1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. تهذیب الاصول
  8. /
  9. أما الملازمات العقلية غير المستقلة فهي كثيرة،و عمدتها في فن الاصول امور:

إذا ورد ذكر من الأمر و تحقق امتثال من المأمور به كما قرره و جعله الآمر، فالعقل يحكم بالملازمة بين امتثال المأمور به على ما قرره الآمر و سقوط الأمر به،و هذا البحث-في الجملة-من صغريات المسألة المبرهن عليها في العلوم العقلية:من استحالة تخلّف المعلول عن العلة التامة المنحصرة،على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

 تمهيد فيه امور:
 الأول: لا ربط لهذا البحث بمبحث المرة و التكرار

الذي تقدّم البحث عنه، و لا بمبحث تبعية القضاء للأداء و عدمه الذي يبحث عنه في علم الفقه،لأن البحث فيهما إنما هو في مقام بيان أصل المأمور به و تعيين حدوده و قيوده شرعا بحسب الثبوت و مقام التشريع،و البحث في المقام في أنه بعد ثبوته بحدوده و قيوده شرعا هل يكون امتثاله موجبا لسقوطه أو لا؟فلا ربط له بهما.

 الثاني: الاستغناء عن كلمة( على وجهه) الواردة فى عنوان البحث

قد ذكر القوم في عنوان البحث:«الإتيان بالمأمور به على وجهه»، و أطالوا القول في بيان معنى الوجه-كما هي عادتهم في غالب الموارد-و نحن في غنىّ عن ذلك بعد إسقاط هذا اللفظ لعدم الفائدة فيه رأسا،و أبدلنا عنه بقولنا: «كما قرره و جعله الآمر»بالمعنى الأعم من التقرير و الجعل حتى يشمل المجعولات الثانوية التسهيلية المتممة للجعل الأولى.

 الثالث: هذا البحث يشمل الامر الواقعي و الاضطراري و الظاهري و الاعتقادي

الأمر إما واقعي،أو اضطراري و يعبّر عنه بالواقعي الثانوي أيضا، أو ظاهري يكون مفاد الأمارات و الاصول و القواعد المعتبرة،أو اعتقادي،و مورد البحث يشمل جميع هذه الأقسام الأربعة.

 الرابع:المراد بالامتثال

بما له من العرض العريض،لا سيما في الصلاة و الحج لكثرة ما ورد من التسهيلات الامتنانية فيهما.و سقوط الأمر به أعم من القبول،لأنه عن القبول موانع كثيرة،كما له مراتب كثيرة،و بعض مراتبه ملازم لسقوط الأمر،و إن كان بعض مراتبه الاخرى ملازما للتقوى،فلا يختلط القبول بسقوط الأمر بالامتثال.إذا عرفت ذلك فنقول:

 إن البحث في مسألة الإجزاء من جهات:
الجهة الاولى: في سقوط كل أمر بالنسبة إلى امتثاله

كسقوط الأمر الواقعي عند امتثاله،و سقوط الأمر الظاهري عند امتثاله،و سقوط الأمر الاضطراري مع امتثاله،و سقوط الأمر الاعتقادي عند امتثاله،و هذا السقوط واضح لا ريب فيه،لأن الامتثال مطابقا للوظيفة المقررة فيه علة تامة لحصول الغرض،و هو داعوية الأمر للامتثال،و الداعوية وجدانية،و مطابقة المأتي به للمأمور به كذلك أيضا فلا بد من سقوط أمره،لأن فرض عدم السقوط إما لأجل عدم تحقق الداعوية،أو لأجل عدم مطابقة المأتي للمأمور به؛أو لأجل دخل شيء آخر في السقوط.

و الكل خلف الفرض،أو لأجل الشك في القبول،و قد مر أنه أعم من الامتثال و سقوط الأمر،فيتعين أن يكون امتثال الأمر الواقعي مسقطا لأمره،فلا يبقى موضوع للامتثال بداعي الأمر بعد ذلك لسقوط الأمر.

و أما الامتثال بدواع صحيحة اخرى فلا بأس به رجاء للأصل،بل قد يكون راجحا إذ انطبق عليه عنوان حسن شرعا،و قد ورد في الصلاة المعادة:«إنّ اللّه تعالى يختار أحبّهما إليه»،و قوله تعالى: وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ.   و إذا انطبق عنوان المجاهدة في اللّه على الاتيان ثانيا يصير راجحا قهرا ما لم يكن من الوسوسة.و لا فرق في هذه الجهة بين الأوامر الواقعية و الاضطرارية و الظاهرية و الاعتقادية.

 الجهة الثانية: في إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن التكليف الواقعي تفضيل الكلام فيه

النفس الآمري عند رفع الاضطرار.و يمكن إدخال هذه الجهة،و الجهة الآتية في ما مر من الجهة الاولى بالنسبة إلى الأمر الواقعي بأن يقال:إن امتثال الأمر الواقعي بما له من الأطوار،و البروز و الشئون و عرضه العريض،يجزي عن الواقع،و لا ريب في أن الأوامر الاضطرارية و الظاهرية من أطوار الواقع،فلا تصير جهات البحث متعددة حينئذ.و كيف كان،فالاحتمالات الثبوتية فيها خمسة:

الأول:سقوط الواقع بالمرة خطابا و ملاكا فعلا في موارد الاضطرار،فلا واقع إلا ما استفيد من أدلة التكاليف العذرية،لأن الشارع مسلط على مجعولاته- وضعا و رفعا،و إتماما و تنقيصا-و لا محذور فيه من عقل أو شرع،و لكن مع بقاء الواقع على الشأنية و الاقتضاء في الجملة.

الثاني:وجود الواقعي الأولي و تطابق مصلحته مع الواقعي الثانوي من كل حيثية و جهة،لكن طولا لا عرضا حتى يلزم التخيير،و على نحو الاقتضاء لا الفعلية حتى يلزم تحصيلها.

الثالث:نفس الصورة مع لزوم تداركها.

الرابع:هذه الصورة مع استحباب التدارك.

الخامس:هذه الصورة مع عدم إمكان التدارك.

و هذه كلها صور فرضية في مقام الثبوت،و يمكن أن يمثل لها بفروع فقهية قد تعرضنا لها في مهذب الأحكام في موارد مختلفة.

و أما في مقام الإثبات فمقتضى إطلاقات أدلة التكاليف العذرية و الاضطرارية،و تسالم العلماء على حكومتها بالنسبة إلى الواقعيات الأولية و سهولة الشريعة المقدسة هو القسم الأول،إذ لا معنى للحكومة المتسالمة بينهم إلا تنزيل التكاليف الاضطرارية منزلة الواقعيات الأولية و إسقاطها عن الفعلية و إبقاؤها على الشأنية الصرفة في الجملة،إلا أن يدل دليل على الخلاف في بعض الموارد،على ما فصل في الفقه.

 امور تتعلق بالتكاليف الاضطرارية

ثم إن في التكاليف الاضطرارية مباحث لا بأس بالإشارة إليها:

منها: المناط فى الاضطرار و العذر هل هو صرف الوجود أو العذر المستوعب؟

أن الاضطرار و العذر الذي هو موضوع هذه التكاليف هل هو صرف وجود الاضطرار في الموقتات،أو العذر المستوعب للوقت،فلا يجوز البدار إلى امتثالها في أول الوقت؟مقتضى ما هو المرتكز في الاضطراريات إنما هو العذر المستوعب،و عليها تنزّل إطلاقات أدلة تلك التكاليف إلا مع الدليل على الخلاف،كما ورد في التيمم و التقية،فيرجع في غير المستوعب إلى قاعدة الاشتغال،و إطلاقات أدلة التكاليف الأولية إلا مع وجود دليل خاص في البين.

 و منها: اذا ترك التكليف الاضطرارى و أتى بالتكليف الواقعى

أنه لو أتى المكلف في مورد التكاليف الاضطرارية بالتكليف الواقعي و ترك تكليفه الاضطراري،هل يجزي أو أنه لا يجزي؟المسألة مبنية على بقاء الملاك في التكاليف الواقعية في مورد الاضطرار،فمع بقائه يصح بداعي الملاك،و مع عدمه لا وجه للصحة،إذ لا خطاب و لا ملاك فكيف يصح و بأي داع يؤتى به،فلا طريق لإحراز الملاك إلا إطلاق الخطاب من باب كشف المعلول عن العلة،و قد اختلفت الكلمات،ففي بعض الموارد يحكمون بالصحة،و في بعضها يحكمون بالبطلان،و في البعض الآخر يترددون في الفتوى مع عدم دليل خاص لهم أصلا.

 و منها: فى اضطرار الشخصى أو النوعي

أن موضوع الاضطرار يلحظ بالنسبة إلى شخص المكلف دون النوع،فلو كان تكليف اضطراريا بالنسبة إلى شخص دون النوع،ينقلب تكليفه الواقعي إليه،و في العكس يبقى على تكليفه الواقعي.و هذه المباحث لا بد و أن ينقح الكلام فيها في الفقه.

 الجهة الثالثة:في إجزاء الإتيان بما يصح الاعتذار به-كما في مورد الأمارات و الاصول،و القواعد المعتبرة-عن الواقع عند انكشاف الخلاف

فهو من لوازم اعتبارها،و صحة الاعتذار بها،لأنها إن طابقت الواقع فلا ريب في الإجزاء،و إن خالفت فالمكلف معذور في ترك الواقع،لعموم أدلة اعتبارها و امتنان الشارع على امته في هذا الأمر العام البلوى،و حكومة أدلة اعتبارها على الواقعيات،و يشهد له الطريقة العقلائية في الطرق المعتبرة لديهم،فإنهم عند تبين الخلاف فيها يرتبون الأثر من حين تبين الخلاف من دون استئناف العمل من الأول،و هذا لسعة فضل اللّه تعالى أنسب.فكما أنه تعالى يسقط العمل المأتي به عن الاعتبار لأجل بعض الجهات،كذلك ينزل العمل غير المطابق للواقع منزلة الواقع.

و دعوى:أن العذرية و صحة الاعتذار مادامية،أي ما لم ينكشف الخلاف، لا دائمية.من مجرد الدعوى بلا شاهد و مخالفة لإطلاقات أدلة اعتبارها، و إجماعهم على الإجزاء عند تبدل رأي المجتهد،فإطلاق أدلة اعتبار مفاد الأمارات و الاصول و القواعد-تأسيسا كانت أو إمضائية-يقتضي الإجزاء مطلقا إلا في مورد الدليل على الخلاف،فلا مجرى لجريان قاعدة الاشتغال في المقام.

و لم يرد عن الأئمة عليهم السّلام في هذا الأمر العام البلوى لا سيما عند الإمامية المفتوح عندهم باب الاجتهاد حديث،و ما ورد في عدم إجزاء الرأي و النظر من الأخبار الكثيرة التي جمعها في كتاب القضاء من الوسائل،لا ربط لها بالمقام،بل المقصود منها الآراء الفاسدة الباطلة في مقابل الإمام عليه السّلام،لا ما حصل من الجد و الاجتهاد في أحاديثهم عليهم السّلام،فأي مانع من أن يكون المقام مثل أعمال العامة إذا استبصروا،حيث ورد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الصحيح:«كل عمل عمله في حال نصبه و ضلاله فإنه يؤجر عليه»،بل ما نحن فيه أولى بذلك كما لا يخفى، و ليس ذلك من التصويب و الانقلاب الباطل،بل هو تنزيلي تسهيلي لغير الواقع منزلة الواقع،و إسقاطه عن الفعلية لمصالح كثيرة،فبين المقام و بحث التصويب و الانقلاب بون بعيد جدا.

