1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. تهذیب الاصول
  8. /
  9. القسم الثاني النواهي و يبحث فيه عن أمرين:
الأمر الأول: تحقيق الكلام فى المراد من النهى

لا ريب في تحقق الكراهة النفسانية عند النهي عن الشيء، كتحقق الرغبة إليه عند الأمر به،و لكن هل أن المبرز للكراهة النفسانية طلب الترك،أو طلب كفّ المكلف نفسه عن الشيء،أو ردع المكلف و زجره و إيقافه، كما أن الأمر هو تحريضه و حمله عليه؟

و الحق هو الأخير،لأن الزجر عن المكروه إما خارجي،أو اعتباري، و الأول إما حبس أو ضرب أو نحو ذلك،و يعبّر عن الثاني بالنهي في متعارف الناس،و الأدلة الشرعية منزلة عليه بلا التباس،و يمكن إرجاع الأولين إليه أيضا، لأن من اللوازم العرفية للردع و الإيقاف الاعتباري،طلب الترك و طلب كف النفس.

و ما يتوهم:من أن الطلب وجودي و الترك عدمي،فلا يصح تعلّقه به.

مردود:بأن الترك ليس من العدم المطلق،بل هو من المضاف الذي يصح تعلق الطلب به،بل هو عبارة اخرى عن الكف عرفا،و إن كان بينهما فرق دقة.

ثم إن النهي متعلق بالطبيعة،كالأوامر،و من اللوازم العرفية لتعلّق النهي بالطبيعة الفورية و الاستمرار بالنسبة إلى الأفراد الدفعية و التدريجية،لأن معنى الردع عن الطبيعة إعدامها بالمرة،فتكون الفورية و الاستمرار من المداليل السياقية للنهي،بخلاف الأمر فإنه يدل على إيجاد الطبيعة و هو يتحقق بصرف الوجود،و هو أعم من الفورية و الاستمرار،فلا بد في إثباتهما له من إقامة دليل من الخارج.فالفارق بينهما عرفي،فلا وجه لدعوى أنه إن اخذت الطبيعة مهملة فلا فرق بينهما،و كذا إن اخذت بعنوان السريان،إذ العرف شاهد على الفرق بينهما، كما هو معلوم.

يصح تقرير هذا المبحث فقهيا،بأن يقال:الصلاة في المحل المغصوب هل تصح أو لا؟و تقريره اصوليا،بأن يقال:إن تعدد العنوان في الواحد هل ينفع في دفع محذور التضاد بين الأمر و النهي أو لا؟و يمكن أن يكون من المبادئ الأحكامية إن كان البحث في نفس الأمر و النهي من حيث حالاتهما الفردية و الاجتماعية.و يمكن تقريره كلاميا إن كان البحث في أنه هل يصح من الحكيم تعالى الأمر بشيء واحد و النهي عنه أو لا؟ففيه ملاك البحث عن جميع ذلك.

و لا بد من بيان امور:

الفرق بين هذا البحث و ما يأتي من بحث النهي في العبادات عرفي،لاختلاف البحثين عند العرف و أهل المحاورة.و ملاكي،لأن ملاك البحث في المقام هو أن تعدد العنوان في الواحد هل يكفي في رفع محذور التضاد بين الأمر و النهي المتعلقين به؟و ملاك بحث النهي عن العبادة أنه لا يصح التقرب إلى المولى بما هو مبغوض لديه مع اختلافهما موردا أيضا،لأن بين دليل الأمر و النهي في المقام عموم من وجه،مثل:صلّ،و لا تغصب،و في النهي في العبادة عموم مطلق مثل:صلّ و لا تصلّ في الحرير،فلا ربط لأحد البحثين بالآخر موردا و ملاكا و عرفا.و في اجتماع الأمر و النهي ليس من ظاهر دليل النهي اشارة إلى المأمور به أبدا.نعم مورد النهي قد يكون شرطا للمأمور به،بخلاف النهي في العبادة فإن النهي في ظاهر الدليل تعلّق بقيد المأموريّة.

و هناك مسألة اخرى لا بد أن لا تشتبه بالمقام أيضا و هي التصادق الموردي،بأن تعلّق الأمر بشيء و تعلّق النهي بشيء آخر لا ربط له بالمأمور به أبدا،لكن المكلف جمعهما باختياره في مورد واحد،مثل،صلّ،و لا تنظر إلى الأجنبية،أو لا تسمع الغناء.فصلّى المكلف في مكان مع النظر إلى الأجنبية،أو استمع إلى الغناء،أو هما معا.

