1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. ماقیل حول السید
  6. /
  7. معجم الألفاظ قرآنیة
  8. /
  9. باب القاف
ق ب ض

القبض: القتر، والضيق، ويقابله البسط، قال تعالى: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [1].

[1] البقرة : 245

ق ب ل

التقبّل: أخذ الشي‏ء على وجه الرضا، ويمكن فرض الجامع القريب بينه، وبين القبول، وهو أصل الرضا، ولكن هيأة التقبّل تدلّ على عناية خاصّة فيها، لا توجد في القبول، قال تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[1]، وتشهد الآيات اللاحقة لهذه العناية، وللمقام نظائر كثيرة في القرآن الكريم، وقد شُهر في علم اللغة أنّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني، وهي قاعدة متّبعة ولا سيّما في لغة العرب التي بنيت على الدقّة، والفصاحة، والبلاغة؛ ولكن يمكن أن يرجع ذلك إلى تعدّد الدال، والمدلول.

والقبول الحسن هو السرّ المطوي في التقبّل، وقد ورد التقبّل في القرآن الكريم في عدّة من موارد تبلغ العشرة، وفي جميعها يدلّ على أن في المورد سرًّا خاصًّا في الحال، أو العمل، أو الانقطاع إلى اللّه تعالى، اقتضى ذكر التقبّل، ووقوع الاستجابة مطابقة له.

وفي قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ[2]، وإنّما تُقبّل من أحدهما، لأنّه أخلص النيّة للّه تعالى، ورضي بحكمه، وعمد إلى أحسن ما عنده، ولم يُتقبَّل من الآخر، لأنّه لم يخلص النيّة في قربانه، وسخط بحكم اللّه تعالى، ولم ينل من التقوى شيئًا. 5

ولم تبيّن الآية الشريفة كيفيّة القبول، ولا طريق علمهما به، ولكن ورد في بعض الروايات، أنّ القبول كان محسوسًا، وذلك بورود نار إلهيّ تأكل القربان، ويشهد له قوله تعالى:  بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ .

[1] آل عمران : 35

[2] المائدة : 27

ق ت ر

القتر: قلّة النفقة، قال تعالى: والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا[1]، وقال تعالى: وكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا[2]، وهو يدلّ على أنّ البخل ممّا جبل عليه الإنسان، فيكون مثل قوله تعالى: وأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ[3]، والقَتَر- بالتحريك-: سوء الحال، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [4].

[1] الفرقان: 67

[2] الإسراء: 100

[3] النساء: 128

[4] عبس: 41

ق ت ل

القتل: إزالة الروح عن الجسد، كالموت، لكنّ الثاني يضاف إلى اللّه تعالى، والأوّل يضاف إلى الفاعل، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [1]، فكلّ قتل موت، ولا عكس، فالاختلاف بينهما بالاعتبار، لا بالذات.

والقتل على قسمين: مقصود، وهو العمد، وغير مقصود، وهو القتل خطاء.

والقتل في سبيل اللّه تعالى هو الشهادة في سبيله تعالى، والشهيد مشتقّ منها، إلّا أنّ الأوّل باعتبار أصل الحدوث، والثاني باعتبار الثبوت.

والقتال: معروف، وهو محاولة قتل القاتل؛ والمعروف بين الأدباء، وتبعهم المفسّرون، أنّ المفاعلة تتقوّم بطرفين في جميع استعمالاتها، ولكنّ ذلك مخالف لجملة كثيرة من موارد استعمالها في القرآن الكريم، قال تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ[2]، وقال تعالى: ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ[3]، وقال تعالى:  شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ‏[4]، إلى غير ذلك من الآيات، فاضطروا إلى التكلّف في مثل هذه الآيات، والاستعمالات الفصيحة.

وفي قوله تعالى: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ[5]، لو التزمنا مقالتهم يلزم التكرار، لكفاية قوله تعالى: وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عن قوله تعالى: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ  ؛ والحقّ أن يقال: إنّ المفاعلة إنّما يؤتى بها لإنهاء المادّة إلى غيره، سواء أكان غيره متلبسًا بها أم لا، وحينئذ لا بدّ في تلبّس غيره من ملاحظة القرائن، ويكفي في التلبّس الشأنيّة القريبة، مع وجود أمارات تدلّ عليها، وقد فصّل الفقهاء ذلك في المحارب، والمهاجم على النفس، والعرض، والمال.

والتقتيل: في قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ[6]، تفعيل من القتل، الدالّ على زيادة في المعنى المجرّد؛ ولعلّه لأجل الزيادة على القصاص، لأنّه حدّ شرعيّ، وحقّ إلهيّ، لا يسقط بعفو الوليّ، أو لأجل التكثير، والمبالغة في القتل، باعتبار الأفراد، لأنّهم سعوا في الأرض فسادًا.

[1] آل عمران : 21

[2] البقرة: 9

[3] النساء: 100

[4] الأنفال: 13

[5] البقرة : 190

[6] المائدة : 33

ق ث ي

القثاء: نبات معروف وهو الخيار، قال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا[1].

[1] البقرة : 61

ق د

قد: حرف يدخل على الماضي، فيفيد التحقيق، وعلى المضارع فيفيد التقليل غالبًا، وربّما يفيد التحقيق، والتكثير، الذي قيل: إنّه المراد به في قوله تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ[1] ، فأشكل عليه بأنّه يستلزم التغيير في علم الله عزّ، وجلّ، وردّه بعضهم بأنّه في متعلّقات العلم لا نفسه، اذ صفة القديم لا يقبل التغيير، والزيادة، والتكثير، وأنكر بعض النحويّين إتيان (قد) للتكثير، وإنّما يُفاد ذلك من سياق الكلام؛ والحقّ أنّه بمعنى: التحقيق، فإنّه المناسب في المقام، وإلّا فالتكثير يُفاد من إصرارهم على الإنكار، والتكذيب؛ والتعبير بالمضارع لبيان الاستمرار والثبوت.

[1] الأنعام : 33

ق د ر

قدَرَ الشيء يقدُره بالضم قدرًا: اذا سبره ليعلم مقداره، ثم استعمل في معرفة الشيء من حيث كمّيّته، وأحواله، وأوصافه، ومقداره، يقال: قدَرَ الشيء قدرًا، وقدّره بالتشديد تقديرًا: إذا سبره، وحرزه، ليعرف مقياسه، وكميّته، ومبلغه، وقد كان مستعملًا في المحسوسات، ثم توسّع فاستعمل في غير المحسوسات من المعاني والأحكام، فيقال: قدر فلان في المجتمع، أي: مبلغه في العظمة، ووزنه عند الناس، وقيمته الاجتماعيّة.