و لا فرق في جميع ما ذكرناه بين كون تبين الخلاف بالقطع،أو الظنون الاجتهادية،و قد تعرضنا لجملة من المباحث المتعلقة بالمقام في بحث الاجتهاد و التقليد،و في كتاب القضاء من مهذب الأحكام.

 الجهة الرابعة:العمل بما حصل به الاعتقاد مع تبين الخلاف

،فإن كان هذا الاعتقاد مستندا إلى الاجتهاد الصحيح فهو من تبدل الرأي الذي أجمعوا فيه على الإجزاء،و إن كان من غيره فمقتضى الأصل عدم الإجزاء من غير دليل حاكم عليه.و اللّه تعالى هو العالم.

يقع البحث في فن الاصول عن الوجوب المولوي الترشحي عن وجوب ذي المقدمة بالنسبة إلى مقدمته، بعد تسليم اللابدية العقلية التي تكون بين المقدمة و ذيها.
و إذا كان نفس الملازمة الواقعية بين طلب الشي‏ء و طلب مقدماته مورد البحث، فيكون من المسائل العقلية غير المستقلة، و حيث يقع في طريق الاعتذار لدى المولى، فإنه يكون من المسائل الاصولية. و فيه ملاك المسألة الفقهية، و المسألة الكلامية أيضا، كجملة كثيرة من مسائل الاصول.

تقسيمات المقدمة:
[التقسيم الأول: المقدمة إما داخلية محضة، كالأجزاء. أو خارجية كذلك،]

كالفاعل، و الغاية. أو برزخ بينهما، كالشرط و المعد، فإن فيهما جهتين: التقيد، و نفس القيد، و من الجهة الاولى داخلية و من الجهة الثانية خارجية.
و يصح أن يقال: إن المقدمة إما داخلية بالمعنى الأخص، و هي الأجزاء. أو بالمعنى الأعم، و هي الأجزاء، و الشرط، و المعدّ.
و الكل صحيح و إن اختلف التعبير. كما أن بعض الأشياء برزخ بين الشرطية المحضة و الجزئية الصرفة، كالنية في العبادات- مثلا- فإن الفاتحة جزء للصلاة، و الاستقبال شرط لها، فالنية برزخ بينهما، كما فصلناه في الفقه.
و حيث أن المقدمة المبحوث عنها في المقام متقوّمة بالتغاير الوجودي مع ذيها، فالمقدمات الداخلية- و هي الأجزاء- خارجة عن مورد البحث، لاتحاد الكل مع تمام الأجزاء وجودا، و وجود أحدهما عين وجود الآخر كذلك عقلا و عرفا، فلا اثنينية في البين حتى تتحقق المقدمية المتقوّمة بها. و التغاير الاعتباري و إن كان موجودا بينهما فإن الكل عين الأجزاء باعتبار الاجتماع، و الأجزاء الفعلية غير الكل مع قطع النظر عن هذا الاعتبار، لكن ليس هذا النحو مع التغاير مناط المقدمية عرفا، فوجوب الأجزاء عين وجوب الكل و بالعكس، فليس في البين إلا وجوب واحد منسوب إلى الكل بنحو الجمع، و إلى الأجزاء بنحو الانبساط.
و كذا الكلام في التوليديات، كالإحراق و الإلقاء في النار، فإنه ليس فيها إلا وجوب واحد منسوب إلى السبب المولد (بالكسر) و المسبب المولد عنه، فلا اثنينية في البين عرفا و إن كانت متحققة واقعا، فهي أيضا خارجة عن مورد الكلام في المقام.

[التقسيم الثاني: قد قسّموا المقدمة إلى الشرعية، و العقلية، و العادية، و مقدمة الصحة، و مقدمة الوجود، و مقدمة الامتثال‏]

. و لا وجه لهذا التقسيم أبدا.
فإن الثلاثة الاولى إن كان بلحاظ أصل الدخالة و المقدمية فالجميع عقلية، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و المركب بانتفاء جزئه، سواء كان المشروط أو المركب عقليا أو شرعيا أو عاديا، و لا حكم للأخيرين إلا ما حكم به العقل و لو حكما بشي‏ء لكان إرشادا إلى حكم العقل.
نعم، لهما تنزل الفاقد للشرط أو الجزء منزلة الواجد في مجعولاتهما، لفرض استيلائهما عليها موضوعا و حكما، و لا ربط لذلك بأصل المقدمية التي هي مورد البحث.
و إن كان ذلك بلحاظ الجاعل فهو أجنبي عن بحث المقدمة، كما هو أوضح من أن يخفى.
و الرابع ليس إلا المقدمات الداخلية أو الخارجية، فلا وجه لتسمية اخرى و زيادة قسم آخر.
و الخامس يرجع إلى الرابع، فلا وجه لعدّه قسما مستقلا إن كان المراد الوجود الصحيح، و إن كان المراد مطلق الوجود فهو خارج عن مورد البحث قطعا، لأن البحث في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمّى، كما أنه لا بد من خروج مقدمة الوجوب عن مورد البحث أيضا، لأنه قبل حصول المقدمة لا واجب في البين حتى يترشح منه الوجوب إلى مقدمته، و بعد الحصول لا معنى للترشح، لأنه من تحصيل الحاصل.
و كذا لا ريب في خروج مقدمة الامتثال عن مورد البحث، إذ ليس فيه إلّا اللابدية العقلية و ليس فيه وجوب مولوي ترشحي حتى يكون مورد البحث، و لو ورد دليل عليه لا يكون إلا إرشادا محضا فانحصرت المقدمة- التي تكون مورد البحث- في الخارجية و الداخلية بالمعنى الأعم.

[التقسيم الثالث: قد قسّموا المقدمة بلحاظ الزمان الى المقارنة،]

كالاستقبال للصلاة، و عربية الإيجاب و القبول في العقود مثلا. و المتقدمة، كتقدم الوصية على حصول الملكية للموصى له بعد موت الموصي في الوصايا التمليكية.
و المتأخرة، كالإجازة لعقد الفضولي في حصول الملكية من حيث العقد بناء على الكشف. فيلزم تخلل الزمان- قليلا كان أو كثيرا- بين العلة و المعلول في الأول، و تقدم المعلول على العلة في الثاني، و هما ممتنعان، كما ثبت ذلك في فن الحكمة بالدليل و البرهان، و العلة بجميع أجزائها و جزئياتها مقدمة على المعلول رتبة لا زمانا، كتأخر المعلول عن العلة فإنه رتبي فقط.
و المراد بأجزاء العلة و جزئياتها ما إذا تحققت في ضمن العلة التامة لا بدونها، إذ العلية و المعلولية من الامور الإضافية، فالأجزاء و الجزئيات غير المتحققة في ضمن العلة التامة أجزاء استعدادية لا فعلية، و الكلام في الثانية دون الاولى. و العلة التامة مقارنة مع المعلول زمانا و إن اختلفا رتبة، كقولك: «تحركت‏ اليد فتحرك المفتاح» فزمان الحركتين متحد، و لكن رتبة حركة اليد متقدمة على حركة المفتاح فإن الأخيرة مستندة إلى الاولى.
و قد وقعت في الشريعة المقدسة موارد انتقضت فيها القاعدة العقلية، منها ما تقدم فيها المعلول على العلة زمانا، كالعقود الفضولية بناء على الكشف، فإنه يحصل الأثر قبل حصول العلة التي هي الإجازة، و موارد تقدم فيها العلة على المعلول زمانا، كعقد الوصية التمليكية الحاصلة قبل الموت بزمان مع أن الملكية تحصل بعده و لو بزمان كثير، و كغسل المستحاضة قبل الفجر لصحة الصوم الحادث بعد الفجر.
و قد اضطربت كلماتهم في حل هذه المشكلة، و قد تعرضنا في الفقه لبعض الكلام، و لنشر لبعضه الآخر بما يناسب المقام. و قد اجيب عن أصل الشبهة بوجوه:
الأول: ما عن صاحب الكفاية أن الشرط إما شرط للوضع، كعقد الوصية للملكية بعد الموت، و الإجازة في العقود الفضولية لحصول الأثر قبلها. أو شرط للتكليف، كالعقد، و الإجازة لوجوب الوفاء. أو شرط للمكلف به، كغسل المستحاضة قبل الفجر لصحة صومها.
و مرجع الأولين إلى أن لحاظ الشرط عند الشارع دخيل في حكمه وضعا أو تكليفا، فاللحاظ هو المؤثر لا أن يكون الأثر للوجود الخارجي حتى يلزم المحذور، فما هو الشرط- و هو اللحاظ- مقارن، و ما هو متقدم أو متأخر لا ربط له بالشرطية فلا محذور في البين أصلا.
و فيه: أولا: أنه تصرف في ظواهر الأدلة بلا شاهد، بل على خلافه الشواهد.
و ثانيا: أن اللحاظ طريق إلى ما في الخارج لا أن تكون له موضوعية خاصة، و إذا كان كذلك، فالمحذور باق على حاله.
و مرجع الأخير- أي ما كان شرطا للمكلف به- إلى أن المتقدم أو المتأخر له دخل في صيرورة المكلف به معنونا بعنوان حسن، فصوم المستحاضة يصير ذا عنوان حسن بتقدم الغسل عليه يوجب بذلك صلاحيته للتقرب به، فيرجع إلى الشرط المقارن.
و فيه: أنه إن كان الشرط من حيث الوجود الخارجي فهو عين الإشكال قرر بوجه آخر، و إن رجع إلى شرطية اللحاظ فهو عين ما أجاب به عن شرط الوضع و التكليف، و مرّ بطلانه.
الثاني: ما عن بعض مشايخنا قدس سرّهم، فعن شيخنا المحقق العراقي قدّس سرّه أن المشروط في جميع تلك الموارد إنما هو الحصة التوأمة مع الشرط، فالشرط حينئذ قرين المشروط و حليفه، لا أن يكون متقدما عليه أو متأخرا عنه.
و فيه: أن ذلك إن كان بحسب الوجود اللحاظي فهو عين ما تقدم عن صاحب الكفاية، و قد أشكلنا عليه. و إن كان بحسب الوجود الخارجي فالشبهة باقية، مع أن الحصة من الاعتبارات الذهنية لا الموجودات الخارجية.
الثالث: أن أصل المحذور إنما هو في العلة الموجدة، أما ما توجب القابلية كالشروط و المعدات فلا محذور فيه.
و يرد عليه: أن حصول القابلية للوجود إن كان من ناحية العلة فهو عين المحذور، و إن كان من ناحية المعلول فهو باطل، كما ثبت في محله، راجع الأسفار.
الرابع: أن الشرط في موارد النقض إنما هو العنوان الانتزاعي المقارن مع المشروط، كما هو شأن كل أمر انتزاعي فإنه خفيف المئونة جدا، كتعقب العقد للإجازة في الفضولي، و تعقب عقد الوصية التمليكية بالموت، و اتصاف الصوم بسبق الغسل في المستحاضة، إلى غير ذلك مما يمكن فيها انتزاع شي‏ء هو مقارن مع المشروط، و قد اختار ذلك شيخنا المحقق النائيني قدّس سرّه بعد جعل‏ القضايا التشريعية من القضايا الحقيقية.
و فيه: أنه خلاف ظواهر الأدلة و المنساق منها عرفا بلا دليل ملزم عليه من عقل أو نقل، مع أن كون القضايا المستعملة في تشريع الأحكام و تقنين القوانين- خالقية كانت أو خلقية- من القضايا الحقيقية مما لا يخفى على الأصاغر فضلا عن الأكابر.
الخامس:- و هو أحسنها- و يمكن أن يكون مقصود الجميع ذلك و إن قصرت عبائرهم عن الانطباق عليه، و هو: أن أصل الإشكال يختص بالعلل و المعلولات التكوينية و الموجودات المتحققة الأصيلة التي يدور نظم المباحث الدقية العقلية، و البراهين المتقنة الحكمية عليها، بشرط كون العلة بسيطة غير مركبة من الأجزاء المتدرجة الوجود، لأن فرض تركب العلة من تلك الأجزاء المتدرجة الوجود في الزمان فرض تقدم بعض أجزاء المؤثر على بعض، و إلا لزم الخلف و هذا أيضا مغالطة اخرى، فهنا غولط بين العلة البسيطة و المركبة التدريجية. نعم، في العلة المركبة بعد تحقق جميع الأجزاء و الشرائط يعتبر التقارن الزماني مع المعلول أيضا، من دون اعتبار التقارن الزماني بين كل جزء و جزء من أجزاء العلة.
و أما الاعتباريات التي يدور جعلها- بجميع جهاتها و خصوصياتها- على الاعتبار كيف ما اعتبره المعتبر، فلا موضوع للإشكال فيها بعد فرض عدم استنكار عرف المعتبرين لذلك، فربّ شي‏ء يكون ممتنعا في التكوينيات يكون صحيحا في الاعتباريات، و كذا بالعكس. و لا ريب في أن جميع القوانين المعتبرة بجميع حدودها و قيودها من الاعتباريات الحسنة العقلائية. و هذه الشبهة- و أمثالها- إنما حصلت من الخلط بين الامور التكوينية و الامور الاعتبارية.

