1. الرئيسية
  2. /
  3. الدروس
  4. /
  5. الدرس التاسع والعشرون

الموضوع:بحث الأصول – مباحث الألفاظ –  المطلق والمقيد  .

إذا راجعنا مورد استعمال المطلقات مطلقاً في الكتاب والسنَّة والمحاورات نرى أنَّ حقيقة الاطلاق متقوّمة بالشيوع، فكلما أطلق لفظ المطلق في أي لغةٍ وفي أي موردٍ يتبادر منه الشيوع، ونستفد من ذلك أنَّ الاطلاق حقيقة في الشيوع بنحو الجملة والتفصيل، فإذا كان الاطلاق اطلاقاً جنسياً كالماء والنار وكذا أو اطلاقاً فردياً فيدل الشمول، فحيث أنه يتبادر من موارد استعمال الألفاظ المطلقة ففي موارد استعمال لفظ الاطلاق أيضاً الشيوع نقول أنَّ الإطلاق لهذا اللفظ حقيقة في الشيوع، وهذا صحيح لا إشكال فيه.

نعم الشيوع على قسمين، شيوع في جنسه، وشيوع في فرده، فأسماء الجناس والألفاظ التي وضعت للأجناس شائعة في البين كالماء والنار وما شاكل ذلك، والفرد المطلق شائع في فرده كهذا الفرد وذاك الفرد وذاك الفرد، فحيث لا تعيّن في مثل لفظ الماء ولا تعيّن في مثل لفظ رجل يتعيّن الاطلاق لفرض عدم تعين الفرد، فما ذكروه من القول في تعريف الاطلاق ( ما لا تعيّن فيه ) صحيح لا إشكال فيه، تعييناً فردياً، أو قولوا ( إن الاطلاق هو الشايع والشيوع سواء كان في جنسه أو في فرده ) فهذا أيضاً صحيح، وقد اختلفت بعبارات الأعلام في تعريف المطلق في التعريف السلبي وقالوا أنه ما لا تعيّن فيه وهذا صحيح، وعن جمعٍ آخر عرفوه بالتعريف الايجابي الشايع في جنسه أو فرده، وهذا الميزان عبارة أخرى عن هذا المعنى السلبي وهما متلازمان.

الجهة الأخرى:- الاطلاق حيث قلنا أنه بنحو الشيوع ومتقوّم بالشيوع فالعام أيضاً هكذا، قلنا إنَّ العام بنحو الشيوع وبنحو السريان والمطلق أيضاً هكذا، ففي جوهر معنى الشيوع لا فرق بين الاطلاق وبين العام، فالعام أيضاً شايع والمطلق أيضاً شائع في هذا المعنى شائع وإنما الفرق في المعنى والألفاظ الخاصة، فللعام ألفاظ خاصة تعرضنا في بحث العموم والخصوص، وللمطلق والمقيد الفاظ خاصة يأتي التعرض لها فيما بعد، ففي كيفية الشيوع والسريان لا فرق بينهما لفرض أنَّ العام هكذا والمطلق أيضاً هكذا، وخصوصية البدلية ونحو ذلك تستفاد من القرائن الخارجية، فالبدلية الصدورية في المطلق تستفاد من لفظ التنويع على ما ذكره علماءنا الأعلام، مثل ( وجاء رجل من أهل ثمود )، فهذه البدلية تستفاد لأجل ثمود، وإلا فذات الرجل بمعنى المبهم منطبقة على الفرد كما أنا قلنا أنَّ ذات العام بمعنى الرجل المطلق الشامل للجميع، فالجامع بينهما إنما هو حيثية الثبوت أما عنوان البدلية والمجموعية لابد وأن يستفاد من القرائن الخارجية.