ولا ريب في أنّ تقدير الشيء إنّما يكون بتحديده بالحدود التي تعيّن مقداره ومقياسه، وهو يتحقق غالبًا بذكر الأوصاف التي تكشف عن حقيقته، وحالته، التي تستتبع العلم بقدره، ولذلك يطلق القدر،  والتقدير، على الوصف، والمعرفة بحال الشيء على نحو الاستعارة، فيقال: قدَر الشيء، وقدّره، يعني: وصفه، أو عرفه، بلافرق بين المعاني الممكنة، أو الواجبة، إلّا أنّ استعمال القدر في الله تعالى لا من حيث ذاته، إذ لايحيط بكنهه أحد ذاتًا، ولا من حيث أوصافه، فإنّه لايمكن دركها بحسّ، ولا وهم، ولاعقل، وإنّما يعرف معرفة بما يليق بساحة قدسه، من ظواهر أوصافه بما دلّ عليها من آياته، وأفعاله، ومن أجله صحّ استعمال القدر فيه تعالى بأيّ معنىً يُتصوّر في حقه عزّ، وجلّ استقلالًا، أو بالالتزام، فقوله تعالى: ومَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[1]،   أي: ما عظّموه بما يليق بساحته من العظمة، أو ما وصفوه حقّ وصفه، أو ماعرفوه حقّ معرفته، وإن كان المعنى الأوّل أليق، لأنّه يستلزم المعنيين الآخرين، أو إنّه أنسب بالنسبة الى الآيات السابقة التي دلّت على ثبوت الهداية الإلهيّة التي تهدي الى التوحيد، والدين الحقّ.

والعلم، والقدرة، والحكمة، وإن كانت مفاهيم مختلفة، لكنّها بالنسبة إليه تعالى، ترجع إلى شي‏ء واحد، لأنّ علمه جلّ شأنه، عين ذاته الأقدس، وقدرته العليا ترجع إلى علمه، وكذا الحكمة، وأمّا إرادته فإنّها عين فعله، والفعل منبعث عن العلم، والحكمة، فيرجع الجميع إلى شي‏ء واحد، والفرق بينها في القرآن العظيم، يفاد من القرائن.

[1] الأنعام: 91

ق د س

مادة (ق د س) تدلّ على التنزّه، يقال: تقدّس اللّه، أي: تنزّه. وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “إنّ روح القدس نفث في روعي”[1]، يعني: جبرئيل (عليه السّلام)، لأنّه خلق من طهارة، والروح هو النفس، ومركز القلب، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ما يقرب من عشرة مواضع.

وفي قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[2]، نسبّح بحمدك: ننزّهك عن النقائص، مقرونًا بالثناء            عليك، فاجتمع في هذا التعبير صفات الجلال، والجمال؛ والتقديس بمعنى: التنزيه، وقد ورد عن جمع من اللغويّين، والمفسّرين، والتطهير المعنويّ عن النقائص، وقد استُعمل في القرآن كلّ منهما بالنسبة إليه تعالى، قال جلّ شأنه: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ[3].

ويمكن التفريق بينهما بجعل التسبيح بالنسبة إلى الذات الأقدس، فهو تعالى منزّه عن كلّ نقص، والتقديس بالنسبة إلى الفعل، ففعله منزّه عن كلّ نقص، لكونه صادرًا عن الحكمة البالغة.

ويمكن أن يقال: إنّ معنى نقدّس لك: نطهّر أرضك من الفساد، والمعاصي.

ومادة (ق د س) تأتي بمعنى: الطهارة المعنويّة في كلّ ما لا ينبغي، ولا يليق، نحو: التي في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[4]، فهي نزاهة معنويّة توجب الارتباط بعالم الغيب؛ ولها استعمالات كثيرة في الكتاب، والسنة؛ وحظيرة القدس فسّرت بالشريعة المقدّسة، وفسّرت بالجنّة أيضًا، وهما واحد في الحقيقة، وإن اختلفا مفهومًا.

وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ[5]، روح القدس: جبرئيل، في بعض الأخبار، وعليه جمع من المفسّرين، وبعض أهل اللغة.

وفي بعض الأخبار أنّ روح القدس أعظم من جبرئيل؛ وقيل: إنّ روح القدس هو الروح الطيّبة المقدّسة، وفيه: أنّه خلاف المنساق من هذه الكلمة التي يُفاد منها أنّها علم لفرد خاص.

وفي قوله تعالى:  يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ[6]، الأرض المقدّسة: الأرض المطهّرة من رجس الشرك، والتي يمكن إقامة الدين فيها، ولعلّ هذا هو معنى البركة التي وصف عزّ وجلّ بها الأرض التي وعدهم بها، قال تعالى: وأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ ومَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا[7]، فإنّ البركة هي الخير الكثير، وأعلاه مرتبة هو إقامة الدين، وبسط الحقّ، والعدل، ورفع قذارة الشرك، وبذلك يمكن الجمع بين كلمات المفسّرين في المراد من المقدّسة في الآية الكريمة.

[1] الكافي ــ ج 5 ــ ص 83, كتاب: المعيشة, باب: الرزق من حيث لا يحتسب, الحديث: 11.

[2] البقرة : 30

[3] الحشر: 24

[4] الأحزاب: 33

[5] البقرة : 87

[6] المائدة : 21

[7]  الأعراف: 137

ق ر ء

مادة (ق ر ء) تدل على الجمع، والاجتماع، الذي يعقبه التحويل، والتفرّق، ويطلق القُرء على الحيض نفسه، فعن نبّينا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “اقعدي عن الصلاة أيام إقرائك”[1]، ويطلق على حالة الانتقال من الحيض إلى الطهر بحسب الوضع، عن جمع من اللغويّين، ولا يطلق على الطهر نفسه، لأنّ المرأة الطاهر، التي لا ترى أثر الحيض، لا يقال لها: ذات قرء، فهو من الأضداد.

وفي قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ[2]، المراد به: الطهر لما ذكرنا، وعليه إجماع الإماميّة، ووردت فيه أحاديث كثيرة، وبه يقول المالكيّة، والشافعيّة، وجمع كثير من الفقهاء؛ ولكن عن الحنفيّة، والحنابلة، وجمع آخرين، أنّ القرء في الآية المباركة: الحيض، لقول نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “دعي الصلاة أيام إقرائك”[3]، وبما روي عن عليّ (عليه السلام): “القُرء هو الحيض”[4]؛ ولكنّ المناقشة فيه ظاهرة، لأنّ اللفظ المشترك إذا وقع في استعمال مقرونًا بقرينة تدلّ على أحد معنييه، لا يكون ذلك دليلًا على أنّه كلّ ما استعمل فيه هذا المشترك- ولو بلا قرينة على التعيين- يكون المراد منه ما استُعمل فيه مع القرينة، وهو خلاف المحاورات العرفيّة، ولا يقول به أحد في نظائر المقام.

والقرينة في الحديث المرويّ عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله) في أنّ المراد من الإقراء: الحيض ظاهرة، وأما قول عليّ (عليه السلام) فهو- فضلا عن كونه قاصرًا سندا- معارَض بغيره، مما هو أقوى منه من جهات.

والقرآن: يأتي بمعنى الجمع، وسمّي كتاب اللّه به، لأنّه جمع فيه المعارف، والأحكام، والعلوم، وهو عَلَم للكتاب المنزل على رسول اللّه خاتم النبيين محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)،  الذي جمع فيه المعارف الإلهيّة، والأحكام الشرعيّة، والعلوم المتعالية.