الأقوال في وجوب المقدمة

وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها في الإطلاق و الاشتراط، إذ لا معنى للتبعية إلا ذلك. و اختلفوا في معروض الوجوب لعنوان المقدمة على أقوال، و تجري هذه الأقوال في الوجوب الشرعي الترشحي، و اللابدية العقلية أيضا:

الأول: [ان معروض الوجوب لعنوان المقدمة هو ذاتها]

ما نسب إلى المشهور من أنه ذات المقدمة بلا قيد و شرط، لأن المناط في المقدمة التمكن بها من إتيان ذيها، و هذا ينطبق على الذات بلا قيد و لا شرط.

الثاني: [انه ذات المقدمة عند ارادة ذيها الاشكال عليه‏]

ما يظهر عن صاحب المعالم قدّس سرّه من أنه ذات المقدمة عند إرادة ذيها، لأن عنوان المقدمية متقوّم بالغير فلا بد من إرادته.
و فيه: أنه إن أراد ما هو المتعارف من أن إتيان المقدمة إنما هو عند إرادة ذيها، فهو مع أنه مخالف لما تسالموا عليه من أن وجوبها في الإطلاق و الاشتراط تابع لوجوب ذيها.
يرد عليه .. أولا: أنه لا وجه لتعليق الوجوب على الإرادة مطلقا، و إلا ينسلخ الوجوب عن وجوبه.
و ثانيا: أنه لا يتم في المقدمات التوصلية غير المتوقفة على القصد و الإرادة فضلا عن قصد ذيها، و ما كانت منها عبادية يغني أمرها النفسي في عباديتها، فينطبق عليها عنوان المقدمية قهرا- قصد ذاها أو لم يقصد-.

الثالث: [انه ذات المقدمة مع قصد التوصل الى ذيها، ذكر المحتملات من هذا القول، الاشكال عليها]

ما عن الشيخ الأنصاري قدّس سرّه من أن معروض الوجوب ذات المقدمة مع قصد التوصل بها إلى ذيها، لأن حيثية المقدمية حيثية التوصل بها إلى ذيها فلا بد من قصد ذلك في ثبوتها و تحققها، و هذا أخص من قول صاحب المعالم، لأن ما قصد به التوصل بها إلى ذيها واجبة على كلا القولين، فإن قصد التوصل قصد إجمالي لإرادة ذي المقدمة، و ما لم يقصد بها التوصل إن كانت‏ مقرونة بإرادة ذي المقدمة فواجبة على قول صاحب المعالم دون الشيخ، فتتحقق الأخصية حينئذ و إن لم يقترن بها، فلا وجوب على كلا القولين.
ثم إن محتملات مراد الشيخ قدّس سرّه من قوله أربعة:
أحدها: اشتراط وجوب المقدمة بقصد التوصل، فيكون وجوبها مشروطا و وجوب ذي المقدمة مطلقا، و هذا خلاف تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها، كما مر و الشيخ يعترف به في فقهه و اصوله.
ثانيها: أن ذلك من باب غلبة الوقوع في الخارج، حيث أن المقدمة إنما يؤتى بها غالبا بقصد التوصل بها إلى ذيها، لا أن يكون ذلك من الاشتراط و التقييد الاصطلاحي، و هذا حق و وجداني لكل أحد، و ليس ذلك على نحو التقوّم بحيث لو أتي بها غفلة، أو بقصد عدم التوصل لم يتحقق وجود المقدمة، بل المشهور يقولون بتحقق الواجب حينئذ بخلاف ما يظهر من قول الشيخ، فلا وجوب لذيه بناء على اعتبار قصد التوصل في الاتصاف بالوجوب.
ثالثها: أن قصد التوصل دخيل في ترتب الثواب أو الامتثال فقط، لا في الاتصاف بالوجوب، و هذا بالنسبة إلى ترتب الثواب صحيح، لكنه ليس من محل الكلام، لأن البحث في معروض الوجوب لا في استحقاق الثواب، مع أن اعتبار ذلك في ترتب الثواب أيضا أول الدعوى، كما حررناه في الفقه.
و أما دخله في الامتثال فهو مردود: بأن المقدمة لغة و عرفا و شرعا ما يتمكن بها المكلف من إتيان ذيها، و ليس موضوع الوجوب- شرعيا كان أو عقليا- إلا هذا، و لا ينفك ذلك من قصد التوصل إجمالا و ارتكازا، فيكون اعتبار قصد التوصل بعد ذلك من قبيل لزوم ما لا يلزم، و إن كان مراد الشيخ قدّس سرّه من اعتبار قصد التوصل هذا المعنى الإجمالي الارتكازي، فهو صحيح لا إشكال فيه.
رابعها: اشتراط ذات مقدمية المقدمة.
و فيه: أنه خلاف الوجدان في التوصليات، و خلاف الأصل و الإطلاق في‏ التعبديات، و خلاف مبنى الشيخ في فقهه.

الرابع: [اعتبار ترتب ذى المقدمة خارجا على المقدمة الاشكال عليه بوجوه، و ابطالها، التحقيق فى المقام‏]

ما عن صاحب الفصول من اعتبار ترتب ذي المقدمة خارجا على المقدمة في الوجوب الترشحي، لأنه لا فعلية للمقدمة إلا بذلك، و هذا هو الذي اصطلح عليه بالمقدمة الموصلة. و اشكل عليه بوجوه كلها باطلة:
منها: أنه إن كان قيدا للوجوب فهو من تحصيل الحاصل، و هو باطل. و إن كان قيدا للواجب فهو من الدور الباطل، لتوقف ذي المقدمة على المقدمة، و توقف المقدمة على ذيها، و هذا هو الدور.
و فيه: أنه لا يكون قيدا للوجوب و لا للواجب حتى يلزم المحذور، بل مراده قدّس سرّه أن فعلية وجوب المقدمة تدور مدار فعلية وجوب ذيها، لأنهما من المتلازمين المتكافئين قوة و فعلا، فكما لا محذور في التلازم في مطلق المتلازمين من كل جهة فليكن المقام أيضا كذلك.
منها: أنه يلزم كون شي‏ء واحد واجبا نفسيا و واجبا غيريا، لأن ذا المقدمة واجب نفسي بذاته، و من حيث كونه قيدا للمقدمة يصير واجبا غيريا.
و فيه .. أولا: أنه لا محذور فيكون شي‏ء واحد واجبا نفسيا و غيريا من جهتين، كصلاة الظهر مثلا، فإنها واجبة نفسا بذاتها و من حيث كونها شرطا لصلاة العصر تتصف بالوجوب الغيري، فليكن المقام كذلك.
و ثانيا: أن ترتب ذي المقدمة على المقدمة ليس من التقييد الاصطلاحي حتى يلزم المحذور، بل المراد أن فعلية المقدمة و فعلية وجوبها تنتزع من فعلية ذي المقدمة خارجا على نحو القضية الحقيقية لا الشرطية.
و منها: أنه مستلزم للخلف، فإن ذات المقدمة أيضا لها مدخلية في ترتيب ذيها عليها، فيلزم كون الذات أيضا موردا للوجوب الترشحي، و هو قدّس سرّه لا يقول بذلك.
و فيه: أنه مسلم، لأن الذات أيضا له دخل في الترتب في الجملة، لكن‏ مدخلية الذات إمكانيته لا فعليته من كل جهة، و مراد صاحب الفصول المدخلية الأخيرة دون الاولى.
و منها: أنه بناء على المقدمة الموصلة ينحصر وجوبها بالعلة التامة المنحصرة. و لا يشمل غيرها، و هو خلاف الإطلاقات و الكلمات.
و فيه: أن الوجوب الفعلي من كل جهة منحصر فيها عند الجميع، و لكن الوجوب الشأني الاستعدادي يشمل غيرها بلا إشكال. و لا ينكرها صاحب الفصول و غيره.
و منها: أنه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري، لأن من أجزاء المقدمة الموصلة الإرادة و هي غير اختيارية، و إلا لزم التسلسل.
و فيه .. أولا: أنه لا اختصاص لهذا الإشكال بالمقدمة الموصلة، لتوقف كل واجب على الإرادة- نفسيا كان أو غيريا- موصلا أو غير موصل.
و ثانيا: يكفي في الإرادية و الاختيارية كون الإرادة بذاتها و نفسها مرادة و مختارة في صحة التكليف بها.
و ثالثا: لو كانت مرادة بإرادة زائدة على ذاتها، تكون جميع تلك الإرادات مندمجة في ذاتها لكمال سعة النفس، و هذا النحو من التسلسل لا امتناع فيه، كما ثبت في محله، و يعبّر عنه بالتسلسل اللايقفي، أي لا يمكن فرض العلية في مرتبة إلا و يمكن فرض علية اخرى فوقها، و هذا لا يستلزم الوجود الفعلي لسلسلة غير متناهية حتى يمتنع.
و منها: أن إتيان المقدمة يوجب سقوط طلبها من غير انتظار ترتب ذيها عليها.
و فيه .. أولا: أنه عين الدعوى.
و ثانيا: أن السقوط جهتي لا من جميع الجهات، و السقوط المطلق إنما هو بإتيان ذي المقدمة، و للمكلف تبديل المقدمة بمقدمة اخرى ما لم يأت بها.
و الحاصل: أنه قد اشتملت المقدمة على جهات و حيثيات:
إحداها: التمكن بها إلى ذيها.
ثانيتها: قصد ذيها إجمالا المندرج في قصد ذات المقدمة.
ثالثتها: التوصل بها إلى ذيها، و هي أيضا مندرجة في قصد المقدمة إجمالا.
رابعتها: ترتب ذيها عليها خارجا.
و هذه كلها جهات و حيثيات تعليلية، فيكون معروض الوجوب بالآخرة ذات المقدمة بنحو الاقتضاء، و ليست هذه الجهات دقيات عقلية فقط، بل العرف يعتبر هذه الجهات أيضا، فيصير النزاع بين الجميع جهتيا لفظيا، كما لا يخفى على المتأمل لانطباق جميع الأقوال على المرتكزات في مقدمات الأفعال الصادرة منهم، فأشار كل واحد من الأعلام إلى جهة من تلك الجهات بلا نزاع في حاق الواقع في البين.
ثم إن ما قلناه من أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها في الإطلاق و الاشتراط، إنما هو في نفس الوجوب المقدمي من حيث هو مع قطع النظر عن دليل آخر. و أما بحسب الأدلة الخاصة فيمكن أن يكون وجوب المقدمة مشروطا بشي‏ء مع قطع النظر عن ذي المقدمة، بل يمكن أن يجتمع فيه أنحاء من الوجوب.

