الظن بلا فرق بينهما أبدا من هذه الجهة.

ثم إنه قد صرّح جمع بإمكان أخذ القطع بالحكم الإنشائي في موضوع آخر فعليّ مثلا كان أو ضدا،لأن اختلاف المرتبة يرفع الغائلة.

و فيه:أن الإنشاء بلا داع أصلا محال على الشارع،و إن كان بداع آخر من غير أن يصير فعليا فلا يكون فعليا عند تحقق الشرائط،و هو خلف.و إن كان بداعي صيرورته فعليا عند تحققها فيعود المحذور بعد الفعلية.

لا ريب في وجوب الالتزام بما جاء به النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله بنحو الجملة و الإجمال،لأنه عبارة اخرى عن الاعتقاد بالنبوة،كما لا ريب في وجوب الاعتقاد بالمعارف الحقة على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و إنما الكلام في وجوب الالتزام بالتكاليف الفرعية بأن يكون بالنسبة إلى كل واجب و حرام،كالصلاة و الكذب مثلا تكليفين مستقلين لا ربط لأحدهما بالآخر،أحدهما الالتزام بالوجوب أو الحرمة قلبا،و الآخر الإتيان بالوظيفة خارجا،فيكون في البين موافقتان.التزامية و عملية،و مخالفتان كذلك مع صحة التفكيك بينهما،بأن يأتي به عملا و لا يلتزم به قلبا،أو بالعكس،و كما في مورد دوران الأمر بين المحذورين،حيث لا يمكن المخالفة العملية مع إمكانها التزاما.

و المعروف عدم وجوب الموافقة الالتزامية بهذا المعنى،و أنه ليس في البين إلا تكليف واحد متعلّق بالجوارح،لا اثنان و يكون الآخر متعلّقا بالجوانح فلا تجب الموافقة الالتزامية و لا تحرم المخالفة الالتزامية أيضا،للأصل بعد عدم الدليل عليهما من عقل أو نقل في هذا الأمر العام البلوى،و عدم كونها من شئون ذات التكليف حتى تدلّ عليها أدلة التكليف الأولية،لأن المناط فيها إنما هو الإتيان بها خارجا،التزم بها أو لا،و ليس الالتزام-على فرض الوجوب-إلا طريقا للإتيان بها.

نعم،لا ريب في حسنها،لأنها نوع من الطاعة و الانقياد،و من دواعي الصلاح و السداد خصوصا للعوام و أهل السواد.

و يمكن أن يكون مراد من قال بوجوبها ما مرّ من وجوب الالتزام على نحو الجملة و الإجمال بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله من الحق المتعال،و لا ريب في وجوب ذلك عند الكل فيصير النزاع لفظيا.

مع أنهم لم يستدلوا على الوجوب إلا بقاعدة الاشتغال.و هو مردود بأن المقام من الشك في أصل التكليف،و المرجع فيه البراءة عقلا و نقلا،و مورد قاعدة الاشتغال في ما إذا كان الشك في الخروج عن العهدة بعد العلم بأصل التكليف.و إن أريد شرطية الموافقة الالتزامية لصحة العمل الذي علم المكلف به،فهو باطل أيضا،لتطابق آراء المحققين إلى الرجوع إلى البراءة مع الشك في الشرطية.

 ثم إنه بناء على وجوب الموافقة الالتزامية للتكاليف الفرعية لا بد من البحث فيه من جهات:
 الاولى:أن وجوب الموافقة الالتزامية تابع لكيفية العلم بالتكليف تفصيلا

أو إجمالا،فإن علم تفصيلا فالالتزام به يكون تفصيليا،و إن علم إجمالا-أو كان دائرا بين المحذورين-يكفي الالتزام بالواقع على ما هو عليه،لأن الالتزام بالمعين تشريع مع أنه ترجيح بلا مرجح،و التخيير في الملتزم به لا وجه له في التكليف العيني النفسي،و التخيير في نفسي الالتزام من حيث هو تخيير بين الواجب و غيره،فينحصر مورده بالالتزام بالواقع على ما هو عليه.

 الثانية:لا تلازم بين وجوبها و وجوب الموافقة العملية

الثانية:لا تلازم بين وجوبها و وجوب الموافقة العملية،إذ قد لا تمكن الثانية،كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين بخلاف الاولى،لإمكان الالتزام،بالواقع على ما هو عليه،مع أنه يمكن العصيان بالنسبة إلى الثانية و الإطاعة بالنسبة إلى الاولى و بالعكس.

 الثالثة:لا تمانع بين وجوبها و جريان الاصول العملية

الثالثة:لا تمانع بين وجوب الموافقة الالتزامية و جريان الاصول العملية لو كانت جارية بنفسها فلا يمنع أحدهما عن الآخر،لاختلاف موردهما،لأن مورد الالتزام هو العقد القلبي و مورد جريان الاصول بالنسبة إلى الآثار العملية، ففي موارد جريان الاصول-الحكمية أو الموضوعية-يلتزم بالواقع على ما هو عليه،و لا يمنع الالتزام به جريان الأصل،كما لا يدفع بجريانه لزوم الالتزام به و إن أمكن أن يقال إنه على فرض وجوب الموافقة الالتزامية إنما هو في ما إذا لم يكن مؤمّن شرعي في البين،و الأصل مؤمّن فينتفي به موضوع وجوب الموافقة حتى في مورد دوران الأمر بين المحذورين.