وقد ورد هذا اللفظ في القرآن في ما يزيد على خمسين موردًا، كلّها مقرونة بالتجليل، والتعظيم، وله أسماء كثيرة، للقاعدة المعروفة: كلّما ازداد المعنى بهاء، وكمالًا، ازدادت ألفاظه جمالًا، وجلالًا؛ وهو المهيمن على جميع الكتب السماويّة، والمشتمل على أسرار يصعب على الأذهان فهمها، ولا يمكن الإحاطة بها إلّا نزرًا يسيرًا ممن شملتهم عناية اللّه تعالى، فعلّمهم ما لم يمكن دركه بغير إفاضة منه عزّ، وجلّ، مع اعترافهم بالقصور، والتواضع، أمام عظمته، فإنّ درك حقيقة الوحي يختص بالموحي، وأمين الوحي، والموحى إليه، وهي من الأسرار التي لا يتقدّمهم فيها أحد.

[1] عوالي اللآلي – ج 3 – ص 384

[2] البقرة : 228

[3] عوالي اللآلي – ج 3 – ص 384

[4] بحار الأنوار – ج 53 – ص 27

ق ر ب

القُرب: الدنوّ من الشي‏ء، مقابل البعد، فهما يستعملان في الزمان، والمكان، وفي النسبة، والقدرة، والرعاية، وغيرها، قال تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا[1]، وقال تعالى:  فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا[2]، وقال تعالى: وإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏[3]، وقال تعالى: ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[4]، وقال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [5].

وقرب العبد من اللّه تعالى قرب روحانيّ، لا قرب جسمانيّ، ولا مكانيّ، لأنّ ذلك من صفات الأجسام، واللّه جلّ شأنه، يتعالى عن ذلك، ويتقدّس، وقرب اللّه إلى العبد بالإفضال، والفيض عليه، من مواهبه، وألطافه، والإحسان إليه، وترادف مننه عليه، وفي الحديث: “أنّ موسى (عليه السّلام) قال: إلهي أقريب أنت فأناجيك؟ أم بعيد أنت فأناديك؟ فقال: لو قدرت لك البعد لما انتهيت إليه، ولو قدرت لك القرب لما اقتدرت عليه”[6]، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله) فيما ذكر عن اللّه تعالى في القدسيات: “من تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا”[7]، والحديث القدسي: “ما تقرّب إليّ عبد بمثل أداء ما افترضت عليه، وأنّه ليتقرّب إليّ بعد ذلك بالنوافل حتّى أحبّه”[8]، ومعنى حبّه: إزالة الأوساخ عنه، وتحليته بأكمل الصفات، وأجلّها، وفي الحديث: “صفة هذه الأمّة في التوراة قربانهم دماؤهم”[9]، أي: يتقرّبون إلى اللّه تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، وفي مرضاته جلّت عظمته.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ[10]، لا تقربوا (بفتح الراء) بمعنى: لا تلبسوا بالصلاة، و(بضم الراء) بمعنى: لا تدنوا، والظاهر أنّهما متلازمان، ومثل هذا التعبير معروف في القرآن الكريم، وإنّما أتي به لتأكيد احترام الصلاة، والاجتناب عنها في حال السكر، بعدم القرب منها.

والقريب: من أسماء اللّه الحسنى- وجميع أسمائه المقدّسة حسنى، وإنّما التوصيف إضافيّ لا حقيقيّ- وهو يلحظ بالنسبة إلى:

الأوّل: الذات المقدسة، قال تعالى: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[11]، وقال تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [12]، ويبيّن هذا المعنى قوله تعالى: وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ‏[13].

الثاني: رحمته الواسعة، قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[14]. الثالث: المكان، نحو قوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ[15]، وهو كثير في القرآن.

الرابع: الزمان، قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ[16].

الخامس: الفعل، نحو: التصرف، وغيره، قال تعالى: ولا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ[17]، وقال عزّ، وجلّ: ولا تَقْرَبُوا الزِّنى‏[18]، وقال تعالى: ولا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ [19].

السادس: النسب، نحو قوله تعالى: أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى‏[20]، وقوله تعالى: والْجارِ ذِي الْقُرْبى‏[21].

ويطلق ويراد به القرب المعنويّ من طرف الخلق، قال تعالى: ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ[22]، وقال تعالى: وَجِيهًا فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ ومِنَ الْمُقَرَّبِينَ[23]، وقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[24].

وفي قوله تعالى:  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[25]، المراد به: القرب باللطف، والرحمة، والإجابة، الذي لا حدّ له، ولا نهاية، لا أن يكون قربًا زمانيًّا، أو مكانيًّا، فإنّه تعالى يجلّ عنهما، وهو محيط بهما بالإحاطة القيّوميّة الحقيقيّة.

وربما يكون القرب فيه من قبيل قرب العلّة الحقيقيّة من المعلول المحتاج إليها: حدوثًا، وبقاء، وقد ورد في بعض الدعوات المأثورة عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام): “يا جاري اللصيق، يا ركني الوثيق”[26]، وورد في بعض مخاطبات اللّه تعالى لموسى بن عمران: “يا موسى أنا بدّك اللازم”[27]، ففيه الكناية اللطيفة، فإنّ فيه تمثيلًا لحاله في سهولة إجابة دعائه، وسرعة إنجاح حاجة من سأله، بحال من قرب مكانه.

والقُربى: القرابة، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ[28]، أي: أمرناهم بالإحسان إلى القرابة.

والمقرّبون: الّذين استقاموا على الطريقة، وأصابوا الحقّ، والحقيقة، ومشوا على بساط القرب بأقدام حافية عن جميع الأوهام، وتخلّوا عن تمام الجهات الإمكانيّة، وطرحوا جميع إضافاتهم النفسانيّة، ولا يشاؤون إلّا ما شاء اللّه تعالى، فأدركوا لذّة البقاء باللّه تعالى، في الفناء في مرضاة اللّه، طينتهم حبّ الواحد الأحد، وصورتهم الشوارق النازلة من اللّه الصمد، فقد وردوا الساحة الربوبيّة بهممهم العالية، وتصرّفوا في نظام التكوين بإذن من الحي، القيوم، الحكيم، وقد وصف اللّه تعالى الأنبياء بهذا الوصف، لأنّهم سبقوا سائر أفراد الإنسان إلى هذه الحقيقة، وهو ما يظهر من قوله تعالى في شأن المتقرّب إليه: والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[29]، والمراد القرب إلى اللّه تعالى، الذي هو غاية سعي الإنسان،  والقرب إمّا أن يحصل من فعل الفاعل المختار، نحو: تقرّب الأنبياء، والأولياء، وإمّا أن يكون من مجرّد العطيّة المحضة، والمنحة الإلهيّة، لمن يشاء، نحو قرب بعض الملائكة.

والقُربان: فُعلان من القُرب، ويأتي اسمًا نحو: البرهان، والسلطان؛ ومصدرًا نحو: العدوان، والخسران، وهو كل ما يتقرّب به الى اللّه تعالى من نعم، وغيرها، ويجمع على: قرابين ، وقد غلب استعماله عندنا في ذبائح النسك.