الثمرات بين كونها من المسألة الاصولية أو غيرها

بعد ثبوت الوجوب الشرعي الترشحي للمقدمة يكون البحث فيها من المسائل الاصولية. لوقوعه في طريق استنتاج الحكم الفرعي، فيقال: هذه مقدمة الواجب، و كل مقدمة الواجب واجبة شرعا، فتجب هذه.
و كذا بناء على اللابدية العقلية، فيقال: هذه مقدمة الواجب و كل مقدمة الواجب لا بد من إتيانها عقلا، فلا بد من إتيان هذه عقلا، و يستنتج منه الحكم الفرعي بواسطة قاعدة الملازمة، فيكون هذا الاستنتاج- سواء كان بلا واسطة أو معها- من ثمرات هذا البحث، و قد ذكروا ثمرات اخرى أيضا.
منها: فساد العبادة التي يكون تركها مقدمة لواجب أهم، كالصلاة في أول الوقت مع فعلية وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، لأن ترك الصلاة حينئذ واجب بالوجوب المقدمي فيكون فعلها حراما، لأن الأمر بالشي‏ء يكون نهيا عن ضده، فتقع فاسدة لأن النهي في العبادة يوجب الفساد.
و فيه: أن هذه الثمرة مبنية على مسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، و سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- بطلان الاقتضاء.
كما أنها مبنية على أن النهي الذي يوجب فساد العبادة هو الأعم من النهي النفسي و الغيري و هو محل البحث أيضا.
و أما صاحب الفصول رحمه اللّه فأبطل هذه الثمرة بناء على ما اختاره من المقدمة الموصلة بأن ترك الصلاة مطلقا ليس بواجب، بل الواجب إنما هو الترك الموصل إلى الإزالة، و مع فعل الصلاة لا وجه لكون تركها مطلقا واجبا، فيصير فعلها صحيحا لوجود المقتضي و فقد المانع عن الصحة.
و أشكل عليه شيخنا الأنصاري قدّس سرّه: بأنه لا ريب في أن ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة واجب فيصير نقيضه حراما- بناء على المقدمية- و نقيضه ترك الصلاة الموصل، و هو كلي له أفراد، منها نفس الصلاة فتصير فاسدة لأجل النهي المنطبق عليها انطباق الكلي على الفرد.
و أورد عليه في الكفاية: بأن الصلاة لازم للنقيض لا أن تكون عينه، و لا دليل على لزوم كون لازم النقيض محكوما بعين حكم النقيض، بل يجوز أن لا يكون محكوما بحكم في الظاهر أبدا.
نعم، لا بد أن لا يكون محكوما بحكم مغاير لحكم النقيض، لمكان‏ الملازمة بينهما.
و الحق أن إشكال الشيخ قدّس سرّه صحيح بحسب الأنظار العرفية المبنية عليها الأدلة الشرعية، و إشكال صاحب الكفاية لا بأس به بحسب الدقة العقلية، فكل منهما صحيح في مورده، و لكن الحق مع ما ذهب إليه الشيخ قدّس سرّه عرفا.
و منها: بر النذر لمن نذر إتيان واجب بإتيان مقدمة الواجب بناء على وجوبها و عدم البر بناء على عدم الوجوب.
و فيه: أنه مسألة فرعية تابعة لقصد الناذر، و مع الإطلاق و الغفلة عن هذه الحصة ينصرف إلى الواجب النفسي، و ليس ثمرة للمسألة الاصولية، لأنه لا بد و أن يستنتج منها الحكم الكلي.
و منها: عدم جواز أخذ الاجرة على المقدمة مع وجوبها، و جوازها بناء على عدم الوجوب.
و فيه: أنه لا دليل على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجب بالنحو الكلي، بل مقتضى الأصل، و قاعدة السلطنة جوازه إلا في موارد خاصة دل عليها الدليل بالخصوص على عدم الجواز، و هو تابع لدلالة الدليل عموما أو خصوصا، و قد فصّلنا المسألة في الفقه، فراجع.
و منها: حصول الفسق بترك واجب له مقدمات كثيرة، لتعدد ترك الواجب، فيتحقق الإصرار على المعصية.
و فيه: أنه ليس لترك واجب واحد إلّا معصية واحدة إجماعا- تعددت مقدماته أو لم تتعدد- نعم، لو كان واجب نفسي مقدمة لواجب آخر و تركهما، تعددت المعصية، و لكنه خارج عن محل البحث، لأنه في الوجوب المقدمي الصرف دون الواجب النفسي.
و منها: اجتماع الوجوب و الحرمة لو كانت المقدمة محرمة، كالدخول في ملك الغير لإنقاذ النفس المحترمة.
و فيه: أنها إن كانت توصلية يصح التوصل بها إلى ذيها- قيل بوجوب المقدمة أو لا، و قيل بجواز الاجتماع أو لا- و كذا إن كانت تعبدية بناء على جواز الاجتماع.
نعم، بناء على الامتناع و تغليب جانب الحرمة لا تصح المقدمة العبادية، سواء قيل بوجوب المقدمة أو لا. فهذه الثمرة ساقطة أيضا.

إجراء الأصل في المقدمة

أما اللابدية العقلية الواقعية لإتيان كل مقدمة بالنسبة إلى ذيها من الفطريات و الوجدانيات لكل أحد، فلا يتصور الشك فيها حتى يجري فيها الأصل.
نعم، قد تتوجه النفس إليها و قد تغفل عنها، كما هو الشأن في جميع فطريات النفس و وجدانياتها، فإنه قد تكون مغفولا عنها، و قد تكون متوجها إليها، و لا ربط لذلك بالشك فيها.
و أما الوجوب الترشحي الشرعي فلا تجري البراءة العقلية بالنسبة إليها، لأنها تدور مدار العقاب لابتناء قاعدة قبح العقاب بلا بيان عليه، و لا عقاب في ترك المقدمة مطلقا إلا ما كانت عين ذيها خارجا، كما في التوليديات.
و أما البراءة الشرعية فلا محذور في جريانها، لكفاية مطلق الأثر الشرعي في مجريها، و لا ريب في أن مطلق الوجوب أثر شرعي.

الحق في المقام‏

و الحق في المقام وجوب مقدمة الواجب بالوجوب التبعي لذيها، فإنا نرى بالوجدان عند طلبنا لشي‏ء تعلّق الطلب أيضا بالنسبة إلى مقدماته مع‏ الالتفات إليها و لو مع الغفلة عن اللابدية العقلية، بل ربما يجعل الأمر بالمقدمة أصيلا و الأمر بذيها تبعيا، فيقال: اركب السيارة و اذهب إلى الزيارة، فينطوي في الطلب التفصيلي لذي المقدمة طلب جميع المقدمات، انطواء الفرع في الأصل، و الإرادة الإجمالية في الإرادة التفصيلية الالتفاتية، هذا مع اتفاق العقلاء على وجود أوامر غيرية فيما بينهم، و وجود أوامر غيرية في الشرع أكثر من أن تحصى، و صحة استعمال الأمر فيها في المحاورات العرفية بلا شبهة.
و جعل ذلك كله إرشادا إلى الشرطية، و الجزئية و المانعية، و هذا لا ربط له بكون نفس الأمر الغيري إرشادا، كما لا يخفى. فالوجدان و الاتفاق على الوقوع من أكبر الأدلة عليه.
و بعد ذلك لا نحتاج إلى ما يقال: من أنها لو لم تجب فلا مانع من طرف الشارع في تركها، و مع الترك إن بقي الواجب على وجوبه فهو تكليف بما لا يطاق، و إلا انقلب الواجب المطلق مشروطا، و هو باطل.
و هذا الاستدلال فاسد من أصله، لأن عدم المنع من طرف الشارع في ترك الواجب لا يوجب التكليف بما لا يطاق، لتمكن المكلف من الإتيان به و حكم العقل باللابدية، فيصح العقاب على ترك الواجب حينئذ.
كما لا وجه للتفصيل بين السبب و غيره بدعوى وجوبها في الأول و عدمه في الأخير، لأن المسبب بدونه غير مقدور، و التكليف إنما توجه بالسبب، و ذلك لأن القدرة بالواسطة تكفي في توجّه التكليف، مع أنه ليس بتفصيل في وجوب المقدمة و إنما هو قول بتوجّه الوجوب النفسي إلى السبب فقط.
و كذا لا وجه للتفصيل بين الشرط الشرعي و غيره بالوجوب في الأول دون الأخير، بدعوى: أنه لو لا وجوبه شرعا لما جعله الشارع شرطا. فإنه باطل أيضا.
أما أولا: فلأنه مستلزم للدور.
و ثانيا: أن مناط المقدمية توقف ذي المقدمة عليها و دخالة المقدمة في ذيها، بلا فرق بين كون منشأ التوقف و الدخل عقليا أو شرعيا أو عرفيا.
ثم إنه يمكن جعل النزاع في مطلوبية المقدمة شرعا و عدمها من المنازعة اللفظية، فمن قال بالمطلوبية فيها أي المطلوبية الفعلية في ما إذا كان ملتفتا إليها تفصيلا، أو متوجها إليها كذلك، و من قال بالعدم أي في صورة الغفلة المحضة عنها بلا فعلية للطلب حينئذ، فتتحقق اللابدية العقلية فقط.

مقدمة المندوب و الحرام‏

أما مقدمة المندوب فإنها مندوبة بعين ما تقدم في مقدمة الواجب، بلا فرق في المطلوبية العرضية التي تكون للمقدمة بين مراتب الطلب، شديدا كان أم ضعيفا.
و أما مقدمة الحرام فلا ريب في الفرق بينها و بين مقدمة الواجب و المندوب، لأن انتفاء إحدى المقدمات في الاولى يوجب عدم التمكن للمكلف من ذي المقدمة، حيث أن المطلوب فيه الترك و هو يحصل بترك إحدى المقدمات بعكس الأخيرتين، لتوقفهما على إتيان جميع المقدمات، إذ المطلوب فيهما الفعل و هو متوقف على إتيان كل ما له دخل في التحقق. فتحرم إحدى مقدمات الحرام لا بعينها بناء على الملازمة، فلو أتى بجميع مقدمات الحرام إلّا إحداها فترك الحرام، لم يأت بحرام غيري أبدا، لعدم تحقق ذي المقدمة، بل و لم يفعل ما يوجب التجري أيضا، لأن مورده إنما هو في ما إذا كان الفعل حراما اعتقادا و حلالا واقعا.
و في المقام لم تتحقق الحرمة الاعتقادية و لا الواقعية، و لا يبعد تحقق بعض مراتب التجري إن كان بانيا على إتيان الحرام على كل تقدير، فبترك‏ المقدمات، ينترك الحرام قهرا. هذا و قد ورد في الرشوة، و الربا، و الخمر ما يستفاد منه تعميم الحرمة الشرعية الغيرية لجملة كثيرة من مقدماتها، فراجع أبواب الوسائل عند تعرضه لها.