إن قلت:لا وجه لجريان الأصل في موارد دوران الأمر بين المحذورين، لأن العقل يستقل فيها بعدم الحرج في الفعل و الترك،فليس في البين أثر عملي يجري الأصل بالنسبة إليه.

قلت:ليس هذا مانعا عن جريانه لو لم يكن مانع آخر في البين،لأن لزوم الأثر العملي من قبيل الحكمة لجريانه لا العلة التامة فيجري الأصل و تثبت الإباحة الظاهرية،و يلتزم بالواقع على ما هو عليه،بل و يصح الالتزام بالإباحة الظاهرية الثابتة بالأصل أيضا،لعدم التنافي بينهما،كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثم إنه بناء على وجوب الموافقة الالتزامية و حرمة مخالفتها،فلا إشكال في استحقاق العقاب على المخالفة،إذ لا معنى للحرمة إلا ذلك،و هل يصير العقاب فعليا مع الموافقة العملية أو لا؟وجهان:يمكن القول بالثاني بناء على أن وجوب الموافقة الالتزامية نفسي طريقي لا موضوعية فيه.

نعم لو قيل بالموضوعية فالظاهر هو الأول-لو لم نقل بالسقوط من باب:  إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ  ،و لو تركهما معا فمقتضى تعدد السبب تعدد العقاب أيضا إلا إذا قلنا بالطريقية المحضة فالعقاب واحد،و لو أتى بهما معا فمقتضى سعة رحمة اللّه تعالى و فضله تعدد الثواب بناء على ترتب الثواب على الأعمال الجوانحية أيضا،كما يظهر من بعض الآيات،مثل قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اَللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ  و قوله تعالى: تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً  -و الروايات التي تعرضنا لها في تفسيرنا(مواهب الرحمن)،هذا بناء على المشهور من أن الثواب يدور مدار قصد القربة.و أما بناء على أنه أعم من ذلك،كما يظهر من بعض الأخبار و اخترناه في كتابنا(مهذب الأحكام)،فيمكن ترتب الثواب على الأعمال الجوانحية و لو لم يقصد القربة.

و لو ترك العمل و أتى بالموافقة الالتزامية،فالظاهر ترتب الثواب بالنسبة إليها أيضا في الجملة.

ثم إنه كما أن الثواب في الموافقة العملية يدور مدار كون العمل قربيّا،أو قصد القربة بالعمل و إن لم يكن كذلك،فهكذا بالنسبة إلى الموافقة الالتزامية أيضا.

لا خلاف بين الكل في أن القطع المأخوذ في الموضوع مطلقا تابع لمقدار دلالة دليل الأخذ فيه تعميما و تخصيصا بالنسبة إلى الأسباب الحاصل منها، و الأشخاص الحاصل لهم،و الموارد الحاصل فيها،و المراتب الحاصلة،فهو مما يناله الجعل من كل جهة.كما لا ريب و لا خلاف في أن غير القطع من الحجج المجعولة العقلائية أو الشرعية تأسيسا أو إمضاء هي أيضا مما يصح فيها التعميم من كل جهة،كما يصح تخصيصها ببعض الأسباب دون بعض،و ببعض الأشخاص دون بعض،و ببعض المراتب دون البعض.

و أما القطع الطريقي المحض فقد قيل بعدم حصوله من الامور العقلية لعدم إحاطة العقول بالواقعيات.

و فيه:أنه خلاف الوجدان إن اريد به السالبة الكلية،و إن أريد به أن الخطأ فيه أكثر مما يحصل من غيرها،فهو من مجرد الدعوى و لا شاهد عليه.

و قد قيل:أيضا بعدم اعتباره و لو حصل منها،لعدم وصول دليل من الشرع على تقريره،و كثرة مخالفته للواقعيات.

و فيه:أنه خلاف الطريقة العقلائية من اتباع القطع مطلقا بلا نظر إلى منشأ حصوله أبدا،و عدم ورود ردع من الشارع مثل ما ورد في الردع عن القياس و الاستحسان،و لا يستفاد منهما الكلية بالنسبة إلى غيرهما،و ما ورد في حصر أخذ الأحكام عن المعصوم عليه السّلام أعم من التأسيسيات و الإمضائيات،و لا ريب فيأنه مع عدم ورود الردع بالخصوص يستكشف الإمضاء في مثل هذا الأمر العام البلوى بين العقلاء.

و قد قيل أيضا بعدم اعتبار قطع القطاع-أي:كل من يحصل له القطع بأدنى شيء على خلاف المتعارف بين الناس في أسباب حصول القطع عندهم- و هو قول حسن،لصحة دعوى عدم بناء من العقلاء على ترتب الأثر لهذا النحو من القطع،بل يلومون هذا القاطع على ترتيبه الأثر على قطعه،كالشكاك الذي يكون ملوما عند الناس.

نعم،هو حين حصول قطعه مجبول على اتباعه،و لكن لا بد له حين التفاته إلى حاله-و لو في الجملة-من الرجوع إلى العالم لتنبيهه على تكليفه إن كان عاميا،أو الرجوع إلى الأدلة إن كان مجتهدا.

