البحث فيه من أهم المباحث،لتوقف معرفة جلّ الأحكام لو لا كلها بين المسلمين على اعتباره،بل هو من الاصول النظامية العقلائية المتوقف عليها نظام معاش البشر و معاده.

الاولى:أن النزاع في اعتبار الخبر الواحد صغرويا لا أن يكون كبرويا

الاولى:النزاع في اعتبار خبر الواحد الموثوق به صغروي لا أن يكون كبرويا،إذ الوثوق و الاطمئنان النوعي العقلائي معتبر لدى الكل،و النزاع في أنه موجب لهما أو لا،و أن أي قسم من أقسام الخبر موجب لهما؟!فالمحققون يقولون:إن مجرد الوثوق بالصدور من أي جهة حصل يكفي،و الحق معهم. و بعض القدماء يقول باعتبار العلم بالصدور،فإن كان مرادهم به العلم العادي الذي يشمل مطلق الوثوق و الاطمئنان أيضا،فلا نزاع في البين أصلا.و إلا فلا دليل لهم على مدعاهم،بل الدليل على الخلاف،كما مرّ.

و من ذلك يظهر أنه لا وجه لتقسيم الخبر إلى الأقسام الأربعة-الصحيح و الموثق و الحسن و الضعيف-المعروفة.

ثم إن الظاهر اعتبار الخبر الموثوق به مطلقا-سواء كان مفاده الأحكام الفرعية أو غيرها من المعارف،أو الأخلاقيات،أو القصص و الحكايات و التكوينيات و نحوها-لشمول الدليل للجميع بلا مانع في البين.

 الثانية:العدالة في الراوي طريقية لا أن تكون موضوعية

الثانية:العدالة المعتبرة في الراوي طريقية لإحراز صدقه في المقال،لا أن تكون لها موضوعية خاصة،كما في إمام الجماعة،و القاضي،و المفتي و نحوهم، فالمناط كله فيه صدقه في المقال،عادلا كان في سائر اموره أو لا،إماميا كان أو لا،و يشهد له مضافا إلى وضوحه،قوله عليه السّلام:«لحديث واحد تأخذه عن صادق خير من الدنيا و ما حملت من ذهب و فضة».

 الثالثة:مراتب الوثوق و الاطمئنان

الثالثة:للوثوق و الاطمئنان مراتب متفاوتة،كما أن للعلم أيضا كذلك، و يكفي في الاعتبار حصول أول مرتبة منهما،لعدم الدليل على اعتبار أزيد منه، بل مقتضى سهولة الشريعة و الإطلاقات و العمومات المرغبة إلى أخذ الأخبار عدم الاعتبار،فأي إطلاق أوضح و أجلى من وصية الصادق عليه السّلام لشيعته:«أيتها العصابة عليكم بآثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى»، و قوله عليه السّلام:«تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم و ذكرا لأحاديثنا»،و قول الرضا عليه السّلام:«إنما امروا بالحج لعلة الوفادة إلى اللّه..إلى أن قال:و نقل أخبار الأئمة إلى كل صقع و ناحية»إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة في كفاية أول مرتبة الوثوق و الاطمئنان من أي وجه حصل،لأن سنخ هذه الأخبار في مقام التوسعة و التسهيل و بث الأحاديث بكل وجه أمكن.

 الرابعة:الكلام في اعتبار تضعيفات بعض علماء الرجال

الرابعة:لا اعتبار على تضعيف من كان جامدا على الظواهر،و لا بتضعيف الزاهد المتقشف لاعتقاده أن كل من ليس كنفسه فهو ضعيف،و لا بمن سقط تضعيفه لكثرة اهتمامه به،كتضعيفات ابن الغضائري الذي قالوا فيه:إنه لا يسلم أحد من قدحه و لا ثقة عن جرحه،بل المناط فيه على تضعيف الفقيه الجامع للشرائط المعتدل الفهم المتتبع في الفقه،المأنوس بمذاق الأئمة عليهم السّلام و بكيفية معاشرتهم مع العامة،و كثرة اهتمامهم بنشر الأحكام و لو بواسطة غير شيعتهم و ترى بالوجدان أنه ربما يكون الفاسق أسرع في نشر الخبر من العادل المتعبد المشغول بتزكية نفسه.و قد وثّق ابن عقدة،و المفيد،و ابن شهرآشوب و الطبرسي أربعة آلاف رجل من أصحاب الصادق عليه السّلام،و مع توثيقهم لهؤلاء و هم من أعاظم المتتبعين في تلك الطبقة فكيف ينبغي أن يؤخذ بتضعيف كل أحد؟!خصوصا من كان في أول مراجعته و تدوينه للرجال،و عن بعض المتتبعين دعوى أصالة الصدق في رواة الأحكام إلا ما خرج بالدليل،كأصالة الصحة في أفعال الأنام كذلك.

ثم إن التضعيف و الجرح لا بد و أن يرجعا إلى جهة الصدق فقط،إذ لا موضوعية للعدالة في الراوي،و إنما هي طريق لإحراز الصدق فقط،و الجرح و التضعيف من سائر الجهات إن رجعا إلى التكذيب بالملازمة العرفية أو الشرعية أو العقلية فهو،و إلا فلا أثر لها،و من ذلك تنسدّ أبواب كثير من التضعيفات و الجرح،كما لا يخفى.