خاتمة البحث‏

قد ورد الثواب في جملة من مقدمات الواجبات أو المندوبات و هي كثيرة جدا. فإن قلنا بأن الثواب تفضل، و استحقاقه أيضا تفضل من اللّه يؤتيه بما يشاء على ما يشاء لمن يريد، كما هو المنساق من جملة من الآيات و الروايات- كما فصلنا الكلام في محله- فلا إشكال فيه، لأن تفضله تعالى غير محدود بحد، و لا يعلم منشأه إلا ذاته الأقدس، و حينئذ يسقط أصل البحث رأسا.
و إن قلنا: باختصاصه بالتكاليف النفسية العبادية، فيصح أن ينبعث الثواب من التكاليف النفسية العبادية إلى جميع مقدماتها، نظير ما ورد من أن اللّه تعالى يحفظ لصلاح الرجل أهله و جيرانه و أهل قريته، و في سياق هذا المعنى آيات و روايات كثيرة جدا، و هذا هو المرجو من سعة فضل اللّه غير المتناهي، فيكون التكليف النفسي من الواسطة في الثبوت لثواب جميع مقدماته، سواء أتى بالتكليف النفسي، أو منع عنه مانع شرعي.
قال تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ …، و قد ورد في أبواب السعي في قضاء حاجة المؤمن من الثواب و لو لم تقض الحاجة، و المشي الى الحج، و زيارة الحسين عليه السّلام و لو منع عن حصول المقصود مانع.
و لا يبعد حصول المبغوضية من بعض المحرمات النفسية إلى مقدماتها في الجملة أيضا، حصل الحرام النفسي أو لم يحصل، كما يشهد به الوجدان.
هذا كله لو لم تكن مقدمات الواجبات و المندوبات بنفسها مطلوبة بالذات و لم تكن مقدمة مبغوضة كذلك، و إلا فترتب الثواب و العقاب معلوم لا شبهة فيه.
ثم إنه لا إشكال في حرمة السفر لغاية محرّمة و وجوب الإتمام في مثل هذا السفر و ليس ذلك مبنيا على حرمة مقدمة الحرام، بل لأجل دليل مخصوص، كما فصلناه في المهذب، فراجع.

 تمهيد

هذه المسألة أيضا من المسائل الاصولية العقلية غير المستقلة بناء على الملازمة،أو المقدمية.و أما بناء على أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده،أو أن النهي عن الضد جزء مدلوله،أو من لوازمه العرفية المتوقفة على الاستظهار من الأدلة،فتكون من مباحث الألفاظ.

و حيث أن الأولين باطلان،و الأخير يرجع بالآخرة إلى الملازمات العقلية، بل من بعض مراتبها،جعلناها من العقليات غير المستقلة.

ثم إن المراد بالاقتضاء في كلماتهم أعم من العينية و الجزئية و اللزوم مطلقا،إذ قال بكل قائل،فلا بد أن يكون مورد النزاع مجمع الأقوال.

كما أن المراد بالضد مطلق المعاند و المنافي،أي الضد العرفي لا خصوص الضد الاصطلاحي الحكمي،فيشمل الترك الذي يعبّر عنه بالنقيض.

و الضد الخاص،كالضدين اللذين لا ثالث لهما،و القدر المشترك بين الأضداد الوجودية الذي اصطلحوا عليه بالضد العام.

 الأقوال في المسألة
 1-الترك:

فقد قيل فيه-الذي يعبّر عنه بالنقيض-بأن الأمر بالشيء عين النهي عنه بالمطابقة.و لكنه مردود بانتفاء العينية-لا المفهومية و لا الخارجية-وجدانا فيكون من مجرد الدعوى بلا دليل.

و قيل:بأنه جزء مفهومه فيدل عليه بالدلالة التضمنية،و فيه ما سبق تحقيقه من أن الوجوب بسيط لا تركب في حقيقته.و إنما هو في مقام شرح الاسم تسهيلا للأفهام،فجعلوا المركب مشيرا إلى العنوان البسيط،و كم له نظير عقلا و عرفا،لا أن يكون التركب في مرتبة الذات و الحقيقة،كما لا يخفى على ذوي البصيرة.

و عن جمع أنه بالملازمة،لأن طلب الشيء يلازم مبغوضية تركه،و هذا وجه حسن ثبوتا و إثباتا.

 2-الضد العام و الخاص: و قد استدل على الاقتضاء فيهما بوجهين:
الوجه الأول:عن جهة الملازمة،و دليلهم

مركب من مقدمات ثلاث:

أولاها:وجوب كل ضد ملازم لعدم الضد الآخر فيما لا ثالث له،و عدم الأضداد الأخر فيما له ثالث،و هذه المقدمة من الواضحات التي لا ينكرها أحد.

ثانيتها:المتلازمان متحدان في الحكم،فلو كان أحدهما واجبا يكون الآخر أيضا كذلك،لاقتضاء التلازم ذلك،فإذا كانت إزالة النجاسة عن المسجد واجبة نفسية ذاتية فورية،يكون ترك الصلاة الملازم لها أيضا واجبا نفسيا ذاتيا، لمكان الملازمة بينهما خارجا.

ثالثتها:تقدم أن وجوب الشيء ملازم لمبغوضية نقيضه،فإذا كان ترك الصلاة الملازم مع وجود الإزالة واجبا نفسيا ذاتيا فوريا،يكون فعل الصلاة مبغوضا و حراما،لأن الفعل نقيض الترك و بديله بالوجدان فتفسد لا محالة،لأن مبغوضية العبادة عبارة اخرى عن فسادها،كما لا يخفى.

فالنتيجة أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده-خاصا كان الضد أو عاما-.

و يرد على هذا الاستدلال:بأن المقدمة الاولى و الأخيرة و إن كانت صحيحة إلا أن المقدمة الثانية باطلة،إذ لا دليل من عقل أو نقل على أن التلازم الوجودي بين المتلازمين موجب للتلازم الحكمي أيضا بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

نعم،لا يصح اختلافهما في الحكم الفعلي،و لكن يصح أن لا يكون الملازم محكوما بحكم فعلي ظاهري أبدا.

و ما يقال:من عدم جواز خلوّ الواقعة من الحكم،إنما هو بالنسبة إلى الحكم الواقعي النفس الأمري دون الظاهري الفعلي.نعم،لو كانت الملازمة موجبة لتحقق المصلحة أو المفسدة في اللازم فلا ريب في كونه موجبا للمشاركة في الحكم،و بذلك يمكن أن يجعل النزاع لفظيا،فمن قال بأن التلازم يوجب الاتحاد في الحكم،أي في ما إذا أوجب وجود الملاك للحكم أيضا. و من قال بالعدم،أي فيما إذا لم يوجب ذلك.

و الحاصل:أن في مورد الملازمة الوجودية إما أن يكون التلازم الوجودي موجبا لوجود مناط الحكم في اللازم أو لا،و على الثاني إما أن يكون اللازم محكوما بخلاف حكم ملازمه فعلا،أو لا حكم له ظاهرا،أو تكون الملازمة موجبة للحكم بلا ملاك.

و الأول صحيح لا بأس به.و الثاني باطل.و الثالث لا بأس به.و الأخير باطل،لبطلان الحكم بلا ملاك.

 الوجه الثاني:من جهة مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر

،و قد تشتّت أقوالهم في ذلك.

1-فمن قائل بأن ترك أحدهما مقدمة لوجود الآخر،و بالعكس.

2-و عن آخر أن ترك أحدهما مقدمة لوجود الآخر من دون عكس.

3-و عن ثالث عكس ذلك.

٤-و عن رابع التفصيل بين الضد الموجود خارجا،فيتوقف وجود الآخر على رفعه،و في غير هذه الصورة توقف في البين رأسا.

و هذه الأقوال كلها باطلة لا يمكن المساعدة عليها بوجه.

أما الأول:ففساده غني عن البيان،لأنه دور واضح بالعيان،إلا أن يقال:بأن التوقف من طرف الوجود فعلي،و من طرف الترك-الذي هو ضد العدم-شأني اقتضائي،إذ لا عليّة و لا معلولية في الأعدام،كما ثبت في محله-فلا محذور في هذا النحو من الدور-بل التعبير بالاقتضاء أيضا باطل،لأن هذه التعبيرات من شئون الوجوديات،و لا حظ للأعدام فيها بوجه.

و يمكن أن يقال:إن هذا صحيح في العدم المطلق و المقام من عدم الملكة،مع أنه لا ينافي أصل التوقف في الجملة،و إن لم تصح بعض التعبيرات بالنسبة إلى العدم.

و حق القول أن يقال:إن وجود أحد الضدين في ظرف عدم الآخر،و عدم الآخر في ظرف وجود ضده من قبيل القضية الحينية الحقيقية،و هذا حق لا ريب فيه؛و لكنه لا ربط له بالمقدمية أصلا،هذا إذا اريد بالترك العدم.و إن اريد به الأمر الوجودي-الذي هو فعل اختياري للنفس-فلزوم الدور لا مدفع له.

و أما القول الثاني-و هو كون ترك أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر من دون عكس-فقد استدل له بأن عدم المانع من أجزاء علة الشيء،و لا ريب في أن العلة بأجزائها و جزئياتها من مقدمات المعلول،و مقدمة الواجب واجبة فيكون فعلها حراما،لما تقدم من الملازمة بين وجوب الشيء و حرمة نقيضه.

فالنتيجة أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده من جهة المقدمية.

و اشكل عليه بوجوه..

الأول:أن العدم لا يصلح لأن يكون منشأ لتحقق الشيء،فلا وجه لمقدمية عدم المانع.

و فيه:أنه لم يقل أحد بصدور الوجود من العدم،بل المقصود أن عدم المانع من شرائط قابلية المحل لوجود أحد الضدين،و عدم المانع ليس من العدم المطلق حتى لا يصلح لشيء أبدا،بل هو من عدم الملكة القابل لمثل هذه الامور باعتبار ملكته المضاف ذلك العدم إليها.

الثاني:أنه لا مانعية لوجود أحد الضدين عن الضد الآخر حتى يكون ترك أحدهما مقدمه لوجود الآخر،لأن وجود أحد الضدين مستند إلى إرادة فاعلة.و مع تحققه لا يكون المحل قابلا لوجود الضد الآخر،و عدم قابلية المحل لهما من اللوازم الذاتية للمحل،و الذاتي لا يتخلف و لا يعلل.

الثالث:ما عن الكفاية من منع المقدمية حتى بناء على التمانع بين الضدين أيضا،إذ لا منافاة بين أحدهما و وجود الآخر،بل بينهما كمال الملاءمة و المعية الخارجية،كما في عدم أحد النقيضين مع وجود الآخر بلا تقدم و لا تأخر حتى يكون ترك أحدهما مقدمة لوجود الآخر.

و فيه:أنه على فرض التمانع و أن عدم المانع له دخل في وجود الضد يكفي في المقدمية التقدم الرتبي العقلي،و هو يجتمع مع المعية الخارجية،كما في العلة التامة مع المعلول.

الرابع:بأنه على فرض تسليم التمانع و تسليم مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الآخر،لا وجه لعروض الوجوب المقدمي من وجود الضد إلى ترك ضده،لما تقدم من أن مورد عروض الوجوب المقدمي إنما هو صورة تعدد وجود المقدمة مع وجود ذيها خارجا،و لا تعدد كذلك في المقام،فهو مثل الأجزاء الداخلية التي تقدم عدم اتصافها بالوجوب المقدمي.

الخامس:ما عن بعض الأعاظم من أنه من الدور الباطل،فإنه لو توقف وجود أحد الضدين على ترك الآخر توقف الشيء على عدم مانعة،لتوقف عدم الآخر عليه توقف الشيء على العلة التامة،فيثبت التوقف من الطرفين إلا أنه من أحدهما على نحو العلية التامة و من الآخر بغيرها،و لا ينافي ذلك أصل التوقف في الجملة الذي هو مناط تحقق الدور الباطل.