ثم إن القطاع في مقابل الوسواسي الذي لا يحصل له القطع بشيء من الأسباب المتعارفة لحصول القطع عند متعارف الناس،و هو أيضا ملوم عندهم، بل شرعا أيضا،لما في صحيح ابن سنان من أنه من عمل الشيطان.

ثم إنه يمكن أن يوجه قول كل من قال بعدم اعتبار القطع في بعض الموارد بوجوه:

منها:أن اعتبار القطع في الأحكام الشرعية تعليقي على عدم ثبوت الردع من الشارع،و قد ورد الردع بمثل قولهم عليهم السّلام:«شرّقوا أو غرّبوا لن تجدوا علما صحيحا إلاّ ما خرج من عندنا أهل البيت»،فكما أن نفس الحكم يكون تحت اختيار الشرع وضعا و رفعا،فما يحصل منه القطع يكون كذلك أيضا.

و منها:أن الأحكام الشرعية مقيدة و لو بنتيجة التقييد بما إذا حصل القطع بها من مباد خاصة دون مطلق ما يوجب حصوله،و هذا الوجه مثل سابقه في الواقع.

و منها:أن المراد بالقطع في كلماتهم مطلق الاطمئنان لا القطع الاصطلاحي.

و كل هذه الوجوه يصلح لحمل كلماتهم عليها و إن كان بعضها خلاف ظاهرها في الجملة.

و منها:أن مرادهم من عدم اعتبار القطع الحاصل من العقليات عدم اعتبار قاعدة الملازمة،و الرد عليها لا عدم ترتب الأثر على القطع المستند إلى المقدمات العقلية مطلقا.و قد استظهر هذا الوجه من مجموع الكلمات بعد رد بعضها إلى بعض،فلا بد من بيان القاعدة أصلا و عكسا بنحو الأسد الأخصر، حتى يتبين مورد صحتها و فسادها،فنقول:

قد اشتهر أن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع،و كل ما حكم به الشرع حكم به العقل.و المراد بحكم العقل في القضيتين أصلا و عكسا،جزمه بالشيء بعد الإحاطة بخصوصياته،و ليس المراد به البعث و الزجر المولوي لتقومهما بالثواب و العقاب،و هما مختصان بالشارع فقط و ليسا من شأن العقل في شيء أبدا.

كما أن المراد بالعقل ليس العقول الجزئية التي تكون مناط التكليف،و لا العقل الكلي-الذي أثبته الحكماء بأنه أول ما أفيض من المبدأ،و يظهر من جملة من الأخبار التي جمعها الكليني قدّس سرّه في باب العقل و الجهل من كتابه الشريف، كقولهم عليهم السّلام:«العقل أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش».لأن درك أحكامه و شئونه يختص بمن خلقه أو من علمه،بل المراد حكم العقلاء الذي تطابقت عليه آراؤهم،كحسن الإحسان و قبح الظلم،و لزوم شكر المنعم،و نحو ذلك مما لم يتخلّف فيه عاقل،كما لا يحتمل الخلاف فيه من عاقل إلى الأبد.

فالمعنى حينئذ:أن ما تطابقت آراء العقلاء كافة على حسنه،فالشارع بعث إليه في الجملة،و ما تطابقت آراؤهم على قبحه زجر عنه كذلك.

و الظاهر أن هذا المعنى من البديهيات التي لا ينبغي الارتياب فيها من أحد،بل من أهم مقاصد الشرائع الإلهية دعوة الناس إلى فطرتهم السليمة و مرتكزاتهم العقلائية الصحيحة المتفق عليها عند جميعهم،و إثارة دفائن عقولهم،كما صرّح به علي عليه السّلام.

و تنحصر كبريات مورد الملازمة بالمعنى الذي قلناه في الامور الثلاثة و إن كانت صغرياتها غير محصورة.

إن قلت:إن الملازمة و لو بالمعنى الذي ذكر مبنية على التحسين و التقبيح العقليين،و قد أنكرهما الأشاعرة.أما في فعله تعالى،فلعموم مثل قوله تعالى:  اَللّٰهُ يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ  ،و لأنه مالك،و للمالك أن يفعل في ملكه ما شاء و أراد. فلو عاقب المطيع و أثاب العاصي لم يرتكب قبيحا.و أما في أفعال العباد فلكونها غير اختيارية،و الحسن و القبح من شئون الأفعال الاختيارية.

قلت:أما عدم الحسن و القبح في أفعال العباد و عدم اختياريتها فمخالف للوجدان،و قد مرّ في بحث اتحاد الطلب و الإرادة بعض ما يتعلق به.

و أما عدم القبح في أفعاله تعالى فهو مسلّم عند الكل،و دلت عليه الأدلة العقلية المضبوطة في الكتب الحكمية و الكلامية من عدم صدور القبيح منه تعالى،بل عدم صحة تجويزه عليه جلّ و علا.

و أما عدم اتصاف أفعاله بالحسن،و أن له تعالى أن يرجح المرجوح على الراجح،فهو أيضا باطل بإجماع الأنبياء و المعصومين عليهم السّلام بل الموحدين كافة بل العقلاء،إذ لا يرضى عاقل أن ينسب إلى الحكيم المطلق ما لا يكون حسنا و يكون لغوا،و المراد بقوله تعالى: يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ  أي على حسب المصالح الواقعية التي تعجز العقول عن دركها،و للمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء إذا لم يكن سفها و عبثا و إلا فالعقلاء يلومونه مطلقا.

