1. الرئيسية
  2. /
  3. الدروس
  4. /
  5. الدرس التاسع عشر

الموضوع:بحث الأصول – مبحث الأوامر – الوجوب النفسي والوجوب الغيري.

لو دار واجب بين كونه نفسياً أو غيرياً يتصور فيه صور: –

الصورة الأولى: – ما إذا علمنا بوجوب فعلي ذي المقدمة، فلو كان واجباً غيرياً وكان ذي المقدمة واجباً فعلياً من كل الجهات، كما إذا كان معنى الزوال اختلفنا في أنَّ الطهارة الحدثية واجبة نفساً أو واجبة غيراً، فالمفروض أن ذي المقدمة واجب فعلاً من كل جهة فلا ريب ولا إشكال في وجوب الاثنين في البين، للعلم التفصيلي بوجوبه إما نفساً أو غيراً، وهذه الصورة نعلم بوجوب الاتيان إما لكونها الطهارة واجبة نفسياً أو لكونها واجباً غيرياً مع وجوب ذي المقدمة.

الصورة الثانية: – ما إذا علمنا بعدم جوب ذي المقدمة فعلاً، كما لو دار أمر شيء بين كونه واجباً نفسياً أو واجباً غيرياً مع العلم بأنَّ ذي المقدمة لم يجب فعلاً، فنفس المثال الذي ذكرناه قبل الزوال وقبل دخول وقت الصلاة، فقبل الزوال شككنا أنَّ الطهارة الحديثية واجبة نفساً أو غيرياً والمفروض أنه لو كانت واجباً غيرياً لا تجب لعدم دخول وقت الصلاة بَعدُ، وفي هذه الصورة يكون الشخص مرخصاً في تأخير الطهارة لأصل البراءة عن الوجوب النفسي عنها، فمقتضى أصالة البراءة حينئذٍ عدم الوجوب لكون الشك في أصل التكليف وعدم العلم به.

الصورة الثالثة: – ما إذا كان وجوب ذي المقدمة مشكوكاً، فنشك في كون شيء معيناً نفسياً أو غيرياً مع الشك في وجوب ذي المقدّمة أيضاً، ففي هذه الصورة نجري أصال البراءة عن الوجوب.

فصورة الشك في النفسية والغيرية ثلاثة يجب الاتيان بالمطلوب في صورة واحدة، وهي ما إذا علمنا بوجوب ذي المقدمة فعلاً بالعلم التفصيلي بوجوبه، وتجري البراءة في الصورتين وهي ما إذا علمنا بعدم وجوب ذي المقدمة أو شكننا في وجوبه فهنا تجري البراءة عن الوجوب، وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث الأصول العملية إن شاء الله تعالى.

البحث الآخر: – الواجبات الشرعية والأوامر الصادرة من الشريعة المقدسة على أقسام: –

القسم الأول من الأوامر: – ما إذا لم يسبق دليل الأمر قرينة ودليل دال على سقوط الأمر أولاً وبالذات بلا فقد شيء يدل على المنع عن الأمر، فقوله تعالى ﴿ أقيموا الصلوات وآتوا الزكوة ﴾ و ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وغير ذلك ما هو كثير، فهذه الأوامر أولاً وبالذات أتت من دون أن يسبقها قرينة عامة أو خاصة تدل على النهي عن المتعلَّق والمنع عنه، ولا إشكال ولا خلاف في أنّه يستفاد منها الوجوب على ما أثبتناه في المباحث السابقة.