و فيه:أن عدم الآخر لا يستند إلى وجود ضده؛بل يستند إلى عدم إرادته مع إرادة ضده،و يكفي في عدم إرادته الإجمال و الارتكاز بلا احتياج إلى الالتفات التفصيلي،فيكون عدم إرادته منطويا في إرادة ضده من دون احتياج إلى إرادة مستقلة،كانطواء إرادة إجمالية في إرادة تفصيلية مما هو كثير شائع.

ثم إنه بعد بطلان أصل المقدمية رأسا يظهر بطلان القول الثالث،و هو مقدمية وجود أحد الضدين لترك الآخر من دون عكس،كظهور بطلان التفصيل بين تحقق الضد فيتوقف وجود الضد الآخر على رفعه،و بين فراغ المحل عن الضدين،فلا توقف في البين لابتناء ذلك كله على ثبوت المقدمية في الجملة، و قد أثبتنا بطلان المقدمية مطلقا،فلا يبقى موضوع لهذه الأقوال رأسا.

كما اندفع بما ذكر الشبهة المنسوبة إلى الكعبي أيضا حيث قال في تقرير الشبهة:

إن ترك الحرام متوقف على فعل من الأفعال فيكون إتيان ذلك الفعل مقدمة له،و ترك الحرام واجب،و مقدمة الواجب واجبة فيلزم من ذلك انتفاء المباح.

وجه الدفع..أولا:ما أثبتناه من نفي المقدمية رأسا،فلا موضوع لأصل الشبهة.

و ثانيا:أنه يكفي في ترك الحرام وجود الصارف عنه،بأي وجه اتفق من جهة دينية أو دنيوية مطلقا.نعم،لو انحصرت علة ترك الحرام في فعل من الأفعال على نحو العلية التامة المنحصرة لا ريب في وجوب ذلك الفعل حينئذ.

و الحاصل:أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده مطلقا،لا بنحو الملازمة و لا بنحو المقدمية.

 ثمرة البحث في مسألة الضد

و هي فساد العبادة التي تكون ضدا لواجب أهم بناء على الاقتضاء،فيكون تركها مقدمة للواجب الأهم،فيجب ترك العبادة من باب المقدمة فيكون فعلها محرما،لما مرّ من الملازمة العرفية بين وجوب الشيء و حرمة تركه،و يأتي أن النهي في العبادة يوجب الفساد فتفسد العبادة لا محالة،هذا بناء على الاقتضاء.

و أما بناء على عدم الاقتضاء-كما أثبتناه-فلا وجه للفساد أصلا،بل و كذا بناء على الشك في الاقتضاء و عدمه،لأصالة الصحة،و عدم المانعية في العبادة التي يكون تركها مقدمة لإتيان الواجب الأهم،مع أنه قد أثبتنا عدم الاقتضاء و استقرت عليه آراء المحققين،فيسقط أصل هذه الثمرة،لبطلان أصل المبنى و سقوطه.

و عن الشيخ البهائي قدّس سرّه بطلان الثمرة تخصصا،فقال:إن الثمرة إنما تتصور في العبادة المأمور بها عند ابتلائها بمزاحمة الضد الأهم،و هو غير ممكن لعدم إمكان صدور الأمر بالضدين من العاقل فضلا عن الحكيم تعالى،فتبطل العبادة من حيث عدم الأمر،فلا تصل النوبة إلى القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده أولا،و لا إلى أن النهي في العبادة يوجب الفساد،لأن كل ذلك مبني على إمكان تحقق الأمر للعبادة المبتلاة بالضد الأهم،و هو غير ممكن،و الاستدلال للبطلان بعدم المقتضي للصحة أولى من الاستدلال بوجود المانع عنها،كما لا يخفى.

و يرد عليه أولا:إمكان تصحيح العبادة المبتلاة بالضد الأهم لأجل الملاك،فلو سلّم عدم الأمر للتضاد فلا وجه لزوال الملاك و لا موجب له،إلا احتمال أن سقوط الأمر كاشف عن سقوطه أيضا،و هو باطل،لأن الملاك ليس معلول الأمر،بل الأمر معلول له،فسقوط المعلول لا يكشف عن سقوط العلة،

كما هو واضح.

و ما يقال:إنه لا يصح التقرب بالملاك مع النهي بناء على الاقتضاء.

نقول:إن النهي المانع عن صحة التقرب ما إذا كان تعلّقه بالعبادة بحسب الذات لا بالعرض،و المقام من الثاني دون الأول،إذ النهي تعلّق بترك الأهم، و حيث أن المهم ملازم خارجا مع ترك الأهم،يصير مورد النهي بالعرض لا بالذات.و بعبارة اخرى:النهي في المقام من باب الوصف بحال المتعلق لا الذات،و لا دليل على كون مثل هذا النهي موجبا للفساد،بل مقتضى الأصل عدمه.

و ثانيا:بإمكان إثبات الأمر بالضدين على نحو الترتب،كما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

 الترتب

لم يكن لبحث الترتب في كلمات القدماء عين و لا أثر،و إنما حدث عند متأخري المتأخرين و قد كتبت فيه رسائل،و كانت المسألة نظرية و كان الغالب على الكلمات الامتناع.و لكن المعروف في هذه الأعصار و ما قاربها الجواز.

و الترتب:عبارة عن صحة تصوير أمرين فعليين بالضدين-الأهم و المهم -في آن واحد-و هو آن قبل الإتيان بالمهم-و صلاحية كل منهما للداعوية، فيصح إتيان كل منهما فعلا بداعي الأمر الفعلي،و يتحقق الامتثال حينئذ،كما في سائر الموارد التي يمتثل فيها الأمر مع عدم تزاحم في البين.

و النزاع في الترتب إنما هو في مقام الامتثال و قدرة المكلف فقط،لا في مقام الجعل و الثبوت،إذ لا إشكال من أحد في صحة جعل المتزاحمين خطابا و ملاكا.فيصير أصل هذه المنازعة لفظيا،فمن يثبت قدرة المكلف على الامتثال يقول بوقوع الترتب لا محالة،و لكنه معترف بالامتناع مع عدم القدرة،و من يثبت عدم القدرة على الامتثال لا مناص له إلا القول بالامتناع،و هو معترف بالوقوع مع القدرة.

 شروط الترتب:

يعتبر في صحة الترتب و وقوعه امور،و مع اختلال أحدها لا يبقى موضوع للصحة فضلا عن الوقوع،و هي:

الأول:وجود الملاك في كل واحد من المتزاحمين ثبوتا،و تمامية الحجة

على كل واحد منهما إثباتا،لما مرّ من أن المانع-على فرض تحققه-إنما هو منحصر بمرحلة قدرة المكلف على الامتثال.هذا مضافا إلى إجماع المجوزين و المانعين على اعتبار هذا الشرط.

الثاني:كون الأهم مضيّقا،سواء كان المهم أيضا كذلك أو لا،و سواء كان التضييق من جهة الملاك الذاتي-كإنقاذ الغريق-أو من جهة فورية الخطاب فورا ففورا،كإزالة النجاسة عن المسجد-مثلا-و الوجه في اعتبار هذا الشرط معلوم،لأنه لو لم يكن الأهم مضيّقا و كان موسّعا لما كان تزاحم في البين،لقدرة المكلف على الجمع بين الامتثالين،فلا تصل النوبة لبحث الترتب.

الثالث:كون الضدين مما لهما ثالث،و ألا يكون فعل أحدهما في ظرف ترك الآخر من الامور التكوينية،و يكون الأمر به حينئذ من الشارع إرشاديا لا أن يكون مولويا،و مورد البحث في الترتب إنما هو اجتماع الأمرين المولويين في آن واحد.

الرابع:انحصار مورد البحث بمرحلة قدرة المكلف فقط من دون أن يكون في البين مانع آخر من موانع التكليف،لأنه لا موضوع للخطاب مع وجود مانع عنه في البين،فلا يفرض اجتماع الخطابين في آن واحد حتى يتحقق موضوع الترتب.

الخامس:كون الأهم و المهم متعددين وجودا على ما هو المعلوم من كلماتهم،فلا يكون مورد تداخل الأغسال،و اجتماع الأمر و النهي-بناء على الجواز-من موارد الترتب،لفرض اتحاد الوجود في متعلق الخطاب فيهما.

السادس:إمكان فرض إطلاق خطاب الأهم و تقييد خطاب المهم بترك الأهم،و إلا فمع فرض بقاء إطلاق الخطابين من كل جهة،فلم يقل أحد بالجواز حينئذ.

و إذا تمت هذه المقدمات،فالبحث في جواز الترتب..

تارة:بحسب الدليل العقلي.

و اخرى:بحسب الاستظهار الصناعي الاصولي.

و ثالثة:بحسب الاعتبار العرفي.

أما الأول:فالمقتضي للجواز-و هو الملاك و الخطاب-موجود،و المانع عنه مفقود،فلا بد من الوقوع حينئذ،لأن ما يتوهم من المانعية امور تأتي الإشارة إليها في أدلة المانعين مع دفعها.

و أما الثاني-و هو الاستظهار الاصولي-فإن كان الخطابان عرضيين من كل جهة فلا ريب في الامتناع،و أما إذا كانا طوليين،أي كان خطاب المهم مشروطا بترك الأهم و لو عصيانا،فأي امتناع فيه حينئذ،لأن القدرة الطولية موجودة وجدانا،فأي امتناع في أن يقال:أزل النجاسة عن المسجد و صلّ،و إن تركت الأول عصيانا لا تترك الثاني بجعل الجملة الأخيرة بيانا لكيفية صدور الأمرين.

و أما الثالث:فالمحاورات العرفية أصدق شاهد على الصحة و الوقوع، يقول المولى:اسقني الماء و افرش سجادتي،و إن عصيتني في الأول فلا تعصني في الأخير.

إن قلت:لا ريب في الإمكان و الوقوع في مثل ما ذكرت من المثالين، لوقوع الاشتراط اللفظي فيه،فيدفع بذلك محذور الامتناع.

أقول:بعد ما جعلنا من المقدمات كون خطاب الأهم مطلقا و خطاب المهم مشروطا بتركه و لو عصيانا،فأي فرق بين الشرط اللفظي حينئذ و الشرط الواقعي السياقي العقلي في حاق الواقع صونا للكلام عن القبح و اللغوية،فإن مدار جميع هذه الامور على إمكان التصرفات العرفية المحاورية،فيصح بكلما أمكن للتصحيح طريق عرفي،بل العقلي إن أمكن بالدقة العقلية طريق للتصحيح،و ذلك لفرض أنهم أخرجوا المسألة عن العرفيات و أدخلوها في الدقيات.

 الكلام في جواز الترتب

و استدلوا على امتناع الترتب بوجوه:

 الأول:أنه من طلب الضدين و هو ممتنع عقلا و قبيح

فيكون محالا بالنسبة إلى الشارع،لاستحالة صدور المحال منه تعالى.

و فيه:أنه طرد لطلب الضدين،لا أن يكون جمعا بينهما في الطلب،لما مرّ من كون المهم مشروطا بعصيان الأهم،فكيف يكون حينئذ طلبا للضدين؟!

و القول:بأن المشروط يصير مطلقا بعد تحقق شرطه،فيعود المحذور من الجمع في الطلب بين الضدين و عدم قدرة المكلف على الامتثال.

مدفوع:بأن المكلّف إن كان عاصيا في خطاب الأهم،كيف لا يكون قادرا على امتثال المهم،سواء كان خطاب المهم مطلقا أو لم يكن كذلك،و مع أنه لا إطلاق في الخطابين من كل جهة بل خطاب المهم ثبوتا مشروط بترك الأهم،فلا يكون الخطابان من الجمع في طلب الضدين.