إن قلت:تصح الملازمة بالمعنى الذي قلت،و لكن الأخبار الدالة على أنه لا بد من الرجوع إلى الحجة تبطل هذه الملازمة.

قلت:

أولا:إن المراد بها أعم من الحجة الظاهرية و الباطنية.

و ثانيا:المفروض تحقق التقرير من الحجة الظاهرية،و إلاّ لردع عنها بالخصوص في مثل هذا الأمر العقلائي العام البلوى الثابت في كل عصر و زمان.

إن قلت:نعم،و لكن حكم الشرع في مورد حكم العقل يكون باطلا،لأنه لإيجاد الداعي و هو حاصل من حكم العقل فلا احتياج إليه.

قلت:الاحتياج إليه لتأكيد الداعي و إتمام الحجة و تصحيح الثواب و العقاب،فيصح أن يكون حكم الشارع في موارد حكم العقل مولويا لا إرشاديا.

ثم إنه يمكن أن يجعل النزاع في الملازمة لفظيا،فمن قال بها أي بالمعنى الذي قلناه،و من قال بعدمها أي في حكم العقل الجزئي الذي لا يحيط بشيء و لا يصدقه سائر العقلاء،هذا في أصل القضية.

و أما عكسها-و هو أن كل ما حكم به الشرع حكم به العقل-فان أريد به أن كل ما حكم به الشرع حكم العقلاء به كافة من حيث عقلهم على نحو الجملة و الإجمال،و أن حكم الشرع يكون عن مصلحة أو مفسدة تقتضيه،فهو حق لا ريب فيه.و إن اريد به أن في كل مورد من موارد حكم الشرع يحكم العقل به أيضا بالخصوص مثله،فهو ممنوع لعدم إحاطة العقول بمثل ذلك إلا من طريق الوحي و الإلهام،و هما مختصان بخاصة أولياء اللّه الذين لم تحجب العوائق و العلائق ذواتهم القدسية و نفوسهم النورية عن وصول الإفاضات الغيبية عليهم.

و يمكن أن يجعل هذا النزاع لفظيا أيضا،فمن أثبت الملازمة أي بين حكم العقل بنحو الجملة و الإجمال و حكم الشرع،و من نفاها أي بينهما بنحو التفصيل.

و ما اشتهر من أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية،فإن اريد منه ما ذكرناه فهو حق،و إلا فإثبات كليته يحتاج إلى دليل و هو مفقود، و يحتمل أن يكون المراد به معنى آخر لا ربط له بالمقام أصلا.و هو أن العبادات الواجبة شرعا توجب استعداد النفس لإفاضة المعارف الإلهية عليها التي هي الواجبات العقلية،و يشير إليه قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا  .

المقصود بالبحث عن العلم الإجمالي في المقام:أنه علة تامة للتنجز،أو أنه مقتض له فقط،و على الأخير هل يكون المانع عن الاقتضاء موجودا أو لا؟ فنقول:

لا فرق بين العلم الإجمالي و التفصيلي في نفس العلم من حيث هو علم، بل و لا في متعلّقه من حيث هو طرف إضافة العلم بالذات،و إنما الفرق بينهما في المعلوم بالعرض المتحقق في الخارج،من جهة سراية الجهل إليه في العلم الإجمالي دون التفصيلي،فيكون محل البحث هو أن هذا الجهل الساري إلى الأطراف هل يصلح للمانعية أو لا؟فعلى الأول يبقى العلم الإجمالي على مجرد الاقتضاء فقط مطلقا،و على الثاني يكون علة تامة للتنجز؛كالتفصيلي كذلك من غير فرق بينهما أبدا.

و الحق هو الأخير،إذ المناط كله في كون العلم التفصيلي علة تامة للتنجز ليس إلا أن مخالفته عدم مبالاة بإلزام المولى و هتك بالنسبة إليه،و أما تحقق المعصية الحقيقية،فهو شيء قد يكون و قد لا يكون،إذ لا يجب أن يكون كل علم تفضيلي مطابقا للواقع،و لا ريب في تحقق هذا المناط في المخالفة لبعض أطراف العلم الإجمالي أيضا.

إن قلت:نعم،و لكن بينهما فرقا شدة و ضعفا،و من الممكن اختصاص العلية بالمرتبة الشديدة،فتختص بالعلم التفصيلي حينئذ.

قلت:هتك المولى و عدم المبالاة بإلزاماته و التهاون بالنسبة إليها و الاستخفاف بها،قبيح بجميع المراتب،لا سيما بالنسبة إلى اللّه جلّ شأنه،فيشترط في جواز الارتكاب إحراز الترخيص،و هو إما عقلي أو شرعي.

و الأول منحصر بقاعدة قبح العقاب بلا بيان،و لا ريب في عدم انطباقها على مورد العلم لتمامية البيان و وصوله من طرف المولى،و عدم خلل فيه من جهته،و تردد الأطراف خارج عما هو وظيفته،مع أن ارتكاب بعض الأطراف تساهل و تسامح في الدين و عدم مبالاة بإلزامات المولى و هو نحو هتك بالنسبة إليه،و ليس للعقل و العقلاء تجويز ذلك أبدا.

