1. الرئيسية
  2. /
  3. الدروس
  4. /
  5. الدرس الخامس و الرابعون

الموضوع: بحث الأصول – مباحث الألفاظ – مبحث الخاص والعام –  أقسام الشبهة  .

الشبهة أقسام أربعة: –

القسم الأول: – ما اصطلحوا عليه بالشبهة الحكمية، والشبهة الحكمية عبارة عمّا إذا كان نفس الحكم الواقعي مشتبهاً لدى المجتهد، فبعد الفحص والاجتهاد فلو تفحص واجتهد ولم يصل نظره إلى الحكم الواقعي فهذا هو المصطلح عليه بالشبهة الحكمية، وفي الشبهات الحكمية مطلقاً الأصوليين والمعروف بين الفقهاء أنَّ المرجع إلى البراءة سواء كانت وجوبية أو تحريمية، ففي وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة حيث أنَّ أصل الوجوب العيني مشكوك فالمعروف بين الأصوليين والاخباريين البراءة عن الوجوب العيني، واتفق الأصوليون والاخباريون على الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكمية الوجوبية، ودليلهم واضح من العقل والنقل، أما العقل فقبح العقاب بلا بيان، وأما النقل فالحديث المتواتر بين الفريقين ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون )، والشبهة الحكمية التحريمية يمثلون لها بمثل شرب الدخان، فعن جمع أنه حرام وعن آخرين أنه مباح، والمعروف بين الأصوليين الرجوع إلى البراءة فيها أيضاً، ولكن جمع من الاخباريين وعن جمع كثيرٍ من العامة منهم الحنابلة الرجوع إلى الاحتياط وهذا من مناشئ الفرق بين الاخباري والأصولي، فالأصوليون في الشبهات الحكمية التحريمية يرجعون إلى البراءة العقلية والنقلية والاخباريون بأجمعهم يذهبون إلى الاحتياط للأخبار الدالة على الاحتياط، وسيأتي التقسيم في مسألة الأصول العملية إن شاء الله تعالى، هذه هي الشبهة الحكمية ولا ربط بها بمسألة العام والخاص أصلاً وأبداً.

القسم الثاني من الشبهات:- ما اصطلحوا عليه بالشبهة المفهومية، والشبهة المفهومية عبارة عن ما إذا كان الحكم الذي وصل إلينا من الشارع متعلقه مردد بين شيئين أو أكثر وله نظائر كثيرة في الفقه من أوله إلى آخر ففي مسألة الفريضة التي تخرج في الزكاة ورد لفظ الجزع حيث قيل يجزي الجذع والجذع مردد بين أن تتم له ستة أشهر أو أربعة اشهر أو ثمانية أشهر أو سنة كاملة أو سنتان، وكذا في مسألة الهدي في حج التمتع إنما يجزي الجذع هل المراد به الغنم الذي تمت له أربعة أشهر أو ستة أو ثمانية والمسألة مذكورة في محلها، وكذا مثل لفظ البكاء فعن أبي عبد الله عليه السلام عن البكاء في الصلاة فقال:- ( إن كان من ذكر جنة أو نار فبخٍ بخ له واذكرني عنده وإن كان من ذكر ميت تبطل الصلاة، ثم قال:- ما بكى باكياً في أمة إلا لرحموا به وكل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة عين بكت من خشيت الله وعين عضت عن محارم الله وعين باتت ساهرة في سبيل الله )، والفقهاء قدس الله أسراهم اختلفوا في أنَّ البكاء المبطل للصلاة هل هو عبارة عن مجرّد خروج الدمع أو أنه عبارة عن البكاء مع الصوت؟، هذه شبهة مفهومية وقد فصّل القول فيها.

ويلحق بالشبهة المفهومية اختلاف نسخ الحديث الواصل إلينا، وعن العامة والخاصة عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه الصلاة والسلام أنه قال: – ( من جدّد قبراً أو مثل مثالاً فقد خرج عن الاسلام )، والحديث مذكور في كتب الفريقين ولكن متن الجملة الأولى قرئ بأنحاءٍ أربعة  ( من جدَّد قبراً  ) أو ( حدَّث قبراً ) أو ( جدّث قبراً ) أو ( حدَّد قبراً )، فهم اختلفوا في متن الحديث بهذه الأقوال ودرسوها بكل نحو منها، وهذا ليس بنفسه من الشبهة المفهومية، لفرض أنَّ مفهوم كل واحد من هذه التعبيرات واضحة ولكنه ملحق بالشبهة المفهومية فالحديث ساقط عن الاعتبار من حيث صدره لعدم وضوح مراده.

هذا في الشبهة المفهومية مورد البحث في العام والخاص، فإذا كان الخاص مجملاً من حيث المفهوم فهذا داخل فيما نحن فيه.