[1]  الأحزاب: 63

[2]  التوبة: 28

[3]  النساء: 8

[4]  ق: 16

[5]  الأعراف: 56

[6] مفردات غريب القرآن – ص 399

[7] عوالي اللآلي- ج 1 – ص 56

[8] الكافي – ج 2 – ص 352

[9] النهاية في غريب الحديث – ج 4 – ص 32

[10] النساء : 43

[11]  التوبة: 54

[12] سبأ: 50

[13] الحديد: 4.

[14] الأعراف:56

[15] التوبة: 28

[16] الأنبياء: 1

[17] الإسراء: 34

[18] الإسراء: 32،

[19] الأنعام: 151

[20] النور: 22

[21] النساء: 36

[22] النساء: 172

[23] آل عمران: 45

[24] المطففين: 28

[25] البقرة : 186

[26] بحار الأنوار  – ج 91 – ص 278

[27] تاريخ بغداد  – ج 2 – ص 244

[28] البقرة : 83

[29]  الواقعة: 11

ق ر د

القرد: حيوان معروف، والجمع: قِردة، قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ[1].

[1] البقرة : 65

ق ر ر

  قرّ: ثبت، يقال: قرّ في مكانه، يقرّ قرارًا: إذا ثبت ثبوتًا، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارا[1].

والمستقَرّ: اسم مكان، أي: محلّ القرار، والإقامة، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ[2].

وفي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ[3]، قرئ بكسر القاف، فيكون اسم فاعل، وعلى هذه القراءة يكون  مُسْتَوْدَعٌ اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقِر، ومنكم مستودَع لم يستقر. ويحتمل أن يكون كلٌّ منهما مصدرا ميميّا، بمعنى: الاستقرار والاستيداع، والخبر محذوف، أي: فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض.

وقد ذكر المفسّرون في الآية معان متعددة:

منها: هو الذي أوجدكم من نفس واحدة، واستعمر بكم الأرض، وهي مشغولة بكم الى حين انقراضكم، فلا يزال بعضكم مستقرا فيها، وبعضكم مستودعًا في الأصلاب، والأرحام، وهو في طريق الاستقرار فيها.

ومنها: هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، أي من نوع واحد من النفس، وهي النفس الإنسانيّة، أو من نوع واحد من التركيب النفسيّ، والبدنيّ، وهي الحقيقة الانسانيّة المؤلّفة من نفس، وبدن، إنسانيّين.

ومنها: المراد بالمستقر: الأرحام، وبالمستودع: الاصلاب.

ومنها: المستقر هي الأرض ، والمستودع القبر.

ومنها: المستقر هو الرحم، والمستودع الأرض، والقبر.

ومنها: المسقر هو الروح، والمستودع هو البدن.

وغير ذلك من الوجوه التي لا يخفى مافيها من الضعف، وبعضها يوجب بعد الآية عن المعنى السامي لها.

والظاهر أنّ المستقر، والمستودع، يرجعان الى اعتبار كلّ فرد، فإنّ كلّ إنسان بدنه مستقر لروحه، وهي مستودع، أي وديعة من الله تعالى؛ بل يمكن أن يكون المراد بالمستودع: المعنى الشامل لجميع المصاديق من كلّ جهة.

[1] غافر : 64

[2] البقرة : 36

[3] الأنعام: 98

ق ر ض

القرض: القطع، لأنّ المقرض يقطع إضافة ما يقرضه عن نفسه، ويربطها بالمقترض، وهو على قسمين:

قرض حاجة: وهو محال بالنسبة إليه عزّ وجل، لاستغنائه عن غيره بالذات، واحتياج كلّ المخلوقات إليه كذلك.

وقرض رباح: وهو أن يرجع المال إلى المقرض، مع الربح الحلال، وهو جائز بالنسبة إليه تعالى، وعليه يدور النظام المصرفيّ، فيصرف المال المقترض في المنافع العامّة، ثم يرجع إلى صاحبه مع النفع، ولكن لا بدّ من تقييده بما إذا كان مطابقًا للموازين الشرعيّة.

وفي قوله تعالى: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[1]، المراد به:  كلّ ما يقدّمه الإنسان من الخير، الذي يرجع نفعه إلى النفس، أو المجتمع، وإنّما عبّر سبحانه وتعالى به لبيان التنظير، وليس المراد القرض الاصطلاحيّ الذي يؤخذ لرفع الحاجة، والضرورة، ويشرح هذه الآية المباركة قوله تعالى: وأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أَجْرًا[2]، فقد عدّ سبحانه ما يقدّمه الإنسان من الخير للنفس، أو المجتمع، وما ينفقه في سبيله، قرضًا لنفسه، للحثّ، والترغيب، فإنّ رغبة الإنسان إلى البذل ضعيفة في نفوس الكثيرين، فلا بدّ فيه من الحثّ الأكيد، والمبالغة الشديدة، لقرضه تعالى، وللإرشاد إلى أنّ القرض إنّما يكون قرضًا له إذا كان في سبيله، ولوجهه عزّ، وجلّ.

والقرض الحسن: ما كان خالصًا لوجهه الكريم، خاليًا من شوائب الشرك، والرياء، وفاقدًا للمنّ، والسمعة وما كان فيه منفعة عامّة ترجع إلى الصالح العامّ، وأن يتضمّن الخير، وما يقرّبه إلى الربّ الكريم.

[1] البقرة : 245

[2] المزمل: 20

قرطاس

القرطاس – بكسر القاف، وتفتح وتضم على لغة- : الورق الذي يُكتَب فيه، وفي القاموس: مثلثة القاف: الكاغد، وقيل: إنّه منصوص بالمكتوب منه، وقد نصّ بعض أهل اللغة على أنّه غير عربيّ. قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ[1].

[1] الأنعام : 7

ق ر ف

الاقتراف: قشر اللّحاء عن الشجر، والجلد عن الجرح، ومايؤخذ منه قرف، ثمّ استعير الاقتراف للاكتساب الحسّي، أو سوى ذلك، وإن كان في الأخير أكثر. وقد وردت هذة المادّة في القرآن الكريم في ستة مواضع، منها قوله تعالى:  وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ  [1].

[1] الأنعام : 113

ق ر ن

مادّة ( ق ر ن ) تدلّ على الاجتماع، وفي قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ[1]، المراد به: القوم المقترنون في زمن واحد، والجمع قرون، وقد استُعملت في القرآن الكريم في ما يقرب من عشرين موضعًا، مفردًا وجمعًا، وأغلب استعماله مع الهلاك، واختلفوا في مقدار ذلك الزمان، فقيل: مئه وعشرون. وقيل: مئة. وقيل: ثمانون. وقيل: سبعون. وقيل: ستون. بل قيل : إنّه مقدار متوسّط أعمار الناس في كلّ زمان، ولكنّه لا ضابطة له . وقال الزّجاج : إنّه عبارة عن أهل عصر فيهم نبّي أو فائقٌ من العلم على ما جرت به عادة الله تعالى، قلّت المدّة، أو كثُرت، والدليل قول نبيّنا الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) : “خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم”[2].

وقرّب بعضهم القول الثاني لما ورد : ” إنّ الله تعالى قيّض لهذه الأمّة على رأس كل مئة سنة من يجدّد لها أمر دينها”[3] وهو المعروف بين الناس .