إن قلت:الأمر بالمهم و إن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لفرض اشتراطه بعصيانه،و لكن الأمر بالأهم موجود في مرتبة الأمر بالمهم بداهة ثبوت المطلق في المشروط،و تحققه فيه كتحقق المقسم في الأقسام،فيلزم الجمع في الطلب بين الأمرين و الضدين و عدم قدرة المكلف عليه،كما لا يخفى.

قلت:مرتبة عصيان الأمر بالأهم و مخالفته غير مرتبة المهم،فلا اجتماع للأمرين في تلك المرتبة،و على فرض الاجتماع لا مانع من الجمع بين الأمرين و طلب الضدين إلا عدم قدرة المكلف على امتثالهما،و مع عصيان المكلف للأمر بالأهم،لا ريب في قدرته على إتيان الأمر بالمهم،فقد أقدر المكلف نفسه على الامتثال بعصيان أمر الأهم،و الوجدان يحكم بأنه حين امتثال الأمر بالمهم قادر عليه و عاص للأهم،فيكون مجمع العنوانين فعلا،و لا محذور فيه.

فآنات امتثال أمر المهم آنات عصيان الأهم،و بالعصيان تحقق القدرة للأمر بالمهم فتثبت فعليته لا محالة،إذ لا مانع في البين إلا من ناحية القدرة،

و المفروض أنه أقدر نفسه على الامتثال بالعصيان فارتفع المحذور.

فالأقسام في الأمر بالضدين ثلاثة:عصيانهما معا،و عصيان أحدهما و إطاعة الآخر،و إطاعتهما معا في آن واحد،و العقل حاكم بإمكان الأولين و امتناع الأخير،و الترتب المبحوث عنه في المقام من الثاني لا الأخير،فلا وجه لتوهم الامتناع.

إن قلت:هذا إذا كان عصيان الأمر بالأهم آنيا،كما في الغريق المشرف على الهلاك،فإن عصى و لم ينقذه و شرع في الصلاة فمات الغريق.

و أما إذا كان تدريجيا فلا يتحقق العصيان إلا بعد الفراغ من المهم،فلا يتحقق شرطه حين الاشتغال بإتيانه،فلا يثبت موضوع الأمر حينئذ بالنسبة إليه أصلا،لفرض أن موضوعه عصيان أمر الأهم و المفروض عدم تحققه إلا بعد الفراغ من المهم.

قلت:في كل آن من آنات إتيان المهم عصيان ترك الأهم فهو منبسط على جميع الآنات انبساط الظلمة على الساعات،لفرض وجوبه فورا ففورا،ففي كل آن عصيان فعلي و مخالفة عملية للأهم و يتحقق بذلك موضوع أمر المهم،مع إمكان أن يكون الشرط عزم المكلف على العصيان،و كونه في مقام الهتك و العصيان،كما يجوز جعل العصيان الخارجي على نحو الشرط المتأخر شرطا للأمر بالمهم.و تقدم أنه لا محذور في الشرط المتأخر في الاعتباريات،شرعية كانت أو عرفية.

 الثاني:-مما استدل به على امتناع الترتب-أن جوازه مستلزم لتعليق وجوب المهم على إرادة المكلف و اختياره،فيلزم خروج الواجب عن وجوبه

لأنه إن اختار ترك الأهم يجب المهم،و إلا فلا يجب،مع أنه من تعليق الواجب على العصيان و مستلزم لتعدد العقاب عند تركهما معا،و هو بعيد عن ساحته تعالى.

و يمكن المناقشة فيه:أما تعليق الوجوب على الاختيار و العصيان فكثير في الفقه،كتعليق وجوب القضاء على ترك الأداء و عصيان أمره،و كتعليق الكفارات على ارتكاب المحذورات في الصوم و الإحرام و غيرهما مما هو كثير.

و أما الأخير فيمكن أن يقال بفعلية عقاب الأهم و تداخل عقاب المهم فيه عند تركهما معا،و لا محذور فيه من عقل أو شرع،فيكون منشأ إمكان تعدد استحقاق العقاب إمكان تعدد الخطاب حقيقة أو اعتبارا أو انحلالا،كما في الواجبات الكفائية.هذا بحسب القواعد،و أما التفضلات الإلهية على عبيده فهي أمر خارج عن درك عقولنا.

ثم إنه قد اعترف القائلون بامتناع الترتب بإمكانه و وقوعه في العرفيات، و هذا تهافت منهم من حيث لا يشعرون،فإن أدلة الشرعيات منزلة على العرفيات،و الدقيات العقلية بمعزل عن الشرعيات،كما هو أوضح من أن يخفى على الأصاغر فضلا عن الأكابر.

 الثالث:أنه على فرض صحته و إمكانه ثبوتا،فالأدلة قاصرة عن إثباته

لأنه خلاف المتفاهم العرفي المنزلة عليه الأدلة الشرعية،إذ ليس كل ما هو ممكن ذاتا بواقع خارجا.

و فيه:أن الترتب من المداليل السياقية،نظير المفاهيم،و الجمع العرفي عند أهل المحاورة،و إذا اعترف من ذهب إلى امتناع الترتب شرعا بوقوعه عرفا، فلا وقع لهذا الاستدلال أصلا.

فإذا ورد خطاب مطلق بالأهم و كذا بالنسبة إلى المهم،و تحققت شروط التزاحم،فإما أن يسقطا معا،أو يسقط الأهم دون المهم،أو يكون بالعكس،أو يثبتان معا.

و الأول باطل عند الكل،و الثاني ترجيح المرجوح على الراجح،و الثالث إسقاط لأحد الخطابين بلا وجه مع إمكان إبقائه،فيكون المتعين هو الأخير عقلا و عرفا.

ثم إنه يكفي في تأخر الامتثال عن الأمر،و كذا تأخر عصيانه عنه،التأخر الرتبي فقط.و لا يعتبر التأخر الزماني،لعدم دليل عليه،بل مقتضى الأصل عدم اعتباره،فيكون أول آن الشروع في امتثال المهم و عصيان الأهم رتبة ثبوت الأمرين معا،فتتحقق الإطاعة و العصيان في الرتبة المتأخرة قهرا،فيصح أن يكون عصيان أمر الأهم شرطا مقارنا للأمر بالمهم،أو البناء على العصيان شرطا متقدما،أو تحققه خارجا شرطا متأخرا،و الكل صحيح لا بأس به.

هذه خلاصة الكلام في الترتب.

القسم الأول: النهي في العبادة
 تمهيد:

يمكن جعل هذا المبحث كلاميا إن كان مورد البحث هكذا:«المفسدة في الشيء تسقطه عن صلاحية التقرب به إلى المعبود».كما يمكن أن يجعل فقهيا إن كان هكذا:«في العبادات المحرمة تجب الإعادة أو القضاء».كما يصح جعلها من الملازمات غير المستقلة الاصولية إن عنون هكذا:«كل عبادة منهي عنها فاسدة عقلا».و القوم جعلوه من الأخير،و حيث لم يعقدوا في الاصول بحثا مستقلا للملازمات أدرجوه في مباحث الألفاظ.

و كيف كان،فهذا البحث إنما يجري في مقام الثبوت و الإثبات معا،فعلى الأول يبحث عن أنه هل يكون ملازمة واقعية بين النهي عن العبادة و فسادها؟ و على الثاني هل يدل النهي بإحدى الدلالات المعتبرة اللفظية على فساد مورده إن كان عبادة؟و لا وجه للاختصاص بالأخير-كما عن الكفاية-بدعوى أن في جملة الأقوال قولا بدلالة النهي على الفساد مع إنكار الملازمة رأسا،فلأجل شمول مورد البحث لهذا القول لا بد من الاختصاص.و ذلك لأن القول الذي ثبت فساده بالدليل لا وجه لتغيير عنوان البحث لأجله.

و هذا البحث مغاير مع بحث اجتماع الأمر و النهي عنوانا و عرفا و دقة،لأن البحث في المقام في أن النهي بعد تعلّقه بالعبادة يوجب فسادها؛و في مسألة الاجتماع في أن النهي هل يتعلق بالعبادة مع تعدد الجهة أو لا؟فالفرق بين البحثين ظاهر،و تقدم في أول مسألة الاجتماع.فراجع.

 و لا بد من التنبيه على امور:
الأول: إطلاق النهى يشمل جميع أقسامه الكلام فى النهى التبعي

إطلاق النهي يشمل كل ما يسمى نهيا نفسيا كان-كالسجود للصنم-أو غيريا،كقوله عليه السّلام:«لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه»،أصليا كان-كما في المثالين المتقدمين-أو تبعيا،كما في مورد ترك الأهم و الإتيان بالعبادة في ظرف الترك،بل و كذا النواهي التنزيهية أيضا إن فرض تعلّقها بذات العبادة،و لكنه فرض غير واقع،لأن النواهي التنزيهية متعلّقة بالجهات الخارجة عن ذات العبادة،لتقوم العبادة بالرجحان الذاتي،عرفا و شرعا و عقلا.

و لكن اتفاق الفقهاء على صحة العبادات و المعاملات المكروهة،و سيرة المتشرعة عليها،يخرج النواهي التنزيهية عن مورد البحث مطلقا،فيختص مورده بخصوص النهي التحريمي.

ثم إن دخول النهي التبعي مبني على كونه موجبا لسقوط العبادية خطابا و ملاكا،و إلا فمع بقاء الملاك يمكن تصحيح العبادة به بناء على الترتب،كما مر.

 الثاني: المراد بالعبادة و اقسامها

المراد بالعبادة ما هو المرتكز في الأذهان-المعبّر عنها في الفارسية ب‍(پرستش)-أي الوظائف التي يتقرب بها إلى اللّه تعالى،سواء كان ذلك من لوازمها الذاتية،كالسجود،و قراءة القرآن،و الدعاء و نحوها مما يكون قصد الخلاف مانعا عن صحتها،لا أن يكون قصد القربة معتبرا فيها،أو متقومة بقصد القربة،كالصلاة و الصوم و الحج و نحوها،و يطلق على هذين القسمين العبادة(بالمعنى الأخص)في اصطلاح العلماء،و هذا هو مورد البحث في المقام.

و قد تطلق العبادة على ما يمكن أن يقصد بها التقرّب إليه عزّ و جلّ، و يطلق عليها العبادة(بالمعنى الأعم)،فيشمل جميع المباحات و المندوبات التوصلية،بل ترك المحرمات أيضا،لإمكان قصد التقرب بالجميع،و ترتب الثواب عليه،كما تطلق المعاملات تارة على خصوص العقود و الإيقاعات، و اصطلح عليها بالمعاملات بالمعنى الأخص،و اخرى على ما يقابل العبادات بالمعنى الأخص،فيشمل الجميع،أي كلما لم يكن عبادة بالمعنى الأخص، و هذا هو المراد من قولهم في المقام،النهي في المعاملة لا يوجب الفساد،كما ستعرف.

 الثالث: النسبة بين الصحة و الفساد و كونهما من الأمور الاعتبارية الاضافية

الصحة و الفساد من الاعتباريات الإضافية تنتزعان من مطابقة الشيء لما هو المطلوب منه و مخالفته له،و يطلق عليهما التمامية و عدمها،و لا يختصان بالمجعولات الشرعية أو العرفية،بل تجريان في التكوينيات أيضا، و حيث أنهما من الامور الإضافية فيمكن أن يتصف شيء واحد بالصحة و الفساد بالنسبة إلى شخصين،بل بالنسبة إلى شخص واحد من جهتين و حالتين.