فاجتماع الأمر و النهي في العبادة إنما يستفاد الفرق بينهما من ظاهر الدليل،فإن كان ظاهره(لا تصل في المغصوب)مثلا فهو من النهي في العبادة، و إن كان ظاهره(لا تغصب)فهو من الاجتماع.

اتفق العلماء على أنه لو كان تعدد الوجه و العنوان في الواحد كافيا في رفع محذور التضاد يصح الاجتماع،كما اتفقوا على عدم الصحة مع عدم الكفاية،فالنزاع في المقام صغروي بين الأعلام لا أن يكون كبرويا.كما لا نزاع عندهم أن الجهة التقييدية توجب التعدد،و الجهة التعليلية لا توجبه.

المراد بالواحد في عنوان البحث هو الواحد من حيث الوجود،بأن يكون الذات الواحد المعنون بعنوانين موجودا بوجود واحد،سواء كان الذات المعنون بعنوانين جنسا أم نوعا أم غيرهما،فيصح البحث في أن اجتماع الأمر و النهي في الموجود الواحد من اجتماع الضدين،أو أن تعنون الموجود الواحد بعنوانين يوجب رفع التضاد.و ليس المراد الواحد من حيث المفهوم و الجنس و إن تعدد الوجود كالسجود-كقوله:اسجد للّه،و لا تسجد لغيره تعالى-فإن السجود له تعالى و لغيره متحدان في المفهوم و مختلفان في الوجود،و لا ريب في اجتماعهما في مفهوم السجدة و جنسها و إن لم يمكن جمعهما في الوجود، لأن السجود إما للّه تعالى أو لغيره.

ثم إن المراد بالعنوانين في المقام كل ما يصح أن يرتفع به محذور اجتماع الضدين،فيشمل مطلق تعدد الإضافة و الحيثية القابلة للتعدد-و لو اعتبارا-.

يشمل عنوان البحث جميع أقسام الأوامر نفسيا كان،أو غيريا، كفائيا،أو عينيا،أو تخييريا.و كذا النهى يشمل جميع أقسامه من النفسي و الغيري.

و الظاهر أنه لا وقوع للنهي الكفائي،بل و لا النهي التخييري في الشرع، كما أنه يشمل القول بأن متعلّق الأحكام الطبائع،أو القول بأن متعلّقها الأفراد أيضا،أما الأول فواضح،و أما الثاني فلأنه ليس المراد بالفرد المشخص الخارجي من كل جهة،بل المراد لحاظه في الجملة،فيشمل ما كان قابلا لعروض عناوين متعددة أيضا.

صريح جمع اعتبار قيد المندوحة،و ظاهر آخرين عدم اعتباره. و يمكن الجمع بين الكلمات بأن من قال بالاعتبار جعل مورد النزاع مرتبة فعلية التكليف و امتثاله؛لأنه مع عدم المندوحة يكون المكلف مضطرا إلى ارتكاب الحرام،فكيف يعقل فعلية النهي حينئذ بالنسبة إليه حتى يتحقق موضوع اجتماع الأمر و النهي.و من قال بعدم الاعتبار جعل مورده مرتبة أصل التشريع و الجعل،و يصح ذلك مع عدم المكلف أصلا فضلا عن عدم المندوحة.و حيث أن عمدة نظر الاصولي إلى مرتبة فعلية التكليف و تنجزه بالنسبة إلى المكلف فلا بد من اعتباره.

المشهور أن المقام من موارد التزاحم،فلا بد من وجود الملاك في كل منهما ثبوتا و تمامية الحجة عليهما إثباتا،لا التعارض الذي لا ملاك فيه إلا لأحدهما و إن اجتمعت شرائط الحجية في الدليلين إثباتا،و لذلك يقع التكاذب بينهما قهرا،بخلاف التزاحم الذي لا تكاذب فيه أصلا،و إنما المحذور عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما فعلا.

و يدل على المشهور امور:

منها:التسالم على أن مسألة اجتماع الأمر و النهي إنما هي في ما إذا كان بين الدليلين عموم من وجه،و ذلك لا يتم إلا مع وجود الملاك في كل منهما.

