1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. ماقیل حول السید
  6. /
  7. معجم الألفاظ قرآنیة
  8. /
  9. باب الكاف
ك أ ي ن

كأيّن: تفيد معنى كمّ الخبريّة، والتكثير، وقد استعملت في القرآن الكريم في سبعة مواضع، منها قوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  [1].

[1] آل عمران : 146

ك ب ر

الكبائر: جمع كبيرة، وهي، والصغيرة من الأمور الإضافيّة.

قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا[1]،  يدلّ على أنّ المعاصي قسمان: كبيرة، وصغيرة، والأولى: الفِعلة القبيحة من الذنوب، المنهيّ عنها شرعًا، العظيم أمرها، نحو القتل، والزنا، والفرار من الزحف، ونظائرها، وإن كانت المعاصي كلّها تشترك في أصل المخالفة، والعصيان على اللّه تعالى، فهي كبيرة من هذه الجهة، فإنّ ذلك مقياس الذنب بين الإنسان المربوب المخلوق الضعيف، واللّه تعالى الذي لا منتهى لعظمته، وسلطانه، فلا فرق في أفراد المعاصي حينئذ، وهذا لا ينافي اتّصافها بالكبر، أو الصغر، إذا لوحظت فيما بينها، وهو الشأن في الأمور الإضافيّة، فإنّ كبر المعصية يدلّ على أهميّة النهي عنها، وعظم المخالفة، إذا قيس بالنسبة إلى النهي عن الآخر، فهما وصفان للمعاصي، والآثام، والذنوب.

والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق، بمعنى: أن يجعل نفسه كبيرة فوق ما هي عليه: غرورًا، وإعجابًا، لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله، قال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا [2].

والاستكبار مذموم، بل أم المهالك، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله):  “لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، فقال رجل: يا رسول اللّه، إنّ الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ اللّه جميل، ويحبّ الجمال، والكبر بطر الحقّ، وغمط الناس”[3]، أي: أن يجعل ما جعله اللّه تعالى حقّا: من توحيده، وعبادته، وقوانينه، باطلًا، أو يتجبّر عند مطلق الحقّ، فلا يقبله، ولا ينقاد له. وغمط الناس، أي: استهانة بهم واستحقارهم، فالحديث يفسّر الكبر المذموم بأحسن وجه.

والمفاد من الآيات الشريفة، والأحاديث الواردة في ذمّ الكبر أن للكبر درجات، أعظمها الّتي تمنع صاحبه عن دخول الجنّة، وهو الكبر على اللّه تعالى، وذلك بعدم دخول الشخص في طاعته عزّ وجلّ، وأمّا سائرها فإنّها تشترك في الصدّ عن نيل الكمال، وتمنع السعادة، وتؤدي بصاحبها إلى الخسران.

وذكر بعضهم أنّ الاستكبار هو الاستنكاف، ولكنه ليس بشي‏ء، فإنّ الاستكبار دون الاستنكاف، والأخير يستعمل حيث لا استحقاق مطلقًا، بخلاف التكبّر، فإنّه قد يكون باستحقاق، وهو في اللّه تعالى.

[1] النساء : 31

[2] النساء : 172

[3] صحيح مسلم – ج 1 – ص 65، باب 41 ، باب تحريم الكبر. (ح 275)

ك ت ب

مادة (كتب) تدلّ على مطلق الثبوت، الأعمّ من الوجوب، والندب، وإنّما يفاد أحدهما من القرائن؛ وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[1]، يراد به: الفرض، والوجوب، لقرائن كثيرة.

والكتاب: قيل هو بمعنى: الجمع، لأنّه مصدر من كتب يكتُب، إذا جَمع، وقيل: إنّه بمعنى: المكتوب، وهو اسم جنس لما يُكتَب؛ والظاهر أنَ مادّة كتب بمعنى: الثبوت؛ ويمكن إرجاع الأولين إليه أيضًا، فإنّ القرآن هو الثابت في جميع العوالم، والجامع لجميع المعارف والكمالات؛ وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن الكريم مقرونًا بالتجليل، والتعظيم، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ[2]، وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ[3]، وقال تعالى: أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا[4] إلى غير ذلك من الآيات المباركة.

وقد ورد لفظ الكتاب في القران الكريم في ما يقرب من مئتين وثلاثين موردًا، وله إطلاقات عديدة، هي:

الأوّل: ما يتضمّن شرائع الدين، وعلوم الشريعة، ففي قوله تعالى: أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ[5]، المراد به: جنسه الشامل لكلّ ماينسب إليه تبارك وتعالى، النازل مع الأنبياء (عليهم السلام) لهداية الناس، فيشمل الصحف، والتشريعات، والمعارف، والأخلاقيّات التي تمسّ حياة الإنسان مطلقًا، ويقضى بها بين الناس فيما اختلفوا فيه.

وقد ورد ذكر الكتاب بتلك الخصوصيّات في عدة من آيات، منها قوله تعالى: وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [6] وقوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [7].

الثاني: ما تحفظ فيه أعمال العباد، من الحسنات، والسيّئات، وهو على أصناف:

منها: ما يختصّ بكلّ فرد من أفراد الإنسان، قال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ  طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [8].

ومنها: ما يكون لأعمال الأمّة، قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [9].

ومنها: ما يشترك فيه جميع الناس، قال تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[10]، إذا كان الخطاب لجميع الناس.

ومنها: ما يرجع إلى طائفة الفجّار، قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ[11]، أو طائفة الأبرار، قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ[12].