 الخامسة:تحقيق الكلام في أقوال الرجال بالنسبة إلى الرواة

الخامسة:من تتبع أقوال علماء الرجال قدس سرّهم يرى أن اهتمامهم بالتضعيف أكثر من اهتمامهم بالتوثيق،بل ربما يرى من بعضهم الحرص على ذلك،و لعله لما ارتكز في أذهانهم من أصالة عدم الحجية،و لم أر من الأئمة عليهم السّلام و لا من خواص أصحابهم بل و لا من جميع أصحابهم هذا النحو من الاهتمام بالنسبة إلى نقل الحديث في ما تفحصت عاجلا،بل مقتضى إطلاق قولهم عليهم السّلام: «اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا»،و إطلاق قولهم عليهم السّلام:«رحم اللّه امرءا أحيا أمرنا.قلت:و كيف يحيي أمركم؟قال عليه السّلام:يتعلّم علومنا و يعلمها الناس،فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لا تبعونا»،و إطلاق موثق الحلال:«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام:الجل من أصحابنا يعطيني الكتاب و لا يقول:اروه عني يجوز لي أن أرويه عنه؟فقال عليه السّلام:إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه»،و قول الصادق عليه السّلام:«قال أمير المؤمنين عليه السّلام:إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم،فإن كان حقا فلكم،و إن كان كذبا فعليه».و قول أبي جعفر عليه السّلام في صحيح الحذاء:«و اللّه إن أحب أصحابي إليّ أورعهم و أفقههم،و أكتمهم لحديثنا،و إن أسوأهم عندي حالا و أمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا و يروى عنا فلم يقبله اشمأز منه و جحده و كفر من دان به،و هو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج و إلينا اسند،فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا»،و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله في المستفيض نقله بين الفريقين:«نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها و حفظها،و بلّغها من لم يسمعها،فرب حامل فقه غير فقيه،و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»إلى غير ذلك مما لا يحصى.و مقتضى ذلك كله أن يكون الاهتمام بالتوثيق و العناية به أكثر بمراتب من التضعيف،فيحكم بالضعف في خصوص ما لم يكن للوثوق طريق إليه أصلا،فيكون مقتضى هذه الإطلاقات المتواترة إجمالا اعتبار كل خبر اسند إليهم عليهم السّلام إلا ما ثبت كذبه.

و عن بعض دعوى أصالة الصدق في أصحاب المعصومين عليهم السّلام نبيا كان أو إماما،بل أصالة الصدق في أتباع الشخص مطلقا،فالأصل العقلائي لجريان السيرة على استفادة آراء الشخص و آثاره و أقواله من أتباعه بلا شبهة فيه و لا ترديد مع ترتيب الأثر عليه.

 السادسة:بيان المراد من الوثوق و الصدق المعتبرين في الراوي

السادسة:الوثوق و الصدق من الامور المشككة التي لها مراتب متفاوتة. فأول مراتبها ظهور حال الراوي الذي يكون في مقام الاستناد مع التفاته-و لو ارتكازا-بأن قوله يصلح لأن يكون منشأ للأثر مع عدم أمارة على كذبه،و بذلك يثبت أول مرتبة الصدق و الوثوق،فيشمله إطلاق ما دلّ على اعتبار خبر الصادق و الموثق،مضافا إلى السيرة العقلائية على الاعتبار أيضا،إذ لم نر منهم التأمل في القبول بعد تحقق مثل هذا الظهور لهم.

إن قلت:فعلى هذا تقبل رواية مجهول الحال،فيرجع البحث إلى أن ظهور الكذب مانع عن القبول،لا أن يكون الصدق و الوثوق شرطا له،مع أنه لا تشمله الإطلاقات،لأنه من التمسك بالعام في الموضوع المشتبه،و المتيقن من السيرة العقلائية خلافه.

قلت:إن كان المراد بالمجهول-كما اصطلحوا عليه-من لم يعرف عقيدته و إن كان موثوقا به،فلا ريب في قبول خبره،لقبول خبر الموثوق به و إن كان فاسد العقيدة فضلا عما إذا لم تعلم عقيدته.و إن كان المراد به الجهل بوثاقته و صدقه في مقاله من جهة شيوع القدح فيه،فالظاهر سقوط ما مرّ من ظهور حال الراوي بالنسبة إليه،فلا وجه للقبول،و حينئذ فمقتضى إطلاق الأدلة اللفظية و السيرة ترتيب الأثر على خبر من أمكن تحقق أول مرتبة الوثوق بالنسبة إليه، و هذا هو مقتضى سهولة الشريعة أيضا،كما أن مقتضى الإطلاقات ترتيب آثار العدالة على من اتصف بأول مرتبتها،و لا يعتبر الاتصاف بما زاد عليها،كما هو أوضح من أن يخفى.

ثم إنه لو احرز الوثوق بالصدور من قرائن اخرى تأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه تعالى،يقبل خبر من عرف بالكذب فكيف بمجهول الحال.

و من ذلك يظهر أن بعض مراتب الضعف لا تنافي بعض مراتب الوثوق و الصدق،فلا وجه لطرح كل ضعيف خصوصا بالنسبة إلى جملة كثيرة من التضعيفات،كما هو معلوم على الخبير.

 السابعة:مورد اعتبار التوثيق

السابعة:عمدة ما نحتاج إلى التوثيق فيه إنما هو الواجب و الحرام نفسيا كان أو غيريا،لبناء العلماء في غيرهما على المسامحة في السند،و دواعي الكذب فيهما قليلة جدا،خصوصا مع بناء المعصومين عليهم السّلام و الثقات من الرواة على تفضيح من يشم منه رائحة الكذب فيها.و قد شاع من عصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و في زمان المعصومين عليهم السّلام القول بوجود الكذابين،و لنفس هذه الإشاعة أثر مهم في الاهتمام بالحديث نقلا و ضبطا و ناقلا و منقولا عنه و منقولا إليه،و إظهارا لكذب المفترين و الكاذبين مهما تيسر ذلك،بحيث يصح أن يقال:إن الكذب في الاستناد كان ملازما لظهور الكذب و فضيحة الكاذب.و يمكن تأسيس أصل معتبر،و هو أصالة عدم تعمد المسلم في الكذب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السّلام،و لا وجه لذكر السند في غير الواجبات و المحرمات بعد فرض الاعتماد على المتن و تسامح العلماء فيه.و أما الواجبات و المحرمات فهما محفوفتان بقرائن معتبرة، يحصل منها الوثوق بالصدور خصوصا بين المتأخرين الذين بذلوا جهدهم في تهذيب الفقه عن الأخبار الضعيفة و الروايات النادرة،فلا ثمرة في تعيين طبقات الرجال بعد كون متن الحديث موثوقا به من سائر الجهات.

 الثامنة:موجبات الوثوق بالصدور

الثامنة:موجبات الوثوق بالصدور كثيرة جدا خصوصا في زمان ظهور المعصومين عليهم السّلام و أوائل الغيبة الصغرى،و ليست منحصرة في الوثوق بالرواة فقط،و قد جمع جملة منها شيخنا المحدث العاملي قدّس سرّه في الفائدة الثانية من خاتمة الوسائل،و هناك موجبات اخرى يستخرجها الفقيه المتتبع.