و منها:قولهم بصحة الصلاة في المكان المغصوب مع العذر من نسيان أو جهل أو نحوهما مع ذهابهم إلى الامتناع و تغليب جانب النهي،فلو لم يكن الملاك موجودا واقعا لما كان وجه للصحة مع العذر.

و منها:اعتبار قيد المندوحة،فيظهر منه أنّ البحث في قدرة المكلف فقط فلا بد من كون الملاك تاما فيهما،و الحجة على كل من الحكمين تامة أيضا،و لو كان من التعارض لا وجه لهذا القيد أصلا.

و لو شك في أنه من التزاحم أو التعارض فمقتضى إطلاق كل من الدليلين و تمامية الحجة لكل منهما إحراز الملاك في كل منهما أيضا،إذ لا طريق لإحرازه إلا ذلك،فيكون مورد الشك من التزاحم لا التعارض.

ثم إنه نسب إلى المشهور القول بالامتناع و تغليب النهي ملاكا و خطابا، بحيث لا ملاك للأمر و لا خطاب له مع ذهابهم إلى صحة الصلاة في المحل المغصوب عند سقوط النهي عن الفعلية لعذر،من نسيان و نحوه.

فاشكل عليهم بأنه بعد سقوط الأمر ملاكا و خطابا،لا وجه للصحة حتى مع العذر.

و اجيب عنه بوجوه أحسنها:أن سقوط ملاك الأمر و فعليته ما دامي لا دائمي،يعني أنه مع فعلية النهي،لا ملاك للأمر و لا فعلية له لوجود المانع.و أما مع سقوط النهي عن الفعلية فلا محذور للأمر ملاكا و خطابا،و لا محذور في تغيير الحكم ملاكا و خطابا بتغير الحالات مع وجود الدليل عليه.

هذا كله بناء على الامتناع و تغليب النهي،و أما بناء عليه و تغليب الأمر،أو بناء على الجواز فلا ريب في الصحة مع العمد و الاختيار،فكيف مع العذر،كما لا ريب في سقوط الأمر مطلقا بإتيان المجمع في غير العباديات،سواء قيل

بالامتناع أو بالجواز-عمدا كان أو لعذر-و إن أثم في الصورة الاولى.

ثم إنهم استدلوا على جواز الاجتماع بامور:

الأول:ما عن المحقق القمي رحمه اللّه من أنه لا فرض لاجتماع الأمر و النهي أصلا،لأنهما متعلقان بالطبائع،و الفرد مقدمة لوجود الطبيعة،و مقدمة الواجب ليست بواجبة،فهذا البحث لا موضوع له أصلا،و على فرض وجوب مقدمة الواجب لا مانع من اجتماع الوجوب الغيري مع النهي النفسي،و إنما الممنوع هو اجتماع النفسي منهما.

و يرد عليه:أن الفرد عين الطبيعة،كما ثبت في محله،مع أنه تقدم عدم الفرق بين أقسام الأمر و النهي،مضافا إلى أنه بناء على مقدمية الفرد للطبيعة لا فرق بين الأمر و النهي،فكيف جعل رحمه اللّه الأمر مقدميا و النهي نفسيا.

الثاني:أن الامتناع لأجل التضاد و هو ثابت بين جميع الأحكام الخمسة، و لا اختصاص له بخصوص الوجوب و الحرمة،و قد جمع الوجوب مع الاستحباب،كالصلاة في المسجد،و هو مع الكراهة،كالصلاة في الأمكنة المكروهة،و الاستحباب مع الكراهة،كصوم يوم عاشوراء،و الصلوات المبتدئة في الأوقات الخاصة،فما يجاب به عن الاجتماع في هذه الموارد،يجاب به عن اجتماع الوجوب و الحرمة أيضا.

و فيه:أولا:أنه لا تضاد بين الوجوب و الكراهة،و بينه و بين الاستحباب، و بين الكراهة و الاستحباب بحسب الأنظار العرفية المنزّلة عليها الأدلة الشرعية. فيكون خروجها عن مورد البحث تخصصا لا أن يكون تخصيصا،حتى يحتاج إلى دليل.

و يمكن المناقشة فيه:بأن التضاد أمر واقعي عقلي لا ربط لنظر العرف بالنسبة إليه،مع أن الوجوب و الندب،و الكراهة و الاستحباب،متضادان عرفا أيضا.