الثالث: كتاب تنظيم التكوين الذي فيه تفصيل نظام الوجود، وذكر الحوادث الكائنة، وهو على أنواع أيضًا:

فمنها: الكتاب الثابت المصون عن التغيير، وفيه تفاصيل كلّ شيء، وقد أشار إليه سبحانه، بقوله تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [13]، وقوله تعالى :  وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[14] ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة . ومنها: يختصّ بكلّ موجود يحفظ فيه مايرتبط به، وإليه يشير قوله تعالى :  لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [15]، وكلا الكتابين:

تارة : يتطرّق التغيير، والزيادة، والنقصان، وبعبارة أخرى يداخلهما المحو والإثبات؛ وأخرى: لا يتطرّق اليهما ذلك، ويدلّ عليهما قوله تعالى:  يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)[16]  وقد سمّي الأوّل كتاب المحو والإثبات، والثاني أم الكتاب. وينشأ من بعض هذه الأنواع أصناف أخرى من الكتاب نحو: كتاب الآجال، وغيره.

وفي قوله تعالى: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ[17]، المراد بالكتابة: قضاؤه عزّ وجلّ في توطّنهم في الأرض المقدّسة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ[18].

[1] البقرة : 183

[2] البقرة : 183

[3]  إبراهيم: 1

[4] الكهف: 1ــ2

[5] الأنعام: 89

[6]  فاطر : 25

[7] البقرة: 213

[8] الإسراء : 13

[9] الجاثية : 28

[10] الجاثية: 29

[11] المطففين : 7 ـــ9

[12] المطففين : 18 ــــــ 21

[13] قـ : 4

[14] يونس: 61

[15] الرعد: 38

[16] الرعد: 39

[17] المائدة : 21

[18]  القصص: 6

ك ت م

الكتمان: إخفاء الحق، وستره، ولا سيّما عند الحاجة الى الإظهار، والبيان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ[1]، وقد يُستعمل في إظهار الخلاف، وإزالة الشي‏ء عن موضعه، ووضع آخر مكانه.

وكتمان ما أنزله اللّه تعالى على أقسام:

الأوّل: أن يكون الكتمان مع العمد، والالتفات، ووجود المقتضي للإظهار، وفقد المانع عنه، ولا ريب في كونه من المعاصي الكبيرة، وشمول اللعن له، فعن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار”[2]، والأخبار في ذلك كثيرة بين الفريقين، وكلّها مطابقة للحكم العقليّ، الدالّ على قبح كتمان الحقّ، وحسن إظهاره.

الثاني: أن يكون الكتمان عن جهل، وكان الجاهل مقصًّرا في ذلك، وهو مثل الأوّل في شمول اللعن؛ وأمّا إذا كان قاصرًا، على فرض وجوده، وكان معذورًا فيه، فلا يشمله اللعن قهرًا.

الثالث: أن يكون الكتمان، لأجل مصلحة شرعيّة، فحينئذ يجب، ولا يشمله اللعن قهرًا.

[1]البقرة : 159

[2] مسند احمد – ج 2 – ص 263

ك ر س

مادة (ك ر س) تأتي بمعنى: الجمع، والمجتمع، ومنه الكرّاسة.

والكرسي- في العرف-: اسم لما يقعد عليه، ولوحظ فيه المعنى اللغويّ، لاجتماع الحال، والمحل، أو اجتماع الأجزاء فيه، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلّا في موردين:

أحدهما: قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[1].

والآخر: قوله تعالى: وأَلْقَيْنا عَلى‏  ذسِيِّهِ جَسَدًا[2]، ويكنّى به عن الملك.

وفي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، المراد به: اقتداره التامّ، وسعة سلطانه، وهو تشبيه بليغ للمعقول، بل فوق المعقول، بالمحسوس، وله نظائر كثيرة في الكتاب الكريم.

[1] البقرة: 255

[2] ص: 34

ك ر م

الكريم: الحسن، الطيب، ومن أسمائه جلّ شأنه: الكريم، أي: الجواد، المعطي، الذي لا ينفد عطاؤه، فهو الكريم المطلق، والكريم الجامع لأنواع الخير، والشرف، والفضائل، فلا حدّ لكرمه، ولا يمكن عدّ نعمائه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [1].

وقد وصف عزّ وجلّ ذلك المكان به أيضًا، قال تعالى: ومَقامٍ كَرِيمٍ[2]، والمقام الكريم: المقام الذي يسعد الداخل فيه بحسن الثناء، وعظيم النعمة، ويتّصف به الرزق أيضًا، قال تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ[3]، ويتّصف به الرسول أيضًا، قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ[4]، ويتّصف به غير ما ذكر ، وهو ما ورد في الآيات الشريفة.

[1] الانفطار: 6

[2]  الدخان: 26

[3]  الحج: 50

[4]  الحاقة: 40

ك ر ه

مادة (كره) تدل على زوال الرضا، وطيب النفس، أو الرغبة، فيسقط الفعل لذلك عن الأثر المطلوب منه، وعن نبيّنا الأعظم فيما تواتر عنه: “رُفع ما أكرهوا عليه”[1]، أي رُفع الأثر عن الفعل المكره عليه، ولها استعمالات كثيرة في القرآن، ومراتب متفاوتة في الوجدان، وتختلف باختلاف الجهات قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ19.

[1] الخصال: 417

ك س ب

مادة (كسب) استعملت في القرآن الكريم بهيآت مختلفة، مضافة:

أوّلًا: إلى القلب، قال تعالى: يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ[1].

ثانيًا: الى الأيدي، قال جلّ شأنه: وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ[2].