والظاهر أنّ المعنى اللّغويّ هو الجامع لتلك الاقوال، والأقرب الى الفهم: هم القوم المقترنون في زمن واحد، حتّى يمكن للخلف الاعتبار من السلف، ولا يتحقق ذلك الا بالرؤية علمًا، أو نظرًا .

القرين: الصاحب، والخليل، قال تعالى:   وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا[4].

[1] الأنعام : 6

[2] كنز العمال: 11/527, ح:32457

[3] روح المعاني: 7/94

[4] النساء : 38

ق ر ي

مادة (ق ر ي) تأتي بمعنى: الجمع، فيصحّ إطلاقها على كلّ مجمع إطلاقًا حقيقيًّا، وروي أنّ بعض القضاة دخل على علي بن الحسين (عليه السلام)، فقال (عليه السلام): “أخبرني عن قول اللّه تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ[1]، ما يقول فيه علماؤكم؟ قال: يقولون: إنّها مكّة، فقال (عليه السلام): وهل رأيت سرق في موضع أكثر منه بمكّة؟ قال: فما هو؟ قال (عليه السلام): إنّما عنى الرجال. قلت: فأين ذلك من كتاب اللّه؟ فقال (عليه السلام): ألم تسمع قول اللّه تعالى: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ[2]”[3]؛ أقول: وعلى هذا لا داعي إلى تقدير الحذف، والإضمار، الذي عليه الأدباء، وتبعهم جمع من المفسّرين، لأنّه مع صحّة المعنى الحقيقيّ، لا تصل النوبة إلى المجاز، والحذف.

وسمّيت القرية قرية لتجمّع الناس فيها، ولها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم: إفرادًا، وتثنية، وجمعًا، قال تعالى: ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والْأَرْضِ ولكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[4]، وقال تعالى: وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[5].

وفي قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ[6]، المراد بالقرية: مطلق المدينة، وهما، والبلد نظائر لغة، وإن كان قد يُفرّق بين القرية، والبلد عرفًا، فيقال: القرية للمجمّع الصغير من الناس، والقصبة لما هو أكبر منها، والبلد لما هو أكبر منهما.

[1] سبأ : 18

[2] الطلاق: 8

[3] الاحتجاج – ج 2 – ص 42 – 43

[4] الأعراف:96

[5] الزخرف: 31

[6] البقرة : 58

ق س ط

القِسط: النصيب، والعدل، ومن أسمائه تعالى: المُقسط، أي العادل، وفي الحديث: “إن اللّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض بالقسط، ويرفعه”[1]، وهو بمعنى: الميزان، سمّي به، لأنّه به يتحقّق العدل في الشي‏ء، ومعنى الحديث: إنّ اللّه يخفض، ويرفع، ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم النازلة إليهم، وهو تمثيل لما يقدره اللّه تعالى، وينزله، ويطلق على غيره بالقرينة.

والقسط يستعمل في موارد العدل الظاهر، والحقّ المعروف، فهو أبلغ من العدل، والجور أبلغ في العدوان من الظلم، فيكون للقسط خصوصيّة لم تكن في العدل، وإن كانا يتقاربان في المعنى، ولكنّ القسط يستعمل في مورد لا يستعمل العدل فيه، والأوّل يعدّى بـ (إلى)، ولا يُعدّى العدل به، قال تعالى: أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ[2].

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [3]، قوّامين: يُراد به: شدّة القيام بالقسط، وملازمته على كلّ حال، وإقامته على أحسن الوجوه، وأكملها، والاحتراز عن الجور، ففي هذا الأسلوب دلالته الواضحة، وهو يلفت النظر دون سائر التعابير؛ هذا ما يُفاد من أسلوب المبالغة، وهو يرشد إلى أنّ القسط، والعدل، وسائر الأمور الدينيّة، لا اعتبار بها ما لم تكن مستقرّة دائمة، فلا تكفي المرّة، أو المرّات، بل لا بدّ من أن تكون ملكة راسخة، فلا بدّ من القيام بالقسط حتّى يصير عادة لهم، داخلة في واقع إيمانهم، وجزءًا لا ينفكّ منه.

[1] صحيح مسلم: 1/112, باب: معرفة طريق الرؤية

[2]  الممتحنة:8

[3] النساء: 135

ق س و

القسوة: الصلابة، والشدّة، والرداءة، والغلظة، ولم تستعمل في القرآن الكريم غالبا إلّا مضافة إلى القلب، فيكون المعنى: الغلظة، والصلابة، عمّا من شأنه أن يكون رقيقًا، قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ[1]؛ وقسوة القلب من أشدّ الأمراض النفسيّة، الروحيّة، بل أصلها وأمها، فعن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله): “لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه، فإنّ كثرة الكلام لغير ذكر اللّه تقسي القلب، وإنّ أبعد الناس من اللّه القلب القاسي”[2]، والقلب المتّصف بالقساوة كمرآة، عليها حجاب غليظ، لا يُرى فيها صورة أصلًا، والقلوب القاسية لا تنفعل بالآيات والنذر، ولا تخضع للحقّ، ولا تخشع لآيات السماء، ولا تتأثّر برحمته عزّ وجلّ، قال تعالى: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ[3]، وهي مأخوذة من قسوة الحجارة، أي: صلابتها، فلا يؤثّر فيها الماء، ولا ينبت عليها الزرع، والنبات.

[1]  الزمر: 22

[2] مجمع البيان – ج 1 – ص 266

[3]  الحديد: 16

ق ص ر

القَصر: خلاف المد، يقال: قصرت الشي‏ء إذا جعلته قصيرًا، بحذف بعض أجزائه، أو أوصافه، ومنه قوله تعالى: مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ[1]، وقوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ[2]، وهي الّتي لا تمدّ نظرها إلّا إلى زوجها، فلم يطمحن النظر إلى غيرهم.

وفي قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ[3]، التعبير بنقص بعض ركعات الصلاة بالقصر، من اللغة العالية الّتي جاء بها الكتاب العزيز.

[1]  الفتح: 27

[2]  الصافات: 48

[3] النساء: 101

ق ص ص

مادّة (ق ص ص) تدلّ على التتبّع في الأثر، نحو قوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا[1]، وقوله تعالى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ[2] ومنه: القِصّة، وهي: الأخبار المتتبعة، قال تعالى: وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ[3]، وقال تعالى:  فَاقْصُصِ الْقَصَصَ[4].

والقصيص: ما يبقى من الكلأ، فيُتّبع أثره، ومنه القِصاص، أي: تتّبّع الدم بالقود، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[5].

واختلفوا في المراد من يَقُصُّ الْحَقَّ  في قوله تعالى : قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ[6]، فالمعروف أنّه بمعنى: تتبّع الحقّ في جميع أدواره، وأطواره، وعوالمه، وسائر خصوصيّاته، وبيان جميع أحكامه، فلا يحكم إلّا بما هو حقّ، فيكون دليلًا لثبوت الحكم، منحصرًا بالله تعالى، لأنّه الحقّ، يبيّنه، ويثبته في القول، والفعل، فهو عزّ، وجلّ مطلقًا، وغيره يتبعه في الحقّ.