و ثانيا:أن الاستحباب في العبادات الواجبة إن كان بمعنى رجحان الفعل مع جواز الترك،لا بد أن يحمل جواز الترك على جهة خارجة عن ذات الواجب، مثل الخصوصية الخاصة التي تعلق بها الاستحباب،كلبس العقيق في الصلاة مثلا.و إلا لخرج عن وجوبه،إن تعلّق جواز الترك بذات الواجب،و هو خلف. و الكراهة فيها و في العبادات،لا بد أن تحمل على الجهة الخارجة عن الذات للزوم رجحان الذات في العبادة مطلقا،و لا محذور فيه بعد ارتفاع غائلة اجتماع الضدين بتعدد الجهة،كما يأتي.

و ثالثا:الاستحباب في العبادات الواجبة بمعنى أكثر ثوابا،و الكراهة فيها و في العبادات المندوبة بمعنى الأقل ثوابا،و ليس ذلك من التضاد في شيء.

لا يقال:أقلية الثواب إن لوحظت بالنسبة إلى أصل طبيعة العبادة يلزم خروج الواجب عن وجوبه،لأن ثواب الطبيعة محدود بحد معين،فمع الخروج عنه يلزم الانقلاب،و إن لوحظ بالنسبة إلى الفرد،يلزم في كل فرد يكون أقل ثوابا بالنسبة إلى الفرد الآخر،أن يصير مكروها،و لا يقول أحد بذلك.

فإنه يقال:يمكن اختيار الأول من دون لزوم المحذور،لأن الطبيعة، ليست محدودة بحد خاص من الثواب قلة و كثرة،و هي لا اقتضائية بالنسبة إليه، بل ليس الثواب في مرتبة الطبيعة أصلا،و إنما هو معلول الامتثال القابل لزيادة الثواب و قلته بحسب الحالات و الخصوصيات،و يمكن اختيار الثاني أيضا و لا يلزم المحذور،إذ ليس المدعى أن كل ما هو أقل ثوابا من غيره فهو مكروه،بل المدعى أن ما دل عليه الدليل في عبادة أنها مكروهة،يمكن أن تكون الكراهة فيها بمعنى أقلية الثواب بالنسبة إلى غيرها،و لا محذور فيه أبدا.

و رابعا:أن الكراهة فيها اقتضائية لا فعلية،فلا تنافي العبادية الفعلية، فالمعنى أن في العبادات المكروهة اقتضاء الكراهة و لكن لا تصل إلى مرتبة الفعلية،لغلبة رجحان العبادة عليها.

الثالث:مما استدل به على الجواز:أن المتعارف يرون أن من يأتي بالصلاة في الدار المغصوبة-مثلا-مطيعا و عاصيا،و الأدلة الشرعية منزّلة على المتعارف.

و يرد عليه:بأنه صحيح لو لم يقم دليل على الامتناع.

الرابع:أن العبادة التي تعلق بها النهي التنزيهي على أقسام ثلاثة:

الأول:أن يتعلق النهي بالذات و لا بدل لها،كصوم يوم عاشوراء،و النوافل المبتدأة في أوقات خاصة.

الثاني:أن يتعلّق النهي بذات العبادة و لها بدل،كالصلاة في الحمام مثلا.

الثالث:أن لا يتعلّق النهي بالذات بل لخصوصية محفوفة بها،كالصلاة في مواضع التهمة.

أما الأول:فليس النهي لأجل مرجوحية في ذات العبادة حتى ينافي العبادية،بل إنما هو لأجل مصلحة في نفس الترك من حيث هو،فالفعل ذو مصلحة و الترك كذلك أيضا،و تكون مصلحة الترك أرجح،كما في المندوبين المتزاحمين إذا كان أحدهما أرجح من الآخر إلا أنهما بين الفعلين،و المقام بين الفعل و الترك،و لا محذور فيه من عقل أو نقل،لعدم سراية المصلحة التركية إلى ذات العبادة حتى تصير مرجوحة،بل هما ملحوظان مستقلان،كما في المتزاحمين.

و أما الثاني:فمضافا إلى أنه يمكن أن يكون النهي للإرشاد إلى اختيار غيره مما هو أفضل،يجري فيه عين ما تقدم في القسم الأول أيضا.

و أما الأخير:فمضافا إلى ما يجري فيه من الوجهين،أنه يمكن أن يكون النهي فيه عن نفس الخصوصية المحفوفة بالعبادة من دون أن يسري إلى ذات العبادة أبدا.