 الرابع: كيفية تعلق النهي بالشىء

النهي إما أن يتعلّق بذات العبادة،كقوله تعالى: لاٰ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاٰ لِلْقَمَرِ.  أو بجزئها،كقوله عليه السّلام:«لا تقرأ العزيمة في المكتوبة».أو شرطها،كقوله عليه السّلام:«لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه»،و يسري النهي في الآخرين إلى الذات أيضا عرفا،لأن التقرّب بالمشتمل على المبغوض مما يستنكر لدى العقلاء،هذا مع أن النهي بكلا قسميه-جزء كان أو شرطا-إرشاد إلى فساد المركب أو المقيد به،كما هو المعروف بين الفقهاء،فيكون فساد العبادة المنهي منها بقيدها من باب الوصف بحال الذات لا المتعلق،و هو مثل فساد العبادة المنهي عنها بذاتها من غير فرق،إلا أنه بحسب الدقة العقلية يكون من باب الوصف بحال المتعلّق،لكن الأدلة غير منزّلة عليها،كما هو معلوم.

و بهذا يمكن أن يجمع بين الكلمات،و قد تعرضنا للأمثلة في(مهذب الأحكام)في موارد شتى،كالرياء في جزء العبادة،و قراءة سورة العزيمة، و القرآن بين السورتين،و الزيادة العمدية و غير ذلك مما هو كثير،و الكبرى واحدة و إن تعددت الصغريات.

 الدليل على اقتضاء النهي في العبادات-الفساد

مما يشهد به وجدان كل عاقل أن التقرب إلى المعبود بما هو مبغوض و منفور لديه مستنكر و قبيح و باطل،فهذه المسألة مما يكفي نفس تصورها بالاستدلال عليها،و تكون من القضايا التي قياساتها معها.

و لو شك في المسألة الاصولية في أنه هل تثبت الملازمة بين النهي و الفساد ثبوتا؟فمقتضى الأصل عدم الثبوت بالعدم الأزلي،فإن العدم النعتي ليست له حالة سابقة،كما هو واضح،مع أن نفس الشك في الثبوت و عدمه يكفي في عدم الثبوت،فلا بد من قيام حجة معتبرة عليه،و إلا فمقتضى الأصل عدم الاعتبار،و كذا لو شك في دلالة النهي عليها في مقام الإثبات بإحدى الدلالات المعتبرة،فبالأصل الجاري في عدم الدلالة بالعدم الأزلي تنتفي تلك الدلالة،مع أن الشك في ثبوت الدلالة يكفي في عدمها،كما مرّ فتكون النتيجة في المسألة الاصولية مطلقا عند الشك فيها عدم إحراز الفساد،بلا فرق في ذلك بين العبادات و المعاملات،فيصح التمسك بإطلاقات الأدلة و عموماتها للصحة لو لم يكن التمسك بها من التمسك بالدليل في الموضوع المشتبه،لا سيما في العبادات-لما تقدم آنفا-من أن قبح التقرّب إلى المعبود بما هو مبغوض لديه من الامور الارتكازية لدى كل عابد.هذا حكم الأصل في المسألة الاصولية.

و أما الأصل العملي في المسألة الفقهية،فهي من صغريات الأقل و الأكثر في العبادات،فإن خروج معلوم الفساد عن الإطلاقات و العمومات أمر معلوم،و لكن خروج مشكوك الفساد غير معلوم.فمن قال في الأقل و الأكثر بالبراءة،يقول بها هنا أيضا،و من قال فيه بالاحتياط،يلزمه القول به في المقام.

لكن الشأن في جريان العمومات و الإطلاقات مع تلك القرينة المعهودة في الأذهان-التي تعرضنا لها-إلا أن يقال:إن القرينة إنما تجزي فيما إذا كان الفساد محرزا بالحجة المعتبرة،و لذا اشتهر أن النواهي التحريمية في العبادات مطلقا إرشاد إلى الفساد.

و أما إذا شك فيه لأجل جهة من الجهات فلا مجرى لتلك القرينة المعروفة في الأذهان،فتصل النوبة إلى الأصل حينئذ،بلا فرق بين الجزء و الشرط،لأن تقييد الذات بكل واحد منهما يوجب اتصاف الذات بالمبغوضية و إن أمكن التفكيك عقلا.نعم،لو كان شيء واجبا في العبادة من دون تقييدها به جزء أو شرطا فلا يوجب النهي عنه فسادها،لفرض عدم تقييد في البين،سواء كان ذلك الشيء عبادة أيضا،كوجوب صلاة الظهرين-مثلا-لمن كان صائما في شهر رمضان،أو لم يكن عبادة،كإزالة النجاسة عن المسجد لمن كان معتكفا فيه،فلو فسدت صلاة الصائم في شهر رمضان لا يضر بصومه،و كتسليم الأجنبي على الأجنبية التي تشتغل بصلاة الفريضة فردت عليه السلام في أثناء الصلاة، و قلنا إن صوت الأجنبية عورة.

إن قلت:نعم،و لكن الأصل في العبادات المشكوكة البطلان مطلقا،و قد اشتهر أن العبادات توقيفية لا بد من الاقتصار على المعلوم صحتها التي علم بصدورها من الشارع،فهي من هذه الجهة كالحجية،حيث أن مجرد الشك فيها يكفي في عدم الحجية،فلا يبقى موضوع حينئذ للتمسك بالإطلاقات و العمومات.

قلت:لا أصل لهذا الأصل من عقل أو نقل،و كون العبادات توقيفية مسلّم في الجملة،بمعنى أنها منوطة بجعل الشارع،و لكن بعد الجعل لا بد و أن يعمل فيما يشك في اعتباره فيها بالرجوع الى القواعد المعتبرة و الاصول المقررة،كما هي السيرة المعروفة عند الفقهاء.

إن قلت:إن مورد النهي في العبادة إما أن يكون نفس العمل من حيث هو،أو العمل مع قصد القربة.و الأول خارج عن مورد البحث،إذ لا عبادية ذاتية في غالب العبادات و إنما تكون عباديتها لأجل قصد القربة.و الثاني باطل من حيث التشريع،فلا يبقى موضوع لبحث أن النهي في العبادة هل يوجب الفساد أو لا؟

قلت أولا:أن هذه المغالطة لا تجري في ما إذا كانت عبادية العبادية ذاتية، كالسجدة،و قراءة القرآن،و الذكر و الدعاء و نحوها.

و ثانيا:أن متعلّق النهي إنما هو العمل مع قصد القربة،و الفساد ينتهي لا محالة إلى النهي و هو العلة الأولية الذاتية للفساد،و مع وجود العلة الذاتية لا وجه لاستناد الفساد إلى العلة العرضية و هو التشريع،لأن ما بالذات أولى بأن يعلل به، بل هو المتعين،لانتهاء العلة العرضية بالآخرة إلى الذاتية.

و الحاصل:أنه ليس في البين أصل عملي في المسألة الفرعية-عند الشك في أن النهي عن العبادة يدل على الفساد-أو لا يستفاد منه بطلان العمل و فساده،لكن مع تعلّق النهي بحجة معتبرة لا وجه للشك،لما ذكرناه من الارتكاز العرفي و الملازمة بين النهي عن العبادة و فسادها عند العقلاء،فيكون الشك في الفساد بعد تعلّق النهي من مجرد الفرض فقط.

 القسم الثاني:النهي في المعاملات
 النهي في المعاملات على أقسام ثلاثة:
الأول:أن يكون إرشادا إلى الفساد

،سواء تعلّق بالمنشإ في الإيقاعات، أو بأحد الطرفين في العقود،كإيقاعات الصبي و المجنون و عقودهما،أو بأحد العوضين في العقود،كبيع الخمر و الكلب مثلا.أو بالمورد في الإيقاعات،كالبطلان مع فقد الشرط مثلا.أو بمطلق التسبب،كبيع المنابذة و نحوها.

و لا ريب في الفساد حينئذ،لفرض أن النهي إرشاد إليه،كما إذا كان النهي الوارد في العبادة إرشادا إلى الفساد فإنه لا إشكال في فسادها،بلا فرق بين العبادات و المعاملات من هذه الجهة و في هذا القسم من النهي.

 الثاني:ما إذا كان النهي تكليفيا محضا

،كالنهي عن البيع في وقت النداء، و عن غسل الثوب المتنجس بالماء المغصوب،فلا ريب في الإثم لتحقق المخالفة،كما لا ريب في ترتب الأثر و عدم الفساد للإطلاقات و العمومات، و أصالة الصحة و عدم منشأ للفساد،لأن منشأه عدم صحة التقرّب بالمبغوض، و لا موضوع له في المعاملات أصلا،لعدم اعتبار قصد التقرّب فيها،فمقتضى أصالة الصحة و العمومات و الإطلاقات الصحة في جميع موارد الشك.

نعم،مقتضى أصالة عدم ترتب الأثر و عدم النقل و الانتقال هو الفساد لو لا العمومات و الإطلاقات،و أصالة الصحة،الدالة كل ذلك على النفوذ و الصحة.

و توهم:أن التمسك بالإطلاق و العموم فيها مع الشك،تمسك بالدليل في الموضوع المشكوك فيه.

مردود:بأن المناط في المعاملات صدق العنوان عرفا،و مع الصدق كذلك يصح التمسك بالدليل عند الشك في اعتبار شيء أو مانعية شيء شرعا، و مع عدم الصدق العرفي لا يجوز،و المفروض هو الأول.

 الثالث:ما إذا لم يستظهر من الأدلة أن النهي إرشاد إلى الفساد حتى يدل على البطلان

،أو تكليفي محض حتى لا يتحقق البطلان.و مقتضى الإطلاق و العموم و أصالة الصحة،عدم البطلان في هذا القسم أيضا،و المرجع في تعيين كون النهي تكليفيا محضا أو أنه إرشاد إلى الفساد،القرائن المعتبرة من نص أو إجماع معتبر.

ثم إنه قد يستدل للفساد بمطلق النهي التكليفي بالتعليل الوارد في نكاح العبد بدون إذن سيده:«بأنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده فإذا أجاز جاز». بدعوى:أنه يدل على أن في كل عقد أو إيقاع تحققت فيه معصية اللّه تعالى يكون باطلا.

و فيه:أن المراد بقوله عليه السّلام:«إنه لم يعص اللّه»أنه لم يرتكب ما لم يأذن به اللّه تعالى حتى يكون باطلا،كنكاح المحارم مثلا،فإن مقتضى الإطلاقات و العمومات أن كل نكاح مأذون فيه من الشارع إلا إذا قام الدليل على فساده بالخصوص.نعم،لا بد للعبد من الاستئذان من سيده في النكاح لأنه مملوك له، فحيث ارتكب العبد ما لا يأذن به سيده،يتوقف لزوم عقد نكاحه على إذن السيد و إجازته،فيكون مفاد الحديث أن العبد لم يتركب ما لم يأذن اللّه تعالى في صحة نكاحه-كنكاح المحارم-حتى يقع باطلا رأسا و لا ينفعه إذن السيد،و إنما ارتكب ما لم يأذن سيده،فإذا أذن نفذ،و يدل عليه صحيح ابن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه،أ عاص للّه تعالى؟قال عليه السّلام:

عاص لمولاه.قلت:هو حرام.قال عليه السّلام:ما أزعم أنه حرام».و المراد بالحرام الحرمة التي لا تزول برضاء السيد.

ثم إنه قد قيل:بدلالة النهي على الصحة،لأن تعلّقه بشيء لا بد و أن يكون بلحاظ أثره المترتب عليه،و الفساد لا أثر له.

و فيه:أنه إن أراد الصحة الفعلية من كل حيثية فبطلان هذا القول غني عن البيان في العبادات،بل و في المعاملات أيضا إن كان النهي إرشادا إلى الفساد.

و إن كان المراد الكشف عن الصحة لو لا النهي فهو حق لم يختلف فيه أحد.

و الحمد للّه رب العالمين تمّ الكتاب

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"