أمرٌ آخر: – قد تعرضوا في الأصول وفي العلوم الأدبية وأحوال الخلقة والأنساب، فالعام والخاص والمطلق والمقيد والحقيقة والمجاز تعرضوا لهذه الأحوال في الأصول مفصلاً وفي علم المعاني والبيان أيضاً، فإذاً نبحث عن جميع هذه الأفراد العموم والخصوص والاطلاق والتقييد والحقيقة المجاز بل التثنية والجمع أيضاً من أحوال المعاني أوّلاً وبالذات وتعرض على الألفاظ بالعرض، أو أنه جميع هذه الأحوال من أحوال الألفاظ أولاً وبالذات وتعرض على المعاني ثانياً وبالعرض؟، وهذه المسألة وجدانية، فإذا رجعنا إلى الوجدان فكل متكلّم إذا رجع إلى وجدانه يرى أنَّ المعنى هو المقصود أولاً وبالذات وهو الذي يدور عليه الخطاب بين المتكلم والسامع، فجميع هذه الألفاظ من المفرد والتثنية والجمع والحقيقة والمجاز والاطلاق والعام والخاص أولاً وبالذات من صفات المعاني ولمكان الوحدة بين اللفظ والمعاني تسري صفات المعاني إلى الألفاظ وصفات الألفاظ إلى المعاني، فهذه كلها بحسب الوجدان ومقام التفهيم والتخاطب أولاً من صفات المعنى، فنقول معنىً عام ومعنىً خاص ومعنىً مطلق ومعنىً مقيد والتثنية والجمع بحسب المعنى، ويتصف بجميع هذه الأحوال بالنسبة إلى الألفاظ بالعرض والمجاز لمكان الوحدة بين الألفاظ وبين المعاني، وقد أثبتوا أنه الوحدة الوجودية بين الألفاظ وبين المعاني ثابتة بحيث نسري قبح صفات أحدهما إلى الآخر وحسن صفات أحدهما إلى الآخر، ولا ثمرة عملية بل ولا ثمرة علمية في أن نثبت أنها من صفات المعاني أولاً وبالذات ثم تتصف اللفاظ بها أو من صفات الألفاظ أولاً وبالذات ثم تتصف المعاني بها، لأنه لا إشكال وخلاف بين جميع العلماء وأهل المحاورة أنه يصح أن نقول لفظٌ مطلق ولفظٌ مقيد كما يصح أن نقول معنىً ومعنىً مقيد، فسواء أردت أن تضيف الاطلاق والتقييد إلى المعنى أولاً وبالذات وإلى اللفظ ثانياً وبالعرض أو بالعكس، إذ ليس في المجال ثمرة عملية بل ولا علمية، وقد أطالوا القول في ذلك في العلوم الأدبية، والحق أنه لا داعي له، لأنَّ الوجدان يشهد بأنَّ كل منهما متصف بجميع هذه الأحوال سواء قلت أنَّ هذا بالذات وذاك بالعرض أو قلت بالعكس فليس فيه ثمرة.

أمرٌ آخر: – قلنا في مبحث العام والخاص أنَّ العموم والخصوص من الأمور الاضافية، فكم من عام هو خاص من جهة وكم من خاص هو عام من جهة أخرى، فيصح اتصاف شيءٍ واحد بالعموم من جهة واتصافه بالخصوص من جهة أخرى، هذا هو شأن الأمور الاضافية، لأنَّ معنى الأمور الاضافية تغييرها بخصوصيات الاضافات، وكذا في الأحكام المقدسة الإلهية يمكن أن يتصف شيء واحد بالحرمة من جهة وفي حالة وبالوجوب من جهة أخرى، لأنَّ جميع الأحكام اعتباريات واضافيات والاعتباريات والاضافيات تختلف باختلاف الخصوصيات الموارد، فنقول بعيّن هذا الكلام فيما نحن فيه، فنقول أنَّ المطلق والمقيد من الأمور الاضافية، فيمكن أن يكون شيئاً واحداً من حيثيةٍ مطلقاً وعين هذا الشيء من حيثيةٍ أخرى هو مقيد، وهو واقع في المحاورات ولا إشكال فيه، فمثل الاطلاق التقييد والعام والخاص وجملة من الأحكام هي من الأمور الاضافية والاعتبارية التي تختلف باختلاف الاضافات والخصوصيات، والجهات.