و بالجملة المغالطة حصلت من التباس النهي في العبادة بالنهي المتعلّق بغيرها،و قد ذكرت وجوه اخرى واضحة الفساد.

و استدل على الامتناع بوجوه:

منها:ما عن الكفاية،و هي مركبة من مقدمات.

إحداها:تضاد الأحكام في مرتبة الفعلية،فيكون من اجتماع الضدين في واحد شخصي خارجي،و هو محال بنفسه،لا أن يكون من التكليف بالمحال.

و فيه:أن اجتماع الضدين المحال منحصر بما إذا كان كل واحد من الضدين موجودا خارجيا،و الأحكام مطلقا من الامور الاعتبارية،فليست هي من الموجودات الخارجية،و على فرض تحقق الضدية في الاعتباريات،يكفي في رفعها التغاير الاعتباري و هو ثابت قطعا،فهذه المقدمة باطلة من أصلها.

ثانيها:أن متعلّق الأحكام ما يصدر عن المكلف خارجا،و هو موجود شخصي خارجي،فيلزم فيه اجتماع الضدين،لا أن يكون اسمه و عنوانه الكلي حتى لا يلزم المحذور.

و فيه:أن المتعلق اعتبار فعل المكلف و فرضه بالفرض الصحيح العرفي، و ليس لمثل هذا الاعتبار وجود حقيقي خارجي،بل هو قائم بالاعتبار و ليس هو متحدا مع الخارجيات كاتحاد الطبيعي و أفراده،بل يكون نظير ربط الإشارة بالمشار إليه،فالأحكام اعتبارية و موضعها أيضا اعتباري،و لا محذور في اجتماع مثل هذا القسم من الضدين،لعدم الوجود الخارجي فيه،و لا بأس بصدق الضدية و الاعتبارية،و تقدم أنه يكفي في رفعها التغاير الاعتباري،فهذه المقدمة باطلة أيضا.

ثالثها:أن تعدد الوجه و العنوان لا يوجب تعدد المعنون و لا يضر بوحدته،كما في الواجب تعالى،فإنه مع كمال بساطته يصدق عليه جميع صفات الجلال و الجمال.

و فيه:أن القياس مع الفارق جدا،فإنه تعالى في كمال البساطة-و فوق ما يتعقل من معنى البساطة-و غيره تعالى مركب خصوصا مثل الصلاة-التي تكون من المركب الاعتباري-المتقومة من امور كثيرة-من النية،و الحركة،و القول، و السكون و نحوها-فالوحدة فيها اعتبارية-لا أن تكون حقيقية-فالمعنون يكون متعددا حقيقيا لا أن يكون واحدا كذلك،و في مثله يكون تعدد الوجه و العنوان كاشفا عن تعدد المعنون لا محالة.نعم،لا ريب في أن له وحدة اعتبارية،و تقدم أنه لا محذور في اجتماع الضدين الاعتباريين في الواحد الاعتباري،فهذه المقدمة باطلة.

رابعها:أنه ليس للموجود الواحد إلا ماهية واحدة،فالمجمع و إن كان مورد الأمر و النهي لكنه واحد وجودا و ماهية،و تقدم أن تعدد الوجه و العنوان لا يوجب تعدد المعنون،فيكون من اجتماع الضدين المحال.

و فيه:أن الموجود الواحد له ماهية واحدة في الحقائق البسيطة لا المركبات الاعتبارية،فيصح تقوّمها بماهيات كثيرة،كما هو أوضح من أن يخفى.

المقام من الثاني دون الأول.

فظهر من ذلك كله عدم صحة جميع المقدمات التي ذكرها رحمه اللّه لإثبات الامتناع،لأن التعدد الاعتباري يكفي في رفع التضاد بين الاعتباريات،و إذا بطلت المقدمة تبطل النتيجة لا محالة.

كما لا وجه لدعوى أن جواز الاجتماع مستلزم لنقض الغرض،لأن الأمر بالشيء لدرك المصلحة و التقرب بالمأمور به إلى اللّه تعالى،و هو لا يجتمع مع النهي الفعلي.إذ فيه مضافا إلى أنه عين المدعي،أنه لا محذور فيه بعد تعدد الجهة،فيجلب المأمور المصلحة من جهة و يقع في المفسدة من جهة اخرى، و لا محذور فيه من عقل أو نقل أو عرف،بل هو واقع كثيرا و يتقرّب إلى اللّه تعالى من جهة و يقع في المفسدة من اخرى،و لا يلزم التقرّب بعين ما هو مبعد، لفرض تعدد الجهة،بل يكون التقرّب إليه تعالى بشيء و التباعد عنه تعالى بشيء آخر و إن كانت لهما وحدة اعتبارية.

