1. الرئيسية
  2. /
  3. الدروس
  4. /
  5. الدرس العشرون

الموضوع: بحث الأصول – مبحث الأوامر – مادة الأمر – صحة التكليف وعدم منافاته لأخبار الطينة وحديث الشقي من شقي في بطن أمه  .

أثبتنا الأمر بين الأمرين بالوجدان والبرهان والأدلة اللفظية، وبقي في المقام إشكالان آخران: –

الاشكال الأول: – الأخبار الكثيرة الواردة في الطينة أي طينة الانسانية، وهذه أخبار كثيرة علمية نقلها المجلسي قدس سره في الجزء الرابع من كتاب البحار الطبعة الحجرية القديمة، وذكر كيفية الطينة في بعض الكتب الموافقة لعلي عليه السلام، فأصل هذه الطينة مما لا ينغي الاشكال في ثبوتها لأجل أن تلك الروايات مستفيضة بل متواترة، ننقل من تلك الروايات الكثيرة حديثاً واحداً عن مولانا الصادق صلوات الله عليه:- ( لما أراد أن يخلق الله تبارك وتعالى آدم قبض بيمينة وكلتا يديه يمين من العليين قبضة من طينة العليين وقال منك أخلق الأنبياء والمتقين والأولياء والصلحاء وإلى الجنة ولا أبالي، ثم قبض قبضة من سجين وقال منك أخلق الفراعنة والعداة إلى غير ذلك فإلى النار ولا أبالي ثم خلطهما فجعل جسد آدم من الطينتين طينة العليين وطينة سجين )، والأخبار بهذا المدلول كثيرة، والاشكال أنه إذا كانت طينة العليين علَّة تامة منحصرة للسعادة والأفعال الخير فسوف يسقط الاختيار فيها من كل جهة لانتهائها إلى أمر ذاتي غير اختياري، وإذا كانت طينة السجين مقتضية للفساد والفسق فسوف ينتهي ذلك إلى أمر ذات غير اختياري وحينئذٍ فلا وجه للثواب والعقاب والتكليف فإنه يشكل جميع ذلك، فإذا عملنا بالأخبار المستفيضة الواردة في الطينة يلزم هناك إشكالات عويصة لا يمكن الجواب عنها، هذا أصل الاشكال، ولذا عن جمعٍ ذهبوا إلى إنكار هذه الأخبار من اصلها وعدم الاعتناء بها.

ولكن نحقق المسألة بتحليل عقلي وتوفيق عرفي أيضاً فنقول: – إن أخبار الطينة يحتمل وجوهاً: –

الوجه الأول: – أن تكون طينة العليين علّة تامة منحصرة لصدور الخيرات بلا عمدٍ ولا اختيار، والطينة السجينية علّة تامة منحصرة لصدور الشرور والفساد بلا عمدٍ ولا اختيار أصلاً وأبداً.

وهذا الاحتمال ساقط من أصله ولا دليل عليه من عقل أن نقل: – لأنَّ طينة العليين أعم من أن تكون علة تامة منحصرة لصدور الخيرات أو تكون من مجرد المقتضي فقط لا أن تصل إلى مرتبة العلية التامة، كما أنَّ طينة السجين مجرد الاقتضاء فيها للشرور للفساد مسلم وأما كونها من العلة التامة المنحصرة مشكوك ولا يستفاد من الأخبار الواصلة إلينا حيثية العلة التامة المنحصرة، فنفس الطينتين في مرتبة ذاتهما مقتضية الاقتضاء معلوم قطعاً والعلية التامة المنحصرة مشكوك فتكون أصالة عدم العلية التامة المنحصرة جارية.

ثم بعد ذلك فخلطهما بيده وجعل منهما جسد آدم، فعلى فرض أن تكون الطينتان علّة تامة منحصرة لمقتضاهما بعد الخلق تسقط عن العلية التامة ويصير مقتضياً بلا إشكال، هذا هو الجواب الصحيح عن تلك الأخبار المستفيضة الواردة في الطينة فأصل الاقتضاء في الجملة فيهما مسلّم ولكن وصولها إلى مرتبة العلية التامة بحيث يسلب الاختيار مشكوك ومردود بالأدلة الكثيرة من تشريع التكاليف وتشريع الثواب والعقاب وبعث الانبياء والرسل وإنزال الكتب كل ذلك يدفع العلة التامة المنحصرة.

ثم بعد الخلق كما هو منوص في جملة من النصوص لو فرض محالاً العلية التامة بعد الاختلاط تسقط العلية التامة ويصير من مجرد المقتضي فقط فلا إشكال حينئذٍ، ومجرد الاقتضاء من حيث أنه اقتضاء لا ينافي التكليف ولا ينافي الثواب والعقاب وإرسال الرسل وإنزال الرسل، فأصل الاقتضاء المبهم المهمل ثابت في كل واحد منهما وذلك لا ينافي التكليف أصلاً وابداً، هذا هو الجواب الصحيح عن هذه العويصة.

الاشكال الثاني: – ما رواه الفريقان أنَّ نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: – ( الشقي من شقي في بطن أمع والسعيد من سعد في طن أمه )، قالوا إنَّ هذا الحديث الصحيح ينافي الاختيار وينافي التكليف وأن من كان شقياً بحسب ذاته كيف يختار السعادة ومن ان سعيداً بحسب ذاته كيف يختار الشقاء.