ثالثا: إلى النفس، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[3].

والمرجع في الجميع واحد، لعدم الفرق بين النسبة إلى الذات، أو الى اليد.

وأصل المادة تستعمل في طلب النفع، سواء كان واقعيًّا، أو وهميًّا، أو خياليًّا، ويعتدّ بالاستمرار فيه في الجملة، فلا يقال لمن اشترى شيئًا لطلب النفع مرّة: إنّه كاسب إلّا بالعناية؛ وهذا من إحدى عناياته ـــــ تبارك، وتعالى ــــ في ما استُعملت فيه هذه الكلمة في القرآن الكريم، فلم يرتّب الحكم على صرف الوجود غالبًا إلّا في الشرك.

ومادة (كسب) تستعمل في:

الأول: ما يجلب به نفع، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا[4]، وقوله تعالى: أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5].

الثاني: ما يدفع به مضرّة، وما يناله الإنسان من عمله، وتستعمل في الأعمّ من الصالحات، والسيّئات، منه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ[6]، وقوله تعالى: ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ولكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏[7]، ويقال: فيما أخذه لنفسه، أو لغيره، ولهذا قد يتعدّى إلى مفعولين، يقال: كسبت فلانا كذا.

وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ما يقرب من سبعين موردًا، في الخير والشرّ، قال تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ[8]، وقال تعالى: ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ[9]، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [10]، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه”[11]؛ وجعل الولد من كسبه، لأنّ الأب سعى، وطلب في تحصيله، وأراد بالطيّب هنا: الحلال، ويفاد من هذا الحديث أنّ الكسب يستعمل في الأمور التكوينيّة، إذا كان بعض مباديها اختياريًّا.

والاكتساب: هو الكسب مع المبالغة، والتكلّف، وقيل: إنّ الاكتساب هو ما يفيده الإنسان لنفسه، والكسب أعمّ من أن يكون لنفسه، أو لغيره،  فكلّ اكتساب كسب، ولا عكس.

وأكثر استعمال الاكتساب في القرآن الكريم في الإثم، وما يكون ضررًا على الإنسان، قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ[12]، وقال تعالى: والَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإِثْمًا مُبِينًا[13]. ولعلّ وجه تخصيص الاكتساب في الشّر، والكسب في الخير، لأنّ الاكتساب فيه إعمال، ومشقّة، حاصلة من تحمّل الجزاء العظيم، الشديد، أو لأنّ النفس تعمل بجميع قواها في تحصيل الشرّ. وقد استُعمل الاكتساب في الخير أيضًا، نحو قوله تعالى: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ[14]، إذ التمنّي فيها لا يكون إلّا في الخير، والفضل.

وذكر بعض المفسّرين، تبعًا لبعض أهل اللغة، أنّ الكسب، والاكتساب، يختصّان بما يحصل للإنسان بعمل اختياريّ، نحو الطلب، وهو صحيح بحسب الغالب، وإلّا فقد يطلق الكسب على ما ليس كذلك،  فيقال في كسب الأخلاق بالمعاشرة والصفات، وذكر الفقهاء أنّ الكسب: ما يحصل للإنسان بالملك، والجدّة، والاختصاص، ولو بالإرث، الذي هو غير اختياريّ، فلا يختصّان بالعمل الاختياريّ، بل يشمل ما لم يكن كذلك، نحو ما إذا كان صاحب الفضل ذا مزيّة تكوينيّة, نحو: الجمال، وحسن الصوت، والذكوريّة، والأنوثيّة، التي تخصّص لأصحابها سهمًا معيّنًا، ونصيبًا مفروضًا.

[1]  البقرة: 225

[2]  الشورى: 30

[3] الأنعام: 158

[4] الأنعام: 158

[5] البقرة : 202

[6] الأنعام: 120

[7] فاطر: 45

[8]  البقرة: 286

[9]  البقرة: 225

[10]  الروم: 41

[11] من لا يحضره الفقيه، ج1 ، ص 184.

[12]  النور: 11

[13]  الأحزاب: 58

[14] النساء : 32

ك س ل

الكسلان: المتثاقل عمّا ينبغي النشاط فيه، أو الفتور في مورد القوّة، ومنه قوله (صلّى اللّه عليه وآله): “ليس في الإكسال إلّا الطهور”[1]، أي: جماع الرجل زوجته ثمّ يدركه فتور فلم ينزل، وفي كتاب العين: “كسل الفحل: إذا فتر”[2] أي: عن الضّراب، وجمع كسلان: كسالى، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى[3].

[1] كنز العمال – ج 9 – ص 380، الحديث 26570

[2] العين: 5/ 310، باب الكاف والسين واللام. ولا يوجد فيه (عن الصراب).

[3] النساء : 142

ك ع ب

مادّة (كعب) تدلّ على العلوّ، ومنه سمّيت الكعبة. وكعبت المرأة: إذا فلك ثديها. والكاعب: الجارية التي نهد ثديها، وعلت. وكعب القناة: أنبوبها، وفي الحديث: “واللّه لا يزال كعبك عاليًا”[1]، دعاء بالشرف، والمجد، تشبيهًا.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ[2] المراد من الكعبة: الحرم، لأنّ الذبح، أو النحر داخلها، أو القرب الملاصق بها غير ممكن عادة، فالمراد به البلوغ العرفيّ، وهو يتحقّق بدخول الحرم.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ[3]، الكعبين، قيل: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق، والقدم عن الجنبين، وقيل: هو عظم مائل إلى الاستدارة، واقع في ملتقى الساق، والقدم، ناتئ في ظهر القدم، ويدخل نتوؤه في طرف الساق، وهو الذي يطلق عليه المفصل، لمجاورته له.