فتلخص:أن ما يقال في وجه الامتناع جميعها باطل،و كفى بذلك دليلا على الجواز،فيشك في بطلان الصلاة في المجمع،فمقتضى البراءة عدم المانعية و البطلان بعد إمكان التفكيك بين المأمور به و النهي عنه عقلا،و بعد شمول أدلة البراءة للحرمة الغيرية أيضا،كما هو الحق.هذا كله بحسب الدقة العقلية.

و أما بحسب الأنظار العرفية المنزلة عليها الأدلة،فالاجتماع ممتنع. فيمكن الجمع بين الكلمات،فمن قال بالجواز أي بحسب الدقة العقلية،و من قال بالامتناع أي بحسب الأنظار العرفية المسامحية.

إن قلت:هذا في غير السجدة و القيام،و أما فيهما فالمأمور به عين المنهي عنه،إن كانت في المحل المغصوب حتى بالدقة العقلية.

قلت:يمكن تعدد الجهة فيهما أيضا،لأن السجدة وضع الجبهة على الأرض،و القيام وضع خاص،و إباحة المحل خارجة عن حقيقتهما،و إنما هي شرط خارج اعتبره الشارع.

و لم يكن ذلك بسوء اختياره، يجب عليه الخروج مع الإمكان،لوجوب تفريغ ملك الغير عن الكون فيه عقلا و شرعا،و لا حرمة في التصرفات الخروجية،لمكان الاضطرار بل تتصف بالوجوب فقط،و لا يحرم بقاؤه فيه مع عدم التمكن من الخروج و تصح صلاته فيه مع استيعاب الاضطرار،كل ذلك لقاعدة نفي الحرج،و حديث الرفع،بل الظاهر كونه من ضروريات المذهب إن لم تكن من الدين،من دون فرق في ذلك كله بين القول بجواز اجتماع الأمر و النهي،و القول بعدمه.

و أما إذا كان ذلك بسوء اختياره فالبحث:

تارة:في حكم خروجه عنه عرفا.

و اخرى:بحسب مسألة اجتماع الأمر و النهي بناء على الجواز.

و ثالثة:بحسب تلك المسألة بناء على الامتناع.

أما الأول:فالظاهر عن حال الناس رضاؤهم بخروج الغاصب و الظالم و السارق عن ملكهم،لا سيما إذا كان بعد إظهار ندامته و توبته،و عدم حصول تضرر في مالهم،و التضمين لو تحقق ضرر عليهم،بل الظاهر أن متعارف الناس يستنكرون على المالك لو أظهر عدم رضائه بالخروج مع ما ذكرناه.فإذا رضي المالك بالخروج يجب بلا إشكال،لوجود مقتضيه،و بذلك تسقط جملة من الأقوال،لبنائها على حرمة الخروج.

و يشهد لما قلناه عدم تعرضهم قدس سرّهم في ردّ المغصوب المنقول لاحتمال الحرمة،بل يصرّحون بوجوبه مطلقا مع أن المسألتين من واد واحد.و يمكن أن يقال:بأن الشارع يسقط اعتبار رضاه مع عدم التضرر،بل و معه لكن مع التضمين،فيصح الأمر بالخروج بلا مانع و مدافع،كما في صورة اضطرار الشخص إلى تناول غذاء الغير حفظا لنفسه و لو كان الاضطرار بسوء اختياره، و كما في مورد الاحتكار،فتخرج المسألة عن مورد البحث حينئذ.

و أما الثاني:فقد نسب إلى القائلين بالجواز أنه يتصف بالوجوب و الحرمة معا،لما عرفت من تعدد الحيثية.و لكنه مردود:

أولا:بما مرّ من أنه لا بد من اعتبار المندوحة في المسألة،و لا مندوحة في المقام.