أمرٌ آخر: – المعروف بين محققي الاصوليين من المتأخرين ومشايخنا من قاربهم أنَّ المطلق عبارة عن الما بشرط المقسمي، وقد تعرضوا لذلك في كتبهم كما تعرض له صاحب الكفاية أيضاً، ولابد من البحث في هذا الأمر من عدة جهات: –

الجهة الأولى: – إنَّ اللا بشرط عندهم – أي عند  المتكلمين الحكماء والأصوليين – إنه لا بشرطٍ قسمي ولا بشرط مقسمي، فهذا الأمر حيث إنه من الأمور الاعتبار إذا لاحظنا الماء أو الرجل أو نحو ذلك فإنه يتصور فيه لحاظات كثيرة، اللحاظ الأول أن يلحظ الماء بشرط البرودة أو الحرارة أو نحو ذلك، وقد اصطلحوا على هذا بلحاظ الشيء بشرط شيء، فبشرط شيء في اصطلاحهم عبارة عن أن تلحظ الطبيعة بشرط أن يكون معها شيء آخر ملحوظٌ، فنحن لاحظنا الماء بشرط الحرارة فاصطلحوا عليه بالطبيعة بشرط شيء أي على الماء بشرط الحرارة، وهذا اعتبار صحيح، والقسم الثاني ما إذا لوحظ الشيء بشرط لا، أي بشرط عدم شيء آخر معه، فنحن نلاحظ الماء وطبيعة الماء أن لا يكون معه شيء آخر أصلاً وأبداً، وقد اصطلحوا عليه بالماهية بشرط لا، أي لاحظنا الماء بشرط أن لا يكون معه شيء أصلاً وأبداً، القسم الثالث ما اصطلحوا عليه بالماهية باسم اللا بشرط، نلاحظ الماء من دون ملاحظة الحرارة والبرودة وعدم ملاحظة الحرارة والبرودة، فاصطلاحهم المعروف في كتبهم الكلامية والحكمية بل الأصولية الماهية بشرط شيء والماهية بشرط لا والماهية لا بشرط، هذه اصطلاحات ثلاثة معروفة وفي زمان متأخري المتأخرين أدخلوا هذه الاصلاحات الثلاثة في علم الأصول وفي الفقه أيضاً، ومن موارد ادخال هذه الاصطلاحات الثلاثة هذا المقام حيث تعرضوا إلى أن المطلق عبارة عن الماهية اللا بشرط أي لم يلحظ فيه قيد، ثم إنَّ اللا بشرط على قسمين اصلحوا عليهما تارةً باللا بشرط القسمي وأخرى باللا بشرط المقسمي، فإذا قلنا أنَّ الماهية ثلاثة أقسام تارةً بشرط شيء وأخرى بشرط لا وثالثة لا بشرط فهذا عبارة عن اللا بشرط القسمي، والماهية التي هي مقسمٌ لهذه الأقسام الثلاثة لابد وأن تكون مجردّة حتى عن هذه اللا بشرطية، لما أثبت الكل في محلّه من أنَّ المقسم لابد وأن لا يكون متخصّصاً، فالمقسم مهمل من كل حيثية وجهة، وفي المقام لا بشرط القسمي إذا قسماً يكون متخصَّصاً والمقسم لابد وأن يكون مجرّداً عن هذا التخصص فاصطلحوا عليه عبارة عن اللا بشرك المقسمي، فحينئذٍ وقع النزاع بين المحققين حينما ما قالوا أنَّ المطلق هو اللا بشرط هل هو اللا بشرط القسمي أو اللا بشرط المقسمي؟

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"