وإذا راجعنا أقوال أهل اللغة، وعلماء التشريح، يظهر أنّ المعنى الثاني هو المراد من الكعب حيث أطلق، إلّا إذا دلّ دليل على غيره، ويظهر ذلك أيضًا من التتبّع في أخبار المعصومين (عليهم السّلام) ، وعن ابن الأثير أنّه مذهب الشيعة، واستشهد بأحاديث تدلّ على ذلك.

[1] بحار الأنوارــ ج ــ 30 ــ ص 28، الباب: السادس عشر.

[2] المائدة : 95

[3] المائدة : 6

ك ف ر

الكفر: ستر الشي‏ء، وتغطيته، ومنه سمّي الليل كافرًا، لأنّه يغطّي كلّ شي‏ء بسواده، قال لبيد:

في ليلة كفر النجوم غمامها[1]

ووقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم، في ما يزيد عن خمسمائة مورد، بهيآت مختلفة، وكثرتها لأنّ من أهمّ مقاصد القرآن العظيم، الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، والاختلاف، وتوجيه الإنسان إلى الكمال المنشود له، وإزالة العقبات التي تصدّه عن ذلك، ومن أعظمها: الكفر، وجحود الحقّ، ولأجل ذلك تكرّر ذكرها لإرشاد الناس، وتثبيت الحجّة عليهم.

ويطلق الكافر على الزارع، لأنّه يستر البذر تحت الأرض، قال تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ[2]، ومنه: كفر النعمة، والإحسان، إذا غطّاها بترك الحمد، والشكر عليها، أو جحدها، وفي الحديث: “رأيت أكثر أهلها ـــ النّار ـــ النساء لكفرهن، قيل: أيكفرن باللّه؟ قال: لا، ولكن يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير”[3]، أي: يجحدن إحسان أزواجهن، ويسترنه، ومنه: سمّي الكافر، لأنّه كفر بالصانع، والمبدأ.

وفي عرف الكتاب، والسنّة، تستعمل الكلمة في ستر العقائد الحقّة، وعدم الاعتقاد بها، وجحودها مطلقًا، فإنْ أظهر الإيمان، والاعتقاد، وأخفى الجحود، فهو (المنافق)، وإن أظهر كفره بعد إظهار الاعتقاد، أو الإيمان، فهو المرتدّ، فإنْ قال بالشرك في الألوهيّة فهو المشرك، وإن تديّن، أو اعتقد ببعض الأديان الإلهيّة المنسوخة فهو الكتابيّ، وإن ذهب إلى قدم الدهر، وإسناد الحوادث إليه فهو الدهريّ، وإن كان لا يعتقد بالمبدأ، والباري، فهو المعطّل، أو الملحد.

والكفر هو ستر الحقّ: اعتقادًا، أو لسانًا، أو عملًا، في مقابل الإيمان، الذي هو اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان؛ وعليه للكفر مراتب، كمراتب الإيمان، فقد يكون الشخص كافرًا بالنسبة إلى مرتبة، وهو مؤمن بالنسبة إلى مرتبة أخرى.

وعن الصادق (عليه السّلام) في وجوه الكفر في كتاب اللّه عزّ وجل قال: “الكفر في كتاب اللّه على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر اللّه، وكفر البراءة، وكفر النعم.

فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة، وهو قول من يقول: لا ربّ، ولا جنّة، ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال: لهم الدهريّة، وهم الذين يقولون: وما يهلكنا إلّا الدهر، وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبّت منهم، ولا تحقيق لشي‏ء ممّا يقولون، قال عزّ، وجل: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ[4]، أنّ ذلك كما يقولون ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[5]،  يعني بتوحيد اللّه، فهذا أحد وجوه الكفر؛ وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجاحد، وهو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده، وقد قال اللّه عزّ وجل: وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وعُلُوًّا[6]، وقال اللّه عزّ وجل: وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ[7]، فهذا تفسير وجهي الجحود.

والوجه الثالث من الكفر: كفر النعم، وذلك قوله سبحانه يحكي قول سليمان: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ومَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[8]، وقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ[9]، وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ [10].

والوجه الرابع من الكفر: ترك ما أمر اللّه عزّ، وجلّ به، وهو قول اللّه عزّ وجل: وإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ولا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ والْعُدْوانِ وإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وتَكْفُرُونَ  بِبَعْضٍ‏[11]، فكفّرهم بترك ما أمر اللّه عزّ، وجلّ به، ونسبهم إلى الإيمان، ولم يقبله منهم، ولم ينفعهم عنده فقال: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ ومَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[12].

والوجه الخامس من الكفر: كفر البراءة، وذلك قول اللّه ـــ عزّ، وجلّ ـــ يحكي قول إبراهيم: كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ[13]، يعني تبرّأنا منكم، وقال، يذكر إبليس وتبرؤه من أوليائه من الإنس يوم القيامة،: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [14]، وقال: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [15]، يعني يتبرّأ بعضكم من بعض”[16].