هذا أصل الاشكال في هذا الحديث الشريف ومن ماهية الاشكال بعضهم رمى الحديث بضعف السند، ولكن هذا لا وجه له أصلاً لاتفاقهم في صحاح اخواننا العام من ست صحاحهم على نقل هذا الحديث وقد نقل في كتبنا أيضاً.

ونحن نقول في تحليل هذا الحديث الشريف ( الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه ):- إنَّ الاحتمالات الثبوتية في الحديث ثلاثة:-

الاحتمال الأول: – أن تكون الشقاوة والسعادة ذاتية بنحو العلَّة التامة المنحصرة بحيث لا يكون قابلاً للتخلف أصلاً وابداً.

وهذا الاحتمال ساقط بلا إشكال: – وذلك بإنزال الكتب وإرسال الرسل وتشريع الشرائع السماوية، فإن جميع ذلك ينافي احتمال الشقاوة الذاتية والسعادة الذاتي فهذا الاحتمال اصلاً وابداً.

الثاني: – أن تكون الشقاوة والسعادة اقتضائية في الجملة لا أن تصل إلى مرتبة العلّية فالشقي من له اقتضاء الشقاوة في الجملة والسعيد من له اقتضاء السعادة في الجملة وهو في بطن أمه فهذا صحيح ثبوتاً واثباتاً ولا منع فيه من عقل أو نقل لأن اقتضاء الخير واقتضاء الشر في الجملة لا باس بالقول به وهو حاصل وجداناً في هذه النفوس، ويشهد له قول نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: – ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة …. )، فمجرد الاقتضاء في الجملة لا بأس به ولا ينافي تشريع الشرائع وإنزال الكتب والثواب والعقاب وغير ذلك، وهذا وجه حسن لا بأس به.

الاحتمال الثالث: – ما ذكره مولانا الصادق في خبر ابن أبي عمير، حيث سأله ابن أبي عمير عن هذا الحديث فقال معناه أنَّ الشقي من شقي في بطن أمه أي يعلم الله أنه يختار الشقاوة باختياره في الدنيا، والسعيد من سعد في بطن أمه أي يعلم الله أنه يختار السعادة باختياره في دار الدنيا، ونسمّي هذه الشقاوة والسعادة بالشقاوة والسعادة العلمية الأزلية، وقد أثبتنا سابقاً أنَّ علمه جلَّ جلاله ليس علّة تامة لحصول المعلول، فهذا الاحتمال صحيح أيضاً ولا إشكال فيه.

وفي جملة من الدعوات خصوصاً الدعوات التي يدعى بها في ليالي القدر مثل:- ( اللهم إن كنت عنده من الأشقياء فامحني واكتبني من السعداء )، فلو فرض أنَّ الشقاوة ذاتية بحيث لا تختلف ولا تتخلَّف لكانت جميع تلك الدعوات لغواً وباطلاً، ولا يمكن أن يصدر من المعصوم عليه السلام اللغو والباطل، فمرجع الشقاوة ومرجع السعادة إما إلى الشقاوة والسعادة الاقتضائية بنحو الاهمال والاجمال، أو إلى الشقاوة والسعادة العلمية الأزلية فإنَّ الله تبارك وتعالى يعلم وهو في بطن أمه أنه إذا خرج إلى الدنيا يختار السعادة باختياره والشقي إذا خرج إلى الدنيا يختار الشقاوة باختياره، ويوجد في بعض الروايات تفسير لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:- ( الشقي من شقي في بطن امه والسعيد من سعد في بطن أمه ) أي يكتب بين عينيه وهو في بطن أمه أنه سيختار الشقاوة والسعيد من سعد في بطن أمه أي يكتب بين عينيه أنه يختار السعادة باختياره، فهذا الحديث الشريف لا ينافي الاختيار بوجه من الوجوه.

ثم إنهم أرسلوا في المقام أن الحديث الشريف منافٍ لما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة لا أن أبواه يهودانه أو يمجّسانه أو ينصرانه )، فإذا كان الشقي في بطن أمه شقياً فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:- ( كل مولود يولد على الفطرة ) فإنهما متناقضان ومتنافيان.

وهذا الاشكال مدفوع ولا وجه له: – لأنا قلنا إنَّ المراد بالشقاوة الشقاوة الاقتضائية المبهمة المهملة، والمراد بالفطرة أيضاً الفطرة الاقتضائية، ولا إشكال في صحة جمع مقتضيات كثيرة في شيء واحد، حيث أنَّ الاسلام حسن من كلِّ حيثيةٍ وجهةٍ ومقتضى فطرة البشر أنه إذا عرض عليها ما هو حسن من كل حيثية وجهة أن تقبله، هذا هو حديث الفطرة، فالفطرة اقتضائية والشقاوة والسعادة اقتضائية أيضاً ويمكن جمع اقتضائيات كثيرة في موردٍ واحدٍ وشيءٍ واحد، هذا بعض الكلام في مادة الأمر.

وسيأتي البحث في صيغة الأمر ولابد من بيان جهات: –

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"