القسم الثالث:- ما اصطلحوا عليه بالشبهة الموضوعية وهي أيضاً كثيرة في جميع أبواب الفقه، فإذا شك شخص في أنَّ ثوبه متنجس أو لا أو أنه هذا الشيء حرام أو لا وهذا الشيء طاهر أو لا وهذه المرأة التي يريد تزويجها أجنبي أو من أرحامه فهنا تري أصالة الحلية والاباحة والطهارة في جميع ذلك، ومن أعظم أبواب سعة رحمة الله جل جلاله جريان الأصول في هذه الشبهات الموضعية ولولاها لاختل النظام من أوّله إلى آخره، وهذا أيضاً متفق عليه بين جميع علمائنا من أصوليهم واخباريهم، فإنَّ الاخباريين أيضاً وافقوا الأصوليين في الشبهات الموضوعية بأجمعها من الرجوع إلى البراءة وعدم الرجوع إلى الاحتياط.

القسم الرابع: – ما هو مورد البحث في المقام وقد اصطلحوا عليه بالشبهة المصداقية، والمراد بالشبهة المصداقية ما إذا علم الحكم بالخصوص من تمام الجهات ولكن مورداً من موارد موضوع الحكم ومصداقه مردّد بين فردين نعلم بخروج أحدهما من تحت العام ودخول أحدهما تحت العام فهل يجوز التمسك بالعوم في ذلك أو لا؟ فإذا قال أكرم العلماء إلا زيداً وزيد مردد بين زيد بن عمر وزيد بن خالد ولا ندري أنَّ هذا زيد الموجود في المقام هو ابن عمرو أو ابن خالد فالمفروض أن أحدهما داخل تحت العام والآخر داخل تحت الخاص فهل يجوز التمسك بإطلاق أكرم العلماء لوجوب اكرامه أو لا؟، هذا هو مورد النزاع في المقام.

فعن جمعٍ أنه يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فإذا شككنا في أنَّ هذا الفرد هل هو داخل تحت العموم أو داخل تحت دليل الخاص قالوا نتمسك بالعموم وندخل الفرد المشكوك في حكم العام، واستدلوا على المدعى بأمور: –

الأمر الأول: – إنَّ المقتضي للتمسك بالعموم موجود والمانع منه مفقود فيشمله العام بلا كلام، أما المقتضي فعبارة عن العموم والمفروض أنَّ العموم ثابت حيث قال أكرم العلماء، فلا إشكال في ثبوت المقتضي وهو ظهور العموم في العام والمانع مفقود ولو بالأصل، فنحن نشك أن هذا الفرد الخارجي هل خرج من تحت العموم بالتخصيص أو لم يخرج فأصالة عدم التخصيص بالنسبة إليه جارية، فالمقتضي للتمسك بالعموم موجود والمانع عنه مفقود.

وهذا دليلهم الأول مردود: – لأنَّ المقتضي موجود بلا إشكال لفرض ظهور اللفظ في العموم والعموم حجة بلا إشكال، ولكن قولكم إنَّ المانع مفقود هو باطل، لأنَّ المانع هو التخصيص، فإن تمسكتم بأصالة عدم التخصيص فأصالة عدم التخصيص إما هي من الأصول العقلائية أو من الأصول الشرعية، فإن كان هذا الأصل من الأصول العقلائية فلابد وأن نرجع إلى بناء العقلاء من أنهم حين الشك في الموضوع هل يجرون هذا الأصل أو لا، ومع عدم جريانه لا وجه للتمسك بأصالة عدم التخصيص، وإذا رجعنا إلى بناء العقلاء في نظير الموارد – فيما إذا شكوا في أنَّ فرداً هل هو داخل في العموم أو أنه خارج عنه – فهم لا يتمسكون بأصالة عدم التخصيص في مثل المورد، فإما أن نعلم أن بناء العقلاء على عدم اجراء أصلة عدم التخصيص أو نشك في أنَّ بناءهم على الجريان أو لا أو نعلم بأنهم يجرون أصالة عدم التخصيص هنا فلا يجوز التمسك بهذا الأصل في القسمين الأولين، فلو علمنا بأنهم لا يجرون اصالة عدم التخصيص في المقام فلا وجه لإجرائه إذ المدرك هو السيرة العقلائية وبناء العقلاء، ولو شككنا في أنهم يجرون هذا الأصل أو لا فليس لنا أن نتمسك به لما أثبتناه في محلّه من أنه في الأدلة اللبّية كالإجماع وبناء العقلاء وسيرهم لابد من الاقتصار على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ما إذا علمنا بأن العقلاء في الشك في الموضوع في مثل المورد يجرون أصالة عدم التخصيص وهذا العلم لا يحصل لأحد.

وأما إذا كان مدرك أصالة عدم التخصيص في المقام الأصل الشرعي أي استصحاب عدم التخصيص بالنسبة إليه فهو أيضاً لا يجري لما أثبتناه في محله من أن الأصول مطلقاً لا تجري في أطراف العلم الاجمالي.

فقولكم إنَّ المقتضي موجود صحيح، وأما قولكم إنَّ المانع مفقود فهذا الجزء من هذا القول باطل، فلا يتم الدليل.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"