أقول: يمكن جعل جميع ما في هذه الرواية من التقسيم العقليّ، بأن يقال: الكافر إمّا لا يعتقد بمُبدئ أصلًا، وهو الكافر المطلق، ويطلق عليه الجاحد بالمعنى العامّ أيضًا، أو يعتقد به في الجملة، ثمّ يجحده، وهو كفر الجحود، بالمعنى الخاصّ، أو يعتقد به، ولا يجحده، ولكن يكفر بنعمه، وهو كفر النعم، أو يعتقد به، ولكن يترك ما أمر اللّه به، وهو كفر ترك الطاعة، ويشمل هذا ترك كلّ واجب شرعيّ، أو إتيان كلّ ما نهى اللّه عنه، أو يعتقد بذلك كلّه، ولكن لا يبرأ من عدوّه، ولا يتولّى وليّه، وهو كفر البراءة.

ومن هذا الحديث يعرف بيان ما أطلق فيه الكفر على تارك الصّلاة، أو على إتيان بعض المحرّمات، أو التولّي لأعداء اللّه، أو التبرّي من أولياء اللّه، فهذا الحديث هو الجامع لجميع أنواع الكفر.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[17]، المراد بالكفر: ترك ما أمر الله به عزّ، وجلّ، وهو الذي، أمر نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتبليغه ، نحو قوله تعالى، في آية الحجّ: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[18].

وكفّر اللّه عنه الذنب: إذا ستره، ومحاه عن العبد، فالتكفير نقيض الإحباط، وورد ذكر تكفير السيئات في القرآن الكريم في نحو ثلاثة عشر موردًا، متعدّيًا بكلمة (عن)، والمفاد منها أنّ المراد منه: العفو عن السيئات، وحطّ وزرها عن المسي‏ء، وإنّما يتحقّق بفعل الطاعات، وترك الكبائر، فتكفير السيّئات حينئذ من اللّه جلّت عظمته: محو الذنب، وإسقاطه بالمرّة، فلا يضرّ فعله بالعدالة إلّا بالإصرار على الصغائر، فيكون من الكبائر، فلا يتحقّق حينئذ شرط التكفير، وهو الاجتناب عن الكبائر، وهذا من أحسن التدبيرات الإلهيّة في عباده، إذ لا يبعدهم عن رحمته الواسعة بمجرّد ارتكاب المخالفة؛ نعم، الإصرار إنّما يتحقّق بعدم تخلّل التوبة بين ارتكاب صغيرة، وصغيرة أخرى، وإمّا مع تخلّلها، فلا موضوع حينئذ للإصرار.

[1] لبيد بن ربيعة العامري (دراسة أدبيّة)، ص 73

[2]  الحديد: 20

[3] بحار الأنوار ــ ج 71 ــ ص 246، الباب: الرابع عشر.

[4] الجاثية: 24

[5] البقرة:6

[6] النمل: 14

[7] البقرة: 89

[8] النمل: 40

[9] إبراهيم: 7

[10] البقرة: 152

[11] البقرة: 84 ـــ85

[12] البقرة: 85

[13] الممتحنة: 4

[14] إبراهيم: 22

[15] العنكبوت: 25

[16] الكافي ــــ ج ــ 2 ـــ ص ــــ 389 ـــــ 391، كتاب: الإيمان والكفر، باب: وجوه الكفر، الحديث 1.

[17] المائدة : 67

[18] آل عمران:97.

ك ف ل

مادة ( ك ف ل) تأتي بمعنى الضمان، والتعهّد، قال تعالى: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا[1]، وغلب استعمالها في ضمان الإنسان لمثله، والكفيل: من أسماء اللّه تعالى، لأنه عزّ وجلّ، مدير ما سواه، ورازقه، ومدبّره.

[1] آل عمران : 37

ك ل ب

التكليب: تعليم الكلاب، وتأديبها، للصيد، وغُلّب ليشمل جميع الجوارح، أو لأنّ كلّ سبع يسمّى كلبًا، ففي الحديث:  “اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك”[1] دعاء منه (صلّى اللّه عليه وآله) على لهب بن أبي لهب.

وقيل: إنّه مشتقّ من الكَلَب (بالتحريك)، بمعنى: الضراوة، والحرص، وهو يرجع الى الأوّل أيضًا، فإنّ تعليم الكلاب للصيد، لا بدّ من أن يكون بالتأديب، والإغراء بالصيد.

وكيف كان، فإنّ اشتقاق مكلّبين في قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ[2]  يدلّ على أنّ أصلها تعليم الكلاب للصيد، فيختصّ الحكم بالكلاب المعلّمة دون غيرها إلّا بدليل خاصّ، ويشهد له اتّفاق أهل اللغة على أنّ المكلّب هو: صاحب الكلب، ومؤدّبه، والتبادر أيضًا، فيقيّد به عموم الجوارح، وتدلّ عليه بعض الروايات.

[1] مناقب آل أبي طالب ـــ ج 1 ، ص ـــ 71

[2] المائدة : 4

ك ل م

مادة (ك ل م) تأتي بمعنى: الظهور، والبروز، وهذا هو الجامع بين جميع استعمالاتها، وعلى هذا تكون جميع الموجودات، كلمات اللّه تعالى، لأنّها مظاهر قدرته، ومبرّزات مشيئته، وأنبياء اللّه تعالى، وأولياؤه، كلمات اللّه تعالى، لأنّهم مظاهر أخلاقه، وتشريعاته، وبين الكلمات الهجائيّة فرق واضح بين أفرادها، كذلك بين كلمات اللّه تعالى التشريعيّة، والتكوينيّة.

