1. الرئيسية
  2. /
  3. الدروس
  4. /
  5. الدرس السادس والثلاثون

الموضوع: بحث الأصول – مبحث الأوامر – هل كلام الله تعالى حادث أو قديم وهل القرآن الكريم حادث أو قديم .

خلاصة القول في كلام الله تبارك وتعالى: – أنَّ كلامه الأقدس ليس في مرتبة الذات وليس عيناً لذاته، بل كلامه خارجٌ عن مورد الذات ومن صفة الفعل لا أن يكون من صفة الذات، ويدل على ما قلناه جملة من النصوص الواردة في تفسير كلام الله وفي تفسير الوحي ونحو ذلك، منها موثقة علي عن الصادق عليه السلام:- ( قلت له:- لم يزل الله متكلماً؟ قال عليه السلام:- إنَّ الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عزَّ وجلَّ ولا متكلم )، وعن الصادق عليه السلام:- ( بينا رسول الله صلى اللاه عليه وآله وسلم جالس وعنده جبرئيل إذ جاءت من جبرئيل نظرة إلى السماء فقال جبرئيل إنَّ هذا اسرافيل حافظ لك وأقرب خلق الله تعالى منه واللوح بين عينيه فإذا تكلَّم تبارك وتعالى ضرب اللوح جبينه فنظر فيه ثم ألقاه إلينا نسعى به في السموات والأرض ) ، فكل هذه الأخبار التي هي مستفيضة في بيان مثل هذه المعاني تدل على أنَّ الكلام صفة الفعل وحادث لا أن تكون صفة الذات وقديمة، هذا بالنسبة إلى كلامه تبارك وتعالى.

وأما الكلام النفسي الذي نسب إلى الأشعريين: – فالقول فيه تارة في إمكانه ووقوعه بالنسبة إلى الممكن والمخلوق، وأخرى بالنسبة إلى إمكانه بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى: –

أما بالحث من الجهة الأولى:- وهو كون الكلام النفسي ممكناً بالنسبة إلى المخلوقين فيدل عليه وجدان كل أحد، لأنا نرى أنَّ كل خطيب إذا يريد أن يصعد إلى المنبر يصوّر كلماته في ذهنه ويكلّم بها نفسه ليمارس بها ثم يصعد ويقولها، هذا كلام نفسي، فكل عاشق بالنسبة إلى معشوقه خصوصاً إنَّ كان العشق تاماً دائماً يتكلّم في نفسه مع معشوقه ولو في أثناء الصلاة، فهو يتكلّم في نفسه ويخاطب معه بالوجدان، فالوجدان يدل عليه، وهذا غير العلم وغير التصوّر وغير العزم والارادة، فكل مظلوم دائماً في نفسه يشتكي من ظالمه إلى الله ويتضرّع إليه بأنحاءٍ من الكلام، فأصل المحادثات النفسية والأحاديث النفسية ثابتةٌ لكل أحدٍ بالوجدان، وقد اصطلحوا على هذا بالكلام النفسي، فكل مهندس قبل شروعه في عمله يتصوّر عمله ويصمّم مسائله ثم ينظّم هذا العمل بنفسه ويقول إن كان كذا فكذا وكذا وهذا عبارة عن الكلام النفسي، فجميع الأحاديث النفسية الحاصلة في الأذهان البشرية من الكلام النفسي ولا إشكال فيه من عقلٍ أو نقل.

نعم صاحب الكفاية أشكل على الكلام النفسي: – بأنا إذا رجعنا إلى وجداننا لا نجد غير العلم والتصور شيئاً آخر نسميه بالكلام النفسي؟، هذا غاية الاشكال منه على الكلام النفسي.

ونحن نقول: – كما تقول في الأحاديث النفسية التي هي حادثة لغالب البشر ولهذه النفس، فالأحاديث النفسية بالوجدان هي غير التصور وغير التصديق وغير الارادة وإنما هي كلمات في النفس، فنفس الانسان يخاطب بها نفسه ويكون هو المخاطب وهو المتكلم في آن واحد، فإن كان مراد الأشعريين بالكلام النفسي الأحاديث النفسية في الممكنات فهذا صحيح ولا إشكال فيه.

وأما الجهة الثانية:- وهي ثبوت الكلام النفسي لله جلّ جلاله بعد أن اثبتنا أنَّ الكلام من صفة الفعل وخارج عن مرحلة الذات بالدليل العقلي وبالدليل النقلي ولا يتصور الكلام النفسي في مرتبة الذات أصلاً وأبداً، فهو باطل، فبعد أن قلنا إنَّ أصل الكلام من صفة الفعل وخارج عن مرتبة الذات لا يعقل الكلام الحادث المؤلف من الحروف في مرتبة الذات أصلاً، نعم يمكن تصوير الكلام النفسي بالنسبة إليه تبارك وتعالى أنَّ التكلم منه تبارك وتعالى حادث ممكن وكل ممكن مسبوق بالقضاء والقدر فالقضاء والقدر بالنسبة إلى التكلم اسموه بالكلام النفسي ولا مشاحة في الاصطلاح، فالظاهر أن مرادهم هو هذا ولكنهم لم يلتفتا إلى جهته، التكلم منه تبارك وتعالى حادث بلا إشكال عقلاً ونقلاً وكل حادث مسبوق بالقضاء والقدر، وقد اصطلحوا على تقدير الكلام وقضاء التكلم بالكلام النفسي، ولا بأس بهذا الاصطلاح ولكنه سوء أدب بالنسبة إليه تبارك وتعالى. هذا خلاصة القول في الكلام النفسي.