وقيل : إنّه بمعنى القطع، أي قصّ الحقّ، وفصله من الباطل، وهو يستلزم القضاء، والحكم بالحقّ، وأُيّد هذا بقوله تعالى: وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ[7]، ويشهد له قراءة عاصم، ونافع، وابن كثير، من السبعة بالقاف والصاد المهملة من القصّ، وهو: قطع شيء، وفصله من شيء. وذكر بعض السادة المفسّرين أنّ منه قوله تعالى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ[8]. والظاهر أنّه سهو منه.

وقرأ الكسائي وغيره (يقضي) من القضاء، حذفت الياء في الخطّ على حدّ قوله تعالى فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ[9]، أي: يقضي بالحقّ، ويفصل بالحقّ، وهو خير الفاصلين، ولكن ذكرنا أنّه يلازم قصّ الحقّ، أي: فصله .

وذكر بعضهم : أنّه بمعنى الإخبار عن الشيء من القصّ.

والحاصل: أنّ الآية الكريمة تدلّ على معنى دقيق، له ارتباط وثيق بأفعال الله تعالى المقدّسة، فهو الحقّ المطلق، ويتتبّع الحقّ، ويرسي دعائمه في خلقه، ويبيّنه لعباده، وإليه يرجع الحقّ، فاجتمعت في الآية جميع العلل، فهو عزّ وجلّ الحقّ، وخالقه، والغاية منه إقامة الحقّ، والخلق مظاهر الحقّ المطلق، واليه سبحانه يرجع. والمعنى: وما الحكم إلّا لله، فهو الذي خلق ماسواه بإتقان، وإحكام، هي مظاهر عظمته وجماله، وقد بيّن الحقّ وأوضح معالمه، ورغّب عباده اليه، وأسّس دعائمه، فهو يقصّ الحقّ تثبيتًا لسلطانه المطلق، وأحكامه المقدّسة.

[1] الكهف: 64

[2] القصص : 11

[3] القصص : 25

[4] الأعراف : 176

[5] البقرة : 179

[6] الأنعام: 57

[7] الأنعام : 57

[8] القصص : 11

[9] القمر : 5

ق ض ي

مادة (ق ض ي) ذكر لهما معان، أنهاها بعض اللغويين إلى عشرة، وتبعهم بعض المفسّرين؛ ويمكن إرجاع بعضها إلى بعض، وقد خلط فيها بين الموضوع له، والمستعمل فيه، بل خلط بين دواعي الاستعمال، وتعدّد المستعمل فيه، ولعلّ المعنى الواحد الساري في الجميع: الفعل، بالمعنى العامّ، الشامل للحتم، والحكم ونحوهما، فقضاؤه حكم، وحتم، وفعل، هذا بالنسبة إلى مطلق القضاء، الذي هو من فعل اللّه تعالى؛ وأمّا ما هو في مقابل القدر، فقال الصادق (عليه السلام): ” لا يكون شيء في الأرض، ولا في السماء، إلّا بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة، فقد كفر”[1].

أقول: هذه كلّها من فعل اللّه تعالى، ومطابقة للبراهين العقليّة.

والمادّة كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم بالنسبة إلى الخالق، والخلق، والقول، والفعل، والدنيا، والآخرة، وهي بمعنى: فصل الأمر: قولًا كان، أو فعلًا، ويلزمه الإتمام والفراغ، قال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [2].

[1] الكافي – ج 1 – ص 149

[2] البقرة: 117

ق ع د

القاعدة: تأتي بمعنى الثبوت، والاستقرار، في مقابل الحركة، وسمّي أساس البيت، والبناء، قاعدة، لثباته واستقراره، والجمع: قواعد، قال تعالى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [1]، وسمّيت القاعدة العلميّة قاعدة، لثباتها، وتفرّع مسائل عليها.

وفي قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2]، رفع القواعد: هو البناء عليها، ويحتمل أن يراد بالبيت، والقواعد، والرفع، المذكورة في الآية المباركة، المعنى الأعم من رفع البيت الجسمانيّ، وقواعده، ورفع بيت النبوّة، والتشريعات السماويّة، فإنّ أساسها من إبراهيم (عليه السلام).

[1] النحل: 26

[2] البقرة: 127

ق ف ي

مادة (ق ف ي) تدلّ على الاتّباع، من القفا، وهو مؤخر العنق، قال تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ[1]؛وتأتي متعدّية بنفسها، نحو: قفا فلان أثر فلان، إذا تبعه، وبالباء إلى المفعول الثاني مثل: قفّيته بفلان، إذا اتبعته إيّاه، وتُستعمل في المحسوس، وغيره. يقال: فلان يقفي آباءه، وأشياخه، أي: يتلوهم، ويسير على طريقتهم.

[1] المائدة: 46

ق ل ب

التقلّب: التحوّل من حال إلى حال، أو التردّد المرّة بعد المرّة، ويستعمل غالبًا في الحركات المنطبعة غير الإراديّة، وسمّي القلب قلبًا، لتحوّله، وتصرفه من حال إلى حال.

وفي قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[1]، المراد به: تحويل النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وجهه المبارك في السماء من جهة إلى أخرى، تطلعًا للوحي، وانتظارًا لأوامر اللّه تعالى.

وفي قوله تعالى: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ [2]، المراد به: كون الكفار في رفاه الحال، وشرف الحياة، يتقلّبون في البلاد آمنين، متنعّمين بالصحّة، والإمهال، ولكن وصفهم تبارك وتعالى بأخسّ الأوصاف، فقال ـــــ عزَّ، وجلَّ في الآية اللاحقة:  مَتاعٌ قَلِيلٌ  .

[1] البقرة: 144

[2] آل عمران: 196,

ق ل م

مادة (قلم) تأتي بمعنى: القطع في أي هيأة استُعملت، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم مفردة، وجمعًا، قال تعالى: ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ[1]، وقال تعالى: ولَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ[2]، ويسمّى القدح قلمًا، لأنّه مقطوع في الجملة أيضًا، وقيل: لا يقال للقلم قلمًا إلّا بعد البري، ويسمّى قبله: قصبة، ويراعة.

[1]  القلم: 1

[2]  لقمان: 27

ق ن ت

مادة (قنت) وردت في القرآن كثيرًا بهيآت مختلفة، منتسبة إلى الرجال مرّة، وإلى النساء ثانية، وإلى مخلوقاته، وموجوداته ثالثة، وكلّها مقرونة بالمدح، والتمجيد، قال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ[1]، وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا[2]، وقال جلّ شأنه: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ[3]، وقال تعالى: وَالْقانِتِينَ والْقانِتاتِ[4]. وقال تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [5].

والقنوت بمعنى: الدعاء، والعبادة، والخضوع، ومرجعها جميعًا إلى الأخير؛ ولكن للخضوع مظاهر مختلفة، وفي قوله تعالى: وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ[6]، أي: إن كلًّا خاضع لإرادته، ومنقاد لسلطانه، وذلك ينافي أن يتّخذ ولدًا، لأنّ المعبوديّة المطلقة مناط للاستغناء المطلق، وولادة شي‏ء من شي‏ء مناط الاحتياج، وهما لا يجتمعان، فجميع ما سواه تعالى يشهد له بتنزّهه عن الولد، قال تعالى: وإِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[7].