و الثاني عبارة عن العمومات المثبتة للأحكام الظاهرية،مثل«كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»و«كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر»و«كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه».

و يرد على مثل هذه العمومات:

أولا:أن الشك في شمولها لمورد العلم الإجمالي كاف في عدم الشمول، لما مرّ من عدم صحة التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية.

و ثانيا:أن ارتكاب بعض الأطراف مع العلم بكونه طرفا للنهي الإلزامي، أو ترك بعض أطرافه مع العلم بكونه طرفا للأمر الإلزامي،عدم مبالاة بشأن المولى لدى المتشرعة،بل العقلاء،و لا ريب في قبح ذلك في الجملة،و ليس للشارع الحكيم أن يأذن في ذلك.

و بالجملة:أن المحتملات في مثل هذه الأخبار ثلاثة:

الأول:أن الشارع رفع اليد عن الحكم الواقعي في موارد العلم الإجمالي رأسا،و هو خلف الفرض.

الثاني:أنه أذن في الترخيص في جميع الأطراف،و هو ترخيص في المعصية قبيح بالنسبة إليه.

الثالث:أنه رخّص في بعض الأطراف دون بعض،و هو ترخيص في عدم المبالاة في الدين،و إذن في التجري في الجملة،و هو أيضا قبيح للشارع مع اهتمامه بأحكامه و المحافظة عليها مهما أمكنه ذلك.

نعم،لو ثبت رفعه للحكم في مورد العلم الإجمالي،أو جعله بعض الأطراف بدلا عن الحكم الواقعي،أو ثبت التخيير شرعا أو عقلا،لجاز ارتكاب الكل في الأول و أحد الأطراف في البقية.

و لكن الجميع باطل.

أما الأول:فلما مرّ من أنه خلف الفرض،و لا دليل على جعل البدل أو التخيير الشرعي،كما لا وجه للتخيير العقلي،لأنه إنما يتحقق في ما إذا كان المناط في الطرفين أو الأطراف واحدا،و ليس كذلك في المقام.

و ثالثا:أنه مناف لقاعدة المقدمية المرتكزة في الأذهان،و ما أحسن قول صاحب الجواهر قدّس سرّه حيث قال:«إنا لم نسمع أحدا تأمل في هذه القاعدة من أصحابنا،بل يقررونها و يذكرون الأخبار الخاصة حيث تكون مؤيدة لها و إن وقع لهم كلام في كيفية تقريرها،و لكنهم مشتركون في الإضراب عن هذه العمومات في الطهارة و الحل و الحرمة،بل عن بعضهم الالتجاء إلى أخبار القرعة دونها مع كونها بمرأى منهم و مسمع…»راجع كلامه عند قول المحقق:(و لو اشتبه الإناءان).

و قد طبق الإمام عليه السّلام هذه الأخبار على الشبهة غير المحصورة،فيعلم من ذلك عدم انطباقها على المحصورة،فراجع و تأمل.

و رابعا:أن المحتملات في قوله عليه السّلام:«إنه حرام بعينه»ثلاثة:

الأول:إرجاع الضمير إلى نفس الحرام من حيث هو حرام،فكأنه قال عليه السّلام:«كل شيء حلال حتى تعلم عين الحرمة»،و لا ريب في العلم بالحرمة في مورد العلم الإجمالي،بل لا تجري هذه العمومات و الإطلاقات بناء على هذا الاحتمال في أطراف الشبهة غير المحصورة أيضا،و يظهر من بعض الأخبار أن الإمام عليه السّلام أجراها في الشبهة غير المحصورة،فيعلم منه سقوط هذا الاحتمال فيها فقط.

الثاني:أن يرجع الضمير في«بعينه»إلى أن ما هو مورد ابتلاء المكلف حلال حتى يعلم الحرام بعين ما يكون مورد الابتلاء،و لا ريب في تحققه أيضا في مورد العلم الإجمالي،لفرض أن الأطراف مورد الابتلاء.

الثالث:أن يكون المراد بالعين،الشخص الموجود في الخارج من حيث كونه قابلا للإشارة الحسية،و بهذا المعنى لا يصح انطباقه على أطراف المعلوم بالإجمال،لفرض عدم إمكان الإشارة الحسية إلى شخص الحرام فيها،و لكن تعين هذا الاحتمال من بين المحتملات بلا معين.

و الظاهر هو الثاني،و إلا لقال عليه السّلام:(شخص الحرام)لأن التشخّص ينافي التردد،بخلاف العينية فإنها تشمل كل ما تحقق في الخارج و يكون مورد ابتلاء المكلف،فإن التحقق الخارجي لا ينافي التردد عند المكلف،مع أنه يوهن هذا الاحتمال أن تشخيص الموضوع خارجا ليس من وظيفة الشارع حتى يلزم عليه بيانه.و على فرض كون المراد به المعنى الثالث،فقد مرّ قبح ترخيص الشارع فيه.