 التاسعة:كلام في حال الرواة

التاسعة:نسبة النبي صلّى اللّه عليه و آله و المعصومين عليهم السّلام إلى من يروي عنهم نسبة المعلم إلى المتعلم،و هكذا النسبة بين كل طبقة سابقة و الطبقة اللاحقة الذين يتلقون الأحاديث عنهم،و مقتضى العادة و السيرة أن المتعلم لا يكذب على المعلم فيما يتعلم منه و إن فعل ذلك لشاع و ظهر،كما أن مقتضى العادة أن لكل مذهب و ملة أقواما مخصوصين في كل عصر و زمان يهتمون بحفظ ما يتعلّق بذلك المذهب و يدافعون عمن يريد الدس و الافتراء فيه،و هذه العادة جارية في مذهب الإمامية،بل على نحو أشد و أمتن فإنهم المعروفون بالثقة و الصلاح و لا يدخل فيهم من كان خارجا عنهم إلا و يظهر حاله في مدة قليلة،كما لا يخفى على من راجع أحوال الرواة.هذا مع قطع النظر عن عناية اللّه تعالى بالشريعة الختمية و المذهب العدل،فإن المقطوع به من عناياته الخاصة،أنه تعالى يوفق في كل عصر ثقات يحفظونها رواية و نقلا و اجتهادا و بحثا إلى غير ذلك مما له دخل في البقاء حتى يظهر الحق،و هذا الأمر المتعارف يكون من طرق إحراز الوثوق ما لم تكن قرينة على الخلاف.

 العاشرة:وثوق الراوي على قسمين:

الأول:أنه موثوق به في مقاله.

الثاني:أنه مضافا إلى ذلك لا ينقل إلا عن الثقة،و هذا القسم كثير في رواياتنا.و لا يختص بخصوص الثمانية عشر نفرا الذين ادعي الإجماع على اعتبار مراسيلهم،كما ذكرناهم في مهذب الأحكام مع أن في اعتبار مثل هذا الإجماع بحثا،و يمكن أن يراد به اتفاق جمع من أهل الخبرة لا الإجماع المصطلح حتى يستشكل عليه.

 الحادية عشر: في الوثوق

الحادية عشرة:ما هو المعتبر في الوثوق إنما هو الوثوق من جهة-أي الصدق فقط-لا الوثوق من كل جهة،فلو كان الراوي غير موثوق به في نقل القصص-مثلا-و موثوقا به في نقل الأحكام الفرعية يقبل قوله في ما كان موثوقا به فيه.

 الثانية عشرة:فى و التضعيف

يمكن أن تكون جملة كثيرة من التضعيفات من دسائس المعاندين،كما يصرحون في كتبهم القديمة و الحديثة من أن أحاديث الشيعة ضعيفة و مزورة.و التوجه إلى هذه الجهة يحتاج إلى فحص كامل في كتبهم.و مع ذلك توثيقنا لرجالنا لا ينفعهم كالعكس،و يا ليت العلماء بذلوا جهدهم في تطبيق أخبارنا مع أخبارهم النبوية،و الأخذ بالمتفق عليه بيننا و بينهم و هو كثير جدا مع اختلاف في العبارة،و بذلك ترتفع جملة من التفصيلات و الخلافات.

ثم إن جملة كثيرة من عبارات التضعيف لا ينبغي صدورها من العلماء، و قد كان المرجو منهم عدم التعرض لها إلا بعد الفحص و التثبت الأكيد.

اعتبار الخبر الموثوق به مما يقوم به نظام المعاش و المعاد،و لا اختصاص له بمذهب دون آخر و لا بملة دون اخرى،بل استقرت سيرتهم على ترتيب الأثر عليه من سالف الأعصار،و ما كان كذلك يكفي في اعتباره شرعا عدم ثبوت الردع فقط،و لا يحتاج إلى إقامة الدليل على الحجية.

و لكن قد يستدل على عدم اعتبار الخبر الواحد بالأدلة الأربعة.فمن الكتاب:بالآيات الناهية عن اتباع الظن و غير العلم-بألسنة شتى و هي كثيرة- مثل قوله تعالى: وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً  ،و كذا قوله تعالى: إِنَّ اَلظَّنَّ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً.

و فيه..أولا:أنها وردت في الاصول الاعتقادية و لا تشمل غيرها،فلا ربط لها بالمقام.

و ثانيا:أن المراد بالعلم في الكتاب و السنة ما يطمئن و تسكن إليه النفس لدى العقلاء،كما أن المراد بغير العلم الأراجيف و ما يخبر به الجهلة و الهمج الرعاع،و الخبر الموثوق به من الأول دون الثاني باتفاق العلماء.

و ثالثا:أنها معارضة بالأدلة الأربعة الدالة على الاعتبار و الترجيح معها،كما لا يخفى.

و من السنة المستفيضة،بل المتواترة في الجملة،التي جمعها في قضاء الوسائل المشتملة على تعبيرات مختلفة من أن ما خالف قول ربنا لم نقله، و عدم قبول ما ليس موافقا للقرآن،و ما ليس عليه شاهد منه و نحو ذلك من التعبيرات.

و فيه:

أولا:أنها معارضة مع المتواترة التي جمعها في قضاء الوسائل، فراجع و تأمل فإن الترجيح معها من جهات.

و ثانيا:أن الأخبار المفسّرة لكتاب اللّه تعالى إما بتقييد إطلاقه،أو تخصيص عمومه،أو بيان لفظه و مفهومه،أو شرح مفاده و حدوده،و هذه كلها ليست من المخالفة عند أبناء المحاورة أصلا،بل لو لم يؤخذ بمثل هذه الأخبار لبقي كتاب اللّه تعالى معطلا في الأحكام،و هو ما لا يرضى به أحد من الأنام فضلا عن الأعلام.

و ثالثا:أن المنساق منها بعد ردّ بعضها إلى بعض أنها وردت لبيان علاج المعارضة و أن عند التعارض يؤخذ بالموافق للكتاب،و يطرح المخالف له بالمخالفة العرفية،بحيث يبقى العرف و العقلاء متحيرا في جمعه مع الكتاب، فلا ربط لها بالمقام.

