1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. تهذیب الاصول
  8. /
  9. المبحث الثاني أصالة عدم الاعتبار و عدم صحة الاعتذار

تقدم أن موردها في مقام الانتساب إلى الشرع لا مرحلة الاقتضاء،إذ لا معنى لجريان الأصل في ما فيه الاقتضاء.

و استدل على عدم الحجية و الاعتبار بالأدلة الأربعة:

فمن الكتاب:بآية الافتراء و هي قوله تعالى: آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ.

و فيه:أن الافتراء هو الكذب العظيم أو العجيب،و مجرد ما لم يعلم أنه صدق أو كذب ليس افتراء،و لكن الظاهر أنه لا بد في استناد شيء إلى الشارع من التصديق بالصدور،و مع عدمه يكون افتراء بالنسبة إليه،و حينئذ تتم دلالة الآية.

و من السنة:بمرفوعة محمد بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة-إلى أن قال-و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار،و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنة».

و فيه:مضافا إلى قصور سنده،أن التأمل في مساق الأخبار الواردة في القضاء يدل على أنه عليه السّلام فى مقام بيان التفصيل بين قضاة الجور و قضاة العدل، فقوله عليه السّلام:«و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم-أي لا يعتقد بالحق-و قوله عليه السّلام: رجل قضى بالحق و هو يعلم-أي يعتقد بالحقّ»و لا ربط له بالمقام.

و لكن قصور السند منجبر بالعمل،و انطباقه على قضاة الجور من باب أحد المصاديق لا الخصوصية،فلا قصور فيه دلالة و لا سندا.

و من الإجماع:بما عن الوحيد البهبهاني من أن حرمة العمل بما لا يعلم من البديهيات بين العوام فضلا عن الخواص.

و فيه:أنه على فرض تحقق الإجماع به فالظاهر عدم كونه إجماعا تعبديا بل هو حاصل عن مرتكزاتهم العقلائية الدائرة في ما بينهم.

و من العقل:بما ارتكز في أذهان العقلاء من أن الاحتجاج بشيء و اعتباره و صحة الاعتذار به و انتسابه إلى شخص لا بد و أن تكون بحجة معتبرة؛و أن الشك في الحجية و الاعتذار يكفي في عدمها،كما أن الشك في صحة الانتساب يكفي في عدمها لدى العقلاء،فتكون أصالة عدم الحجية و أصالة عدم صحة الانتساب و الاعتذار من الاصول العقلائية مطلقا،و يكفي فيها عدم الردع من الشارع،فكيف بما ورد من التقرير.

و بالجملة:أصالة عدم الحجية من الاصول المعتبرة النظامية الدائرة عندهم في جميع علومهم،بل في امور معاشهم أيضا،إذ لو كان بناؤهم على ترتيب الأثر على كل ما قيل أو يقال لاختل النظام،فينبغي أن يستدل بها لا عليها، و مع الإغماض عن ذلك نقول:إن نفس الحجية و ترتب الأثر من الامور الحادثة، فيستصحب عدمها ما لم يثبت الدليل عليها.

و ما يتوهم:من أنه لا أثر للاستصحاب،لكفاية نفس الشك في الحجية في عدم ترتيب أثرها.

مخدوش:بأن ما هو المعتبر في الاصول العملية من الأثر هو إمكانه لا فعليته من كل حيثية وجهة،و لذا يجري استصحاب اشتغال الذمة في موارد جريان قاعدة الاشتغال أيضا.و في المقام لو قيل بأن أصالة عدم الحجية ليست من الاصول المستقلة العقلائية فتمسك فيها باستصحابها.

 و قد يقرر الأصل في المقام بوجوه اخرى:

الأول:أصالة إباحة العمل بغير العلم.

و يرد:بأنها إن اريد الاعتماد في تفريغ الذمة فلا وجه له،لأن الشك في فراغ الذمة عما علم اشتغالها به-و إن اريد بها إباحة العمل بكل رطب و يابس و غث و سمين-فهو معلوم البطلان لدى العوام فضلا عن الأعلام.