والقنوت: لزوم الطاعة، مع الخضوع، وقد فسّر بكلّ واحد منهما أيضًا، ولكن إذا استُعمل في الأنبياء، والأولياء، وعباد اللّه المخلصين، يراد به هما معًا، فإنّ جميع الموجودات تتّصف بالقنوت له جلّت عظمته، لأنّ كلّ مربوب قانت لربّه، وأصلها ينبئ عن خضوع خاصّ، هو مظهر للعبوديّة، وما ذكره المفسّرون، واللغويّون من الدعاء، والعبادة، والخشوع، والصلاة، والسكوت، وطول القيام كلّ ذلك من المصاديق، لا معاني مستقلة في حدّ نفسها، فلا يكون من مشترك اللفظ أو المعنى.

وقد أطلق على السكوت، نحو ما في حديث زيد بن أرقم: “كنّا نتكلّم في الصلاة حتّى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، فأمسكنا عن الكلام”[8]. ولكنّه سكوت خاص بقرينة قوله (صلّى اللّه عليه وآله): “إنّ هذه الصلاة لا يصحّ فيها شي‏ء من كلام الآدميين إنّما هي قرآن، وتسبيح.[9]”

والقنوت من أفضل مقامات العبوديّة، وله مراتب كثيرة: شدّة، وضعفًا.

وفي قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [10]، المراد به: الخضوع، والخشوع الخاص.

والقانت: المطيع، قال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ [11].

[1] النحل: 120

[2] الزمر: 9

[3] آل عمران: 43

[4] الأحزاب: 35

[5] البقرة: 116.

[6] البقرة: 116

[7]  الإسراء: 44

[8] مجمع البيان ـــ ج 1, ص 360.

[9] مفردات غريب القرآن – ص 413

[10] البقرة: 238

[11]  النحل: 120

ق ن ط ر

القنطار: المال الكثير، وفي بعض الأخبار ملء مسك ذهبًا، وقيل: ملء جلد ثور ذهبًا، وقيل غير ذلك، وهو اسم لمعيار خاصّ أيضًا، وسمّي المال بالقنطار، لأنّ صاحبه يعبر بواسطته الحياة الدنيا، ويختلف ذلك اختلافًا كثيرًا بحسب الأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، وغيرها، كالغنى الذي لا يمكن تحديده بحدّ خاص، ومن حدّدهما إنّما يحدّدهما بحسب الجهات الخارجيّة، لا بحسب ذاتهما.

وفي قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ[1]،القناطير: جمع قنطار، والمقنطرة: اسم مفعول جي‏ء به للتثبيت، والتوكيد، وهو من عادة العرب في توصيف الشي‏ء بما يُشتقّ منه، للمبالغة، وتثبيت معناه له، وهذا التعبير مشعر بالكثرة، والاقتناء.

[1] آل عمران: 14

ق ن و

القِنو(بالكسر): العِذق (بالكسر)، وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب، والسنبلة من القمح. والمثنّى، والجمع: قِنوان، لفظ يستوي  فيه مثناه، وجمعه، كصِنو، وصِنوان، وهو مايخرج من أصل الشجرة من الفروع، ورِئد ورِئدان بمعنى: مثل. وقيل: إنّه لم يأت مفرد يستوي مثنّاه وجمعه إلّا هذه الاسماء الثلاثة. قال تعالى:  وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ [1].

[1] الأنعام  : 99

ق و ت

المُقيت: المقتدر الحافظ، ومن أسمائه جلّت عظمته (المقيت)، أي: الحفيظ، قال تعالى: مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا[1]، وفي الحديث: “كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقيت”[2]، أي: من تلزمه نفقته من أهله، وعياله، وعبيده، ممّن هو تحت قدرته، وقال الزبير بن عبد المطلب:

وذي ضغن كففت النفس عنه

وكنت على مساءته مقيتا

أي قديرًا.

وقيل: إنّ مقيتا من أقته أقاتة، فأنا قائت، ومقيت.

وكيف كان، فإنّ فيه معنى الحساب، أي: قادر على كلّ شي‏ء، على وفق حساب دقيق، يعطي على قدر الحاجة.

[1] النساء : 85

[2] جامع البيان : 5/356

ق و ل

القول: مطلق ما يشعر بالحكاية عمّا في الضمير، بخلاف الكلام، فإنّه أعمّ من القول، فكلّ كلام قول، ولا عكس، وفي قوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[1]، المراد به: مطابقة ضمائرهم لما يقولون بألسنتهم.

[1] آل عمران: 16

ق و م

القوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وواحده (امرؤ)، والمعروف بين أهل اللغة اختصاصه بالرجال، دون النساء، قال تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ولا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ[1]، وقال زهير:

وما أدري وسوف إخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء[2]

وقد يراد من القوم: النساء أيضًا، لقرينة تدلّ عليه قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ[3]، وقال تعالى: وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ[4]، ومعلوم أنّ الرسالة تعمّ الرجال، والنساء.

ومادة (ق و م) تدلّ على الثبوت، والعزم، والاستقامة، والرعاية، والحفظ، وفي قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ[5]، المراد به: ما يكون عن استقامة، وتثبّت.

وفي قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء[6]، قوّامون: جمع قوّام، وهي فعّال، مبالغة من القيام على الشي‏ء، أي: تدبيره، والنظر فيه، وإصلاح شؤونه، وحفظه، بالاجتهاد، ومنه: القيّم على الأيتام، والقوامة، التي جعلها اللّه تعالى للرجل، أو يتطلّبها ناموس الفطرة، لم تختصّ بجهة معينة، فإنّها مطلقة بما فضّل اللّه تعالى الرجل على المرأة، فالرجال قوّامون على النساء في الحياة المعيشيّة، كطلب الرزق، وحفظ شؤون المجتمع، والمراد من المبالغة في المقام: دوام قيام الرجال على النساء في إصلاح شؤونهن، وتثقيفهن، وتأديبهن.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [7]، قوّامين: يراد به شدّة القيام بالقسط، وملازمته على كلّ حال، وإقامته على أحسن الوجوه، وأكملها، والاحتراز عن الجور، ففي هذا الأسلوب دلالته الواضحة، وهو يلفت النظر دون سائر التعابير؛ هذا ما يُفاد من أسلوب المبالغة، وهو يرشد إلى أنّ القسط، والعدل، وسائر الأمور الدينيّة، لا اعتبار بها ما لم تكن مستقرّة دائمة، فلا تكفي المرّة، أو المرّات، بل لا بدّ من أن تكون ملكة راسخة، فلا بدّ من القيام بالقسط حتّى يصير عادة لهم، داخلة في واقع إيمانهم، وجزءًا لا ينفكّ منه.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ[8]، اختلف العلماء، والمفسّرون في المراد من القيام، ولكنّ الظاهر المنساق من الآية الكريمة أنّ المراد منه: إرادة الصلاة بالتهيؤ إليها، فإنّه قد يعبّر بالفعل، ويراد منه إحدى المقدّمات القريبة منه، والعكس صحيح أيضًا، لعلاقة الملازمة، والسببيّة، أو لعلاقة الأول والمشارفة، أو لشدّة الارتباط بينهما، وقد ورد ذلك في الاستعمالات الصحيحة، وكلمات الفصحاء، ففي القرآن الكريم قال تعالى: وإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ[9]، استعمل فعل القيام، وأريد منه المقدّمات القريبة، الملازمة للقيام للصلاة، أي: إذا أردت، وأقمت لهم الصلاة، وقال تعالى: وإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا[10]   أي: إذا طلّقتم زوجًا وجئتم بأخرى، وفي المقام يُراد من القيام إرادة الصلاة، فليس المراد منه القيام مقابل الجلوس، الذي هو فعل من أفعال الصلاة، لأنّه قيام للصلاة، كالركوع، والسجود، لا قيام إلى الصلاة، ويدلّ على ما ذكرنا سياق التعبير في الآية المباركة: إِلَى الصَّلاةِ ، وموقعه العمليّ، لأنّها عمل، وكلّ عمل لا يتحقّق إلّا بالإرادة؛ وتدلّ عليه الرواية عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ، قلت: ما عنى بها؟ قال عليه السّلام: من النوم”[11]. ومثلها غيرها، فإنّها تدلّ على أنّ المراد: القيام التهيؤيّ للصلاة، بالخروج عن الأحداث الموجبة للطهارة، وذكر النوم إنّما هو من باب المثال، فتكون هذه الروايات مخصّصة لعموم الآية الشريفة، الدالّ على وجوب الوضوء لكلّ صلاة، فإنّها تختصّ بالمحدثين من المكلّفين.

وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ[12]، المراد به: كثرة القيام له عزّ، وجلّ، بملازمة أداء حقوقه، والوفاء بعهوده، والإخلاص في الأعمال، ابتغاء لمرضاته عزّ وجلّ، حتّى تصير عادة لكم، وخلقًا كريمًا فيكم، فتكونوا مظهرًا من مظاهر أسمائه المقدّسة، ولتكونوا دعاة إلى اللّه تعالى، بأعمالكم، وأقوالكم.

والقيام: المحافظة على الشي‏ء، والملازمة له، وفي حديث الدعاء:”لك الحمد أنت قيام السموات والأرض”[13]، أي القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم، وحافظه في جميع أحواله.

والقيامة: مصدر، والتاء فيه مصدريّة كـزيادة، وكرامة. وسمّيت القيامة قيامة، لأنّ الناس يقومون فيه لربّ العالمين، قال تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ[14]، وقيل: سمّي يوم القيامة، لأنّ الناس يقومون من قبورهم، ويوم القيامة: وقت قيام الناس لربّ العالمين من القبور والأجداث.

والقيّوم: من أسمائه الحسنى، وفيه حصر للقيّوميّة فيه عزّ وجل فقط، قلبت الواو ياء بعد أن كان الأصل: قيووم، وادغمتا، فصار قيّوما للقياس المطرد على ما هو المعروف عند الأدباء، وأصل القيام القوام، فُعل به ما فُعل بنظيره.

ومعناه: القائم بالأمر، المتعهّد بالحفظ، والتدبير، والمراقبة، وقد أطلق عليه تعالى قبل الإسلام أيضًا, قال أميّة بن أبي الصلت :

لم تخلق السّماء والنجوم

والشمس معها قمر يقوم‏

قدّره مهيـمن  قيـّوم

والحشر والجنّة والنعيم‏

إلّا لأمر شأنه عظيم‏[15]

وهو تعالى قائم بأمر خلقه، وتدبير شؤونهم عن علم تامّ، وحكمة كاملة، وهو دائم بدوام ذاته، لا يعتريه ضعف، ولا فتور.

وتستلزم القيمومة على خلقه، جملة من الصفات العليا الحقيقيّة ذات الإضافة، نحو: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والرحمة، والغفران؛ فهو من أمهات الأسماء، ذات الإضافة.

وفي قوله تعالى: اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [16]، يصحّ أن يراد من القيّوم: مقوّم وجود كلّ موجود: حدوثًا، وبقاء، ويصحّ أن يراد به: مقوّم حياة كلّ ذي حياة، حيوانيّة كانت، أو نباتيّة، ويصحّ أن يراد به: قيّوم كمال كلّ ذي كمال.

والحقّ هو الأخير، وسائر المعاني منطوية فيه، ولذا عقّبه سبحانه وتعالى بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ[17]، لأنّ ذلك من شؤون حياته، وقيوميّته المطلقة.

والإقامة: بمعنى الإستواء، والاعتدال، والجمع؛ ومعنى إقامة الصلاة: إتيانها بحدودها، وقيودها على ما أمر اللّه تعالى به، والتوجه بها إلى اللّه عزّ، وجل؛ وليس المراد بإقامتها، مجرد الإتيان بها صورة من قيام، وركوع، وسجود، خالية من روح العبادة، والتوجّه إليه تعالى، وإلّا فهو مضيّع لها، وقد توعّد اللّه فاعلها بالويل، فقال جل شأنه: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ[18]: فهو وإن سمّي مصليًا، لكنّه منعوت بالسهو عن حقيقتها فتقول الصلاة له: “ضيّعك اللّه كما ضيّعتني”[19]، ولأجل ذلك لم يُستعمّل لفظ الإتيان بالصّلاة في القرآن العظيم إلّا مقرونًا بالذم غالبًا، نحو قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى‏ وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ[20].

وفي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم[21] إقامة التوارة، والإنجيل: حفظهما، والعمل بما جاء فيهما من التعاليم، والأحكام؛ ولعلّ المراد: نبذ التحريف، والرجوع إلى الحقّ الذي أُنزل من قبل، يشهد لهذا قوله: وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم.

ومثله في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[22].

وكذلك الاستقامة، فهي الاستواء في مقابل الانحراف، والاعوجاج؛ وتعمّ الجميع من الاعتقادات، والملكات، والخواطر النفسانيّة، وأعمال الجوارح من العبادات، والمعاملات، والمجاملات، فإنّها إن طابقت رضاء اللّه تبارك، وتعالى، كانت مستقيمة، وإلّا فهي منحرفة، قال تعالى: ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[23].

[1]  الحجرات: 11

[2] ديوان زهير بن أبي سلمى ، ص 13

[3]  الأعراف: 59

[4]  الأنعام: 83

[5] البقرة : 238

[6] النساء : 34

[7] النساء: 135

[8]المائدة: 6

[9]النساء: 102

[10] النساء: 20

[11] تفسير العياشي – ج 1 – ص 298

[12] المائدة: 8

[13] النهاية في غريب الحديث – ج 4 – ص 134

[14]  المطففين: ٤- 5

[15] أمية بن أبي الصلت (حياته وشعره) ، ص 285 ــ 286

[16] آل عمران : 2

[17] آل عمران: 5 ــ6

[18]  الماعون 4 ـــــ 5

[19] كنز العمال – ج 7 – ص 316، (ح 19052)

[20]  التوبة: 54

[21] المائدة: 66

[22] المائدة : 68

[23] آل عمران: 101

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"