و من الإجماع بما ادعاه بعض حتى جعل السيد قدّس سرّه العمل به كالعمل بالقياس في وضوح البطلان.

و فيه..أولا:أن تحقق الإجماع في مثل هذه المسألة العامة البلوى على عدم الاعتبار بعيد جدا.

و ثانيا:أنه معارض بالأدلة الدالة على الاعتبار و الترجيح معها،كما يأتي.

و ثالثا:على فرض تحققه،المتيقن منه الأراجيف و الأخبار غير الموثوق بها فلا ربط له بالمقام.

و رابعا:أنه يمكن أن يكون مورده اصول المعارف دون الفروع الفقهية، مع أنه يمكن أن يكون المراد به الإجماع الاحتفاظي أي:احتفاظ كتب الشيعة عن التدخل فيها،فالمراد به أنه لا بد و أن لا يتدخل في الكتب المعتبرة كل ما لا يعتبر،لا أنه يعمل بما اعتبر منها،لأنه خلاف ضرورة المذهب،فكيف يصدر من مثل السيد؟!.

و من العقل بما مر من امتناع التعبّد بغير العلم.

و قد مرّ جوابه مفصلا،فراجع.

الاستدلال من الكتاب بآية النبأ بمفهوم الشرط تارة و مفهوم الوصف اخرى

استدل على اعتباره من الكتاب بآيات منها:آية النبأ إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  .

فتارة:بمفهوم الشرط،فإن ترتب وجوب التبيّن على خبر الفاسق يدل على الانتفاء عند الانتفاء،فالمعنى حينئذ-بناء على ما هو المستفاد منها عرفا من كون وجوب التبيّن-غيريا و شرطا للعمل بخبر الفاسق-:أنه إن جاءكم فاسق بنبإ فلا تعملوا به إلاّ بعد التبيّن و إذا جاءكم عادل به فاعملوا به بلا تبيين،و لا معنى لحجية الخبر إلاّ هذا.

و إن كان وجوب التبين نفسيا فتدل على الحجية أيضا،لأنه بعد مجيء العادل بالخبر إما أن يجب التبيّن أيضا،أو يجب الرد،أو يجب القبول.

و الأول مخالف لظاهر سياق الآية عرفا،مع أنه خلاف مرتكزات العقلاء أيضا.

و الثاني مقطوع بفساده.

و الثالث هو المطلوب.

و لكن احتمال الوجوب النفسي للتبيّن ساقط أصلا،فلا وجه لهذه المقدمة المطوية رأسا.

و اخرى:بمفهوم الوصف،فإن تعليق التبيّن على وصف الفسق يدل على الانتفاء عند الانتفاء،و حينئذ يجري فيه عين ما مرّ آنفا في مفهوم الشرط،من غير فرق بينهما أبدا بين كون وجوب التبين شرطيا أو نفسيا،فكيفية الاستدلال بها متحدة فيهما.

 و أشكل على الاستدلال بوجوه:

الأول:أن الشرط في الآية الكريمة سيق لبيان الموضوع،فانتفاء الحكم بانتفائه تكويني حينئذ.مثل:«إن رزقت ولدا فاختنه»فلا ربط له بالمفهوم أبدا، كما مرّ في بحث المفاهيم.و الوصف في المقام غير معتمد على الموصوف فلا يتحقق له مفهوم-على فرض أن يكون للوصف مفهوم-لاشتراطه بالاعتماد على الموصوف،مع أنه قد مرّ عدم المفهوم له أصلا اعتمد عليه أو لا.

و يرد عليه:أن سياق الآية يدل على أنها في مقام بيان القاعدة الكلية، و تقرير ما ارتكز في العقول من دوران الاعتماد على شيء مدار الوثوق و الاطمئنان به،و إن هذا هو العلة المنحصرة في ذلك،فما يكون موثوقا به يعتمد عليه دون غيره،و لا فرق في دلالتها على هذه الجهة بين كونها بنحو مفهوم الشرط أو الوصف،ذكر الموصوف أو لم يذكر،فإن نفس هذه الدلالة ظاهرة منها و هي معتبرة لدى العقلاء.

و دعوى:أنها سيقت لمجرد تحقق موضوع الحكم بلا شاهد،بل ظاهر سياقها على خلاف هذه الدعوى شاهد؛و لعل نظر صاحب الكفاية قدّس سرّه حيث قال:«إن مفاد الآية أن الخبر الذي جيء به إن كان الجائي به فاسقا فتبينوا…»إلى ما ذكرناه،و إلا فهو خلاف ظاهر الآية،كما لا يخفى.

الثاني:أن عموم العلة في ذيل الآية من قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ  يشمل خبر العادل و الفاسق معا،لأن الجهالة بمعنى عدم العلم،و هو مشترك بينهما،فلا دلالة لها على اعتبار خبر العادل،لأن عموم العلة مقدم على ظهور القضية المعللة بها عند العرف و العقلاء،فلا وجه للاستدلال بها على اعتبار خبر العادل،لكونه مشتركا مع خبر الفاسق في الجهالة و عدم العلم.

و فيه..أولا:أن الجهالة بمعنى:فعل ما لا ينبغي صدوره عن العاقل المتدين الملتفت إلى دينه و عقله،كما في قوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ مٰا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جٰاهِلُونَ  ،و قوله تعالى: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهٰالَةٍ  -الآية-فإن التوبة إنما تكون عن المعصية و هي متقوّمة بالعلم بالتكليف ثم المخالفة عن علم و عمد،و لا ريب في أن ترتب الأثر على الخبر قبل التفحّص عن صدقه من فعل السفهاء و من لا يهتم بعقله و دينه.

و ثانيا:أن الجهالة بمعنى عدم العلم،لكنه أعم من العلم الحقيقي و مطلق الوثوق و الاطمئنان العرفي العقلائي،و لا ريب في تحقق الأخيرين في خبر العادل دون الفاسق و لو حصلا منه لقلنا به مطلقا.فيكون خلاصة المعنى حينئذ: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا حتى يحصل لكم الوثوق بصدقه،و يكون ذكر الفاسق حينئذ مع اشتراكه مع خبر العادل عند حصول الوثوق منه للتنبيه على فسق مورد نزول الآية،و لكون الفاسق مورد التبين غالبا.