والكلمة: تطلق على الأثر الحاصل غالبًا للسمع، أو البصر؛ فمن الأوّل: عامّة الكلمات الشايعة المستعملة، ومن الثاني: الجرح المحسوس بالبصر، فالألفاظ المسموعة كلمات، والمعاني التي تحتها كلمات أيضًا، لمكان الاتّحاد بينهما في الجملة من هذه الجهة؛ والمعاني كلمات اللّه تعالى من حيث دلالتها عليه سبحانه، ومظهريّتها له تعالى، سواء وجدت بالوحي، أو الإلهام، أو القذف في القلوب، وغير ذلك من وجوه المعرفة، والاتّصال، ممّا لا يعلمها إلّا اللّه تعالى؛ فالكلام إظهار المراد، ولا يشترط في التأثير، والإظهار، أن يكون بالآلات الجسمانيّة، لأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني، الأعمّ ممّا يمكن إحاطة العقل بها، أو ما لا يمكن، وقد ورد عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) في بعض الأدعية المأثورة: “مضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة”[1]، وأمره التكوينيّ إرادته تعالى، وإرادته فعله.

والكلمة والكلِم، كالتمرة، والتمر: جنس ومفرد، وتطلق الكلمة في العلوم الأدبيّة على اللفظ الدالّ على المعنى، وعلى الجملة، سواء أكانت تامّة يصحّ السكوت عليها، أم ناقصة لا يصحّ.

وتطلق الكلمات على الذوات، قال تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ[2].

والمراد بكلمة اللّه تعالى، أو كلماته، حيث تطلق في الكتاب، والسنّة ما أنشئ عن ذاته المقدسة، سواء أكان جوهرًا بحسب مراتبه، أم عرضًا، وإنّما أطلق لفظ الكلمة عليه من باب ضيق التعبير، وإلّا فإنّ منشآته عزّ، وجلّ، تكفي فيها الإرادة، والأمر التكوينيّ، قال تعالى: إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[3].

والكلام الذي هو الأصوات الحلقيّة، المعتمدة على مقاطع النّفَس، الدالّة على المعاني بالدلالة الوضعيّة، يختصّ بالإنسان فقط، ولم يرد في القرآن الكريم استعماله في غير مورد الإنسان؛ وأمّا قوله تعالى: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ[4]. فالمراد به: الإنسان أيضًا، وهو ما ورد في السنّة المقدّسة، ولو شاء اللّه لأظهر التكلّم من يد الإنسان، نحو قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ[5].

وقد استعمل لفظ (كلمة)، أو (كلمات) في غير مورده، مثل القضاء، والخلق، وذات الإنسان، ونفسه، نحو قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[6]، وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ[7]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ[8]،

وقد يطلق، ويراد به: القول، ولكنّه أعمّ موردًا من الأوّل، فإنّ الأخير استُعمل في الكتاب الكريم في الإنسان، وغيره، ففي الإنسان، قال تعالى حكاية عن الحواريين: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ[9]، وغيره من الآيات المباركة. وأُطلق منه تعالى على الإنسان، وغيره، قال تعالى: وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[10]، وفي مورد الملائكة، قال تعالى: وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ[11]، وقد أُطلق عليه جلّ شأنه، في قوله تعالى: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ[12]، وغيره من الآيات الشريفة؛ وفي مورد الشيطان، أو الجنّ، قال تعالى: وقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ[13]، وقال تعالى في قصة سليمان: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ[14]، وفي مورد غير ذوي العقول، قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[15]، وفي جميع ما سواه تعالى من الممكنات، قال تعالى: إِذا قَضى‏ أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[16].

ومن المعلوم أنّ القول بالمعنى الوضعيّ الدائر في الإنسان، لا يمكن إطلاقه على اللّه تعالى، وعلى سائر مخلوقاته غير الإنسان، فلا بدّ من أن يكون المراد من استعماله، إبراز المقصود بعناية خاصّة.

وفي قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[17]، المراد بالكلمات، الأعمّ من المظاهر الأخلاقيّة، النفسانيّة، أو التكليفيّة، أو الذوات الخارجيّة، الذين هم مظاهر الحقيقة الإنسانيّة، نحو الأنبياء، والأوصياء من نسل إبراهيم (عليه السلام)، فلا بدّ من أن تكون الكلمات هي ما تقع في طريق الاستكمال الإنسانيّ، لأنّه المقصد الأسنى من خلق الإنسان، ومن اتخاذ إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، ومحمّدًا مرسلًا إلى العالمين.

وفي قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[18]، المراد بـ (كلمات): كلّ ما يكون له أثر في رفع الحزازة الحاصلة من المخالفة، فهي راجعة إلى إظهار توبته، وندامته، واستغفاره، ويمكن تطبيقها على الدعوات التي ألهمها اللّه تعالى لآدم (عليه السلام)، نحو: قوله عزّ، وجلّ: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ[19].

وفي قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا[20]، الكلمة: كناية عن الاجتماع، والاتّحاد في العمل، بمقتضى مدلول الكلمة، ومعناها، والإذعان بها، ونظير ذلك شايع في الألسنة، يقال: اتّفقت كلمة القوم على كذا. أي: اتّحدوا، واجتمعوا على أمر.

[1] الصحيفة السجاديّة: 67

[2] آل عمران: 39.

[3] يس: 82

[4] النمل:82

[5] يس: 65

[6] الأنعام: 115

[7] هود: 119

[8] النساء: 171

[9] المائدة: 113

[10] البقرة: 35

[11] آل عمران: 42

[12] ص: 71

[13] إبراهيم: 22

[14] النمل: 39

[15] فصلت: 11

[16] مريم:35

[17] البقرة : 124

[18] البقرة : 37

[19]  الأعراف: 23

[20] آل عمران : 64

ك ل ل

مادة  ( ك ل ل) تدلّ على الإحاطة.