ومن فروع الكلام النفسي المسألة الحاثة في أوائل الاسلام خلق القرآن وعدم خلق القرآن: – فذهب جمعٌ منهم إمام الحنابلة إلى أنَّ القرآن غير مخلوق، وذهب جمع كثير منهم إلى أنَّ القرآن مخلوق، والبحث فيه تارة بحسب الآيات الكريمة وأخرى بحسب الأدلة العقلية: –

أما الآيات الكريمة: – قال جل جلاله: – ﴿ ما يأتيهم من ذر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ﴾، فصرَّح جلَّ جلاله بلفظ المحدَث، والمراد من الذكر هو القرآن والآيات القرآنية، فهذه الآية الكريمة نصٌّ في أنَّ القرآن محدَثٌ وكل محدث مخلوقٌ فالقرآن مخلوق، وفي آية أخرى قال تعالى:- ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا وهم عنه معرضون ﴾، فصرَّح جلَّ جلاله في آيتين من الكتاب العزيز بلفظ الحدوث، وكل حادث مسبوقٍ بالعدم ومخلوقٌ، فالقرآن مخلوق، ويكفينا هذا.

وأما الدليل العقلي: – فلا ريب أنَّ للقرآن العظيم مراتب من الوجود ومراتب من النزول ومراتب من الشعور، أما مراتب الوجود: –

فأوّل مرتبة وجود القرآن: – فهي العلم الاحاطي الذي هو عين ذات الباري بجميع مخلوقاته، فالعلم عين ذاته، وهو في مرتبة ذاته بذاته الأقدس، يعلم حدوث آدم وهبوط آدم وبعثة رسول الله والقرآن وظهور المهدي ويوم القيامة وحركات أهل الجنة والنار في عرضٍ واحد وإنما الاختلاف والتركّب في المعلوم لا أن يكون في العلم، فالقرآن موجودٌ في العلم الأزلي بلا إشكال، ومراد إمام الحنابلة ومن يتبعه أن يقول بعدم القرآن وأنه غير مخلوق هل يكون مراده هذا العلم أو غير هذا العلم؟ فإن كان مراده بأنَّ القرآن غير مخلوق أي العلم الأزلي الذي تعلّق بالقرآن قبل إيجاد العالم فيلزم أن نقول بأنَّ جميع الأشياء غير مخلوقة لفرض تعلّق العلم الأزلي بجميع الأشياء، وهذا واضح البطلان لا يتفوَّه به جاهل فضلاً عن عالم، وإنما هذا مرتبة من الوجود فلا يعقل أن يكون المراد غير مخلوق في هذه المرتبة لأنَّ جميع الموجودات والممكنات معلومة في هذه المرتبة فيلزم أن تكون جميعها مخلوقة.

وأما المرتبة الثانية من وجود القرآن الكريم: – فهي ما أخبر به جل جلاله في قوله: -﴿ بل هو قرآن مجيد في لوحٍ محفوظ ﴾، نزل القرآن بتمامه من أوّله إلى آخره إلى اللوح المحفوظ وهو موجودٌ في اللوح المحفوظ، ولا ريب ولا إشكال في أنَّ اللوح مخلوق وكلمات الله تعالى أيضاً مخلوقة، فإن كان مرادهم بأنَّ القرآن غير مخلوق في هذه المرتبة من الوجود فهو مخالف للأدلة العقلية والشرعية الدالة على أنَّ ما سواه مخلوقٌ من الملك والفلك واللوحين أي اللوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات، فهذا أيضاً يخالف الأدلة العقلية والنقلية.

وأما المرتبة الثالثة من وجود القرآن: – فهي نزوله على نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ إنا أنزلناه في ليلية مباركة ﴾، ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾، فهل يكون مراد إمام الحنابلة ومن تبعه بأنه غير مخلوقٍ في هذه المرتبة من النزول فهذا مخالف لصريح القرآن.

فلا وجه معقولٌ لما نسب إليهم من أنه غير مخلوق، نعم عن بعض العامة في كثيرٍ من كلماتهم أنَّ المخلوق يطلق في اللغة على أمرين، الأول ما يكون حادثاً ومعلولاً، أي يكون مخترعاً واختراعياً وتجعلّياً فيقال فلان اختلق الحديث وجعل الحديث، فصحّحوا قول إمامهم بأنَّ مراده من أنه غير مخلوق أي غير مفترىً على الله جلَّ جلاله، وهذا التوضيح قطعاً لا ينفعهم، لأنهم يجعلون القرآن من الأمور القديمة وهذا التوضيح أجنبي عن ذلك.

هذا بعض الكلام في هذه المسألة، وهناك مباحث كثيرة جداً لا يسع المقام بالتعرض لها.

والبحث يقع في المسألة التي هي الداهية العظمى في كل مذهبٍ وملَّة من أوّل هبوط آدم إلى زماننا هذا: – وهي مسألة الجبر والتفويض، والبحث فيها من جهات.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"