الثالث:أن مورد الآية هو الإخبار بالارتداد الذي لا يثبت إلا بالبينة،فلو عمل بالمفهوم يلزم خروج المورد و هو مستهجن.

و فيه..أولا:أن مورد الآية هو منطوقها،و الاستدلال بها إنما يكون بمفهومها،و لا ملازمة بين المنطوق و المفهوم من كل حيثية و جهة حتى في شأن النزول أيضا.

و ثانيا:أن المراد بالعادل في المفهوم هو طبيعي العادل الشامل للواحد و المتعدد،فلا يلزم خروج المورد المعتبر فيه التعدد لدليل خارجي.

 مناقشات لا تختص بآية النبأ بل تعمها و غيرها وردها

ثم إن في المقام مناقشات اخرى لا تختص بالآية،بل تعمها و غيرها مما استدل به على اعتبار الخبر الواحد.

منها:معارضتها مع ما دلّ على عدم اعتبار غير العلم من الآيات الشريفة.

و يرد..أولا:بأن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم في المعارف و الاعتقاديات،و المقصود في المقام اعتبار الخبر في غير الاعتقاديات،فينتفي التعارض حينئذ لاختلاف الموضوع.

و ثانيا:أن ما دلّ على اعتبار خبر الواحد مفسّر و شارح و حاكم على تلك الآيات،و يبين أن المراد بالعلم فيها مطلق الاطمئنان و الوثوق العقلائي،و لا معارضة بين المفسّر(بالكسر)و المفسّر(بالفتح)،كما هو واضح لمن تأمل.

و منها:أنها تشمل الإجماع الذي أخبر به السيد قدّس سرّه على عدم اعتبار خبر الواحد.

و فيه:مضافا إلى ما مرّ-من أن هذا الإجماع ساقط عن أصله و معارض بالإجماع المدعي على اعتباره-أن الدليل لا يشمل ما ينافيه و يضاده،و إلا لبطل جلّ الاستدلالات في العلوم،بل لا بد من ملاحظة الترجيح بين الأدلة و الأخذ بالراجح و طرح المرجوح،و لا ريب في أن ما استدل به على عدم اعتبار خبر الواحد مرجوح بل ساقط رأسا.

 إشكالات تختص بالاخبار مع الواسطة فقط

ثم إنهم ذكروا في المقام إشكالات تختص بالإخبار مع الواسطة فقط.

الأول:أنها على فرض تماميتها تختص بالإخبار بلا واسطة،و منصرفة عن الإخبار مع الواسطة.

و يرد:بمنع الانصراف،كما لا يخفى.

الثاني:أن الحكم المستفاد من أدلة الاعتبار هو وجوب تصديق العادل و من يوثق بقوله،و موضوع هذا الحكم في الوسائط هو تصديق العادل و من يوثق بقوله أيضا،فكأنه قيل يجب على الشيخ تصديق المفيد في تصديق المفيد للصدوق مثلا قدس سرّهم،و هكذا إلى أن ينتهي إلى الخبر بلا واسطة،و المفروض أن هذا الموضوع بثبت بنفس هذا الحكم إذ لا أثر له قبله،فيلزم إثبات الموضوع بالحكم،لأن الموضوع لا بد و أن يكون محرزا إما بالوجدان أو بالتعبّد،و الأول منفي في الوسائط فيتعين الثاني،فيلزم المحذور غير المعقول،لأن الحكم عرض بالنسبة إلى الموضوع،فلا يمكن أن يكون موجدا له.

الثالث:أن تصديق العدول من الوسائط ليس علميا وجدانيا،بل هو تنزيل شرعي،و التنزيلات الشرعية لا بد و أن تكون بلحاظ الأثر الشرعي،و ليس في البين أثر شرعي في الوسائط إلاّ نفس وجوب تصديق العادل،فيلزم أن يكون التنزيل بلحاظ نفسه،و هو باطل.

نعم خبر أول الوسائط وجداني لا يحتاج إلى التنزيل،كما أن إخبار آخر الوسائط المنتهى إلى المعصوم عليه السّلام له أثر شرعي غير وجوب التصديق،و هو حكم الإمام عليه السّلام.و يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر،كما لا يخفى على من راجع كلمات العلماء.

و الجواب عن الجميع:

أولا:أنه لا جعل من الشارع في البين رأسا،و الآيات و الروايات الواردة في المقام إرشاد إلى مرتكزات العقلاء من اعتبار الخبر الموثوق به،و لا يفرّق العقلاء بين الإخبار بلا واسطة أو معها مع وثوق الوسائط.

و ثانيا:على فرض الجعل ليس المجعول هو الحكم التكليفي أي وجوب التصديق،بل هو نفس الاعتبار و الطريقية المحضة،و هي شاملة لجميع الوسائط مطلقا و لو لم يكن لها بالفعل أثر شرعي.

نعم لا بد من انتهاء الجميع إلى الأثر الشرعي و لو بألف واسطة،و هو حاصل قطعا في الأخبار المنتهية إلى المعصوم عليه السّلام بلا محذور أصلا في البين.

و ثالثا:على فرض كون المجعول هو الحكم التكليفي أي وجوب التصديق،ليس ذلك مجعولا بما أنه جزئي شخصي خارجي،بل بما هو طبيعي وجوب التصديق القابل للانحلال إلى جميع ما أمكن انطباقه عليه عقلا،فكأن الشارع جعل لكل واحد من الوسائط وجوب تصديق مستقل رأسا،و حيث أن الجميع تنتهي إلى قول المعصوم عليه السّلام يكفي ذلك في التنزيل الشرعي،إذ لا يلزم فيه أن يكون كل واحد من الوسائط علة تامة لثبوت الأثر،بل يكفي كونه من أجزاء العلة و لو بألف واسطة،و لا يلزم أن يكون الحكم مثبتا لموضوع شخص نفسه،بل الحكم في كل واحد من الوسائط من المعدات لثبوت الموضوع لحكم آخر و لا محذور فيه من عقل أو عرف،كما هو واضح.

و رابعا:على فرض أن يكون المجعول حكما تكليفيا جزئيا شخصيا خارجيا لخصوص الخبر بلا واسطة،نقطع قطعا وجدانيا بتحقق ملاك المجعول في الوسائط أيضا و إن قصر دليل الجعل عن شمولها،و لكن هذا الفرض أي كون المجعول جزئيا مع أنه باطل في نفسه باطل أيضا في الشريعة المبنية على الدوام إلى يوم القيام،كما فصّل القول فيه في غير المقام.