القسم الثاني من الأوامر: – ما إذا سبقها ما يكون ظاهراً في المنع، ويسمى هذا باصطلاح الأصوليين بالأمر عقيب الحضر أو الأمر عقيب المنع، كقوله تعالى﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه شديد وصد عن سبيل الله … ﴾ ثم قال عزَّ وجل ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾، فصدر أمر مقدس بالقتل للمشركين بعد ورود الدليل على منع القتل، فيبحث فيه أن هذا الأمر ظاهر في الجواز بقرينة المنع السابق أو أنَّ الأمر ظاهر بالوجوب، والقاعدة الكلية التي أثبتها الأصوليون هي أنَّ الأمر بعد الحضر وبعد المنع هل هو ظاهر في الوجوب أو ظاهر في المباح؟، فعن جمع أنه ظاهر في الوجوب تمسكاً بظاهر الأمر حيث قالوا أنَّ الأمر ظاهر في الوجوب إلا أنَّ يدل دليل على المنع وليس في المقام ما يدل على خلاف الوجوب فالأمر يكون ظاهراً في الوجوب، وعن  آخر أن الظهور سقوط لقرينة المنع عن القتل فأولاً منع عن هذا الشيء ثم أمر بذلك فيكون الوجب ساقط بل يكون ظاهراً في الجواز جمعاً بين المنع السابق والأمر اللاحق، فإذا منع أولاً عن شيء ثم أمر به فيما بعد وجمعنا بين الصدر والذيل فمقتضى الجمع بينهما أنه يحكم بارتفاع المنع ومقتضى ارتفاع المنع هو الجواز، هذا قول الفريقين، ولكن إذا رجعنا إلى الاستظهارات اللفظية وجمعنا جميع الكلام من صدره وذيله فالأمر الوارد بعد المنع وبعد الحضر يكون مجملاً وليس ظاهراً بشيء من الوجوب ولا بشيء من الاباحة، لفرض أنَّ هذا الأمر مسبوق بالقرينة الموجبة للاجمال، فبعد أن منع عن شيء ثم أمر به فالمجموع من حيث الأمر والنهي يوجب إجمال الأمر بالنسبة إلى الوجوب وبالنسبة إلى المنع، فليس في البين  قاعدة كلية نستفيد منها سقوط الأمر لفرض سبق القرينة ولا توجد قاعدة لغوية يستفاد منها الجواز لأنَّ القاعدة الكلية ما إذا كان أهل المحاورة يعتمدون عليها والمفروض عدم اعتماد أهل المحاورة على هذه القاعدة، فإنَّ القرائن والقواعد على قسمين: –

القسم الأول: – ما إذا كانت القرينة عامة في كل موارد المحاورات، فهنا تكون القرينة معتبرة حينئذٍ، كما يأتي في مباحث العام والخاص والمطلق والمقيد من قرائن الحكمة، حيث أنَّ قرينة الحكمة قرينة عامة معتبرة، فقولنا أنَّ المتكلم في مقام البيان ولم ينصب قرينة خاصة على مراده فإنَّ أهل المحاورة يستفيدون الاطلاق من كلامه، وهذا يعبر عنه بالقرينة العامة يعني هي جارية في جميع الموارد، ولكن في المقام لا توجد قرينة عامة دالة على أن الأمر الوارد بعد الحضر ظاهر في الجواز بعد عدم اعتبار العرف على استفادة الجواز من هذا السياق وهذا التركيب، فالقرية العامة على استفادة الجواز في المقام مفقودة، والمفروض أنَّ القرينة الخاصة أيضاً مفقودة وحيث إنه ليس لنا استفادة الوجوب أو استفادة الجواز من الأخذ بالقرائن المعتبرة فلابد وان نرجع إلى الأصول العملية ومقتضى الأصل  أصالة البراءة عن الوجوب، فكل أمرٍ ورد بعد الحظر فإن كانت توجد في البين قرينة  تدل على الوجوب نأخذ بها وإن لم تكن  هناك قرينة خاصة دالة عل الوجوب يكون الكلام مجملاً وفي جميع موارد الاجمال لابد من الرجوع إلى الأصول العملية، ومقتضى الأصل في المقام عدم الوجوب.

القسم الثالث من الأمر: – ما إذا ورد الأمر في مقام توهم الحظر كما إذا سئل عن أن هذا الشيء يجوز أو لا يجوز فأجاب المولى أفعله، فقد وقع هذا الأمر في مقام توهم الحظر لأنَّ السائل عن حرمته وعدم حرمته، فهنا أيضاً الأمر ليس ظاهراً في الوجوب ولا ظاهراً في الجواز لفرض أنه ليست في البين قرينة معتبرة دالة على الجواز، وورود الأمر بعد توهم الحظر زاد في إجماله، ففي مثل هذه الصورة يحكم بإجمال الأمر فيرجع إلى أصالة البراءة إلا إذا قامت في البين قرينة معتبرة دالة على الوجوب أو دالة على الجواز.

وفي الصورتين الأخيرتين وهما فيما إذا وقع الأمر بعد المنع والحظر أو ورد الأمر بعد توهم الحظر ليست لنا قرينة عامة يمكن من خلالها استفادة الوجوب أو استفادة الجواز، فإن كانت هنا قرينة خاصة دالة على أحدهما نأخذ بها، وإلا تجري أصالة البراءة ومفادها ينطبق مع الجواز.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"