وكلالة: مصدر من كلّ يكلّ، وتكلّله النسب بمعنى: أحاطه، ومنه: الإكليل، وهو التاج، لإحاطته بالرأس، وكذا الكُل (بالضم)، لإحاطته بالجزء.

وقيل: إنّ الكلالة بمعنى الإعياء، وسمّيت القرابة البعيدة كلالة، لضعفها بالنسبة إلى القرابة القريبة، وهم الأصول، والفروع.

وقيل: إنّها بمعنى: البعد، ومنه: كلّت الرحم  بين فلان، وفلان: إذا تباعدت القرابة، وسمّيت القرابة البعيدة بها، لبعدهم عن الميّت.

والكلالة: ما خلا الوالدين، والولد، سُمَوا كلالة، لإحاطتهم بنسب الميت.

ولم يرد لفظ الكلالة في القرآن الكريم إلّا في موضعين:

أحدهما: قوله تعالى: وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ[1]. والآخر: في قوله تعالى في آخر هذه السورة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ[2]، ولم يقصد منهما إلّا الأخوة، والأخوات.

فالكلالة: اسم يجمع الوارث، والمورث، من جهة انتساب كل واحد منهما إلى الآخر، وتشمل الذكر، والأنثى، ولا تثنّى، ولا تجمع لأنّها مصدر، كالوكالة، والدلالة، والمتفق عليه عند الجميع، أنّها لا تشمل الآباء، والأولاد.

[1] النساء : 12

[2] النساء : 176

ك م ل

مادة (ك م ل) تدلّ على الوفاء، والتمام، وكمل الشي‏ء: إذا حصل الغرض منه.

وذكر العلماء أنّ الإكمال، والإتمام، متقاربا المعنى؛ ولكنّ التتبّع في موارد استعمالاتهما، يفيد بأنّهما مختلفان، فقد يستعمل التمام، والإتمام، في مورد لا يصحّ استعمال الإكمال فيه، أو بالعكس، فإنّ الإتمام يستعمل في ما إذا كان للشي‏ء أجزاء، وشروط، وقد تحقّقت جميعها، فلو فُقِد واحد منها، لم يترتّب عليه أثره، أو الغرض الّذي سيق له، قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ[1]، فإنّ الصيام إنّما يوصف بالتمام، إذا لم يختل شروطه، فلو اختلّ واحد منها، ولو في جزء من النهار، فإنّه يفسد؛ وأمّا الإكمال، فإنّه يستعمل في ما إذا كان للشي‏ء أجزاء، ولكلّ جزء أثره الخاصّ، المترتّب عليه، فلو حصلت جميع تلك الأجزاء لتحقّقت جميع تلك الآثار المطلوبة، وإلّا فيتحقّق جزء من مجموع الأثر، فالاختلاف بين المادّتين: (الإتمام)، و(الإكمال)، كالاختلاف بين العامّ المجموعيّ، والعامّ الإفراديّ، المعروفين في علم الأصول؛ قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ[2]، فإنّ لكلّ واحد من تلك العشرة أثره المطلوب، فإذا تحقّقت كاملة حصلت جميع الآثار المطلوبة، وإلّا فيتحقّق الأثر الخاصّ المترتّب على الجزء المأتيّ به فقط، قال تعالى: ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ[3]، فإنّ الأثر يترتّب على بعضها، ويترتّب على كلّها، كلّ بحسبه، فهذا هو الفرق بين المادّتين اللتين اجتمعتا في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا[4]، فإنّ الأولى تدلّ على أنّ هذا الدين مجموعة معارف، وأحكام، وقيم، وتوجيهات، فكلّ واحد منها كمال في حدّ نفسه، ولكن أضيف إليها أمر في هذا اليوم أصبح به الدين كاملا، لا يمكن أن ينال ذلك الأثر العظيم المترتّب على هذا الدين إلّا بتنفيذه، فهو المكمّل لها، والنعم الإلهيّة وإن كانت كثيرة في هذا الدين، ولكنّها تمّمت بهذا الأمر الّذي شرّعه ــــ عزّ، وجلّ ــــ في هذا اليوم، فلذا ارتضى ـــــ جلّ شأنه ـــــ هذا الإسلام دينًا تامًّا، كاملًا، لا يعوزه شي‏ء آخر، ولا يحتاج الى مكمّل، وسيبقى مدى الدهر يقاوم الصعاب، ويصمد أمام كلّ صروف الزمان، لا يثنيه تشكيك المبطلين، ولا زيغ الزائغين الضالّين.

[1]  البقرة: 187

[2]  البقرة: 196

[3] البقرة: 185

[4] ًاالمائدة : 3

ك م هـ

الكمه: العمى مطلقًا، ومنه: الأكمه، سواء أوُلِد كذلك، أم عرض عليه بعد ذلك، قال تعالى: وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ[1] وقيل: إنّ الأكمه هو الذي يولد مطموس العين.

[1] آل عمران : 49

ك ن ن

الكِنّ: ما يحفظ به الشي‏ء، قال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ[1]، وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ[2].

وفي قوله تعالى : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً [3] .

والأكِنّة: جمع كِنان، كعِنان، وأعنّة، بمعنى: الغطاء، يُقال: كننت الشيء في كنّة: إذا صنته فيه، وأكننت الشيء: أخفيته، والكِنانة: جعبة السَّنان، وقبيلة من مضر، وبها سمّيت أرض كنانة، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في أكثر من عشرة مواضع، ووردت هذة الجملة بالخصوص في أربعة مواضع .

وما يستر في النفس يسمّى كنًّا أيضًا، ومنه: الفعل أكنّ، قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ[4]، قال تعالى: وإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وما يُعْلِنُونَ[5].