 كيفية الاستدلال بآية النفر،الإشكال عليها ثم الجواب عنه

و من الآيات التي استدل بها آية النفر: فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  . بدعوى:أن الحذر واجب و هو عبارة عن ترتيب الأثر على قول المنذرين (بالكسر)،و لا معنى لحجية الخبر إلا وجوب ترتيب الأثر.

و قيل في وجه وجوبه امور:

الأول:أنه مع تحقق المقتضي له واجب،و إلا فهو لغو،بل قد يكون قبيحا و اللّه تبارك و تعالى منزه عن الترغيب إليه.

و يرد:بأن التحذر نحو من الاحتياط و هو حسن إن لم يكن مانع عنه و لا دليل على وجوب كل ما كان حسنا.

الثاني:أنه غاية للإنذار الواجب و غاية الواجب واجبة و إلا ألغي الواجب.

و يرد:بأنه كذلك في الغاية المنحصرة لا المتعددة،كما في المقام،لأن الغاية الأولى إتمام الحجة من اللّه تعالى،تحذر أحد بالإنذار أو لا،و التحذّر أيضا غاية اخرى،و مع عدم وجوب الأخير لا يلزم لغوية الإنذار لترتب إتمام الحجة عليه،فلا بد في إثبات وجوبه من إقامة دليل آخر حينئذ.

و أما الإشكال عليه:بأنه واجب لو ثبت الإطلاق في الإنذار و التحذّر،و لو لم يحصل العلم من قول المنذرين.

فمردود:بأن تقييد الإنذار و التحذّر بصورة تحقق العلم خلاف السيرة العقلائية في إنذاراتهم و تحذراتهم،فيكتفون فيها بمطلق الوثوق و الاطمئنان النوعي-كما لا يخفى-فيدخل الخبر الموثوق به الذي هو محل الكلام فيها.

الثالث:إنا لا نجد فائدة للإنذار إلا وجوب التحذر،فلو لم يجب يصير لغوا.

و يرد عليه:ما ورد على سابقه.

ثم إن المراد بالإنذار الأعم مما كان نفس الكلام دالا عليه بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام،فيشمل جميع أقوال الفقهاء و المبلغين مطلقا،لثبوت الحذر في مخالفتهم و لو بالملازمة العرفية.

 الاستدلال بآيتي الكتمان و السؤال و آية الاذن

و منها:آيتا الكتمان و السؤال:بدعوى:أن حرمة الكتمان و وجوب السؤال يستلزمان وجوب القبول،و إلا يكونان لغوا.

و يرد عليه:بأنه كذلك مع انحصار الفائدة فيهما لا مع عدم الانحصار -كما مرّ-و من أهم فوائدهما تمامية الحجة و ظهور الحق،فلا بد في إثبات وجوب القبول من إقامة دليل آخر.

و يمكن أن يقال بالملازمة العرفية بين وجوب الإنذار و وجوب السؤال و حرمة الكتمان و وجوب القبول،فتتم دلالة الآيات الثلاث على اعتبار خبر الواحد.

و بعبارة اخرى:العرف و أهل المحاورة يفهمون من الآيات الثلاث لزوم ترتيب الأثر على الخبر في مواردها.

و منها:آية الاذن حيث مدح اللّه تعالى نبيه على تصديق المؤمنين،و لو لا حسنه لما مدحه.

و يرد عليه..أولا:أنه ليس كل حسن واجبا،كما هو المبحوث عنه في المقام.

و ثانيا:أن التصديق لأجل تأليف القلوب ظاهرا أمر،و التصديق بمعنى وجوب ترتيب الأثر أمر آخر،و الآية تبين الأول و مورد البحث هو الثاني،فلا ربط لأحدهما بالآخر،و يشهد لذلك اختلاف حرف التعدية في ذيل الآية: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  .

قد صرح صاحب الوسائل في خاتمته بتواتر الأخبار في حجية خبر الثقة. و هو حق لأن من راجع الباب السابع و الثامن و التاسع من كتاب قضاء الوسائل يعلم بتواتر الأخبار إجمالا،الدالة على اعتباره بطرق مختلفة و أنحاء شتى.

فتارة:بالإرجاع إلى الرواة و العلماء.

و اخرى:بإرجاع بعض أصحابهم عليهم السّلام إلى بعض آخر منهم.

و ثالثة:بالإرجاع إلى كتب بني فضال.

و رابعة:بالأخذ بما وافق الكتاب.

و خامسة:علاج المتعارضين بالأخبار العلاجية.

و سادسة:بالترغيب إلى الحديث و ضبطه إلى غير ذلك.

و من مجموعها يستفاد استفادة قطعية أن اعتبار خبر الموثوق به كان مفروغا عنه لدى المعصومين عليهم السّلام و أنهم يرغّبون الناس عليه و يقطع برضائهم بذلك،بل يستفاد منها نهاية اهتمام الأئمة بنشر أحاديثهم بأي وجه اتفق،و من أي شخص كان بعد ثبوت أصل الوثوق بالصدق.

أما الأول فادعي القولي و العملي منه على اعتباره.

و يمكن الخدشة فيه:بأنه إما ناشئ عن مرتكزاتهم العقلائية،فيرجع إلى السيرة،أو مما وصل إلينا مما مرّ من طوائف الأخبار فيرجع إليها،فلا يكون دليلا مستقلا في مقابلها.

و لكنها مدفوعة:بأن الإجماع إجماع حقيقي حصل إتماما للحجة و تأكيدا لها،فلا وجه لهذه الخدشة.

و أما الأخيرة فلا ريب في ثبوتها من المسلمين بل العقلاء كافة في جميع الأعصار و الأمصار و المذاهب و الأديان،فيعملون بأخبار الثقات في معادهم و معاشهم فهي من الحجج العقلائية لدى الكل،فالحجية عندهم قسمان:ذاتية، كالقطع.و عقلائية،كخبر الثقة و نحوه و كان ذلك بمرأى من المعصومين عليهم السّلام و مسمع منهم و لم يثبت عنهم الردع،بل لا يمكنهم ذلك لاختلال إبلاغ الأحكام خصوصا في الشريعة الباقية إلى يوم القيام،فقد جبلت الطباع و العقول بتلقي خبر الموثوق به بالقبول و لو لم يكن مطلوبا لدى الشارع،لوجب التنصيص بالردع في مثل هذا الأمر العام البلوى،فيكفي عدم التنصيص بالردع في القبول، فكيف بدلالة أخبار متواترة إجمالا عليه؟!