و ثانيا:بأنه لا يتصور النهي الفعلي لمكان الاضطرار،فليس في البين تعدد الحكم حتى يكون من مورد الاجتماع إلا أن يقولوا بفعلية النهي في مورد الاضطرار إن كان حاصلا بسوء الاختيار،و لكنه من الدعوى بلا شاهد عليها بل هو على خلافها،لبنائهم في الفقه على سقوط النهي مع الاضطرار مطلقا،و مع ذلك ليس من مسألة الاجتماع لعدم المندوحة.

و أما الثالث:فقيل بوجوب الخروج شرعا بلا عقاب عليه فعلا لا من جهة النهي الفعلي و لا من جهة النهي السابق،لأن الاضطرار يسقط الخطاب و الملاك معا،فالمقتضى للوجوب موجود و المانع عنه مفقود.

و أشكل عليه:

أولا:بأن سقوط الخطاب لأجل الاضطرار معلوم بخلاف أصل المبغوضية،بل هو ثابت فلا وجه لتعلق الوجوب الشرعي بما هو مبغوض فعلي.

و فيه:إنه مبني على ترجيح ملاك الإيجاب على جهة المبغوضية تقديما للأهم على المهم فلا محذور فيه من هذه الجهة،فيكون نظير وجوب بيع مال الغير عند الاحتكار و الاضطرار مع أن التصرف في ملك الغير مبغوض مطلقا.

و ثانيا:بأنه يكون الإيجاب الشرعي لغوا و بلا أثر مع حكم العقل بلا بدّية الخروج.

و فيه:أن حكم الشرع حينئذ يكون إتماما للحجة،و تأكيدا لحكم العقل، و قطعا لعذر المكلف،كما في حرمة الظلم التي استقل العقل و العقلاء بها،و كما في وجوب ردّ المغصوب المنقول مع وجوبه عقلا و شرعا،و لو كان ذلك بسوء الاختيار فلا محذور في الوجوب الشرعي مع اللابدّية العقلية.

و أما عدم العقاب فلانقلاب موضوع الاختيار إلى الاضطرار،فتنقلب العوارض و اللوازم التابعة للموضوع لا محالة.

و قيل:بأنه واجب مع جريان حكم العقاب السابق عليه،و أما بالنسبة إلى الوجوب فقد تقدم تصحيحه و عدم المحذور فيه،و أما بالنسبة إلى جريان حكم العقاب فلا دليل عليه إلا جملة«الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و إن نافاه خطابا».

و فيه:إنه لم يقم دليل من عقل أو نقل على كلية هذه الجملة،و عدها من القواعد المعتبرة و إن كانت صادقة على نحو الإهمال و في الجملة في مورد عمل الأصحاب بها فتنجبر بالعمل،و اعتبارها في المقام أول الكلام.

و قيل:بعدم الوجوب الشرعي أصلا،و لكن العقل يحكم باختيار أقل القبيحين.

و فيه:ما ثبت من إمكان تصوير الوجوب الشرعي من دون محذور فيه، نفسيا كان أو غيريا.هذا ما يتعلق بحكم الخروج.

و أما حكم الصلاة في حال الخروج فلا تصح في سعة الوقت و إمكان إتيانها في محل مباح بالاتفاق حتى عند القائلين بالجواز،و أما في الضيق فهي صحيحة حال الخروج بناء على الجواز،و كذا بناء على الامتناع و رضاء المالك بالخروج،كما استظهرناه،و كذا بناء على عدم رضاه مع تغليب جانب الأمر.

نعم بناء على عدم رضاه و تغليب جانب النهي لا وجه للصحة،و لكن أنى لنا إثبات ذلك في ضيق الوقت،مع أن الصلاة لا تسقط بحال،و يأتي أنه لا دليل على تغليب النهي مطلقا.

لا ريب في أنه لا تخلو واقعة من حكم من الأحكام،فبناء على الجواز يكون مورد الاجتماع محكوما بالوجوب و الحرمة لتعدد الجهة،كما هو المفروض و أما بناء على الامتناع فلا بد من إثبات أحدهما،سواء كانت المسألة من باب التزاحم أم التعارض،و قد قيل بتغليب الحرمة في مورد الاجتماع، و طريقه منحصر إما بالدليل الخاص،أو القرائن العامة المعتبرة،و مع عدمها تصل النوبة إلى الأصل العملي.