و خلاصة القول:أن الجهل الذي هو مورد تشريع الأحكام الظاهرية مطلقا،ليس مطلق الجهل،بل خصوص الجهل الذي ليس موردا لاحتمال انطباق تكليف فعلي منجز بالاحتمال العقلائي،و ما كان كذلك فهو خارج عنه تخصصا،و كذا الشك الذي يكون موردا للأصول العملية مطلقا،إنما هو الشك الثابت المستقر الذي لا يكون موردا لاحتمال انطباق تكليف فعلي منجز بالاحتمال العقلائي،و إلا فهو خارج عنه تخصصا،و هذا هو القول الأسد الأخصر الذي لا بد منه،و سيأتي في مقدمات الانسداد عند بطلان الرجوع إلى الاصول ما ينفع المقام.

و هي شرائط عقلائية حاصلة من مرتكزاتهم التي هي المدار في تنجز التكاليف مطلقا في ما لم يرد فيه تحديد شرعي.

 الأول: أن يحدث بالعلم الإجمالي تكليف فعلي غير مسبوق بالوجود على كل تقدير

بأن يكون كل طرف من أطرافه من حيث الطرفية للعلم الإجمالي موردا للتكليف المعلوم في البين،و بصحة انطباقه عليه حدث تكليف مسبوق بالعدم،فلو كان بعض أطرافه المعين محكوما بحكم تفصيلي،مثل الحكم المعلوم بالإجمال،فحدث العلم الإجمالي بعد ذلك،لا أثر لمثل هذا العلم الإجمالي في التنجز،كما إذا كان هناك إناءان أحدهما المعين نجس،ثم وقعت قطرة بول لا يدري أنها وقعت في أيهما،فلا يحدث بالنسبة إلى الإناء المعلوم النجاسة تكليف زائد،و يكون الشك في نجاسة الإناء غير المعلوم نجاسته من الشك البدوي،فيرجع فيه إلى البراءة،كما في جميع موارد الشكوك البدوية،فإن تنجز التكليف سابقا في الطرف المعلوم بالتفصيل بجعل الطرف الآخر من الشك البدوي المحض،بلا فرق في ذلك بين كون العلم الإجمالي علة تامة للتنجز،أو مقتضيا لسقوط العلية و عدم تمامية الاقتضاء مع فقد الشرط، فيشمله دليل البراءة العقلية و النقلية.

ثم إن العلم التفصيلي بالتكليف:

تارة:يكون سابقا على حدوث العلم الإجمالي.

و اخرى:يكون متأخرا عنه.

و ثالثة:يكونان متقارنين.و كذا المعلوم بذلك العلم التفصيلي،قد يكون متقدّما على المعلوم بالعلم الإجمالي،و قد يكون متأخرا عنه،و قد يكونان متقارنين.

و المحصل من ضرب الثلاثة في مثلها يصير تسعة،يكون العلم الإجمالي منجزا في ثلاثة منها،و هي:ما إذا تقدم المعلوم بالإجمال و علمه على المعلوم التفصيلي و علمه،و ما إذا تقدّم المعلوم بالإجمال فقط على العلم التفصيلي و معلومه و تأخر نفس العلم الإجمالي عنه،و ما إذا تقدّم المعلوم بالإجمال مع تقارن العلمين،و لا تنجز له في ستة منها و هي:

1-تقدّم المعلوم التفصيلي على المعلوم الإجمالي مع تقارن العلمين.

2-تقدّم العلم و المعلوم التفصيلي على المعلوم الإجمالي.

3-تقدّم المعلوم التفصيلي على المعلوم الإجمالي فقط.

٤-تقارن المعلومين مع تقدّم العلم التفصيلي.

5-تقارن المعلومين مع العلم الإجمالي.

6-تقارن المعلومين مع تقارن العلمين،و أمثلة الكل واضحة بعد التأمل. و في جميع هذه الصور الست يكون غير المعلوم بالتفصيل من مجاري البراءة، لكونه من الشبهات البدوية.

ثم إن الاصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي:

تارة:تكون مثبتة للتكليف.

و اخرى:تكون الجميع نافية.

و ثالثة:تكون بعضها مثبتة و بعضها نافية.و لا ريب في تنجز العلم في الأولين.و أما الأخير فلا يبعد سقوطه عن التنجز،كما إذا علم إجمالا بأنه إما زاد في صلاته ركوعا أو نقص سجدة واحدة،فتجري أصالة عدم زيادة الركوع، و عدم الإتيان بالسجدة،فتصح صلاته و يجب عليه قضاء سجدة واحدة.

 الثاني:أن يصلح للداعوية نحو التكليف،خروج موارد ثلاثة

الثاني:من شرائط تنجز العلم الإجمالي:أن يصلح للداعوية و البعث نحو التكليف في عرف العقلاء،و مع عدم صلاحيته لذلك لا تنجز له،إذ لا معنى للمنجزية عندهم إلا الصلوح لذلك،و هذا مما يختلف اختلافا فاحشا بحسب

الموارد و الأشخاص،فقد يكون مورد واحد صالحا للداعوية لبعض،و غير صالح لها لآخر في محل واحد و زمان واحد.و يترتب على هذا الشرط خروج موارد ثلاثة عن تنجز العلم الإجمالي.

 منها:ما إذا لم يكن بعض الأطراف مورد الابتلاء

و بيانه أن للقدرة مراتب ثلاث:

الاولى:القدرة العقلية المحضة،بمعنى إمكان المقدور بالنسبة إلى القادر بالإمكان الذاتي،و لا ريب في عدم كون هذه المرتبة منها شرطا في التكاليف الشرعية،لكون جميعها مبنية على القدرة العرفية السمحة السهلة.