فلا وجه لما يتوهم من كفاية الآيات الناهية عن اتباع غير العلم و العمل بالظن للرد كما مر سابقا،لأن الحجج العقلائية علم عقلائي فلا تشمله الآيات، مضافا إلى أنها وردت للنهي عن اتباع غير العلم في اصول الدين،مع أن إثبات الردع بها مستلزم للدور،لأن الردع بها متوقف على إطلاقها و شمولها لمورد هذه السيرة،و هو متوقف على عدم تخصيصها بالسيرة،و عدم التخصيص متوقف على كونها رادعة عن السيرة.و إلا لكانت مخصصة لها فيلزم توقف كونها رادعة على كونها رادعة،و هو دور ظاهر.

إن قلت:ظهورها في الإطلاق و الشمول مما لا ينكر فهي تامة الاقتضاء من هذه الجهة.و أما السيرة فاعتبارها معلقة على عدم الردع،فتكون لا اقتضاء بالنسبة إلى الحجية و الاعتبار.

 الردّ على السيرة و الجواب عنه

و بعبارة اخرى:عموم الآيات فعلي منجز،و حجية السيرة اقتضائية و معلّقة،و لا ريب في تقديم الفعلي المنجز على الاقتضائي المعلّق.

قلت:مدرك اعتبار الإطلاق و الشمول ليس إلا بناء العقلاء،و لا بناء منهم على الإطلاق و الشمول في ما كانت سيرتهم على خلافهما،هذا مع أن القياس- الذي ليس مثل السيرة مورد الابتلاء-ورد النهي عنه،فلو كان خبر الموثوق به غير معتبر لدى الشارع،لزم عليه أن يؤكد النهي عنه بالخصوص بطرق شتى، لكونه من أهم موارد الابتلاء،و لا يكفي فيه مجرد العموم و الإطلاق الذي يشكل شمولها لها.

إن قلت:إن اعتبار خبر الثقة بالسيرة يكون دوريا أيضا لتوقّف اعتباره على اعتبار السيرة،و هو موقوف على عدم الردع،و هو موقوف على تخصيص العمومات الناهية عن العمل بغير العلم بالسيرة،و لا تكون تلك العمومات رادعة عنها قطعا،و التخصيص موقوف على عدم الردع،فيكون بالآخرة عدم الردع موقوفا على عدم الردع.

قلت:التوقف في المقام ليس بحسب مقام الواقع و الثبوت،بل في مقام الإثبات فقط،لأن اعتبار خبر الثقة موقوف على السيرة،و اعتبارها موقوف على عدم إحراز وصول الردع بعد الفحص،و قد احرز ذلك بالفحص اللازم و لم نطلع عليه.

ثم إنهم قد استدلوا على اعتبار خبر الواحد بوجوه عقلية يرجع بعضها إلى بعض،و جميعها إلى دليل الانسداد الصغير الذي يكون الفرق بينه و بين الانسداد الكبير-الآتي ذكره-أن الأخير يستدل به لحجية مطلق الظن،و بالنسبة إلى كلية أحكام الشريعة،و يستدل به لحجية بعض ما يتعلّق بها،كخبر الواحد، و قول اللغوي،أو المفسّر،أو اعتبار الظن بالقبلة و نحو ذلك مما يتعلّق بالأحكام الشرعية في الجملة.

منها:إنا نعلم بصدور أخبار مشتملة على الأحكام الشرعية،ابتلائية كانت أو غيرها،بحيث يكون احتمال التكليف في غير تلك الأخبار من الاحتمال غير المنجز،و حينئذ فمع عدم إمكان الاحتياط أو تعسره و بطلان الرجوع إلى الاصول-على ما سيأتي-وجب الأخذ بمظنون الصدور و هو الخبر الموثوق به.

و يرد:بأن وجوب العمل بشيء من جهة الاحتياط أمر،و حجية الشيء بحيث يصلح للتخصيص و التقييد و الاستناد إليه أمر آخر،و المقام من الثاني، و الدليل يثبت الأول و لا ربط لأحدهما بالآخر.و يمكن تقرير هذا الوجه بنحو آخر،لأن العلم بالأخبار من حيث هي لا موضوعية فيها،بل تكون طريقا إلى العلم بالأحكام الشرعية،فيرجع هذا الوجه إلى ما يأتي من الوجهين.

و منها:أن بقاء التكليف إلى يوم القيام مما يعرفه الخاص و العام،و الفراغ منه لا يحصل إلا بالعمل بالأخبار،و مع فقد العلم بالصدور وجب الأخذ بمظنونه.

و يرد عليه:ما ورد على الوجه السابق من أن الحجية شيء،و الأخذ من باب الاحتياط شيء آخر،و المطلوب هو الأول،و الدليل على فرض تماميته يثبت الأخير.

و منها:إنا مكلفون بالرجوع إلى السنة الباقية التي هي عبارة عن الأخبار الآحاد،فمع عدم العلم بالصدور لا بد من الأخذ بمظنونه.

و فيه:أنه عين الوجه السابق،إذ لا موضوعية للأخبار من حيث هي، و المدار على الأحكام و الأخبار طرق إليها،فيرد عليه ما ورد عليه،فترجع الوجوه الثلاثة إلى وجه واحد.

مع أنه مضافا إلى ما مرّ أنه بعد فقد العلم لا تصل النوبة إلى الأخذ بالمظنون دفعة،بل لا بد من الأخذ بالمتيقن،و مع عدم الكفاية،فالمتيقن بالإضافة إلى أن تصل النوبة إلى الظن بالآخرة،و ربما يأتي ما ينفع المقام في بيان الانسداد الكبير،و الظاهر أن اعتبار خبر الثقة أوضح من أن يستدل عليه بمثل هذه الامور الواهية.