أما الأول فلم يدعيه أحد.نعم ادعوا الإجماع على بطلان الصلاة في المغصوب مع العمد و الاختيار،و الظاهر تسالم القائلين بالجواز عليه أيضا،و يرد عليه:مضافا إلى أنه ليس من الإجماعات التعبدية،بل حاصل مما يأتي من الوجوه التالية،أنه مختص بخصوص الصلاة و لا يجري في غيرها إلاّ أن يدعى الإجماع على عدم الفرق بين جميع الموارد.فتأمل.

و أما الثاني فقيل فيه وجوه:

منها:أن العموم في النهي شمولي و في الأمر بدلي،و الأول مقدم على الثاني.

و فيه:أنه كذلك إن كان الشمول وضعيا،و أما مع كون الشمولية و البدلية كلاهما بمقدمات الحكمة،فلا وجه للتقديم لتساويهما في مناط الاعتبار.

و منها:أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

و فيه:إن بناء العقلاء على تقديم أقوى الملاكين،سواء كانا مصلحتين،أم مفسدتين،أم بالاختلاف،مع أنه فيما إذا لم يمكن الجمع بينهما،و في المقام يمكن جلب المصلحة و دفع المفسدة،بأن يصلى في غير المغصوب،لما تقدم من اعتبار قيد المندوحة في مورد النزاع.

و منها:أن مقتضى الاستقراء تغليب جانب النهي على الأمر عند الدوران بينهما،كحرمة الصلاة على الحائض في أيام الاستظهار،و حرمة الوضوء من الإناءين المشتبهين.

و فيه:أن ثبوت الاستقراء بالظفر على موردين مع وقوع الخلاف فيهما أيضا لا وجه له،بل مقتضى سهولة الشريعة سقوط فعلية الحرمة عند عدم إمكان إتمام الدليل عليها،كما في جميع الشبهات التحريمية،و يعلم من ترتيب الشارع الأقدس أحكام الوطء الصحيح على الوطء بالشبهة،و صحة الصلاة مع الجهل بالغصب و نحو ذلك من الموارد التي ثبتت الصحة فيها أن مجرد المبغوضية الواقعية ما لم تكن مقرونة بالمنجزية الفعلية لا أثر لها،هذا مع أنه لا ربط للمثالين بالمقام إذ الحرمة فيهما تشريعية لا ذاتية،و المقام من الثاني دون الأول.

فتلخص أنه لا وجه لتقيم النهي على الأمر في مورد الاجتماع،و حينئذ فمقتضى البراءة العقلية و النقلية عدم فعلية النهي،و بعبارة أخرى أصالة عدم المانعية لمثل هذا النهي الذي لم تثبت غلبة مفسدته على مصلحة الأمر،فتصح الصلاة،لإطلاق دليلها الشامل لمورد الاجتماع أيضا،مع وجود المصلحة فيها.

إن قلت:مقتضى عموم النهي شموله لمورد الاجتماع أيضا،مع أنه تعتبر في العبادة المصلحة الغالبة على المفسدة و هي مشكوكة.

قلت:أما شمول النهي الكاشف عن فساد الصلاة فهو ممنوع إلا مع ثبوت غلبة المفسدة،و فعلية النهي،و كلاهما ممنوعان.

و أما اعتبار غلبة المصلحة في العبادة،فلا دليل عليه بل يكفي مطلق المصلحة ما لم تكن مرجوحة.فالأقسام ثلاثة:تغليب المفسدة على مصلحة الأمر،و تساوي المصلحة مع المفسدة،و كون المفسدة مرجوحة بالنسبة إلى المصلحة،و عدم صحة الصلاة يختص بالقسم الأول.

الظاهر أنه لا ثمرة عملية لهذا البحث الطويل،لأن مورد الاجتماع إن كان توصليا فيسقط الوجوب بالإتيان بالمجمع مع الإثم اتفاقا.و إن كان تعبديا و كان له بديل،فالكل متفقون على أنه يتعين اختيار البدل و لا يجوز الإتيان بالمبدل، و إن لم يكن له بدل و كان في سعة الوقت و إمكان التأخير و الإتيان بغير مورد الاجتماع،فظاهرهم التسالم على التأخير،و إن كان في الضيق و عدم إمكان التأخير فيظهر منهم عدم الخلاف في لزوم الإتيان في المجمع حينئذ،هذا كله بناء على القول بتغليب النهي بناء على الامتناع،كما نسب إلى المشهور.و أما بناء على عدم التغليب،كما مرّ فعدم الثمرة بين القولين أظهر من أن يخفى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"