[1] الصافات: 49

[2] الطور: 24

[3] الأنعام : 25

[4] البقرة : 235

[5] النحل: 74

ك هـ ل

راعنًا: سواء كان من المراعاة أو من الرعونة، أو من شيء آخر، ليس استعماله من الأدب المحاوري، وفي خطاب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) بذلك, من الجفاء, وسوء الأدب, لأنّه يأتي بالمعنى الذي بيّنه تعالى بقوله جلّ شأنه: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا فِي الدِّينِ[1], وذلك لأنّ مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) مقام المعلّم الهادي, ولا بدّ للمتعلم من حفظ الأدب معه، ونبذ كلّ ما هو مشتبه الإهانة, والهتك, فضلا عن معلومهما. ويحترز عن إظهار منزلة لنفسه عند المعلم, فإنه من الإهانة, والجفاء, بمقامه.

والمعروف أنّ هذه الكلمة سبّ بالعبرانيّة، وهو ما ورد في بعض الروايات؛ وقال شيخنا الأستاذ البلاغي (رحمة اللّه عليه): “قد تتبعت العهد القديم, فوجدت أنّ كلمة (راع)- بفتحة مشالة إلى الألف، وتسمّى عندهم (قامص), بمعنى: الشرّ, أو القبيح, ومن ذلك ما في الفصل الثاني, والثالث, من السفر الأوّل من توراتهم؛ وبمعنى: الشرير واحد الأشرار، ومن ذلك ما في الفصل الأوّل من السفر الخامس، وفي الرابع والستين, والثامن والسبعين, من مزاميرهم، وفي ترجمة الأناجيل بالعبرانيّة. و(نا)- ضمير المتكلّم- في العبرانيّة تبدل ألفها واوًا, أو تمال إلى الواو, فتكون راعنًا في العبرانيّة بمعنى: شريرنا, ونحو ذلك, فتكون الكلمة في لغتهم (راعينو) موافقة للعربيّة في نبرتها, ولهجتها، ويكون النهي عن استعمالها في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ[2], لئلّا يتّخذها اليهود- الذين عُرفوا بسوء الأدب تجاه أنبيائهم- وسيلة للسبّ, والطعن في الدين, فيقتدون بالمؤمنين في اللفظ، ويقصدون المعنى الفاسد منه.

[1]  النساء: 46

[2] البقرة : 104

ك و ك ب

الكوكب، والكوكبة: واحد الكواكب،  وهي النجوم، وإن كانا يختلفان عند الفلكيين، والمعروف إطلاقه  على الكواكب السيّارة السبعة، والعرب تطلقه على الزهرة، وغلب عندهم إطلاق النجم- معرّفا-على الثريا.

وفي قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ[1]، قيل: في تنكيره إنّه لبيان امتيازه على سائر الكواكب بإشراقه، وجذب النظر اليه.

وقيل: إنّه لنكتة  راجعة  الى  مرحلة الإخبار، والتحدّث، فلا غرض في الكلام يتعلّق بتعيين هذا الكوكب سوى الاحتجاج به، وهذا يحصل في أيّ كوكب من الكواكب المشتركة في الطلوع، والأفول، لكنّ  ذلك لايمنع من أن يكون المشار إليه كوكبًا معيّنًا يتحقّق فيه الغرض المقصود، وهو ما يقتضيه ظاهر الاَية الكريمة.

[1] الأنعام : 76

ك و ن

جملة كُنْ فَيَكُونُ تامّة لا تحتاج إلى الخبر، وفي قوله تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ[1]، هي كناية عن إرادته تعالى، والمراد بالأمر (كن) هو الإيجاد، ولا تعبير أليق من هذا التعبير الذي يكون أقرب إلى الفهم، وإلّا فليس في البين صوت يقرع، ولا نداء يسمع، بل كلامه تعالى عين إرادته، وإرادته عين فعله. والسرّ في هذا التعبير- المعبر عنه في الاصطلاح بالأمر التكوينيّ- هو إعلام النّاس نهاية السرعة في الخلق، وعدم انفكاك المعلول عن العلّة التامّة، من دون تقدّم، وتأخّر، لا زمانيّ، ولا رتبيّ، إلّا في فرض العقل.

[1] البقرة : 117

ك ي ف

لفظ (كيف) يستعمل في ما فيه شبيه، وما لم يكن له شبيه، كالأبيض، والأسود، والصحيح، والسقيم، ونحوها.

وهو من إحدى المقولات التسع العرضيّة المعروفة في الفلسفة القديمة، والحديثة، ويدخل فيه الاشتداد، والضعف، لاتّصافه بالحركة، وفيه الشدّة، والضعف بذاتها.

وهو من ألفاظ العموم، ولا يطلق عليه تعالى، وفي الحديث: “هو أيّن الأين بلا أين، وكيّف الكيف بلا كيف”[1]، وإطلاق الكيف في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[2]، لرعاية مخاطبة الناس، والإنسان المخلوق، وأطواره في الأرحام، لا بالنسبة إلى الملك العلّام.

وفي قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[3]، كيف: لفظ استفهام، يفيد الاستبعاد، والجحد، والإنكار؛ ويراد به إحالة الهداية، نظير قوله تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ[4]، أي: محال أن يكون لهم العهد.

[1] الكافي ـــ ج 1 ـــ ص 78، كتاب: التوحيد، حدوث العالم ، الحديث 3.

[2] آل عمران : 6

[3] آل عمران : 86

[4] التوبة: 7

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"