الثانية:القدرة العرفية العقلائية،التي هي أخص من الاولى،و تدخل فيها القدرة الشرعية أيضا.

الثالثة:قدرة خاصة هي أخصّ منهما،و هي كون المقدور مورد عمل القادر عرفا مع وجود المقتضي و فقد المانع،بحيث تكون القدرة بالنسبة إلى تمام الأطراف على حدّ سواء من حيث وجود المقتضي و فقد المانع،فلو كان في أحد الأطراف مانع عن إعمال القدرة فهو خارج عن محل الابتلاء،فلا تنجز للعلم الإجمالي المتعلّق به و بغيره.

و المانع إما عقلي،كما إذا علم إجمالا إما بنجاسة هذا الإناء الموجود،أو ما صار معدوما،فلا أثر لهذا العلم الإجمالي أبدا.

أو شرعي،كما إذا كان هناك إناءان أحدهما للغير و الآخر للمكلف نفسه و علم بنجاسة أحدهما،و حيث أنه لا يجوز له التصرف في إناء الآخر فهو خارج عن مورد ابتلائه،فليس هذا العلم الإجمالي منجزا أيضا،لمانع شرعي.

أو عرفي،كما إذا علم إجمالا بنجاسة إنائه أو إناء جاره الذي ليس بينهما تردد،فإن العرف بمرتكزاتهم لا يرون مثل هذا العلم منجزا،إذ المفروض أنه ليس إناء الجار مورد الحاجة و العمل عرفا.

أو عادي شخصي،كما إذا كان شخص لا يشرب الدخان-مثلا-مطلقا،ثم علم إجمالا بأن الدكان الذي يشتري منه حوائجه إما دهنه مغصوب أو سجائره مثلا،فيصح له شراء الدهن،لخروج أحد طرفي العلم الإجمالي بالنسبة إلى هذا الشخص عن مورد الابتلاء،فلا تنجز له،و لهذا القسم أمثلة كثيرة،كما لا يخفى.

ثم الظاهر أن الابتلاء و عدمه من الوجدانيات لمن يلتفت إليه في الجملة، فلا وجه للشك فيه،و مع ذلك لو شك،فسيأتي حكمه في مباحث الاشتغال إن شاء اللّه تعالى.

 أولها:أنه لو اعتقد عدم كون بعض الأطراف مورد الابتلاء فارتكب بعضها و بان الخلاف

فالظاهر تنجز العلم بالنسبة إلى ما بقي لكشف ظهور الخلاف عن كونه منجزا حين حدوثه،غاية الأمر أنه كان معذورا في الارتكاب إن لم يكن عن تقصير،و الابتلاء من الشروط الواقعية لا الإحرازية.

 ثانيها:لو كانت الأطراف مورد الابتلاء و أثّر العلم الإجمالي أثره

،فخرج بعض الأطرف عن مورد الابتلاء،لا يضر ذلك بتنجز العلم الإجمالي و بقاء أثره في ما بقي تحت الابتلاء،للأصل.

 ثالثها:لو علم إجمالا بغصبية إناء مردد بين الإناءين

و نجاسة إناء مردد بين إناءين أحدهما المعين ما كان طرفا للغصبية أيضا،فإن كان المجمع خارجا عن مورد الابتلاء،فلا أثر للعلمين الإجماليين،و إن كان الطرف المختص بكل واحد من العلمين خارجا عنه،لا أثر له بالخصوص،و هذا مبني إما على عروض العلمين الإجماليين دفعة واحدة معا،أو مترتبا.و لكن بناء على أن مجرد وجوب الاجتناب-و لو مقدمة في أحد الأطراف-لا يوجب سقوط العلم الإجمالي اللاحق عن التنجز،و إلا فلا أثر للعلم الإجمالي اللاحق.

 و منها:موارد دوران الأمر بين المحذورين مع وحدة القضية من كل جهة زمانا و مكانا

،و من سائر الجهات،كما إذا علم إما بوجوب الحركة عليه في الآن الخاص أو بوجوب السكون فيه بعينه،و مثل هذا العلم الإجمالي لا يصلح للداعوية،فإنه لا يقدر المكلف على الجمع بينهما و لا يخلو تكوينا عن أحدهما،فلا يقدر على الموافقة القطعية و لا على المخالفة كذلك،و ما كان هكذا لا يصلح للداعوية.

ثم إنه يعتبر في دوران الأمر بين المحذورين الذي لا يصلح العلم للداعوية فيه أمور ثلاثة:

الأول:كونهما توصّليين،إذ لو كانا-أو أحدهما المعين-تعبديا،يمكن المخالفة القطعية بترك قصد التعبد فيهما أو في المعين منهما.

الثاني:وحدة القضية من كل جهة،إذ مع التعدد يمكن المخالفة القطعية، كما إذا علم إما بوجوب القيام عليه في ساعة خاصة أو بوجوب القعود عليه فيها، فإنه لو قام في نصف ساعة و قعد في نصفها تحققت المخالفة القطعية.