الثاني:أن المقام من صغريات دوران الأمر بين المحذورين،لدوران الأمر في غير العلم بين وجوب العمل به و حرمته،و الحكم فيه هو التخيير.

و يرد:بأن ما هو المرتكز في الأذهان من التثبت و التأمل في العمل بغير العلم إلا مع دليل يدل عليه،يخرج المقام عن الدوران بينهما،كما لا يخفى.

الثالث:أن المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير،لاحتمال تعين العمل بخصوص العلم،أو التخيير بينه و بين العمل بغيره.

و يرد:بما مرّ من بطلان العمل بغير العلم مطلقا إلا مع دليل يدل عليه، فكيف يمكن أن يجعل عدلا للعلم و يحكم بينهما بالتخيير،مع أن مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير محل خلاف و إشكال،فذهب جمع إلى التخيير،كما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

و ينبغي التنبيه على امور:

الأول:لا ريب في حرمة التشريع شرعا،بل الظاهر كونه من المقبّحات العقلائية أيضا،لكونه نحو تصرف في سلطان المولى،لانتساب ما لم يعلم صدوره منه إليه،و ذلك نحو ظلم عليه،و يدل عليه قوله تعالى: لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ  فإن أجلى مصاديق الآية الكريمة التشريع،فلا بد و أن تكون الإرادة التشريعية لإرادة اللّه عزّ و جل،كتبعية الإرادة التكوينية لها،و قوله تعالى:  وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ `لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ `ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ   و غيرهما من الآيات الشريفة.

ثم إن ما يضاف إلى الشارع:

تارة:يعلم بصدوره منه.

و اخرى:يعلم بعدم الصدور.

و ثالثة:لا يعلم بالصدور و لا بعدمه،و على كل منها:

تارة:صدر منه في الواقع ما اضيف إليه.

و اخرى:لم يصدر.

و لا ريب في عدم تحقق التشريع في القسمين الأولين،لتقوّم موضوعه بعدم حجة معتبرة في البين و العلم بالصدور حجة معتبرة،كما لا ريب في تحققه في الثالث-و هو ما علم بعدم الصدور و لم يصدر واقعا أيضا-بل و كذا يتحقق في الثلاثة الباقية أيضا،لأن موضوعه عند الفقهاء قدس سرّهم ما إذا لم يكن الاستناد إلى الشارع عن حجة معتبرة في مقام الإثبات،كما لا يخفى على من راجع الكلمات.

و التشريع قد يتحقق بمجرد القول بأن ينسب إلى الشارع قولا لم يقله، و قد يتحقق بالعمل أيضا،و المحرم منه هو الإتيان بما ليس من الدين بعنوان أنه دين،عن قصد جزمي بذلك،فما يؤتى به برجاء المطلوبية لدى الشارع،أو يترك برجاء المبغوضية لديه ليس من التشريع في شيء.

الثاني:الظاهر حرمة الفعل المشرّع به،لكونه مظهر التشريع،بل لا معنى للتشريع عند العرف و العقلاء إلا ذلك،كما لا يخفى.

الثالث:لا فرق بين البدعة و التشريع شرعا.و هما مساويان،و كلاهما أعم من أن يفعل الشخص بنفسه ما ليس في الدين بعنوان أنه دين،أو أن يتسبب لأن يفعل غيره ذلك بهذا العنوان.

الرابع:حجية شيء في الدين مساوقة لصحة انتسابها إلى الشارع،و كذا العكس،فما عن صاحب الكفاية من أن الظن الانسدادي-بناء على الحكومة- حجة مع عدم صحة انتسابه إلى الشارع، مردود:

أولا:بأن المراد بالحجية في المقام الأعم من التأسيس و التقرير الذي يكفي فيه عدم الردع فقط.

و ثانيا:بأن البحث في المقام عن حجة تقع في طريق إثبات الحكم لا إسقاطه،و الظن الانسدادي من الثاني دون الأول،فراجع و تأمل.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"