الأول:المناط في إثبات الحكم الشرعي بالخبر الواحد

الأول:إثبات الحكم الشرعي مطلقا بالخبر الواحد يتوقف على الوثوق بصدوره،و تحقق ظهوره،و الفراغ عن جهة صدوره،و بتمامية هذه الجهات الثلاثة تتم الحجة على الحكم عقلا و عرفا.و المتكفل لإثبات الجهة الاولى هذا المبحث الذي يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى،و المتكفل للجهة الثانية ما مرّ في بحث حجية الظواهر،و المتكفل للجهة الثالثة الأصل العقلائي المحاوري المرتكز في الأذهان من أصالة صدور الكلام لبيان المراد الواقعي إلا إذا دلّ دليل على الخلاف.

 الثاني:زمان حدوث البحث في الخبر الواحد

الثاني:لم يكن لبحث حجية الخبر الواحد في عصر المعصومين عليهم السّلام عين و لا أثر،كجملة كثيرة من المباحث.

نعم،كثرت الروايات في إرجاع الناس إلى ثقات الرواة،و السؤال عنهم عن أن فلانا ثقة-حتى تؤخذ عنه معالم الدين-أو لا؟فراجع أوائل كتاب القضاء من الوسائل،و لو أنهم بنوا الأمر على ما كان عليه في عصر المعصوم عليه السّلام لما احتاجوا إلى جملة كثيرة من التطويلات،كما هو واضح.

و على أي حال فلزوم العمل بالأخبار التي بني فقه الإمامية عليها من ضروريات المذهب،و النزاع بين من لا يعتبر الخبر الواحد و بين من يعتبره صغروي لا أن يكون كبرويا،لأن الأول يقول بأن لزوم العمل بها لأجل كونها محفوفة بقرائن قطعية دالة على الصدور،و الثاني يقول إن نفس الوثوق بالصدور مطلقا يكفي في صحة الاعتماد عليها،و لكن بعد ثبوت أن المراد بالقطع و العلم في اصطلاح الفقهاء-خصوصا القدماء كاصطلاح الكتاب و السنة-هو مطلق الوثوق و الاطمئنان العقلائي،يرتفع النزاع من البين رأسا،كما هو واضح.

ثم إنه لا يخفى على أهله أنه يكفينا في فقهنا-معاشر الإمامية-ما وصل إلينا عن الإمامين الهمامين الباقرين الصادقين عليهما السّلام،و باعتباره تتم الحجة لفقهنا، و هذا المقدار محفوف بالقرائن الخارجية أو الداخلية الموجبة للاطمئنان بالصدور،فيصير البحث من هذه الجهة بلا طائل أيضا.

 الثالث:الكلام في أن البحث في حجية الخبر الواحد من مسائل الاصول

الثالث:هذا البحث من مسائل علم الاصول مطلقا بل من أهمها،سواء قلنا بأنه ليس له موضوع أبدا،أو أن موضوعه كل ما يصح أن يقع في طريق الاعتذار،أو أن موضوعه ذوات الأدلة الأربعة،أو بوصف الدليلية.

أما الأول:فواضح لا ريب فيه،و كذا الثاني،لأن الخبر الواحد من أهم ما يقع في طريق الاعتذار.

و أما الثالث:فاشكل عليه بأن الخبر الواحد حاك عن السنة لا أن يكون عينها،فتكون عوارضه عرضا غريبا لها لا عرضا ذاتيا،و قد مرّ أن مسائل العلم ما يكون البحث عنها بحثا عن العرض الذاتي لموضوع العلم،فما يكون البحث فيه عن العرض الغريب له خارج عن المسائل.

و يرد عليه:بأن الخبر الواحد متحد مع السنّة عند المتشرعة،فيكون عوارض أحدهما عوارض الآخر عرفا إلا مع القرينة على الاختصاص،مع أن مرجع هذا البحث عرفا إلى أن قول المعصوم عليه السّلام و فعله و تقريره هل تختص حجيته بخصوص من سمعه و رآه،أو تعم المنقول إليه أيضا،فيصير البحث عن عوارض السنة على أي تقدير.

و أما الرابع:فأورد عليه-مضافا إلى ما مرّ في الثالث مع جوابه-بأنه إن كان الموضوع الأدلة الأربعة بوصف الحجية يكون إثبات الحجية،له من إثبات أصل الموضوع،فيصير البحث حينئذ من المبادئ لا المسائل.

و يرد:بأن من أخذها موضوعا بوصف الحجية أراد الحجية الاقتضائية لا الفعلية،و المقصود بالإثبات في المقام الثانية لا الاولى،فيصير من العوارض لا محالة.

 الرابع:قد ادعي الإجماع على حجية ما في الكتب الأربعة، الإشكال عليه و الجواب عنه

الرابع:قد ادعي الإجماع على حجية ما في الكتب الأربعة من الأخبار و معه يكون البحث عن حجية خبر الواحد من التطويل بلا طائل،لكفاية ما فيها للأحكام الشرعية،و المفروض اعتبارها.

و اشكل عليه:

تارة:بأنه معلوم المدرك.

و اخرى:بوجود الاختلاف فيه،لأن بعض المجمعين يرونها مقطوعة الصدور،و بعضهم يعتبرونها من باب اعتبار مطلق الظن،و بعضهم يعتمدون عليها لاحتفافها بالقرائن المعتبرة.و لا اعتبار بما علم مدركه من الإجماع،فكيف بما اختلف فيه؟!.

و فيه:أنه يمكن إرجاع الجميع إلى ما يوجب الوثوق بالصدور،كما تقدم، فيكون الاختلاف في مجرد التعبير،كما أن الإشكال بأنه معلوم المدرك لا وجه له،لأن الظاهر من حال من يدعي الإجماع أنه يدعيه في مقابل سائر الأدلة،لا أنه نفسها،و لو فرض أنه معلوم المدرك لا بأس به لفرض تمامية المدرك،كما يأتي في وجوب العمل به مطلقا.

و ثالثة:بأن الكتب الأربعة مشتملة على الأخبار الضعيفة فكيف يصح دعوى هذا الإجماع؟!.

و فيه:أن المتيقن منه ما احتفت بقرائن دالة على اعتبارها.

و رابعة:بأن هذا الإجماع إنما صدر لأجل كمال العناية و الاهتمام بالكتب الأربعة،لا وجوب العمل بها.

و فيه:ما لا يخفى،فالإجماع تام لا مناقشة فيه.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"