الثالث:عدم وجوب الالتزام بالأحكام الواقعية على ما هي عليها،إذ لو وجب ذلك و لم يلتزم تحققت المخالفة القطعية بالنسبة إلى وجوب الالتزام، و يأتي ما له نفع في المقام في محله إن شاء اللّه تعالى.

 و منها:الشبهة غير المحصورة

التي هي أيضا من مصاديق خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء،إذ لا موضوعية لعدم الحصر من حيث هو،بل لا بد من انطباق عنوان عدم الابتلاء أو الحرج أو نحو ذلك عليها حتى يسقط العلم عن التنجز،و لعل تعبيرهم بغير المحصورة لأجل أنه ملازم غالبا لعدم الابتلاء أو للحرج،فعبر به اختصارا.

الثالث:من شرائط تنجز العلم الإجمالي:أن لا يكون العلم التفصيلي بخصوصه معتبرا في التكليف،و إلا فلا موضوع لتنجز العلم الإجمالي.

الرابع:من شرائط تنجزه:أن لا يكون في البين ما يدل على رفع الحكم الواقعي و تبدّله في تمام أطراف العلم الإجمالي أو بعضها من اضطرار،أو إكراه، أو تقية،أو حكم الحاكم الجامع للشرائط،أو إقرار كذلك،فإنه مع وجود أحد منها يسقط الواقع و يتبدل الحكم.و بعد تحقق هذه الشرائط يتنجز العلم الإجمالي و لا اختصاص لها به،بل هي شرائط للتنجز مطلقا،سواء كان في العلم التفصيلي أو الإجمالي،أو سائر الحجج و الأمارات.

نعم،الشرط الثالث لا يجري في العلم التفصيلي،كما لا يخفى.

و أما اشتراط أن تكون أطراف العلم الإجمالي متعلّقة بشخص العالم لا بشخصين،فمرجعه إلى ما مرّ من شرطية الابتلاء،فلا وجه لذكره مستقلا.

 تنبيه:

قد ذكر المحقق الأنصاري قدّس سرّه موارد ربما يوهم فيها الترخيص في مخالفة العلم التفصيلي.

منها:ما إذا حكم الحاكم بتنصيف عين تداعاها اثنان بحيث يعلم صدق أحدهما و كذب الآخر،و حينئذ فإن اشتراها ثالث،يعلم تفصيلا بعدم انتقال تمام المال إليه من مالكه الواقعي،مع أنهم حكموا بجواز الشراء منهما تمام المال.

و منها:ما إذا كان لأحد درهم و لآخر درهمان و كان المجموع عند الودعي فتلف عنده درهم،فحكموا بأن لصاحب الاثنين درهما و نصف و لصاحب الواحد نصف درهم فقط،و حينئذ فإن أخذ ثالث الدرهم المشترك بينهما،يعلم تفصيلا بعدم انتقال تمامه إليه من مالكه الواقعي.

و يمكن الجواب عنهما بأن لازم حكم الشارع بالتنصيف فيهما،و ثبوت ولايته لقطع التخاصم على نحو العدل و الإنصاف،هو تبديل الموضوع بالنسبة إلى الثالث،و لكنه يبقى بالنسبة إلى المحكوم له على ما هو عليه لو كان كاذبا، و مع تبدل الموضوع بالنسبة إلى الثالث ينتقل جميع المال من المالك الشرعي إليه،و لا محذور فيه حينئذ.

لا ريب في صحة الامتثال الإجمالي مع عدم التمكن من التفصيلي منه، كما ارتكز في أذهان العقلاء.و أما مع التمكن فنسب إلى المشهور بين القدماء عدم جوازه.لأنه مناف للجزم بالنية.

و يرد:بأنه لم يدل دليل من عقل أو نقل على اعتبار الجزم في النية، فمقتضى الأصل عدمه،كما ثبت في محله.

و لأنه خلاف المتعارف.و يرد:بأنه ليس كل ما هو خلاف المتعارف خلاف المشروع.

و لأنه لعب و عبث بأمر المولى.و يرد:بأن اللعب و العبث قصدي اختياري.و المفروض عدمه،و على فرض أن يكونا قهريين انطباقيين فلا يحكم العقلاء بانطباقه على كل تكرار.نعم،لو انطبقا عليه لكان لغوا،بل قد يكون قبيحا،كما إذا كان موجبا للوسواس أو جهة اخرى مما يقبحه الناس.

مع ما هو المتسالم بين الكل أن العلم مطلقا طريق إلى إتيان الواقع،و أن المناط كله إتيانه بأي وجه اتفق،و لذا تصح عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد فالحق جواز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكن من التفصيلي منه و لو استلزم التكرار.

ثم إنه لا فرق في ما مرّ مما يتعلّق بالعلم الإجمالي بين أن يكون المعلوم عنوانا واحدا،كما إذا علم بنجاسة أحد الإناءين.أو مرددا بين عنوانين،كما إذا علم إجمالا إما بنجاسة أحد الإناءين أو بغصبيته،فيتنجز العلم مطلقا في كليهما.

نعم،لو نسي و توضأ بأحدهما يصح وضوءه،لصحته من المغصوب مع النسيان،و تكون النجاسة حينئذ من الشبهة البدوية،فتجري فيها قاعدة الطهارة، بخلاف القسم الأول فيبطل الوضوء منه حتى مع النسيان،لأن طهارة الطهور شرط واقعي.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"