ما حقيقة التوكّل على الله تعالى ؟▪️

▪️يقول آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري -رض- :-
▪️التوكّل على الله تعالى هو الاعتماد عليه عزّ وجلّ قلباً، واطمئنان النفس به، والوثوق بأنه لم يهمله، بعد الاعتراف بعجز الإنسان أمام قدرته وعلمه وإحاطته وقيموميّته، والاعتقاد بأنه تعالى هو الفاعل لا غيره، وأن لا ربّ غيره، فيعلم علماً قطعياً بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، يضع الأشياء في مواضعها بحكمته، وهو القادر على كل شيء في السماوات والأرض.
▪️ومن ذلك يظهر السرّ في ذكره عزّ وجلّ العزة والحكمة في قوله تعالى {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، لأن الاعتقاد بأنه حكيم يضع الأشياء في مواضعها، وعزيز قادر لا يمتنع عليه شيء إذا أراد، فلا محالة يذعن المؤمن بأنه تعالى ناصره ومعينه، وهو حسبه وكافيه، ويحصل له الاعتقاد بأن كل ما يسوقه إليه ربه هو طيب وكريم وحسن وخير، ويعتمد عليه في جميع أموره، وتحصل الثقة بالله العظيم فيتوكل عليه عزّ وجلّ.
▪️فالتوكّل إنما هو ارتباط عالم الشهادة المتناهية من كل جهة، بعالم الغيب غير المتناهي كذلك، ولذا نرى أنه والتوحيد قرينان، لا يتحقق أحدهما من دون الآخر، فمن لا توحيد له لا توكّل له، ومن لا توكّل له لا إيمان له، ويدل عليه قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين}. بل يمكن أن يقال بأن التوكّل طريق لمعرفة إيمان المؤمن، بل هو محقق له، لأنه لا يرى لغير الله تعالى أثراً، فالجميع مسخّر تحت إرادته، وإنما جعل لها نظاماً معيّناً أقام أمور العالم به، فتجري وفق قانون الأسباب والمسبّبات، خاضعة له لا تتخلف عنه، إلا أنها عاجزة عن أي نفع وضرر؛ لأنها لا تفعل شيئاً إلا بإرادتـه ومشيئته عزّ وجلّ، والمؤمن يذعن بهذا النظام الذي أقام الله تعالى هذا العالم به، ويطلب كل شيء عن طريق سببه، ويعمل ويكافح على إيجاد الأسباب الظاهرية المنوطة بها المسببات، ويطلبها وفق ما أمره الله تعالى طلباً تكوينيّاً أو تشريعيّاً ولكنه يعترف بالعجز أمام قدرة الله تعالى، ويذعن بالجهل أمـام المـقادير التـي قدّرها عزّ وجلّ، ويعلم بأن الأسباب الظاهرية التي عمل لأجلها شيء، والمقادير والقضاء والقدر والأسباب الخفية التي يجهلها شيء آخر، وجميعها خاضعة له عزّ وجل، مسخّرة أمام ارادته ومشيئته، وهو عاجز عنها فيوكّل أمره إليه معتقداً بأنه حسبه وناصره ومعينه.
▪️ومن جميع ذلك يعلم بأن التوكّل لا ينافي الأسباب الظاهرية، بل الاعتقاد بها، والعمل عليها من جملة أساسيات فضيلة التوكّل، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الشورى:36.
▪️ويستفاد من هذا الآية الشريفة أمران:
الأول: أن الإنسان لا يمكن له التغاضي عن متاع الحياة الدنيا الذي هو من نِعَم الله تعالى عليه، فهو الذي يقضي به مآربه، ويحقق مقاصده، ويعيش عليه في هذه الحياة الدنيا، وأما ما عند الله فهو خير من هذا المتاع القـلـيـل فـي الكـميّة والكيفيّة، وإنما جعل الله هذه الدنيا وسيلة لنيل ما هـو أعـظـم مـنها، ولا يمكن تحصيل هذا المتاع إلا بأسباب خاصة معروفة يجري عليها نـظـام هـذا العـالم، فالتوكّل على الله تعالى والاعتماد على الأسباب الظاهرية قرينان، بل هـي مـن طرق تحصيل التوكّل عليه عز وجل كما عرفت، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وآله- : «اعقلها ثمّ توكّل».
▪️الثاني: أن التوكّل من شروط الإيمان الصحيح، بل هو من أعـلـى مـقامات التوحيد، فإنه التوحيد العملي الذي اعتنى به الله تعالى في كتابه الكريم، واهتمّ به الأنبياء والمرسلون، فهو يبيّن الجانب العملي في الإيمان؛ لأن التوكل وظيفة من وظائف القلب، فإنّ به تطمأن النفس ويسكن القلب، وبه يدخل المؤمن تحت الآية المباركة {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} الفجر: 27-30.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"